Back Up Next

Zahira on her Diamond Jubilee... speaks about a host of subjects close to her heart, including the story of Social Medicine, Preventive Medicine, and an evolving concept of medical care that carries doctors beyond their conventional tasks of treating patients.  -    (MAF)

Interview conducted by Mona Awad, Majjallat Nisf al Dunya - (1992) e

واشتعل الرأس حبا وطبا

زهيرة عابدين في يوبيلها الماسي:

 

75 عاما من الطب الجميل مارسته ولا تزال تمارسه أم الأطباء المصريين..

التي كرمها الغرب مؤخرا ومنحها وساما رفيعا لا يمنح إلا للاتي قدمن خدمات جليلة للمرأة..

الدكتورة زهيرة عابدين زارت مصر مؤخرا فالتقيناها وحاورناها فأجابت من القلب الذي يحب " الغلابة " واخترع لهم علما خاصا اسمه الطب الاجتