ALTERNATIVE READINGS OF WOMEN'S NAHDA DISCOURSES: CIVILIZATIONAL TAWHIDI PERSPECTIVES ON A THEME

PAPER PRESENTED AT THE INTERNATIONAL CENTENNIAL CELEBRATING THE QASSIM AMIN & WOMEN'S LIBERATION

CAIRO, EGYPT, OCTOBER 2001\HOSTED BY THE SUPREME COUNCIL FOR THE ARTS & CULTURE

 

خطاب المرأة في عصر النهضة : قراءة بديلة

د. منى أبو الفضل - أ. هند مصطفى 

    تمهيد :

        يلحظ المتابع لتطور حقل دراسات المرأة في الغرب -وبالتحديد الدائرة التي تعني بدراسة "المرأة في الشرق الأوسط"- سيادة توجه معين  فيما يتعلق بتحديد "هوية" المرأة التي يدرسها، وذلك خلال عقدي السبعينات والثمانينات ، ويمكن رصد هذا التوجه من خلال إلقاء الضوء على عدد من الببليوغرافيات الصادرة خلال  تلك الفترة1. حيث نلاحظ كيف اتجه تعريف هوية المرأة محل الدراسة بكونها عربية أو إيرانية أو تركية بالأساس . وذلك كانعكاس لهيمنة حقلي دراسات المناطق والأنثروبولوجي، بحيث تركز الاهتمام على الدراسة  الأنثروبولوجية لوضع المرأة في بعض البلدان العربية أو المسلمة (مثل تركيا أو إيران وغيرهما..). ذلك إضافةً لحضور الاهتمام بإنتاج الدراسات في الموضوعات الأكثر رواجاً عن المرأة طبقاً لأجندة الأمم المتحدة، مثل المرأة والتنمية والسكان والتعليم.

        لكن، ومع بداية عقد التسعينات2،  تغير هذا المدخل في التناول تغيرا كبيرا ، تزامن مع انتهاء الحرب الباردة وبروز أطروحة النظام العالمي الجديد ، وما تضمنه ذلك من إعادة النظر في الخريطة العالمية والتركيز على البعد الثقافيCultural Perspective  كمحور أساس لرسم تلك الخريطة ، وانعكست هذه التغيرات  في العنوان الذي حملته ببليوغرافيا شهيرة  صدرت عام 1997 ، وهي :

Michelle R. Kimball, Brabara R. Von  Schlegell, Muslim Women throughout the world : A bibliography (London: Lynne Rienner Publisher, 1997) 

وهكذا بدأ إعادة توصيف المرأة في المنطقة  بأنها المرأة المسلمة تحديدا 3.

     إن هذا التحول في الرؤية نحو إبراز الهوية الثقافية الإسلامية لنساء الشرق الأوسط قد عكس في واقع الأمر نوعا من التطور والنضج بما يرتقي من المرحلة الوصفية ، إلى مرحلة تنظيرية أكثر تعقيدا  تدمج الأبعاد الحضارية والتاريخية والاجتماعية، وتتميز بدرجة عالية من الوعي النقدي . وقد خضعت هذه الطائفة الجديدة من الدراسات لتأثير رافدين : الاستشراق بتحيزاته العرقية من ناحية، والحداثة بفرديتها المفرطة من ناحية أخرى.

( نحو طرح ثقافي بديل:

        من خلال الاستهلال السابق أردنا أن نؤكد أن منطلقنا الحضاري الثقافي في تناول موضوع المرأة لا يمثل بدعة أو ارتدادا إلى رؤى غير رشيدة ؛ و إنما هو اتجاه قائم حتى لدى الدراسات النسوية لتأكيد الهويات الثقافية المتعددة  للنساء في العالم ، وهذه المقدمة لم نقصد بها اكتساب شرعية الوجود على أرض البحث والمعرفة انطلاقا من أرضية غربية، و إنما أردنا إبراز التعدد في الرؤى لقضية المرأة من جانب، وأهمية البعد الثقافي في معالجة المرأة من جانب آخر .

       وما نطرحه هنا منظور مقابل يقف على الأرضية الحضارية ويستفيد من المنهجية الغربية ، لكنه في الوقت نفسه يتحرر من تحيزات الاستشراق ، ويستبطن منظومة معرفية تختلف كليا عن منظومة الحداثة التي تتعرض اليوم لأقسى أنواع النقد من التيارات ما بعد الحداثية . لقد وضعت الحداثة الإنسان /العقل في موقع المركز  منها ، وأعطته صفة الإطلاق ، وصرفت النسبية على ما عداه ، وهو الأمر الذي أفرزت نتائجه التمرد المابعدحداثي المتطرف على أي مركز ، والكفر بالعقل والإنسان.

      تنطلق  المنظومة البديلة التي نقدم دراستنا في إطارها من قاعدة معرفية تجد مركزها في الإله الخالق المطلق انطلاقا من فكرة التوحيد ، وتقوم على وحدة وتواصل الخبرة البشريـة العمـرانيــة عبر مســارات التنوع والتعـدد ،  وتستبطن رؤيـة تتكامل فيها أبعـاد الزمان والمكان ، وتتقاطع عندها محاور الغيب والطبيعـة والإنســان .  وهو ما نطلق عليه  جملة وإجمالا مصطلح و توصيف "المنظور الحضـاري" .  وحيث أن هذا المنظور الحضاري ، شـأنه شـأن أي منظور فكري أو فلسفي إنسـاني ، لا ينشــأ في فراغ  وإنمـا يتحـيز من خلال جملة من القيم والمدركات والمفاهيم والمعاني والدلالات الحســية والمعنويــة،   تشكل في جملتهـا شـبكة  "تحيزه" في إطاره الزماني والمكاني ، والتي  تمكن من توظيفه كمنظور فاعل و منتج  في مجاله وموضوعـه ، فإن المنظور الحضـاري من شــأنه أن يسـتبطن منظومــة معـرفيــة نوعيـة ، أي منظومـة من جنس شبكـة المفاهيم والمدركات والقيم التي ينطوى عليها ويدعمها -   والمنظومة المعـرفيـة التي ننطلق منهـا في المنظور الحضــاري الذي نتبنـاه نحن في مجال أبحاثنا ، إنما هي منظومـة  معـرفيــة جامعـة عاقـدة  (توحيدية المشــرب والمنطلق والمدار)  ،  تــقوم على رصيد منهـجي ومعرفي وقيمـي ، متسق بنيويا من خلال إطاره المرجعـي العاقد ، وفي وجهـته ومساره منفتـح : انفتـاحا رأســيا (بين عالم الغيب والشهادة ،حيث تأخذ  مصادره المعرفيـة  بالوحي والوجود) و كذا انفتــاحا أفقيــا (على "الآخـر" أي يتجاوز الخصوصية والذاتيــة ليأخـذ بســنة التفاعل والتحـاور عبر خبرة الأغيـار) . 

       و هـذا ما نطلق عليه المنظور الحضـاري الإسلامي ، بحكم اسـتنباطه و صياغته وتشـكله من مصـادر الخبرة الحضارية الإسلامية ، بعـد أن أعـدنا قراءتهـا في ضوء أصولها و مصادرها التأسيســية ، و اتخذنـا من القرآن الكريم أصلا يربطنـا بالوحي كرسالة هدي و بيان للإنســان على مدار الزمان والمكان ،  وكأصل يربط بين عالم الغيب في تقـاطعـه مع عالم الشهـادة  (وليس كوسيلة للخوض في عالم "الماورائيـات" أو الاحتكام الى الغيبيات والهروب الى الطوبويات بعيـدا عن مدار العمرانيـات)  ، والمنظور الحضاري بهـذا المعنى يســتمـد وصفه من "التوحيـد" كنسق أونطولوجي معرفي قيمـي، و ليس بالضرورة كانتمـاء "ديني" أو مذهبي أو مللي ، و من ثم النسق المعرفي نســق مفتوح ، متجاوز و مسـتوعب ، يمكن توظيفه في قـراءة التاريخ الإنســاني ، وعبر المجتمعــات والثقافات المتباينــة ، دون أن يقتصر على "المسلمين أو على تجربة أو تجارب مجتمعـات تنتمــي إلى الحوض الحضاري /التاريخي الإســلامي. 

 

        تهدف هــذه المقــدمــة إلى تحديد مصطلحات مستخـدمـة في تحديد الأرضيــة أو المنطلق الذي نعــمـد إليه في الحديث عن  "القراءة البـديلة"  التى نطرحهــا.   وفي مقــدمــة هذه المصطلحات : "المنظور الحضاري"  و"المعرفيــة التوحيديــة" ،  وهــي جزء من مشــروع فكري متكامل ، في ســبيله الى الصقل و البلورة عبر التوظيف والاختبـار في مجالات علميــة و فكرية وثقــافيــة مختلفــة ، و كأي مشــروع فكري، يظل قابلا للتعميق والتطوير من خلال التفاعل و التحاور مع الواقع، و مع غيره من المدارس والأطروحات التي تشكل المناخ المعرفي الحضاري المعاصر.  (و هـذا من سـمات "النســق المفتوح.(

 

 

 مــا هي القــراءة  البـديـلة ؟

 

"القــراءة البديلــة" التي تحاول الورقة تقديمها في هذا الإطار  ، هي قراءة تتميز بعدة سمات ، ذلك أنها قراءة واعيــة ، نقــديــة ، بنــّاءة ، هــادفــة ...

 * قراءة واعيـة : أي واعيـة بالمنطلقــات والأهــداف والغــايات .. قراءة تعــي أن وراء كل خطاب هـناك حـيز أو فضــاء يســتبطنـه هـذا الخطاب ، عن وعى أو دون وعى ، قاصدا أو دون ذلك ،  وهـو ما نطلق عليه "ما قبل المنـهج " ،  و هـذه المساحة المستبطنة هـي التى تحكم في النهاية مســارات البحث : تتحكم في الأجندة البحثيـة ، وتحدد المعـايير الحاكمـة في النظر والتنقيب ، فيما يتم إقصاءه أو استبعـاده ، و فيما نعتبره مهم أو  ذو دلالة حاكمـة أو يعنينا في واقعنا   relevant . إن كل "قراءة" تنطوي على عمليــات تصنيف وانتقـاء وفرز للمــادة المتاحة،  حتى قبل أن نبدأ في تطبيق منهج محدد في التناول أو في التحليل والتأويل أو ....الخ.  

    وجملة الفرضيات المستبطنة ، أو التصورات الكليــة ، أى مطويات الباحث في تحيزه الاجتماعي المعرفي (ولا نقول تحيزه الفكري المذهبي أو موقعه من الخطاب الأيديولوجي، ولا تحيزاته الذاتيــة) تشتمل عادة على ما يطلق عليه    worldview وعادة ما ترتبط صورة النظرة الإجمالية أو التأسيسية  للوجود لدى الباحث بالمنظومــة المعرفيـة الســائدة في عصر أو في حقل ما ، أو في كليها معـا ، وهو مما يعرف كذلك بالمنظومــة المهيمـنــة - dominant paradigm  - فالأجندة البحثيــة في مجال معين ، عادة ما تخضع مســبقــا لهــذه المنظومـة المهيمنـة ،  ومنهــا تســير على قضبان معلومـة مسبقــا ،  بما تحمله من مفاهيم و قيم تشكل  منطلقات وأطر و وجهة البحث . دون أن تعتمـد في ذلك كله بالضرورة على أسلوب أو مقترب أو منهاج بحثي معين .

 * القــراءة الواعيـــة  إذن ، هــي قراءة تكون على وعــي بهــذه البنيـــة القبْـليـٌـة ،  و من ثم تكون في موقع يسمح لها أن تتحرر من أسرها ،  فيمكن لها أن تتحرك من وراء "الخطوط الحمراء" أو عبر الحدود غير المعلنة التى تصطنعـها . فتتجاوزها و تحـدد بدايات ومنطلقات و مسارات مغايرة لها ، وتطرح أســئلة  غير معهـودة، فيتحرر مجال البحث وينفتح لفصائل جديدة من الظواهر أو المصادر التي "تسـتحق" النظر ،  فيمكن أن نخرج بغير القراءات المعهودة من نفس المـادة التي قـد تكون قد قتلت بحثا وفقـا للقراءات الســائدة .

 * القراءة الواعيـة بأبعـاد الخطاب المعرفيــة والعقــدية  هـي قراءة نقــدية ، قادرة على التفكيك والتجاوز ، تفكيك ما قبل المنهج  ، وتفكيك عناصر الخطاب ، وليس مجرد تحليل لنص خطاب.

 * القراءة البنـَّـاءة التى نعنيهــا هي قراءة تتجاوز القراءة التشــكيكيــة العــدميــة ،  التى جلّ هــّمها التقويض والهـدم ، أو تلك التي تتوخـى إثبات الذات من خلال مجرد النفي ، أو التي تحسس مواضع "الخروج" و"التمرد" ،  وهي لا تكون سوى قراءة إقصاء واختزال ، ,وإنمــا تســعـى القراءة البنــاءة  ، الوقوف على سـلبيــات الخطاب أو مواقع الخلل فيه ،  و ذلك للتجاوز وإعـادة البنــاء ، و ليس للإنتصار لموقف أو لاتخاذ النقــد كحـد النهايات.

 * والقراءة الواعية البنـاءة ، إضافة إلى اتســاعها للجــديد أو للريادة أو للإبـداع ، تكون قراءة هـادفــة :  غائيــة أو مقـاصديــة .

 * القراءة البديلة التى تتســع لوعــى متعــدد الأبعــاد ، تعــي في مقـدمـات ما تعــى ، أن مقومـات النقــد البنــاء الهادف لا يمكن أن تستقيم دون الوقوف على أرضيــة بديلــة  ، و أن مقتضيـات النقــد الرشيد لا تكتمل في غيبــة معــايير وكليات يمكن الاحتكام إليها ،  و أن آليــات التفكيك  إن أخذت مداهـا لا يمكن أن تكفل مقومات إعادة البنــاء ،  و إنه ما لم تتوازى و تتوازن العمليات التفكيكيــة للخطاب المتاح ، مع قابليـات تركيبيــة موازية ،  فالتفكك مآله إلى نزعــات فوضوية ، أو عـدمـية .. 

 

 * إن المنظومـة المعرفيــة المهيمــنة قـد تتيــح المجال لمداخل متنوعـة يمكن من خلالها ممارســة عمليات التفكيك ، للوعى النقــدي المتمرس ،  ولكنها لا تحمل من داخلها ، وفي معزل عن روافد من خارجهـا ، أن تقـدم مقومـات لإعـادة التركيب ، على نحو يخرجهـا من طاحونة العبثيــة  /  الدوائر المفرغـة (وتلك المقومات التي نتوسمها في الطرح الثقافي الذي نقدمه هاهنا).

 

على هذه الخلفية وبتلك المنهجية سوف تقوم الورقة بتقديم قراءة لخطاب المرأة في عصر النهضة في ضوء الظرفية التاريخية الاجتماعية للفترة ، قراءة تحررت من قيود "ماقبل المنهج" التي يحددها البرادايم المهيمن، محاولة أن تزيح الغطاء عن مناطق ورموز معينة تم تهميشها أو تجاهلها أو تغييبها في القراءات المعاصرة .

 

وفي هذا الإطار سيتم التركيز على عدة نقاط:

أولا : الكشف عن الدور الذي لعبته المرأة الشامية كجزء من مجتمع اتخذ من مصر مستقر له في  نهاية القرن الماضي ، وداخله بزغ أول خطاب يدعو لتحرير المرأة ، وذلك قبل ظهور دعوة قاسم أمين بسنوات عدة. مع بيان خصائص وسمات ذلك المجتمع ، وخصوصية الطرح النسوي الذي قدمه.

ثانيا : تلمس أبعاد الاختلاف بين خطاب المرأة في تلك الفترة ، والخطاب حول المرأة ، أو خطاب الرجل على وجه التحديد ، من حيث المنطلقات والأهداف ، وذلك مع مراجعة الفروق التي تحددها الأدبيات المعاصرة في ذلك الصدد ، و الكشف عن أبعاد أخرى لخطاب المرأة تم تغييبها في تلك الأدبيات .

ثالثا : الكشف عن رموز نسائية بعينها ، كانت لها إسهاماتها التي اشتهرت في حينها كجزء من النهضة بشكل عام ، ومع ذلك بقت طي التعتيم والنسيان في المراجعات المعاصرة ، وكأنها خارج إطار النهضة كما يحدد مفهومها البرادايم السائد.

 

=========

 

مجتمع الشوام : من بوابة "الدر المنثور":

      كانت مصر خلال القرن الماضي محطا للأصداء التي ماجت بها الدولة العثمانية ، ومحضن التيارات التي استمرت تشكل وعي النهضة في الحوض الحضاري الخاص بالشرق الإسلامي في هذه الفترة.

   ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تمايزت على الساحة الفكرية المصرية نخبة من المثقفين الشوام الذين نزحوا في فترات متقاربة إلى مصر وخاصة إلى مدينة الإسكندرية4 التي صارت مستقر لكثير منهم ، قادمين من سوريا (أو ذلك الإقليم الذي يضم اليوم دولتي سوريا ولبنان) ، هاربين من قبضة الحكم العثماني في مسقط رأسهم ، ومن الفتن الطائفية بين الطوائف المسيحية المختلفة.  وقد كانت مصر أحد ثلاث جهات ارتحل إليها الشوام هربا من تدهور الحال الاقتصادية ، وجحيم الفتنة الطائفية التي تجد جذورها في سياسة الدولة العثمانية "فرق تسد" ، وفي مطامع الدول الأوروبية التي نفخت في نار الفتنة كجسر للتدخل في الجسد العثماني المريض ونهشه بحجة حماية الأقليات الدينية5. وبجانب مصر  اتجه العديدين إلى الأمريكتين6 ، واتجه عدد قليل إلى فرنسا ، ومنهم من اتجه إلى فلسطين 7 . وقد تتلمذ هؤلاء المهاجرون في مدارس الإرساليات الأجنبية التي ارتأت دول أوروبا أنها الوسيلة الناجحة من أجل الوصول إلى غايتها في التغلغل الاقتصادي تحت حماية السلطة السياسية والقدرة العسكرية لها.

          نشد هؤلاء المهاجرون  في مصر روح التسامح السائدة فيها ومناخ الحرية الدينية والتعدد الذي تقنن في ظل وضعية نظام الامتيازات الأجنبية.

          وكان من أبرز هؤلاء نسل رائدي الإصلاح في الشام ؛ المعلم بطرس البستاني و ناصيف اليازجي ،  ومنهم سليم وأليس البستاني ، وإبراهيم اليازجي وأخيه خليل وشقيقتهما وردة اليازجي ، وابنيها سليم  ولبيبة شمعون ، وجورج باز زوج الأخيرة ، وكذلك فتح الله المراش وشقيقته مريانا المراش (وهي شاعرة حلبية ولدت في نفس العام الذي ولدت فيه وردة اليازجي 1838) ، وفرح أنطون شقيق روز أنطون وزوجها نقولا حداد . وغيرهم ممن ارتحلوا إلى مصر واستقروا فيها مع غيرهم.

       وقد أثرت هذه النخبة أيما تأثير في المناخ الفكري المصري ، حتى نجد أديباً لامعاً مثل المنفلوطي يقول في  عام 1908 حينما  قرر بعض الشوام العودة إلى مسقط رأسهم اثر عودة العمل بالدستور العثماني ، وتحت عنوان "أهناء أم عزاء" :

"فارق مصر على إثر إعلان الدستور العثماني كثير من فضلاء السوريين بعدما عمرا هذا البلد بفضائلهم ومآثرهم وصيروها جنة زاخرة بالعلوم والآداب ولقنوا المصريين تلك الدروس العالية في الصحافة والتأليف والترجمة ، وبعدما كانوا فينا سفراء خير بين المدنية الغربية والمدنية  الشرقية يأخذون من كمال الأولى ليتموا ما نقص من الأخرى وبعدما علموا المصري كيف ينشط للعمل وكيف يجد ويجتهد في سبيل العيش وكيف يثبت ويتجلد في معركة الحياة"8.

 وتعكس عبارة المنفلوطي أي وزن مثله المهاجرون الشوام على الساحة الفكرية المصرية خاصة في المجال الصحفي والأدبي ( وهو ما تشير إليه إحدى الدارسات من السوريين امتلكوا نحو 20% من الصحف والمجلات التي ظهرت في مصر قبل الحرب العالمية الأولى)9 ، كما تشير إلى دورهم الاتصالي بين الثقافتين الغربية والشرقية . والواقع أن الحديث عن المهاجرين الشوام ينصرف إلى الحديث عن مجتمع خاص له ظروفه وقواسمه المشتركة بدءا من نوعية التعليم التي تلقونها و الوضع السياسي/الاجتماعي في بلدانهم الأصلية  والذي شكل دافعا للهجرة ،  ثم حياتهم وعلائقهم البينية داخل مصر كوطن المهجر حيث تمصروا واستوطنوا ، مع استمرار الرابطة التي تربطهم بأوطانهم الأصلية حية نابضة. وسنحاول الآن أن نقترب أكثر من هذا المجتمع عبر بوابة تعد أحد العلامات الفارقة في تاريخ الإسهام الفكري النسوي في عصر النهضة ، ألا وهو الكتاب الموسوعة "الدر المنثور في طبقات ربات الخدور" ، الصادر عام 1321هـ.

         ونتوقف هنا مع الكتاب في محطات مختلفة تبدأ مع مؤلفته ، وتمر بتصديره والمقالات النسائية المختارة التي حرصت الكاتبة على إضافتها إليه، وانتهاء بالتراجم المتضمنة فيه ، فواضعة الكتاب هي  "زينب بنت علي بن حسين بن عبيد الله بن حسن بن إبراهيم بن محمد بن يوسف فواز العاملي" كما هو مسطور على غلاف الكتاب ، وتلى اسمها تعريفا موجزا يعكس حرصها على تسجيل جنسيتها المزدوجة، هو "السورية مولدا وموطنا المصرية منشأ وسكنا"10. وتنتمي زينب لعشيرة بني عامل وهم من الشيعة الإثني عشرية11 الذين عاشوا بجبل عامل وعانوا مثل غيرهم من الطوائف من سياسة قهرية تمييزية مارستها الأجهزة الإدارية العثمانية لسببين : الأول يعود لانعكاس الصراع الذي نشأ بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية الشيعية في إيران ، والثاني يعود للفروقات المذهبية والتعصب الديني حيث استصدرت فتاوى تحت ستار الدين من بعض علماء دمشق باستحلال قتال الشيعة وهدر دمائهم ، ورغم نزعتهم الاستقلالية التي عبروا عنها من خلال هيكلية الإدارة العثمانية -حيث كانت أراضى الدولة العثمانية مقسمة إلى ولايات و إمارات ومقاطعات جغرافية تراعي إلى حد ما التجمعات العرقية والديني- إذ حرصوا على أن يكون "المقاطعجي" الخاص بهم عامليا  على الدوام ، فهم لم يختلفوا عن غيرهم من مسلمي السلطنة في تطبيق السياسة العليا لدولة المسلمين رغم سمتها الإسلامية السنية12. وقد ظل الانتماء العاملي حاضرا لدى  زينب حتى أنها حرصت أن تضم ترجماتها ترجمة عن إحدى بنات أمراء الجبل (فاطمة بنت الأمير أسعد الخليل 1256-..) ، كما أن لزينب رواية تحمل اسم "حسن العواقب" تحكي فيها عن أحداث من جبل عامل.

           وقد  ولدت زينب في تبنين في جنوب لبنان عام 1860 وفي عام 1870 هاجرت مع أسرتها إلى الإسكندرية وشرعت تدرس القراءة و الكتابة على يد الأستاذ محمد شبلي ثم تلقت الصرف والبيان والعروض والتاريخ على يد حسن حسني باشا الطويراني صاحب صحيفة النيل التي تأسس عام 1891 . ثم أخذت الإنشاء والنحو عن الأستاذ محيي الدين النبهاني . وقد وضعت عدة كتب غير الدر المنثور منها مدارك الكمال في تراجم الرجال ، وكتاب الجوهر البضيض في مآثر الملك الحميد ، وهما غير مطبوعان، وكتاب الرسائل الزينبية ، وإلى جانب روايتها المذكورة ، وضعت أخرتين بعنوان "الملك كورش" و"الهوا والوفا".13

وتحرص زينب في تصدير "الدر المنثور" على الإشارة إلى الدور الرائد لبنات جيلها قائلة:

   "..بنات هذا العصر اللاتي تربين أحسن تربية وتعلمن العلم في المدارس العالية وصار لهن شهرة في هذا العالم الإنساني وإني لذاكرة بعض مقالاتهن في مقدمة هذا الكتاب ليعلم قراؤه أن عصرنا هذا نبغ فيه نساء لم يتقدمهن أحد من نوعهن في الأعصر الخالية وما ذلك إلا بإعطائهن حقوقهن من ذويهن الذين عرفوا الحق واتبعوه".14

وهي تسوق بعد هذا عددا من المقالات لسارة نوفل وهنا كوراني واستير أزهري وغيرهن.

       وسارة نوفل هي أخت هند نوفل ومساعدتها الأولى في تحرير مجلتها الرائدة "الفتاة" التي أسستها هند عام 1982 كأول مجلة نسائية مصرية على الإطلاق ،  وقد حطت عائلة هند وسارة في مصر قادمة من سوريا في سبعينات القرن التاسع عشر خلال حكم الخديوي إسماعيل (1863-1879) 15. وهما ابنتا نسيم أفندي - شقيق سليم نوفل - وكلا الرجلين أديب وعمل بالصحافة والترجمة في الحكومة المصرية ، وأمهما هي مريم النحاس (1856-1888) ، والأخيرة هي اسم اشتهر في حينه لارتباطه بكتاب متميز هو "معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء" ، ويتضمن الدر المنثور ترجمة لمريم تقول فيها زينب عنها :

"..درست في المدارس الإنجليزية مدة ثمان سنوات بين خارجية وداخلية ، وتعلمت اللغتين العربية والإنجليزية  مع التاريخ والجغرافيا والحساب والبيانو وأشغال الإبرة واقترنت بنسيم نوفل في عام 1872..وخلال سنة 1873 شرعت بتأليف كتاب عام  لإحياء ذكر بنات جنسها اللطيف وسمته كتاب معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء ، وهو يتضمن ترجم شهيرات النساء من الأموات والأحياء مرتبا على نسق القواميس الإفرنجية وقد أعلنت في أكثر الجرائد عن هذا المشروع المبتكر وصرفت باقي عزيمتها على الاشتغال به باذلة في سبيله كل ما أحرزته من الحلي والمجوهرات حتى لا يقال إن للرجال العلم والأدب وللنساء الجمال والذهب وريثما أصبح القسم الأول منه على وشك النهاية رفعته الى من اشتهرت بين بنات جنسها -مؤسسة المدرسة السيوفية في مصر القاهرة التي كان فيها نحو الثلثمائة تلميذة يغتذين من ألبان معارفها وآدابها -حضرة الأميرة جشم آفت هانم أفندي ثالث حرم سمو إسماعيل باشا الخديوي السابق فأفاضت عليه من نعم القبول ما حمل  مقدمته الى نشر جميل الشكر والامتنان في جريدة الأهرام الغراء ذاكرة ما وعدت به الأميرة من المكارم والإحسان. وفي يوليو سنة 1869 طبع بأمر دولتها مثال للكتاب يتضمن المقدمة وترجمة حياة الأميرة المشار إليها وتراجم بعض النساء الشهيرات غير أن سفر الجناب الخديوي السابق مع آل بيته الكرام إلى نابولي في تلك السنة أوقف السعي بإتمام القسم الثاني من تراجم الأحياء ، ومن ثم فإن الحوادث الغريبة التي أضاعت قسما من المعدات والصور التي حضرت لتزيين الكتاب اضطرت المؤلفة أن تصبر على مضض الأيام وفي صدرها حزازات من حكم الزمان ومن كساد بضائع الآداب في البلاد الشرقية . وهذه الأسباب والمسببات التي قضت بتأخير هذا الكتاب إلى حين من الزمن ما برحت تتردد مع الأيام في فكر المؤلفة حتى توفاها الله في صباح يوم الاثنين من شهر أبريل سنة 1888 بعد أن أوصت قرينها باتمام مشروعها الذي قضت بين محابرة ودفاتره مدة العمر".16

       أما استير أزهري مويال وهنا كوراني ، فاسمين يقرنهما غير هويتهما الشامية ، ترافقهما في تمثيل سوريا في معرض كولومبيا بأمريكا عام 1893 ، وكان معرضا نسائي دولي.

وقد ولدت هنا كوراني(1870-1898) في كفر شيما بلبنان  وتعلمت في عدة مدارس منها مدرسة الإرسالية الأمريكية ، و سافرت إلى الولايات المتحدة وتنقلت بين بعض المدن الأمريكية ثم سافرت إلى مصر حيث ساهمت بمقالاتها في الصحافة النسائية المزدهرة حينذاك17. أما استير أزهري (1873-1948) فهي سورية من عائلة يهودية وقد نزحت إلى مصر بعد فترة قصيرة من  زواجها بطبيب يدعى شيمون مويال ،  وأنجبا طفلا ذكرا أسموه عبد الله تيمنا باسم عبد الله النديم .والطريف أن استير اليهودية التي تلقت تعليمها في المدارس الانجليزية والأمريكية ، قد درَّست بعد التخرج في بيروت في كنيسة الإرسالية الإسكتلندية واتحاد المدارس الإسرائيلية وأدارت مدرسة المجتمع الإسلامي الخيرية للبنات.18

وقد أسست استير المجلة النسائية  الخامسة في مصر باسم العائلة عام 1899، وذلك  بعد ظهور كل من مجلة الفتاة (هند نوفل ، 1892) ، والفردوس عام 1896 ، لمؤسستها لويزا هابلين وهي سورية أيضا . ومرآة الحسناء (سليم سركيس ،1896) 19، وأنيس الجليس التي أسستها ألكسندرا أفرينو عام 1898 ، وكانت أفرينو المتحدثة الرسمية للحركة النسائية في مصر  في تلك الأثناء بل انها دعيت لحضور أول مؤتمر نسائي عالمى يعقد لنزع السلاح كممثلة لنساء الشرق كله (عام 1900) . وهي شامية أيضا ولدت في بيروت في نوفمبر عام 1872 لأسرة يونانية أرثوذكسية  ، وجاءت مصر عام 1886 ، وكانت لها علاقاتها القوية بالأسرة الحاكمة في مصر ، وتلقت عدد من الأوسمة من عديد من ملوك العالم منهم السلطان العثماني وشاه إيران والبابا.20

 

 

 

إرهاصات الخطاب النسوي :

     نعود مرة أخرى "للدر المنثور" والواقع فإن التوقف لدى هذا المؤلف بصفة خاصة يجد مرده فيما يمثله من أهمية وثقل على صعيد الكشف عن الوعي النسوي والإصلاحي لدى زينب في تلك الفترة المبكرة (1312هـ-1892م) ، إذ تقول في التصدير :

"أنه لما كان علم التاريخ أحسن العلوم وأفضل المنطوق والمفهوم كثرت رجاله واتسع نطاقه وانتشرت في الخافقين صحفه وأوراقه لأن أهل كل طبقة وجهابذة كل أمة قد تكلموا في الأدب وتفلسفوا في العلوم على كل لسان وخاضوا في بحر تاريخ كل زمان وكل متكلم منهم أفرغ غايته وبذل مجهوده في اختصار تاريخ المتقدمين واختيار المشهورين من السالفين وبعضهم ألف المطولات في ذلك حتى احتاجت إلى اختصار ولم أر في كل ذلك من تطرف وأفرد لنصف العالم الإنساني بابا باللغة العربية جمع فيه من اشتهرن بالفضائل وتنزهن عن الرذائل مع أنهن نبغ منهن جملة سيدات لهن المؤلفات التي حاكين بها أعاظم العلماء وعارضن فحول الشعراء  فلحقتني الحمية والغيرة على تأليف سفر يسفر عن محيا وفضائل ذوات الفضائل من الآنسات والعقائل وجمع شتات تراجمهن بقدر ما يصل إليه الإمكان وإيراد أخبارهن من كل زمان ومكان"21 .

  

        لاشك أن هذا الوعي النسوي الذي يدفع كاتبة من ذوات الخدور إلى وضع موسوعة يزيد عدد صفحاتها عن الخمسمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير لتسجل دور المرأة المغيب في التاريخ ، لهو وعي يستحق التأمل .

     ولم يتوقف إسهام زينب العاملي لدى هذا الكتاب بل وضعت كذلك الرسائل الزينبية (1906) وهي مقالات تشمل مباحث في المدافعة عن حقوق المرأة وتعليمها ، ويذكر عمر رضا كحالة في موسوعته "أعلام النساء" أن لزينب كتابا آخر وضعته عام 1325هـ بعنوان "مطالع البدور في محاسن ربات الخدور". وهو يورد نص مقالة لها بعنوان "الإنصاف" نشرت في صحيفة النيل (العدد 151 ، 18 ذي الحجة سنة 1309هـ)، وترد بها زينب على ما نشرته هنا كوراني التي علقت على طلب المرأة الإنجليزية حق الانتخاب ، بأن دخول المرأة مجال السياسة من شأنه قلب نواميس الكون ، ومما قالته زينب :

       "وما من أمة فشا فيها داء الكسل وسرت إليها علة الخمول إلا دمرتها وهدمت أركان عزمها ودكت حصون تمدنها ومما يؤيد لنا ذلك هو ما ظهر لنا من تقدم الغرب على الشرق في هذا العصر حينما عولج أهله وشفي جسمهم من داء الكسل والخمول فازدهى عصرهم على جميع العصور وفاق كافة الدهور إلى حد أنه صار النساء فيه يبارين الرجال ويشاركنهم في الأعمال وحيث قد أجمع السواد الأعظم منهم على أن الرجل والمرأة متساويان بالمنزلة العقلية وعضوان في جسم الهيئة الاجتماعية لا غنية لأحدهما عن الآخر فما المانع إذا  من اشتراك المرأة في أعمال الرجال وتعاطيها الأشغال في الدوائر السياسية وغيرها متى كانت جديرة تؤدي ما ندبت إليه وإلا فما فائدة تعلم المرأة الغربية جميع العلوم التي يتعلمها الرجال من فلسفة وحكمة ورياضة وهندسة  وتدريس القوانين السياسية إذا كانت لم تعمل بمقتضاها وتخدم النوع البشري وتعد من أعضاء الهيئة الرئيسية لأنها ما خلقت لكي لا تخرج عن دائرتها المنزلية"22..

وتقول:

 "وأما النساء اللواتي استحسن رفض هذا اللائحة فهن ولا مؤاخذة أحق باللوم من غيرهن لأنهن اخترت العزلة والكسل وفضلن البطالة على العمل ورضين بالفخفخة وجر الذيول على بساط الخمول ولو اجتهدن كأخواتهن لكن فعلن ما تقتضيه واجباتهن وكن أبدين ما عندهن من الحزم والرغبة في خدمة النوع والوطن وهو الأليق بهن إن لم يصادف نجاحا وعلى كل حال فإن مثابرة المرأة على طلب التقدم حتى تنال حقوقها لا يعد ذنبا عليها بل يفتخر بها مدى الدهر فتكون مذكورة بلسان الشكر على فتحها باب النجاح لأخواتها"23.

     وهذه الاقتباسات الأخيرة من مقال "الإنصاف" تذهب إلى أبعد من تأكيد الوعي النسوي لدى زينب ، إلى بيان الوعي الإصلاحي لديها الذي يحملها على حث النساء لخدمة "النوع والوطن" على حد تعبيرها. بعبارة أخرى هي كامرأة تنشد صلاح حال الأمة بمبادرة المرأة ذاتها كجزء من الإصلاح من ناحية، وكرائد من رواد الإصلاح من ناحية أخرى.

           وقد كانت لبيبة شمعون24 ابنة وردة اليازجي من تلك الطليعة الشامية التي شاركت في النهضة النسوية في تلك الفترة ومن أقوالها من مقال نشر بمجلة أنيس الجليس عام 1898:

"إذا تحدثت المرأة بشئون الدنيا الخطيرة مثل السياسة والحكم قالوا  إن هذا ليس من شأنها وأنها تتطلع إلى ما فوق مداركها ، وإذا شغلت ذهنها بالمعرفة وأرادت التوسع في المدنية وآدابها قالوا إنها تزاحم الرجال وتتعدى حد المنزل وشئون المعاش ، وإذا لبثت لا تعرف إلا منزلها قالوا أنها والحيوان سواء وإنها ينبغي لها التهذيب والمعرفة ، فتقف المرأة حيرى لا تعلم على أي جانب تميل والرجل الذي ينكر على المرأة مشاركتها له ومحاولتها الاقتداء به في التفكير إنما ينكر الفائدة العامة ويمنع الخير عن نفسه وبيته " وتضيف " ان الرجل الذي يظن أن المرأة متى تعلمت زاحمته هو عاجز ، والذي يعتقد أن في عمله الكفاية فهو بخيل ، والذي يتوهم في علم المرأة ضررا هو جاهل"25.

 

     عرف الفكر النسوي النهضوي تعددية ملموسة في الاتجاهات والرؤي لسبل ومسالك النهضة، فقد قدمت زينب العاملي طرحاً متكاملاً في قضايا تعليم المرأة وتعزيز وضعها وإسهاماتها المجتمعية، كما تعددت إسهامات الرائدات من الشوام ، منصبة على قضايا حياتية معينة ، مثل أهمية التعليم ، وقضايا الزواج والأزياء ، وبعض العادات الاجتماعية .. وغيرها ، وهي الأمور التي طرحتها بكثافة الصحافة النسائية التي ازدهرت بشكل غير مسبوق على يد عدد كبير من الرموز التي أشرنا إليها قبلا وغيرهم مثل  السيدة لبيبة ناصيف ماضي هاشم ، المارونية المولودة بكفر شيما بلبنان ، التي تتلمذت على يد الشيخ إبراهيم اليازجي26 في مصر ،  وقد أسست مجلة تعد من أهم المجلات وأطولها عمرا في تاريخ الفترة هي مجلة فتاة الشرق (1906-1939) و كانت لبيبة مترجمة المجلة ومحررتها ومديرتها وموزعتها ومخرجتها ومندوبة الإعلان فيها أي هيئة التحرير والإدارة والتوزيع27 ، وقد دعيت  ضمن الرائدات التي دعين خلال بداية العقد الثاني من القرن لإلقاء محاضرات في الجامعة المصرية وكان ذلك بين عامي 1911-1912 ، وكانت من المصلحات التي وضعن قضية التربية نصب أعينهن فجعلت شعار مجلتها "العمل على إيجاد المرأة الفاضلة قبل إيجاد المرأة المتعلمة" ، كما جعلت التربية موضوع أول محاضراتها في الجامعة . ومن الطريف أن هذه المجلة قامت خلال العشرينيات بحملة تدعو فيها لعدم خروج المرأة إلا لضرورة ملحة  وذلك إثر انتشار عادة تقليد الأزياء وقصات الشعر الغربية في مصر فيما بعد الحرب العالمية الأولى28 .

       ومقابل هذا الاتجاه المحافظ نرصد إحدى المقالات التي نشرت عام 1932 في إحدى المجلات النسائية الرائدة ، وهي مجلة السيدات والرجال ( 1903-1930)، التي أنشأتها روز حداد ، وهو مقال طريف عني بتقرير المساواة بين الجنسين من مدخل بيولوجي، إذ يوضح أن :

 "الأنثى اشتقت في البداية من الحي المتوالد  بلا تلقيح ، وهو ليس بالضرورة ذكرا لكن الاعتقاد ساد بأن الذكر أصل قديم والأنثى فرع عارض عليه ، وهي نظرية يسعى العلماء الى تعديلها على أساس أن الأنثى هى الجنس الأول الأصلي القديم والذكر الجنس الثانوي الفرعي الحديث...والغالب أن الذكر لما اشتق من الأنثى لم يكن له شكلها تماما بل الأرجح انه كان شذوذا أو مسخا لها كمخلوق زائد غير لازم ولكنه على التمادي صار يتحسن حتى يماثل الأنثى إلى أن صار فضلة محبوبة عند الأنثى ولابد انه كان يتحسن حتى يحلو في عينيها .. والطبيعة تندفع دائما في التفنن بالفكه  أو الجميل كأنه هو غايتها القصوى ..على هذا النحو سددت الطبيعة قوتها الى تحسين الذكورة مع انها شئ ثانوي في نظام الحياة بالنسبة الى الأنوثة".

 وتمضي المقالة قائلة أن:

 "سنة تغلب الأجود" قضت  بازدياد عدد الذكور فأفضى هذا إلى الاقتتال فيما بينها وعمل الاقتتال على مدى الأجيال، على تقوية بعض أعضاء الذكورة اللازمة للقتال كالمخالب والقرون في الذكور دون الإناث فضلا عن تقوية أجساد الذكور عموما وتضخمها في بعض الأحوال. ولما ظهرت السلالة الإنسانية  كان هذا الفرق بين الذكر والأنثى باقيا إلا أن الأنثى كانت لا تزال صاحبة السيادة أو الأولوية في النظام الحيوي (البيولوجي) ، ولهذا كان لها حق اختيار الذكر واليها ينتمي البنون . ولكن الرجل يوما بعد يوم بدأ يتنبه إلى العلاقة بين اللقاح والتوليد وفهم شيئا من التناسل وتنبه الى حقه في الأبوة ، وهذا الاكتشاف أفضى إلى انقلاب عظيم في النظام الحيوي فقلب الرجل سيادة المرأة وسلبها شيئا من حقوق الأمومة وأضاع حقها  في اختيار الزوج ، وصارت مزايا المرأة تنحط حتى صارت من المتاع، وفي كل مدة استعباد الرجل للمرأة صارت المرأة تتطور بحسب رغبة الرجل فيها فنعمت بشرتها وزال الشعر من وجهها..وبهذا انقلبت الآية الطبيعية الأولى ..29

 

الوعي الحضاري لخطاب رائدات النهضة :

 

      هناك العديد من الإسهامات النسوية التي حاولت التمييز بين خطاب المرأة ، والخطاب عن المرأة  أي الذي أنتجه الرجل. وتشير مارجو بدران إلى تباين المواقف المبدئية للخطابين، إذ تقول :

 "بينما برزت المواقف الذكورية الداعمة للمرأة في إطار الاتصال مع المجتمع الأوروبي الذي كانت فيه المرأة ظاهرة للعيان بشكل عام ، كانت البداية النسوية عند المرأة ظاهرة مرتبطة بالطبقة العليا نتيجة لاتساع نطاق التعليم والملاحظة لحياتهم الخاصة خلال فترات التحول الكبير. وقد رأت النساء المسلمات أن الإسلام ضمن للمرأة حقوقا حرمن منها بسبب العادات والتقاليد التي فرضت باسم الدين. ومن خلال الفهم والممارسة الصحيحة للإسلام يمكن للمرأة أن تستعيد حقوقها الأساسية وسوف تفيد أيضا  مجتمعها وأسرتها. أما الخطاب الذكوري الذي ظهر من خلال مؤلفات من مثل تحرير المرأة لقاسم أمين ، وكتاب المرأة في الشرق لمرقص فهمي (1894) ، وكتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع للتونسي "الطاهر حداد"، فقد ركز على أن تراجع المجتمع العربي يعود لتراجع وضعية النساء ، الأمر الذي يرجع بدوره لافتقارهن إلى التعليم ، ومعاناتهن من القيود المجتمعية مثل الحجاب والعزل في الطبقات الوسطى والعليا. وركزوا على أن هذا الممارسات لم يقرها الدين وطالبوا بتحرير المرأة من القيد لإفادة بلدانهم".  30

       وترى الكثيرات أن خطاب الرجل كان خطابا نفعيا يهدف لاستخدام المرأة كأداة للإصلاح في تلك الفترة 31، وأنه استبطن المقولات الغربية ، وفي ذلك تقول ليلى أحمد "لم يكن أمين أبو الفيمنزم العربي ، بل ابن كرومر والاستعمار الغربي" مشيرة إلى أن كثير من أفكار أمين كانت صدى لأفكار الاستعمار عن وضع المرأة في المجتمع المسلم وكانت أفكاره التي حواها كتاب "تحرير المرأة" دعوة لاستبدال المركزية الذكورية إسلامية الطابع ، بأخرى غربية32 .

    وفي قراءتها لأعمال قاسم أمين ، تصف هدى الصدة تناول أمين لمسألة المرأة في كتابه  "المصريون" -وهو كتابه الأول الذي أنتجه عام 1894- بأنه تناول شبيه ومتواز مع منطق الدوق داركور ذاته في تناول "مصر والمصريين" ، تقول الصدة:

"من المحزن حقا أن قاسم يستوعب ثم يعيد تطبيق نفس المنطق السلطوي -الذي يستخدم لقمعه وتحقيره من قبل المستعمر القوي- في حديثه عن المرأة المصرية ، وبالتالي في دفاعه عنها" .

 ثم تعود لتقول أن "تحرير المرأة" لم يخل من ما تسميه "مزالق" ، نتج عنها "تناقض صارخ" في بعض أجزاء الكتاب، ومنها أن  الرجل يظل هو المرجع الأول والأخير في تحديد دور المرأة وأهميته : ففي حين يؤكد على مساواة المرأة بالرجل في غير موضع ، فإنه يعود فيقول "ولست ممن يطلب المساواة بين المرأة والرجل  في التعليم فذلك غير ضروري" ثم يحصر حق التعليم في المرحلة الابتدائية من منطلق نفعي بحت مفاده أن المرأة الجاهلة لاتعرف مقدار زوجها.33

          والواقع فإن النقد الرصين الذي تقدمه هدى الصدة وغيرها للخطاب النسوي الذي أنتجه رواد النهضة من الرجال ، يقع في "منزلقين" -بتعبير هدى - الأول هو تجاهل أن خطاب بداية القرن لم يكن قد تمثل بعد ذروة الفردية كمنتج للحداثة التي مايزت بين "الأنا الأنثى" و"الأنا الذكر" إلى الحد الذي نراه اليوم منعكسا في صراع انتقامي بين مركزية ذكورية ومركزية أنثوية بديلة. والحركة النسائية حينذاك لم تعد كونها حركة إصلاحية اجتماعية تهدف للمساواة والاعتراف بحقوق المرأة داخل الأسرة والمجتمع ، وذلك دون أن تظهر داخلها فكرة "الصراع" الذي هو في ذاته عنصرا حاكما في المنظومة المعرفية الغربية .  أما المنزلق الثاني فهو نفي الدور الإصلاحي عن المرأة . لا مراء في أن خطاب المرأة تميز عن الرجل ، الأمر الذي يجد أصوله في أن الأنوثة تظل عاملا محددا لوعي المرأة وخلفيتها المعرفية ، لذا جاء "خطاب المرأة" التي تتحدث عن "وضع المرأة" ، خطاب من الداخل، وبالتالي أشد حساسية في طرح القضية التي تمسها بشكل رئيس. إلا أن هذا لا يعني أن الخطاب انحصر في شكل مدافعات عن حقوق المرأة كـ"أقلية مهضومة الحقوق"  كما هو الحال اليوم ، بل إن قضية المرأة ارتبطت بقضية الإصلاح الاجتماعي على السواء وهو أمر يلحظه القارئ لكتابات كل من نبوية موسى (ونهجها الإصلاحي التربوي)  وملك حفني ناصف (ونهجها الإصلاحي الاجتماعي) بشكل خاص كنماذج لأكثر من قدمن أطروحات شاملة متكاملة يمكن مقارنتها بأطروحات قاسم أمين أو جميل بيهم أو إسماعيل مظهر وغيرهم.34

     وتجدر الإشارة هنا إلى أنه على المستوى الحركي ، شكلت  مشاركة المرأة في ثورة 1919 البوابة الأساسية التي عبرها وضعت الأطروحات النظرية حول القضية موضع التنفيذ ، وقد خرجت النساء حينها في مظاهرات ثلاث يصف كاتب معاصر للفترة الثالثة منها بقوله :

"..كانت تلتقي مواكب النساء بمواكب الرجال وتتدفق في الميادين وهي تموج بالخلق على رحباتها والسيدات يحيين الطلبة ويشاركن الرجال في الهتاف والطواف وترديد الدعاء ....وقد كانت جميع طبقات السيدات المصريات ممثلة في هذه المظاهرات فاشتركت فيها المسلمات والقبطيات من كرائم العقائل وأرقى البيوتات في عرباتهن الفخمة وسياراتهن الفاخرة المجللة بالأزهار والأعلام المصرية إلى أفقر النساء في المركبات العامة ، فمررن بين المتظاهرين".

ويضيف مؤكدا أن خروج السيدات كان في مركبات وعربات غير مقفلة كما كانت العادة في حين أنه "لم يكن من الجائز قبل ذلك أن يركب الرجل مع زوجته أو والدته في عربة واحدة"35 ، كذلك وقفت السيدات خطيبات فوق المنابر وفي الميادين العامة ، وخطبت في الكنائس والجوامع "36وشهد العام نفسه (1919) أنشطة مختلفة أخرى مثل جمع الإعانات وتشييع جنازات المصابين ومؤاساة الجرحى وخرجت منهن وفود إلى الوزراء والأمراء والكنائس والمساجد ، وبرز دفعة واحدة عدد كبير من جمعيات النساء .37  ولايفهم من هذا فقط أن الحركة الوطنية أعطت الحركة النسوية شرعية قوية ، بل نستطيع القول بالمثل أن الوعي النسوي قد اقترن  بالوعي الإصلاحي والوطني في تلك المرحلة بشكل كبير، ومن القصور حصر فكر المرأة وحركتها في إطار المطالبة بحقوق فئوية لها بعيدا عن قضية الإصلاح المجتمعي ككل.38

  

     وبعيداً عن المستوى الحركي ، وبالعودة إلى مستوى الإنتاج الفكري النسوي للمرأة في عصر النهضة، مقارنة بإنتاج الرجل  يمكن طرح بعدا آخر للاختلاف. وذلك أنه داخل خطاب النخبات الثقافية من الرجال يمكن تتبع أصداء الفكر الغربي مع تطوره بين جيل وآخر، وذلك  بدءا من مرحلة التأثر بالفكر الدارويني الذي حمل لوائه سلامة موسى وشبلي شميل، والتي تأثرت بالأساس بجهود هربرت سبنسر في نقل الداروينية الى علم الاجتماع، والاتجاهات التشكيكية في الدين مع المدرسة الألمانية بزعامة نيتشه، ومرحلة التيار الليبرالي التي مثلها لطفي السيد وحسين هيكل، ثم التيارات الشيوعية مع أواخر الأربعينات وبعد الحرب العالمية الثانية، والتي اهتمت بشكل خاص بقطاعات الطلبة والعمال والمرأة، والاتجاهات الاشتراكية بتنويعاتها . والسؤال هل نجد في خطاب المرأة مطلع القرن أصداء لتلك التيارات الغربية كما عكسها خطاب الرجل .39

      ( في ترجمتها المتميزة لملك حفني ناصف ، توزع الآنسة مي حديثها عن ملك  على محاور ست رئيسية : المرأة والمسلمة والمصرية والكاتبة والناقدة والمصلحة . ولكأن مي من خلال  العناوين الثلاث الأولى تقوم بتعيين دوائر ومحددات الوعي لدى ملك : الهوية الأنثوية -الهوية الحضارية -الهوية الوطنية، وبالعناوين الثلاث الأخيرة تجمع عناصر المنتج الفكري لها . كانت ملك امرأة تستشعر ضغط الواقع وتبغي التغيير ، امرأة غيورة على أنوثتها وعلى بنات جلدتها ، واعية بتمايز خطابها عن خطاب الرجل ، مؤمنة بأن يتم إصلاح وضع المرأة كما يجب أن تراه المرأة ، فهي تقول مستنكرة :

"..إذا أمرنا الرجل أ ن نحتجب احتجبنا وإذا صاح الآن يطلب سفورنا أسفرنا وإذا أراد تعليمنا تعلمنا . فهل هو حسن النية في كل ما يطلب منا ولأجلنا أم هو يريد بنا شرا؟ لاشك إنه أخطأ وأصاب في تقرير حقنا من قبل ، ولا شك انه يخطئ ويصيب في تقرير حقوقنا الآن" 40.

وفي الوقت نفسه وكما تلاحظ مي ، كانت الهوية الحضارية لملك كمسلمة حاضرة طوال الوقت في خطابها "مسلمة شغوف بدينها تغار عليه غيرة محب مدنف يقدس الاسم المحبوب ويرى في كل حرف من حروفه عالم بهاء وعظمة ومجد لايفنى" 41.

تقول ملك :

"إننا لو سلمنا بما يقترحه الكتاب من ضرورة تقليد الغربيين في أمور معاشنا ولباسنا وزي بلادنا مما قد لا يوافق روح الشرق ، فإننا نندمج فيهم ونفقد قوميتنا مع مرور الزمن ، وهذا هو قاموس الكون إذ يفني الضعيف في القوي وإنه لمن العار أن نهمل هذا الأمر يجري مجراه.فادعوا الكتاب والباحثين للتفكير فيه وفي إيجاد مدنية خاصة بالشرق تلائم غرائزه وطبائع بلاده ولا تعوقنا عن اجتناء ثمار التمدن الحديث"42

هكذا تتداخل "الهوية الحضارية" لملك مع خطابها كـ"مصلحة" فتقول :

"إن المتتبع لسير نسائنا ليدهش من كثرة الفساد بين الطبقة العليا منهن وهي تعدي كالجرب غيرها من الطبقات أين وازع الدين؟ أين زاجر العقل والآداب؟ يا قوم لا تغرنكم زخارف المدنية وربوا بناتكم تربية إسلامية ولا بأس من اقتباس الحميد من المدنية الأخرى. وان تدهوركم هذا لآخذ بكم وبالوطن إلى مهاوي الاضمحلال ، وأي فساد أكبر من اندماج أمة في أخرى وتلاشي عاداتها وآدابها في اتباع سنن لا تتفق مع دينها ولا مع مدنيتها" 43.

وتقول:

 "إذا أردنا أن نكون أمة بالمعنى الصحيح تحتم علينا ألا نقتبس من المدنية الأوروبية إلا الضروري النافع بعد تمصيره حتى يكون ملائما لعاداتنا وطبيعة بلادنا نقتبس منها العلم والنشاط والثبات وحب العمل، نقتبس منها أساليب التعليم والتربية وما يرقينا حتى نبدل من ضعفنا قوة، وإنما لايجوز في عرف الشرف والاستقلال أن نندمج في الغرب فنقضي على مابقى لنا من القوة الضعيفة أمام قوته المكتسحة الهائلة"44 .

ويمكن أن نضع هذا الخطاب في مقارنة مع خطاب الرجل في تلك الفترة . ففي كتابه المعنون "طريدة البغاة: المرأة في عصر الديمقراطية ..بحث حر في تأييد حقوق المرأة" ، يعمد إسماعيل مظهر من خلال بحث مستفيض في تطور مشكلة المرأة في العالم الغربي  إلى نوع من الاستشراف لتطور تلك المشكلة في مصر ، ولسان حاله يقول إن ذات التطور سيلحق لا محالة بحال المرأة المصرية في سياق التطور الحضاري العام بالنظر إلى أن الحضارة الغربية هي المثال المحتذى وهي الأسبق على السلم الحضاري الصاعد ، ويحمل حديثه إنذار مستبطن لمعارضي التغيير والمحافظين بأنهم يقفون ضد سنة حضارية ثابتة ليس من المجدي الوقوف ضدها ، مهاجما أولئك الذين لايدركوا "فواصل الزمن والتطور في القرن العشرين بعد الميلاد والمرأة في القرن  العشرين قبل الميلاد".. ولعل الكاتب يكون أول من تحدث عن "العولمة" مصطلح اليوم الرائج بقوله :

         "...إن هذه الدنيا بفضل العلم قد درجت نحو الوحدة والعالمية ، وأخذت تخلع عنها لباس العزلة والأسر . يدرج العالم الآن بمختلف شعوبه وألوانه نحو الوحدة التامة ، لا في السياسة ، ولكن في الميول والمشارب والمشاركة في ما كشف العلم من بركات وما صنع الاختراع من نظريات . وأن العالم ليسير في سبيل هذه الوحدة برغم ما تظهر فيه من رجعية بعض الأحيان مثلها مثل الغريق الذي يطفو حينا ويطغى عليه الموج حينا ثم ما يلبث أن تبتلعه الأعماق "45.

وينحو جميل بيهم ذات الطريق في كتابه المرأة في التاريخ والشرائع" فيقول أن :

         "روح الحضارة الأقوى في عصر ما تعم وتتغلب ، فعندما كانت الحضارة العربية في اوجها اكتسحت أوروبة ولم تقو الكنيسة المسيطرة على دفعها ، وبالمثل "وما الدنيا إلا دار دول وهذا اليوم هو يوم الغرب فما ترى يدفع روحه عن الشرق؟"، ويضيف  "لقد تنبأت الأديان بالتطور المتصل في الكون وقدرت أن التقاليد التي تشيع بين أمة في زمن ما لا تلائم كلها غيرها بعد مئات السنين بتأثير اختلاف الأفكار وتباين مراتب الرقي وتنبهت إلى مغبة الجمود .. لذلك رخصت للبشر على أشكال مختلفة- مراعاة لروح التطور - الأخذ بالأصلح .. وان الإسلام الذي جعل إجماع المسلمين على أمر هو رابع أصول الدين  ... كان من قواعده (تتغير الأحكام بتغير الأزمان والمعلول يدور مع العلة وجوبا وعدما) ،  وسواء بعد أصح لدينا استعمال الشيء في القرون الأولى أم لم يصح فنحن في كل عصر بحاجة إلى نشدان الحكمة والأخذ بالأنسب الأصلح"46  .

ونلاحظ هنا مدى تأثر بيهم  بنظرية داروين وبمفاهيم "التطور" ، "الأصلح" .

إننا هنا لا نرصد فقط الحس الحضاري العالي لدى ملك بل نرصد أيضا موقف إصلاحي خاص ، تنبع خصوصيته من تجاوزه الرغبة في "اللحاق بالركب" ، إلى الرغبة في استعادة الدور والقدرة على المواجهة الفاعلة من جديد ارتكازا على عمق حضاري47 . ولنا أن نقارن مرة أخرى بين هذه النزعة لدى ملك ، وبين خطاب الفكر "الرجالي" حتى الرافض منه لدعوة تحرير المرأة مثل محمد فريد وجدي الذي يقر في بداية مؤلفه "المرأة المسلمة رد على كتاب المرأة الجديدة " أن ما يسطره هو نوع من التسجيل للتاريخ ، لأنه يعلم أن التغيير قادم لا محالة  فيقول:

 ".. وما كنا نقصد  إيقاف التيار الذي يندفع فيه خصومنا فذلك مستحيل في عصر فيه السلطة القاهرة للمدنية الغربية ..بل كنا نقصد منه إشهاد العالم على أن معنا الحجة الناهضة والبينة القائمة"48.

 

بل إن فريد وجدي يقيم حجته ضد دعاة السفور تأسيسا على أراء "دائرة المعارف لاروس" و"الكاتب الأمريكي لوسون" و"الفليسوف الاشتراكي الشهير برودون" و"اجوست كونت" و"العلامة الفليسوف جول سيمول" و"الاستاذ جيوم فريرو"و "العلامة لويز برول".. وغيرهم على حسب وصف  وجدي ، أي أنه في الواقع يقف على أرضية غربية خالصة في حين يبدو طرحه ظاهريا مضاد للغرب.49

 

تقول مي عن ملك مميزة بينها وبين قاسم أمين :

 "..هي تسير بتحفظ بين تشعب الأفكار الجديدة والآراء المستحدثة ، وكلما خطت خطوة التفتت إلى الوراء لتتثبت من أنها تابعة السبيل الذي يربط الأمس بالغد. وكلما جاءت بتبديل في النصوص الاصطلاحية حاولت سبكه في قالب الاعتدال مع مراعاة العادات المألوفة ما أمكن . هي كثير الحذر في إصلاحها ، عملية متواضعة في مطالبها، لا تبتعد مترا واحدا عن حدود بيئتها  وان حامت فوقها بما أوتيت من شجاعة وذكاء.."

 وبعد هل كانت ملك أقل حماسا لتحسين وضعية المرأة ، وهل كانت ملك أقل علما واطلاعا على الفكر الغربي ، لا هذا ولا ذاك ، نحن نجد مجد الدين حفني ناصف يقرر في ترجمته لشقيقته:

 "..على أنها كانت تحفظ من الشعر آلافا وقد قرأت كثيرا  من كتب الفلسفة والاجتماع وجمعت إلى عفتها الشرقية الأفكار الحديثة وحدة العارضة وسعة الجعبة وقد قالت شرلوت كمرون50 إنها تناقشك في فلسفة داروين وسبنسر بشكل يدعو إلى الفتنة والإعجاب"51.

 

وحين نتجاوز قراءة ملك ، ونقف إزاء قراءة مي لملك52- نرصد دفاعها عن الهوية الإسلامية لملك ، مناهضة من يصفها بالتعصب ، معطية مفهومها الخاص لذلك المصطلح -التعصب-الذي لعب دورا كبيرا في فكرنا المعاصر. تقول مي في ردها على  القائل بأن باحثة البادية كانت متعصبة  :

"..وكيف ينتظر أن تكون غير متعصبة؟ أليست بشرا أو ليس التعصب من أشد العواطف ملاصقة للنفس؟ حدثوني عن تسامح من لم يكن متعصبا لأضحك قليلا، من هذا الشخص ومن أي مذنب مجهول في فيافي الفضاء قد هبط علينا؟ ...واني لأرى استعمال المفرد في التعصب سخيفا بل هناك تعصبات يجوز عليها جمع الجمع وجمع الجموع إلى ما لانهاية له . فالتعصب الجنسي والقومي والعلمي والفلسفي والأدبي والاجتماعي والحزبي والفردي وتعصبات أخرى لا أسماء لها تسير موكبا هائلا  لايبرز فيه إلا التعصب الذي ننعته بالديني" 53 .

ونحن إذ نذكر هذا التعريف الذي تقدمه مي ، نبغي المقارنة مع المفهوم نفسه داخل فلسفة التنوير الأوروبي حين أصبحت الكلمة مرادفة لأي انتماء دينى وصارت  "تعطي كل الايحاءات السيئة عندما يكتبها فرنسي من القرن الثامن عشر ..فهو يعني الهوس الديني والتطرف الدموي والغباء وضيق الأفق والخزعبلات في العقيدة والروح الانتحارية والظلمات والجهل المطلق والإيمان الأعمى بالغيبيات الجاهلية" 54.

 

     (  في عام 1886 ، ولدت ثلاثة من رائدات الفكر النسوي في المشرق العربي ، هن ملك حفني ناصف (فبراير) ومي زيادة (ديسمبر) ونبوية موسى (ديسمبر أيضا) ، وكانت الأخيرة من المجاهدات اللائى شققن طريقهن عنوة لأجل تحقيق رسالة معينة لخدمة المرأة/الأمة المصرية حتى انتزعن التقدير والاحترام في محيط غير موات بالمرة. وتظهر الرسالة التربوية الإصلاحية عند نبوية في إنتاجها الفكري وفي سيرتها الذاتية على السواء . ففي كتابها "المرأة والعمل 1939" ، تحاول نبوية اثبات أطروحتين :

أن المرأة كالرجل عقلا وذكاءا (وكأنها ترد على مسلمة محمد طلعت حرب بأن المرأة أقل من الرجل إدراكا وحسا)55، وأن المرأة تحتاج للعمل ومن المهم أن تعد لجميع الصنائع ليس فقط المنزلي أو المنحط منها.

وتقول:

 "فلايغرنا ما نراه من الفرق بين عقل الرجل والمرأة ما دامت تربيتهما مختلفة ولنسع الى تعليمهما تعليما واحدا لنعرف انهما كباقي الحيوانات لا يختلفان إلا في أمور تناسلية محصورة".56

ومن ثم فالتربية هي الأساس للاختلافات المجتمعية بين الرجل والمرأة ، مؤكدة أن التركيز على تلقين الفتيات علوم التطريز والحياكة وتدبير المنزل، هو تعليم ناقص يحرم المرأة من حقها في التعليم الشامل وهذا القصور التعليمي قائم على معاملتها ككائن خاص ، وهي تنتقد فريد وجدي الذي يعرف المرأة نقلا عن دائرة معارف غربية بأنها (المرأة كائن شريف جعل لإكثار النوع الإنساني لا يستطيع الرجل أن يباريها في ذلك) فيما تراه إصرارا من جانب الرجل على اختلاق الفروق بين الجنسين. كما تقول أن اختلاف المناهج التي تدرس للفتيان والفتيات ، تتسبب فيما بعد في النفور بين الزوجين اللذين يصبحان مختلفان في المشارب والميول مع تفوق أحدهما علميا  بشكل بارز على الاخر، والرجال إذ يصرون على بقاء مناهج تعليم المرأة قاصرة ويرون أن الاقتداء بتعليم النساء في أوروبا مفسدة اجتماعية ، فهم ذاتهم الذين تبهرهم ثقافة  المرأة الأوروبية ويسعى بعضهم للاقتران بها معرضا عن المصرية.

      وتؤيد نبوية موسى بشدة قضية عمل المرأة بادئة من مسلمة بسيطة مؤداها أن المرأة تحتاج لكسب قوتها بنفسها لان الواقع دائما ما يختلف عن القول النظري بأن المرأة لها دائما ما يعولها أب فزوج فولد ، وتتساءل:

 "هل أخذنا على الموت عهدا ..فأغلظ لنا الإيمان انه لا يختطف روح مسلم إلا اذا تزوجت ابنته ثم آمنا الدهر بعد ذلك فعلمنا انه لا يغدر بفتاة فتطلق بعد الزواج وتصبح لا عائل لها أو يموت الزوج وأولادها صغار يحتاجون إلى من يعولهم"57.

وهي تسخر من ادعاء فريد وجدي بأن هناك بيت مال المسلمين لمن لا عائل لها ، من منطلق انه يتجاهل الواقع .

         وتقول ردا على  وجدي الذي يحاج بأن خروج المرأة للعمل في أوروبا كان سببا في انخراطها في أعمال شاقة مثل عاملات المصانع-بالقول  أن المرأة المصرية بالفعل تنخرط في العمل الشاقة التي قد تنتهك فيها كرامتها أيضا  كالبائعات في الأسواق أو الغسالات في البيوت وفي معسكرات الجيوش المصرية والإنجليزية أو الخادمات لان الواقع يفرض عليها ذلك في حالات غياب العائل وهي كثيرة ، إلا أنها لا سبيل لها إلا هذه الأعمال الشاقة لأنها محرومة وممنوعة من مزاولة الأعمال الراقية التي تحتاج إلى الخبرة والدراية والتعليم الراقي.

         والطريف أن نبوية موسى مع هذا الدفاع الرصين واللاذع/العالى النبرة عن حق المرأة في التعليم والعمل ، ترفض أن تتناول القضية الأم في الجدل النهضوي حول المرأة ، قضية السفور والحجاب ، مقررة في البداية وبوضوح أنها لن تتصد لتلك المشكلة لأنها ملتبسة:

 "فلست أستطيع أن أسمي الفلاحة سافرة لأنها لا تلبس ذلك النقاب الشفاف المعروف عننا نحن المدنيات، ......كما لا أسمي بعض المدنيات محتجبات مع أنهن يكثرن الخروج مبترجات وعليهن من الزينة والحلي ما يلفت أنظار المارة.."58

وهي تعقد المقارنات بين حال المرأة الريفية البسيطة وحال المرأة في المدينة ، لتبرز أن المرأة في الريف تخرج إلى العمل ، ولا ترتدي الحجاب المعروف في المدن ، ومع ذلك فلا أحد يرفض عملها ولا أحد يتهمها بالسفور "وذلك لأن الرجال هناك يعلمون أن للنساء أعمالا يقمن بها خارج المنازل أما المدنيون فيتوهمون إلا عمل للمرأة خارج منزلها فإذا رأوها في الطريق اعتقدوا أنها خرجت للعب وساعدهم تبرجها على ذلك الاعتقاد فيتحككون بها ، فالعمل وسيلة لقمع الفساد لا لإكثاره".

وهي تعرف الحجاب بشكل مباشر :

 "أن تبتعد النساء عن الرجال ما دام ليس هناك دع قهري إلى الاختلاط بهم أو الخروج أمامهم فإذا اضطرت النساء إلى الخروج خرجن وفي زيهن وملبسهن ومشيتهن ما يكفي لهدم مطامع الرجال وإبعادهم عنهن ولا يكون ذلك في النساء إلا بتعليمهن التعليم الراقي الذي يشعرن معه بمكانتهن الحقيقية فيترفعن عن تلك السفاسف البسيطة".

وفي سيرتها الذاتية  تقول نبوية موسى :

"..عولت على أن أدعو إلى السفور بالعمل لا بالقول . وقد كان ملبسي لايجعل محلا للشك في استقامتي وتمسكي بالفضيلة الشرقية فكشف وجهي وكفي كان مطابقا لما جاء في السنة والكتاب"59 .

والغريب أننا نعلم عن نبوية موسى من سيرتها المنشورة ومن صورتها المطبوعة على غلافها، أنها لم تكن تغطي وجهها وذلك منذ العقد الأول من القرن ، في الوقت الذي تروي فيه درية شفيق عن واقعة نزع السيدة هدى شعراوي الحجاب لأول مرة (أثناء عودتها من المؤتمر النسائي العالمي في روما عام 1923) فتقول أن السيدة هدى  ورفيقاتها كان يضايقهن أنهن يكشفن وجوههن في المؤتمرات التي تعقد بالخارج ، ثم يغطونه لدى عودتهن لمصر  "...كانت مندوبات الدول المختلفة ينكرن على هدى هانم مصريتها ، ولا يكدن يعترفن إلا بمصرية واحدة كانت تصر على حضور تلك المؤتمرات محجبة لا تكشف شيئا عن وجهها وهي المرحومة السيدة الجليلة -نبوية موسى"60 .

ترى لماذا كانت نبوية موسى تتخذ هذا الموقف ، وبأي دافع؟ ، ربما يذكرنا موقف نبوية بحديث لكاتبة تركية معاصرة61 تقول :

"No other symbol than the veil reconstructs with such force the "otherness" of Islam to the West. Women's bodies and sexuality reappear as a political site of difference and resistance to the homogenizing and egalitarian forces of Western modernity".

 

        والواقع يفتح موقف نبوية من الحجاب، ملفا آخر في قضية التمايز بين خطاب المرأة والخطاب عن المرأة ، ذلك أنه يمكن القول أنه بينما خضع الخطاب عن المرأة  (أو خطاب الرجل ) للاستقطاب بين من تمثلوا المرجعية الغربية تماما ، ومن حاول التشبث بموقفه وتأدية دور الشهيد على مذبح أفكاره مع اعترافه بأن التغير قادم لا محالة (مثل فريد وجدي) ، ومن حصر نفسه داخل قوقعة من الأحكام الفقهية الضيقة ، في إطار نوع من المعارك الثقافية الضيقة الحدود ، العالية الحدة ، تحرر خطاب المرأة من هذا الاستقطاب فكان أكثر اتساعا وأكثر تنوعا وتعددية  ، سواء في أشكال التعبير عنه أوفي موضوعاته ، وإن جمعه ارتباطه بالواقع وبنبض المجتمع .

بعبارة أخرى بينما انحصر الخطاب عن المرأة في الأطروحات التقليدية التي ما زالت ماثلة حتى اليوم بين اتجاهات التغريب والأسلمة ، كان خطاب المرأة أكثر مرونة ونشاطا ، وأكثر اقترابا من الواقع وإحساسا بالمتطلبات الفعلية لمجتمع في مرحلة التحول ، بل وأكثر قدرة على التكيف مع الظروف المحيطة .وفي حين كان "الخطاب عن المرأة" أكثر حدة وأعلى نبرة ، الأمر الذي يجد تجسيده في  قضية مثل قضية السفور والحجاب التي شكلت قضية مركزية لخطاب جميع الرجال ،  لم يكن الأمركذلك في خطاب المرأة التي شغلت  بالإصلاحات الفعلية والمجتمعية أكثر من توجيهها اهتمامها لقضية كشف الشعر أو تغطيته.

   فقد تحركت المرأة بمبادرات فردية وجماعية متعاونة مع  رجال أو نساء أخريات بما من شأنه تحقيق الخير العام كاستجابة للمطالب الحقيقية للمجتمع  مع الأخذ في الحسبان معطيات الموقف ، وتجنب ردود الأفعال الصاخبة. لقد تشكل وعي المرأة  في ضوء الخبرة والأحداث الجارية ، وفيما  ظلت أطروحة قاسم أمين "المرأة الجديدة" حلم غير محقق لأنا ذكورية ، كانت "المرأة الجديدة" التي تتشكل في الميدان تعمل لمواجهة التحديات والمطالب المتزايدة لمجتمع متغير ، واعية بأولوياتها تكافح للحفاظ على أسرتها بينما تساهم في النفع العام .

 

 ? والواقع فإننا إذا كنا قد قمنا برصد نوع من الوعي الحضاري الخاص امتازت به  المرأة التي قادت حركة النهضة النسوية بشكل عام ، فإنه من الضروري أن نسجل هذا الوعي لم يقتصر فقط لدى الريادات النسوية "المسلمة" ، بل أيضاً لدى المسيحيات منهن، أولئك اللاتي تمثلن الإسلام كثقافة وحضارة . وذلك مثل  مي زيادة التي تتحدث في أحد كتبها عن حضارة الشرق قائلة :

"من هو المنبه إلى تكوين هذه المدنية القومية؟ هو فتى كان بالأمس يقصد الشام في عير قريش للتجارة ، وهو اليوم محمد النبي العربي رسول المسلمين ، أما مصدر تلك الحضارة فهو القرآن....لقد أوجد القرآن دنيا عربية ، ودولة عربية، وأحكاما عربية ، وآدابا عربية كلها أجزاء قومية واحدة ربطت شعوبا لم تكن العربية لغتها ، لذلك قال جماعة من المؤرخين إن التمدن الإسلامي كان تمدنا إسلاميا صرفا...إن الذي كان باعثا على تكوين المدنية العربية هو الذي ما زال حافظها إلى اليوم ، هو القرآن".62

وكذلك وردة اليازجي 63 التي تحدثت عن قضية المرأة الشرقية في بعض مقالاتها التي نشرت في مجلة الضياء التي أسسها شقيقها إبراهيم اليازجي(1847-1906) عام 1898، بعد هجرته لمصر عام 1894.  وتنقل مي عن وردة رأيها فتقول :

"..هي تنتقد المرأة الشرقية لتفرنجها حتى صارت تخجل باستعمال لغتها والسير على عادات وسطها وتهزأ بقومها لتفاخر بأنها أجنبية . ظنا منها أن كل الارتقاء في اقتباس قشور المدنية وظواهرها في الأزياء والأساليب وتلك الفوضي في السلوك التي تسميها خطأ باسم الحرية" مضيفة على لسان وردة "كان على المرأة الشرقية أن تنظر إلى أختها الغربية من الوجه الآخر فترى اهتمامها بالأمور الجدية وبراعتها في العلوم والفنون وسائر دوائر النشاط الإنساني ، وكيف أن المرأة الغربية رغم تأنقها تقوم بواجبها نحو الأسرة والمجتمع واللغة والوطن . وتستحث اليازجية بنات الشرق للرجوع عن ضلالهن وإكبار اللغة العربية وإن هن تعلمن اللغات الأخرى وأحببنها ، وذلك تشبثا بعاطفة الوطنية ورغبة في النفع القومي"64 .

هذا الوعي يجد جذوره لدى النخبة الإصلاحية الأولى التي قادها في الشام المعلم بطرس البستاني ، والذي يقول في افتاحية مجلته الجنان (عدد كانون الثاني عام 1876):

          "ولايخفى أن الأوروبيين جاءونا في بادئ الأمر بقوتين وهما : قوة تجارية وقوة دينية وانتشر الفريقان بيننا وأجهدوا أنفسهم في تغيير عاداتنا وقواتهم السياسية تعضدهم وتسعفهم لتصونهم من عواقب كرهنا لهم وليروجوا أشغالهم بنفع ممالكهم" . ويقول:  "أما الكثرة من السكان فلم يجنوا أقل نفع بل أنفقوا أموالهم في سبيل الحصول على مقتنيات كانوا في غنى عنها، أو كان بالإمكان الحصول عليها بواسطة صناعتهم التي أصبحت الآن في خبر كان. فنشأ عن ذلك فقر عظيم ودخلت ربوعنا الشرقية عوائد مفسدة مضيعة للأموال ومضرة بالأبدان" . 65

فنحن نلحظ هنا لدى بطرس البستاني رائد الإصلاح في الشام ، هذا الوعي المبكر بالهوية الذاتية تجاه الآخر ، الوعي ذاته الذي توافر لدى رفيق كفاحه ناصيف اليازجي وانعكس على نسلهما الذي مثل الجيل الأول الذي هاجر إلى مصر. ويمكن القول بشكل عام أن الشوام قد عاشوا  على اختلاف دياناتهم وطوائفهم (سواء طوائف إسلامية أو مسيحية أو يهودية) مناخا سياسيا وثقافيا مشترك كانت له نتائجه ، التي نحدد منها اثنين :

-اندفاعهم نحو العروبة كملاذ من ضغوط التتريك والتغريب ، وقد شكل الإسلام بمعناه الحضاري جزء رئيس في هويتهم  الثقافية وفي تشكيل وعيهم العروبي66 وهذا رغم اختلاف موقفهم من الدولة العثمانية ذاتها 67.

- شكلت الظرفية الخاصة التي أطرت احتكاك هؤلاء بالغرب عاملا رئيسي في تشكيل موقفهم تجاهه، ويمكن القول بشكل عام أن هذا الموقف اتسم بالنضج إذا ما قورن بلقاء الشريحة الرائدة في مصر بالغرب .68

خطاب المرأة والتهميش:

       المتابع للمراجعات التي تتم على الخطاب النهضوي  الذي أنتجته المرأة ، يلحظ شبه غياب كامل لاسمين كانت لهما إسهاماتهما المتميزة في قضية المرأة والإصلاح، ألا وهما فاطمة عليه هانم ، والأميرة قدرية حسين ، وكلاهما كانت تكتب بالتركية والفرنسية وعربت أعمالهما في فترات مبكرة، مما يثير التساؤلات بشكل أكبر عن سر التهميش أو التجاهل (خاصة في حالة الأميرة قدرية) الذي منيت به أطروحاتهما.

 

فاطمة عليّه هانم :

       تتحدث  زينب فواز في الدر المنثور عن فاطمة عليّه هانم في واحدة من أطول ترجماتها بالكتاب، إذ لا تكتف بذكر البيانات الأساسية عن حياتها بل تورد جزءا كبيرا من الإنتاج الفكري لها ممثلا في محاورات جرت بين عليّه هانم وعدد من السائحات الغربيات جمعتها في رسالة باسم نساء الإسلام وذلك عام 1892 ، وقد ترجمت هذه المحاورات التي كتبت بالتركية إلى العربية69 والفرنسية والإنجليزية.

      وفاطمة عليّة هي ابنة المؤرخ الشهير جودت باشا ناظر العدلية العثمانية سابقا ولدت في الأستانة العليا في 9أكتوبر سنة 1862 ، "ولما بلغت الثالثة عشرة من عمرها ظهرت عليها إمارات النجابة والذكاء فأحبها والدها حبا شديدا واصطحبها معه إلى سوريا مدة إقامته واليا عليها. ووفي أثناء الأعوام التي مكثتها في سوريا تعلمت اللغة العربية من نحو وبيان وبديع وعروض ولما عادت مع والدها انكبت على درس اللغتين التركية والفارسية . ثم انشغلت بتحصيل اللغة الفرنسية .. وأخذت العلوم العقلية من توحيد وكلام ومنطق ورياضة وحساب عن والدها . وتعلمت العلوم الموسيقية بكل فروعها على أساتذة ماهرين من ترك وعرب وفرس وافرنج". 70 ونظرا لإتقانها الفرنسية فقد عنيت بالترجمة ، ومن ذلك قيامها بترجمة رواية دولانته من تأليف "جورج ادنا" إلى التركية وسمتها باسم مرام ولم تذكر اسمها عليها ، ونتيجة لما أثارته هذه الرواية من اهتمام في الأوساط التركية فقد كشف العلامة مدحت أفندى محرر الصحيفة التركية "ترجمان حقيقت" عن اسم مترجمتها ، وقام بتشجيعها على استمرار المساهمات الأدبية والعلمية وبالفعل بدأت تنشر عديد من المقالات في "ترجمان حقيقت" بإمضائها، ولها رواية تركية باسم "محاضرات" . وكان بيتها مقصد السائحات الغربيات اللائي يزرن الأستانة ليتداولن معها في العلوم والمعارف والفنون المختلفة . والحقيقة فإن هذا العرض لترجمة فاطمة عليه هانم ليس الغرض منه تكرار ما قالته زينب عنها ، بل إنه يهدف في الحقيقة إلى الضغط على علامة الاستفهام  التي تقف أمام تجاهل مثل هذا النموذج الذي بدأ الكتابة والإنتاج الفكري في هذا  الوقت المبكر. والغريب أن فاطمة عليه هانم لا تستحق الذكر فقط لأنها نموذج نسوي بارز نتعامل معه مثل تعاملنا مع وردة اليازجي وعائشة التيمورية كنماذج بذاتها بغض النظر عن كتابتهما المباشرة في قضية المرأة والتي اتسمت بالمحدودية ، بل إن لفاطمة عليه إنتاج فكري في موضوع المرأة بشكل مباشر، يتناول القضايا بعينها التي استحوذت على جل الاهتمام في عصر النهضة مثل قضايا الحجاب والسفور ، وتعدد الزوجات . هذا إضافة إلى تفرد منهجها وموقفها الأولى في طرح قضاياها.

        وفي مقدمة كتابها "نساء الإسلام"  تحدد عليه هانم هدفها مباشرة  من الكتاب ، وهو تصحيح التصورات الخاطئة لدى الغرب عن الإسلام والمجتمع الإسلامي، قائلة أن هناك العديد من السائحات الغربيات اللاتي يفدن الى الشرق لا يجدن من يرد على أسئلتهن عن حياتنا ومن يصحح تصوراتهن المشوهة ، وتقول:

 "... إن الأوروبيين المشتغلين بتحقيق وتدقيق جميع الأشياء وان كانوا قد ابتدأوا في بذل الجهد رغبة منهم في الاطلاع على خصوصيات أحوالنا وطرق معيشتنا قد تبين لي خلال البحث والمحاورات التي وقعت بيني وبين بعض النساء الأوربيات من معتبري السواح ان ظنون الإفرنج المتعلقة بنا هي من حيث الخطأ والوهم في صورة موجبة للتعجب"71.

  وتقول :

" .. إن الكلام الذي سمعته من هؤلاء السائحات مدون في كتب الأوروبيين بجميع لغاتهم وهذه الكتب تسمى عندهم كتب السواح التي يعتمدون عليها في سياحاتهم وكل من قرأ هذه الكتب واطلع على مندرجاتها يظن أنه يقرأ كتبا خيالية أو روايات فكاهية"72.

وترى عليّه هانم أنه ليس هناك من يصحح تلك الصورة فالنساء محتجبات في المنازل كما لا يتوافر من يجيد اللغات الأجنبية ، اللهم إلا بعض من اللواتي..

 "تربين تربية أجنبية صرفة .. فتعلمن اللغة الفرنساوية لا لأجل اكتساب المعارف والعلم وإنما رغبة منهن في أن يكن إفرنجيات محضا ولما كن جاهلات للأحكام الشرعية وكن قد نبذن عاداتهن الملية ظهريا وعشن عيشة إفرنجية... فلا يستفيد محادثتهن فائدة بالكلية ولا يفهم منهن شيئا على الإطلاق  وهذه العيال السالكة مسلك التقليد إذا رغب إليهن أحد في الحصول على المعلومات المتعلقة بأصول المعيشة الإسلامية -مما يكن قد نبذنه نبذ النواة- سكتن عن بيان استقامة وطهارة الدين المبين الإسلامي من حيث أنهن قليلات العلم بذلك وأخذن في الكلام بحدة وشدة عن مسائل الحجاب زاعمات أن العادات الملية مقتبسة عن الأحكام الشرعية وبالجملة فإنهن يبحث في أشياء لا علم لهن بها فيكن سببا لمفتريات واسنادات بعض الأجانب على الدين المطهر الذي استنرنا بمشكاته وتشرفنا بآياته"73.

على هذه الخلفية الواعية بقضايا الأمة والمستشعرة لأهمية تصحيح الأفكار الأوروبية المغلوطة -وهي في الحقيقة الأفكار التي كان الداخل يتمثلها عن نفسه بشكل أو بآخر في فترات مختلفة 74 -جاءت صياغتها لمحاورات  "نساء الإسلام" .

  وتعكس تلك المحاورات درجة الثقافة وسعة الاطلاع اللذين تتميز بهما ، والأهم أنه ورغم  أن كتابها يدافع عن الأفكار والمعتقدات الإسلامية ، إلا انه في ذات الوقت لا يهاجم الغرب ولا يعكس صورة سلبية عنه ، بعبارة أخرى ، تعد عليّه هانم تعد من القلائل الذين يتخلصون من حساسية الحديث عن الغرب سواء بلهجة المنبهر أو بلهجة  المعاد ، بل فقط بلهجة المنتمي إلى حضارة أخرى يدرك وزنها ويحرص على نقل صورتها الحقيقية للآخرين.

     وقد تنوعت المحاورات بين أمور شتى بينها قضايا الزواج والطلاق وتعدد الزوجات و الحجاب. كما شملت حديث عن وضع الجواري في الدولة العثمانية ، يعتبر في ذاته تأصيل فريد لذلك الموضوع من حيث أصولهن وحياتهن في بيوت مالكيهم ، وهو تأصيل يمكن الاعتماد عليه في الدراسات الحديثة75.ثم تتطرق إلى قضايا دينية صرفة مثل قصة ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام وتبشيره بالنبي محمد ورفعه إلى السماء ، والخلط في التوراة ..وغيره ، ويلاحظ قارئ الكتاب من مجادلاتها في المباحث الدينية طول باعها في مجال الأديان المقارنة.

     وفي قضية الحجاب تميز عليّه هانم بين الأمر الشرعي من ناحية والعرف والعادة من ناحية أخرى مبينة حدود الإلزام الديني ، وما طرأ عليّه بفعل التقليد والعادة التي تختلف من مكان لآخر ، وتناقش أهمية الحجاب بمعناه الشرعي ، وعندما تخلص ضيفتها إلى القول :

"في الحقيقة أن دينكم لا مرية في أحقيته ولا مطعن عليه ولكن هناك مسألة واحدة تجعل الناس ينفروا منه وتقوم سدا في وجه حسنه ألا وهي مسألة الحجاب عند النساء. ولو لم تكن فيه هاته المسألة لأصبح عدد كثير من الخلق الذين يبحثون عن دين لهم مسلمين".

 ترد عليّه هانم قائلة:

 "إن المرأة التي لا تستر شعورها لا تخرج من الدين وإنما ترتكب إثما وأساس الدين الإسلامي الاعتقاد بوحدانية الله تعالى ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام فالشخص الذي يعتقد ويسلم بهاتين القضيتين على أي دين ومذهب كان، فهو مسلم".

 وحين تناقش مسألة تعدد الزوجات ، فإنها تطرق جميع الحجج الدينية والعقلية والواقعية لتنتهي إلى إقناع محدثتها تماما بأن مسألة التعدد ليست أمرا إلهيا بقدر من هي إجازة محكومة في أضيق الحدود. أما محاورتها الأخيرة فكانت مع بعض من النساء التركيات حول الأزياء والاقتصاد  ورغم أن الحوار اتخذ منحا نسائيا لطيفا ، إلا أنها ربطت فيها بشكل ذكي بين الزي الذي ترتديه النساء وبين الاقتصاد الوطني من حيث أن الأقمشة مستوردة ، مبينة فائدة استخدام الأقمشة الوطنية .

       الخلاصة أن العمل الذي قدمته فاطمة عليه هانم في أوائل تسعينات القرن التاسع عشر ، كان عملا ناضحا وواعيا بقضايا الأمة الدينية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، الأمر الذي يستحق أن يُبرز ويُراجع، وإن كنا كمعاصرات نقوم اليوم بإعادة الكشف عن الريادات المهمشة مثل الشاميات اللائي تقدم ذكرهن أو التركيات مثل الأميرة نازلي فاضل . فلا أجد تفسيرا لتهميش فاطمة عليّه هانم اللهم إلا إذا كانت مرد الأمر هو الخلفية المعرفية الحداثية التي قد يعتبر إسهام عليه هانم بمعاييرها -خارج إطار النهضة النسائية.

 

قدرية حسين :

     لغز كبير يكتنف هذا التعتيم على إنتاج واحدة من أبرز الأسماء النسائية في عصر النهضة ، ألا وهي الأميرة قدرية حسين ، ابنة السلطان حسين كامل (ت1917) الذي تولى حكم مصر اثر إعلان الحماية البريطانية  وخلع عباس حلمي الثاني ، في 19/12/1914.76

  وقد تميزت قدرية بغزارة الإنتاج الذي نقل معظمه إلى العربية ، وتولى الشطر الأكبر من هذه المهمة كاتبا يدعى عبد العزيز الخانجي. وقد جاء معظم إنتاج الأميرة خلال العقد الأول والثاني من القرن العشرين ، فيما بدأ التعرف على كتاباتها في مصر في بدايات العقد الثالث ، مع الجهد الذي بذله الخانجي في ترجمة النسخ التركية التي احتوتها مكتبة أحمد زكي باشا . ومن أهم مؤلفاتها التي ترجمت إلى العربية: كتاب "شهيرات النساء في العالم الاسلامي" و"خواطر الأميرة قدرية" و"سوانح الأميرة قدرية" ، و"السراب:سوانح أدبية في العادات الغربية والشرقية"، و"طيف ملكي" (تعريب مصطفى عبد الرازق) ، ورسائل أنقرة المقدسة (تعريب أحمد رفعت).

   وقد كانت الأميرة قدرية اسما معروفا في الساحة الفكرية المصرية ، هذا ما نستشفه مما سطر في تصدير الطبعة الثانية من كتاب "خواطر الأميرة" (صدرت الطبعة الأولى في يناير 1920 ، ونفذ الكتاب في ثلاثة أشهر ، مما دفع الخانجي لإعادة نشره في أغسطس) حيث يورد المعرب عددا من آيات التقريظ التي قوبلت بها الطبعة الأولى من الكتاب ، فينقل عن المقتطف (أبريل 1920) قولها:"لصاحبة السمو الأميرة الجليلة قدرية حسين كريمة سلطان مصر الأول مقام رفيع في عالم الإنشاء باللغة التركية نظما ونثرا وقد جمعت من تخيل الشعراء وحكمة الفلاسفة وبلاغة مشاهير المنشئين ".  وقالت الاجيبشيان جازيت (2أبريل 1920) تحت عنوان درة أدبية :"في مصر الآن عدد كبير من المصريات المتعلمات إلا أنه قليل بينهن الشهيرات في عالم الكتابة والأدب ولذلك قلما نرى كتابا عربيا لسيدة وطنية في عالم المطبوعات لأنهن ما زلن في حاجة إلى من يشجعهن في هذا المضمار .. ويسرنا اليوم أن نرى كاتبة قديرة هي صاحبة السمو الأميرة قدرية حسين تفتح الباب لزميلاتها الفضليات وتضع اللبنة الأولى في بناء النهضة الكتابية لنساء  مصر.."77وقالت الاكسبريس في عددها الصادر في 12 مارس 1920 "كان لساكن الجنان السلطان حسين الأول عناية عظيمة بتربية بناته فتم له ما أراد وأصبحت هؤلاء الأميرات نابغات مصر في الفنون الجميلة.. وبين يدينا رسالة نشرت أخيرا باللغة العربية عنوانها خواطر الأميرة لصاحبة السمو الأميرة الجليلة قدرية حسين .."78  .

         ومن أهم الإسهامات الفكرية للأميرة الأديبة كتاب "شهيرات النساء في العالم الإسلامي" وهو بحث تاريخي أدبي يتناول عدد من الشخصيات النسائية الإسلامية البارزة،  وهي تحدد غرضها من تأليف الكتاب في أمرين ، الأول يتضمنه قولها :

 "لا أريد لقومي أن ينظروا إلى الغرب نظرة سطحية ...لا أريد لقومي أن يروا  في الغرب كل شئ مستسلمين إليه في كل شأن بل أردت أن اذكرهم بمجدهم السالف وعظمتهم الماضية وان يعتقدوا بأن حق تحصيل العلوم لا يسقط بمضي الزمن ...بهذا الدافع قام في ذهني أن أجمع حوادث الشهيرات من نساء السلف وتراجم أحوالهن .."79

   أما الهدف الثاني فهو أن تظهر الماضي الإسلامي كمكمن لنفائس أدبية عديدة تستحق النظر كبديل عن الافتتان بالآداب الغربية وقصصها وسيرها. ولذا  وضعت الأميرة كتابين يفصلهما عاما ونصف العام ، ضمت في الجزء الأول تراجم كل من السيدة خديجة والسيدة عائشة والعباسة أخت هارون الرشيد ثم شجرة الدر. وفي الجزء الثاني كتبت عن فاطمة الزهراء ورابعة العدوية والخنساء والأميرة زبيدة زوجة الرشيد والأميرة صبيحة ملكة قرطبة.

ونلحظ في مؤلفات الأميرة الحس  الحضاري الرائق المرتبط بـ"الأمة" ، والذي لم تشبه بعد شوائب التقسيمات  القومية التي برزت فيما بعد ، حيث تقول في شهيرات النساء :

 "اجتمعنا معشر أهل التوحيد تحت اللواء المحمدي المبارك ، نازلين عند قوله عز وجل: (إنما المؤمنون أخوة) فرفعنا ستور الجنسية وأنزلنا حوائل القومية فأصبحنا جميعا منذ ذلك اليوم بنعمة الله اخوانا ... البلاد الآهلة بالإسلام هى وطننا الديني والعلم الأخضر ذو الهلال والنجوم الثلاث هو لواؤنا الملي . لنا ماض مجيد ينحدر حتى أعماق أربعة عشر عصرا ولنا تاريخ مملوء بالعظائم ، وقد كانت لنا حضارة تزري بحضارة الرومان..."80.

  وفي كتاب "سوانح الأميرة" الذي يضم عددا من الخواطر والتجليات في مواقف مختلفة ، وفي مقال نعرف أن الأميرة تكتبه وهي جالسة في مساء ربيعي حيث السفينة "فيض رباني" تقبع أمام قصر الدوبارة ، نقرأ هذه العبارة :

"..في هذه الليلة المباركة تجتمع كلمة المسلمين من كافة أنحاء العالم لأمر واحد وتتجه نفوسهم بشعور واحد إلى الدعوة والاسترحام ولو لمدة وجيزة .. في هذه الليلة المباركة تقام الشعائر الإسلامية بإجلال وإعظام في كافة المساجد من أقصى المعمورة لأقصاها وفي هذه الليلة تسطع الأضواء من على المنائر ببهجة وإشراق ، كل هذا احتفالا بالليلة التي ولد فيها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام".81

 يبدو هذا الحس الإيماني سمة رئيسية تطبع كتابات الأميرة وتتداخل مع وعيها الإصلاحي ، ووعيها كامرأة.

  وفي مقالتها قصر الأموات التي تحكي فيها عن زيارتها لوادي الملوك ، لا تتوقف بين كافة الأطلال والآثار التي تراها ،إلا أمام تمثال لملكة تدعى "تابا" قائلة أنها تشبه السلطانة "كوسم والده" (وهي زوجة السلطان أحمد الأول أحد سلاطين آل عثمان -حسب ما يذكر المعرب) قائلة:

 "والملكة تابا التي كانت سببا في رفاهية وتقدم مصر في عصرها منذ 6000 سنة مضت ، ظهرت عظمتها في القرن الحادي عشر من الهجرة في شخص السلطانة كوسم"82.

 

وفي مقال لها تصف فيه زيارتها لجامع السلطان الغوري بمصر ، تقول :

"..ابتدأنا في التأخر والتقهقر منذ اليوم الذي أهملنا فيه أوامر ديننا الحنيف فلو كنا أطعنا الله تماما فاتمرنا بأوامره واجتنبنا نواهيه من يدري في أي ذروة عليا من درجات السعادة كنا الآن ..تركنا مناهج الحق وسرنا في طريق معوجة لم توصلنا إلى الغاية المنشودة وهي السعادة "83

وربما نتوقف قليلا لدى خواطرها عن المرأة والمدنية في كتاب الخواطر الذي يضم أفكار عدة حول موضوعات وقيم مختلفة كالوطن والشكر والفضيلة والإرادة والرحمة والعادة والحب ...فعن المرأة ، تقدم قدرية تعريفا يُعلي بدرجة كبيرة من مكانة المرأة كحاضنة لروح الأمة وكمفتاح لصلاحها ، معنا يقترب من معنى "المضغة" في حديث الرسول (ص) "إن في الجسد لمضغة إن صلحت صلح الجسد كله .." ، فهي تقول :84

"المرأة :مخلوق لطيف جاء العالم ليكون فدائيا ، ولطافة خلقها وحسن تركيبها يمهدان سبل المحبة و المودة.

المرأة : تمثال الرحمة والسرور لأن بيدها معدن للخير لا ينقطع .

المرأة :تلقن دروس الخيال الراقي فعلى يدها يكون إصلاح الأمم.

المرأة : من أقدر المخلوقات على العبث بالفكر الإنساني ولذلك فإن انحطاط الأقوام يكون بإرادتها .

المرأة : لغز أبدي وانك لترى باطنها غير ظاهرها وقولها على خلاف فعلها فلايسبر غورها ولايدرك كنهها.

المرأة :أشجع الأبطال في معركة الحياة فهي تتغلب على من يناوئها بصولة مدهشة فلا تلبث أن ترفع أمتها إلى مستوى الرفعة والمجد .

المرأة: عقدة المحبة في العائلة وأساس  الراحة في البيت فحيث توجد توجد المحبة والسعادة اذ لايتم للعائلة بناء إلا بها.

المرأة: هي المربية الأولى للأمة والأستاذ الأول في مدرسة الحياة فلابقاء للأمة ولاسعادة لها إلا بدروسها الأولية الراقية.

المرأة:معمار ماهر تم على يديه أكثر التصميمات بضربة واحدة ففي مكنتها كذلك أن تجبر القلوب الكسيرة بنظرة واحدة.

المرأة: ملك طاهر يجذب القلوب بنظرات سحرية ويسحر نفوس ناظريه ببيان عذب ، تجد في ابتساماته أثر الوعد وفي وعوده علامات الوفاء."

     أما عندما تتعرض في خواطرها لتعريف المدنية ، يبدو الأمر للقارئ ملتبسا بشكل كبير ، فلا نستطيع أن نلمس للوهلة الأولى مدلول المفهوم لدى الأميرة وموقفها منه على وجه التحديد  . 

فهي تقول أن المدنية85:

": سيال طبيعي يسوق العالم نحو الرقي والتقدم

:كتلة من الكذب تضيق الخناق على دائرة الحياة الإنسانية

:رحى دائمة الدوران دولابها في عمل دائم وحركة مستمرة

:قوة مخربة تعمل على هدم كيان العالم

:شهادة القرن العشرين للعامل المجد

: منقذ ينجي الأذهان من غفلتها وينتشلها من وهدة الخيال

: زوال الحقيقة من عالم الوجود

: ازدياد الحاجات وقلة الاحساسات

: زوال دولة السكوت والكون وحلول دولة الحركة والعمل

: خلاصة التحقيقات في حقائق الأشياء

: عالم يسود فيه الفساد بجانب النفاق

: هي الملجأ الأمين للنجاح والفلاح وهي العدو لكل البدع والخرافات

: انقلاب النقائص الى فضائل واستحالة السفاهة إلى التعقل والرؤية

: سيطرة العلم على الجهل

: عبقري يشعر بكل حس ويفكر في كل أمر وعاشق مفتون بالتجدد والرقي."

 

  ونلحظ هنا بداية كيف ارتبط الجانب الإيجابي في تعريفاتها بأمور وقيم المادة والعلم والعمل، بينما يتعلق الجانب السلبي بالقيم الأخلاقية بالأساس ، وكأنها تعكس بالفعل  نمط المدنية الذي تعيشه ، ذلك الذي عُنى بالتحديث والتغيير ونشر التعليم الحديث ، وأدخل التكنولوجيا الحديثة في مجالاته المختلفة ، مما سرع من وقعه العام نحو مزيد من الحركة والعمل ، لكنه  في الوقت نفسه نمط مفرغ روحيا وأخلاقيا بشكل أو بآخر  86، وهي رؤية تتسم بكثير من الذكاء والحساسية ، حساسية المرأة، وحساسية الانتماء الحضاري ذو الخصوصية القيمية.

 

 

خاتمة

        سبق أن قدمنا أن ما نقوم به هنا هو "قراءة بديلة" لخطاب المرأة عصر النهضة . وبداية كان مفهوم "النهضة" الذي تبنته الورقة مختلفا عن القراءة الســائدة ،  ســواء السائدة في مطلع القرن بين أوسـاط النخبة  التي تعرضت لآثار المواجهـة الحضارية في ظل سـيادة المركزيــة الأوروبيـة وإزاء انكســار أو تراجع "الشرق" ،  أو القراءة السـائدة التي تؤطر للمنتج الفكري والأكاديمي الراهن  ،  والتى  من شأنها أن تعيــد إنتاج  الكثير من فحوى و مضامين مطلع القرن،  في ظروف العولمــة المســتجدة.    و مما يؤخـذ على هــذه القراءات السـائدة لمفهــوم " النهضـــة "  أنهــا تقصـرها على مضامين تنطوي عليها التجربــة الحضارية الأوروبية ، و تســعى لتعميمهــا بتوظيف أيديولوجي للعلم ،  مؤداه الخلط بين العلم في أبعـاده الجزئية ، والفنيــة التخصصية والماديــة ، و بين العلم في أبعاده الفلسفيــة والمعنويــة ،  لتكريس مواقع الهيمنــة والسيادة والمركزيــة الغربيــة على سائر الشعوب والثقــافات الأخرى ،  و في هـذا المعنى تُختزل النهضــة و مقــاييسـها إلى معاني  المواكبـة واللحاق بالنموذج الغربــي ،  و كل ما يخرج عن هــذا المدار والفلك ، أو كل منتج معرفي أو حركة اجتماعية من شــأنهـا أن تشــكك في هــذه المعــاني ، أو تحـد من عقليـة المقاربات والقياس والتماثل والتشبه ، أو  التي من شأنها أن تـعـرض  لمعــاني إصلاحية من منطلقات مغـايرة ، يتم تجاوزهـا، أو إقصاؤها ، والحكم المسبق على عـدم  جدواها .

       إذن كان من مقومــات القراءة البديــلة في مجال بحثنــا ألا تقـف على المـفــاهيم المتــداولــة في معنى النهضــة ، و أن تعيد النظر في منتج الفترة موضع الدراســة ، على أن تكون نظرة متحررة من هـذا المعنى القســري ،  لتكشف أصوات جـديدة ، أو لتكشف النقاب عن معــان و مساحات خفيت لدى رموز محتفى بها ومعروفة .

       وكذلك يمكننا وقوفا خارج البرادايم المهيمن أن نوصٌف  القراءة الســائدة لخطاب المرأة بأنها تنطلق من مفهـوم خاص للنسويـة من شأنه التفتيت والتمـزيق ، فضلا عما يتسم به من  أبعـاد الاختزال والنزعـة الإقصائيـة .   ذلك أنه ينطلق من مسلمة الإنسان  الفرد الأعزل في مواجهـة  "الآخر"  فردا كان أو جماعة ( فهو لا يرى المجتمع سـوى جملة من الوحدات المفردة)  ، و يختزل هذا الفرد الى مكوناته  وإلى  أبعـاده  الحســية الماديـة  بصفة خاصة (وهنا : تأتي فكرة "جنســنة"  الإنسان في مقابل "أنســنته" ، ويكون اختزاله إلى مكوناته الطبيعيــة الغريزيــة -ولا نقول الفطريــة) ،  فأقل ما ينجم عن ذلك أن نجد خطاب المـرأة في مطلع القرن يُختزل هو الآخر ،  و لا يلتفت فيه إلا إلى المساحات والمواقف التى يكون فيها التعبير عن الأنثى في مواقع الاستلاب والنقمــة أو التمـرد والإصطراع ، أو حيث التعبير عن رغبات مكبوتة وأحاسيس بالقهـر إزاء الجنس الآخر ، أو ما شابه ذلك من سقوط في دوائر نرجسية مفرطة أو في خطابات تفاضلية سجالية ، يتوسم فيها مواضع التماثل قياســا على خبرة المرأة في صراعاتها في الغرب ، في منظومة قوامها الصراع من أجل البقــاء،  وعلى سبيل رســم  أو تمثل خطى النموذج التطورى اللحاقي لدي البعض ،  أومن أجل تعميق النموذج الجنســاني النضاليى لدى فصائل أخرى ...

     وكل هــذا و ذاك إنما يدور في فلك قراءاتـه لواقع المرأة  على سبيل التكرار والاجترار وإعادة الإنتاج ، تكريســا لقراءات وأنمـاط ســائدة  :  أقل ما يقال فيها أن من شـأنها  إفقــار واختزال و تشويه لواقع الخطاب /  الخطابات  التي أســهمت في انتاجهـا  "المرأة الشرقيــة "  ، تلك المرأة  بانتماءتها العريقـة ، وبذكائها  وفطنتها وحسها العمراني و الإنساني كامرأة  تعيش واقعها الاجتماعي التاريخى ، في الحوض الحضاري العربي الإسلامى بعناصره الغنيــة المتنوعــة .

 

وسنحاول هنا بلورة بعض النتائج التي خلصت إليها الورقة من خلال قراءتها "البديلة" :

 

أولاً:  بالنســبة للخطاب العـام:

 * لا يمكن فصل خطاب المرأة عن الخطاب النهضوي /  الإصلاحي العــام في مطلع القـرن ،  فكلاهمــا يدور في إطار المواجهــة الحضاريـة مع الغرب ،  والتي تفاوتت في وقـعـها بين أوســاط  النخبــة / أو الأوســاط المثقـفــة على مـدى زمني ممتـد اســتغرق قرن سبق .  و يمكن ملاحظـة خصائص معينــة للوعـي الإصلاحي النهضوي النســائي من خلال بعض النمــاذج المقــدمـة ، و قد وضعـت في ســياقاتهـا التاريخيــة ، والاجتمــاعيـة و الثقــافيـة ، و قـد حرصنـا  على إبراز التواصل والتكامل في هذا الخطاب من مختلف مواقـعـه .

 

 * تأتي إعادة قراءة الصحافة النسائية الرائدة في مطلع القرن ضمن قراءة لتكييف الخطاب الشــامي كجزء من سياق اجتماعي ثقافي ارتبط بموقع و دور الجاليــات الشــاميـة في مصر في مطلع القرن ، و خاصة في موقعـها وتمكنهـا من أدوات ووسائط عصرية  كالسبق في المجال الإعلامي بخبراته وأدواته ومهاراته ،  و في فن المقـالة الصحفيــة على وجه خاص.  كذلك ، بالنســبة للموقع السياسي المميز، حيث تفاوت ارتباط الخطاب الشــامي بالخطاب العروبي / العثمـاني / الشــرق الحضاري في موقعــه من المواجهـة الحضــارية ، و لم يكن محض خطاب ليبرالي تغـريبي ، كما هو المتعارف عليه ،  فجاء الخطاب النســوى الشــامي رديف ووليد لهذا الموقع،   يحمل أبعاد هـذا الخطاب من حيث التمكن الاجتمـاعي والمادي (شبكة علاقات أسرية ممكنة ومدعمة ) ،  ومن حيث الإنتمــاء والموقـع من الإصلاح عـامة، وبالتالى لا يمكن الاقتصار على النظرة إليه كخطاب نسـوي مبتــور، أو رجع صدى للخطاب النسوي الغربي - الفمـينيزم،  أو كمحض امتداد أو سبق لخطاب ذكوري.

فالخطاب النسـوي الشــامي  إذن، رافــد من خطاب أعم ، ربما أتى كغيره مختلف المحمل إزاء المواجهــة الحضاريـة، ولكن الجزء الذي أُبرز فيـه كان الخطاب التغـريبي ، و تم إغضاء الطرف عن الجانب المشـرقي الحضاري فيه .

 

ثانيــاً:  في تكييف الوعي النســائي

 

     من خلال إعـادة قراءة الخطاب النســائي من النماذج المقــدمـة ، بمـا اشـتملت عليه من رموز معروفــة تـم إعادة اكتشــافها ،  ومن رمـوز مجهـّلة تم التقـديم لهــا ،  يمــكن استشــراف بعض ملامح الوعي النســائي  في مطلـع القرن على نحو نوجزه في التالي :

- بروز أصـداء الوعــي والانتماء الحضــاري: لاحظنا من خلال متابعة خطاب المرأة بروز جيوب تحمل طابع الاعتدال ومقـاومـة اتجـاهـات التمــاهي والاستـقطاب ، كما حملت أصول الخطاب النسوى الإصلاحي  أصداء تفاعل حي مع الواقع الإجتماعي المتردي والمشاكل المستجدة على أرضية التحولات في المجتمع إثر قرن من الانفتاح على الحضارة الأوروبيــة ، و ما نجم عنها من تحولات في البنيــة الاقتصادية والاجتماعية ، إضافة إلى المؤثرات الثقافيـة الحضارية.

- تواصل أبعــاد الخطاب الإصلاحي ، مفـاد ذلك أن المرأة المثقفـة الواعية بانتمـائها الحضاري ،  لها مقولاتها في الأمور العـامة ، و هي في اهتماماتها المتنوعـة لا تنفصــل عن نزعــة إصلاحية عـامـة ...

-كذلك تفـاوت خطاب الرجل ورؤيتــه لقضــية المـرأة عنهــا لرؤيــة المرأة لذاتـها ، وموقعــها الاجتماعي العمرانـي .

        وفي الواقع يمكن القول أن قضية المرأة مست وترا بالغ الحساسية داخل النفسية الجماعية لجيل من مفكري النهضة بدأ يستشعر تهديد حقيقي لبقائه كممثل أو كحامل لثقافة "تحت الحصار". وبالنسبة للبعض الذين اعتنقوا "لتطورية" كان التحول وتغيير المرجعية هو الطريق الوحيد المحتوم للإصلاح (مثلت "المرأة الجديدة" الإطار المرجعي الجديد الذي كان من الواجب تبنيه كنهاية منطقية لرحلة معينة واجهها العقل المسلم -ممثلا في قاسم أمين-في إطار المواجهة الحضارية مع الغرب) ، هذا في حين فضل البعض الآخر أن يظل محتفظا بموقفه ولعب دور الشهيد لقناعاته مع اعترافه بحتمية التحول (مثل فريد وجدي)، وظل آخرون على إيمان بإمكانية المواجهة من خلال الاستمساك الشديد بالأصول والحفاظ على وضع نسائهم كما هو عليه. ولذا صار معنى الإصلاح محددا بتلك النهايات الثلاث وتداعياتها ، التي تمثلت في مواقف طرفية حادة تتزايد شدتها بمرور الوقت .

       وباعتبار المرأة هي الرمز الأول الحميم لفكرة الوطن ، كانت قضيتها هي المجال الذي ظهرت فيه هذه المواقف  بالشكل الأوضح ، وتبلورت هنا مقولة أن المرأة بيدها إصلاح البيت/الوطن أو تدميره. وكانت هذه هي مفردات "المعارك الثقافية" التي نشبت بين "حراس" الحصن/الوطن/المرأة ، بحيث تحول السجال حول قضية المرأة إلى ما يمكن تسميته بـ"الخطاب التحصيني" . إلا أن الأمر المهم هنا هو أن هذا النمط من الخطاب كان خطاب رجل بالأساس ؛ لقد كان تحرير المرأة -كفكرة أو تصور أو قرار  -أمر تم تبنيه أو رفضه من جانب "رجل"  يتصرف إما تحت ضغط من خوفه على ثقافته ومجتمعه، أو  نتيجة لإحباط وطموحات ودوافع مشوشة لديه. ولعله من المثير أن هذا الخطاب "عن المرأة" قد يمكن التعامل معه كخطاب كاشف يمكنه أن يجلي الكثير عن الهشاشة وافتقاد الأمن لدى الرجل في تلك الفترة ، كما يمكنه في الوقت نفسه أن ينبئنا عن التهديدات والتحديات التي تعرضت لها ثقافة ومجتمع في لحظة ما.

      على الجانب الآخر اتسم خطاب المرأة بكثير من المرونة والثراء ، متحررا من سجال "الخطاب التحصيني" بأطرافه واستطرافه الحاد ، إلى خطاب له اتساع  وامتدادات منبسطة . قد  يعبر عن نفسه أحيانا  بنبرات عالية ؛ ربما الانزعاج هنا أو السخرية هناك، الاقناع أو المداهنة ، لكن ، دائما ما كانت السمة الغالبة هي اتصاله بالواقع المعاش والحس العام ، متراوحا في ذلك بين الحصافة والإيثار مائلا إلى حساسية خبيرة.

      على الأقل ، هذا ما قد نستشفه من إعادة  النظر في المصادر حول خطاب المرأة في قلب الشرق العربي والإسلامي قبل مائة عام، لنسمع أصوات لجيل من النساء المتعلمات المثقفات  نشأن في بيئات صحية وطبيعية عائليا بما مكنهن من الوقوف في وجه العاصفة التي ميزت بزوغ القرن العشرين. وفيما يبدو من الأصوات التي نستمع إليها في الورقة أن المرأة في مطلع القرن كانت حرة في التعبير عن ذاتها واتخاذ مواقفها الخاصة إزاء قضايا مختلفة دون انتظار إذن من أحد للإقدام على ذلك، كان "الخطاب عن تحرير المرأة" أعلى نبرة وأشد غضبا أكثر مما يحتمله الواقع ، مثلما الأمر في قضية الحجاب والسفور ، فبينما كانت هذه القضية هي المركزية لخطاب الذكور ، لم تكن  بذات الأهمية في خطاب المرأة التي كانت مشغولة بالدرجة الأولى بالإصلاحات الفعلية ، دون إنفاق كثير من طاقتها على أمور شكلانية . كان خطاب المرأة في عصر النهضة  جزء من وعي نسائي متزايد كما كان خطابا  إصلاحيا. لقد نظرت المرأة إلى قضية تحريرها تلازما مع دورها وإسهامها في نظام متغير ، كحقيقة واقعة  تأخذ مسارها ضمن الإصلاح العام . وربما كانت هذه الفئة المبادرة من النساء رهط متميز ذا قدرات فردية عالية ، لكن، وبشكل عام ، لم تكن هؤلاء أبدا  فرديات النزعة  أو لديهم مركزية ذاتية self-centered (الأمر الذي ظهر في أجيال لاحقة) لقد عبرن ببساطة عن وعيهن كجزء من وعي جماعة ولم تجدن صعوبة في توفيق مطالبهن الخاصة بالإصلاح مع الحاجة إلى إصلاح ثقافي واجتماعي عام

وربما اختلفن فيما بينهن حول درجة استجابتهن وردود أفعالهن إزاء المواجهة مع الغرب ، لكن  الأمر المهم  هو غياب التشويش في تحديد انتماءاتهن وولائهن . ومن ثم امتازت مواقفهم  بالإيجابية والوضوح والثقة في النفس إزاء الأوروبيين الذين واجهنهم والتقاليد الغربية التي مثلها هؤلاء.

وبخلاف الرجال ، لم تقم المرأة بالاثارة حول  قضية التهديد الحضاري ، بل في المقابل حاولت أن تقوم بشيء حيال ذلك ، وكان الحفاظ على الثقافة وعلى تماسك الجماعة  هو الهدف الكامن الذي تحمله مجهوداتها اليومية في الميدان.

      والخلاصة أنه فيما يتعلق بقضية استشعار "الأخطار الوشيكة" ، كانت المرأة أقرب إلى الواقع واستطاعت تعيين وتحديد فرص الحركة والإنجاز . وهذا الاندماج مع الحقائق في الحقل هو الذي منع خطاب المرأة من التحول إلى ما نسميه "خطاب تحصيني" . فلم يكن خطابها خطاب من أجل "بقاء" إنما  من أجل التحسين والإصلاح.

     لقد  ظل خطاب الرجل عن المرأة  خطابا تقليديا (يتمثل نفس المواقف الآنية)  من حيث أنه يأخذ مبادرته من البرادايم المهيمن ويسقط في شرك الافتراضات السائدة  ،  ينصرف هذا إلى طرفي الخطاب ؛ الإسلامي  والتغريبي ، التحديثي والتقليدي ، فمواقف كل طرف كانت (ولازالت)  مرآة لمواقف الطرف الآخر ، الخطوط الفاصلة صلبة والمواقف صارمة. في الوقت نفسه لم يخبر خطاب المرأة هذا الاستقطاب ، ليس لأنها افتقدت  الذكاء والرؤية والقدرة على التعامل مع تعقيدات المواجهة التاريخية ، لكن  لان قراءتها للمؤشرات المجتمعية سمحت لها بإمكانيات وخيارات أخرى ، ومن ثم اتسع مدى استجابتها وردود أفعالها ، وتجنبت وضعية الاستقطاب التي أفرزها الشعور  بالحصار.

 

 

ثالثــاً وختامـاً -  تعليق على المنهج و تأثيره على البحث

 

     لاشـك أن منطلقات التعــامل مع الظواهر الاجتمــاعية من شأنها أن تنعكس على النتــائج التي يصل إليها البحث ، وكذلك الأمر بالنســبة لقراءة الخطاب ، فهو لا يخرج عن كونه الظاهــرة المنطوقــة أو الظاهرة الاجتماعية العمرانيــة في صياغاتهــا المدركــة الواعيــة ،  و لو في أحــد مســتوياتهــا .  و يمكن إيجاز بعض الملاحظات على منحى قراءة الخطاب النســوى في مطلع القرن من منطلق القراءة  البديــلة التي أخذنا بها في هذا البحث على النحو التالي:

- أن أى محاولة لاجتزاء الخطاب النســوى عن سيـاقاته المختلفــة من شـأنها أن تشوه هـذا الخطاب أو تقتطعـه عن وحدتــه الكليــة .

- أن الانكفاء على قراءة الخطاب النســوي من منظور النســوية -الجنســوية أو "المجنســنة " ، من شأنها أن تضخـم مواطن في هـذا الخطاب على نحو يتراوح به بين الاختزال حينا و الإقصاء حينا آخر ، وكذلك يخرج به عن نسقه ، و يفقـده مواطن التجانس الداخلى بين أجزائه ،  مما ينجم عنه قراءات قسرية ، أو أحادية البعــد ، ومما يفدي به إلى تعميمـات في غير موضع ،  والحاصل كذلك أن نخرج بالتشــويه  والبتــر.

- من شـأن القراءة النسوية-الجنســوية أن تتقـابل و تستكمل الدائرة في الخطاب السـائد  (خطاب الرجل) فتأتي النتيجة مفارقـة لمنطلقاتها من حيث لا تدري : وهي تأكيد للتنميطات المصطنعــة حول التمايز الأنثوى - confirming prevailing gender stereotypes   ومن جانب آخر تحمل على تهميــش الخطاب النســوى ، فضلا عن ما يصيبــه من التبعيــض والتجزيء.  (وليس في هذا التلاقـي بين طرفي النقيض من غرابـة ، حيث أن كلاهمـا - الفيمنيست والذكوري - ينتمــي إلى نفس المنظومــة السـائدة ، وإن اختلفت المواقع) .

- تؤدى القراءة البديــلة إلى اســتعـادة وحــدة الخطاب النســوى ، فتدعـم قابليــة تقويمــه في كليــاته ، مع وضع جزئيـاته في موقعــها الصحيح من بعضهــا البعض، و من كليات الخطاب .

- من شــأن القراءة البديلــة،  مع إعـادة الخطاب النســوى الى وحدته ، ووضعــه في ســياقاته ، والتأكيد على تواصله مع الخطاب العــام ، أن تؤكد على مركزيتــه كأصل من النســيج الخطابي العــام ، مع توضيح ما  قد يكون له من تمـايز.

- وبالمقــابل ، من شــأن القراءة البديــلة أن تبرز نســبيــة الخطاب الذكوري في مســألة المرأة ، و ترده إلى حجمــه الطبيعـي ،  (وفي ذلك تلتقي والقراءة النســائية الســائدة )  و من جانب آخر ، من شأنهـا أن تبرز قصور ومحـدوديــة الخطاب الإصلاحي الســائد حيث يغفــل عن الرافـد الذي يعـبر عنـه الخطاب النســوى الإصلاحي . (وفي ذلك  تتمايز عن القراءة النســوية الســائدة )

 

Notes.

 

 -Michelle  Raccagni, The Moder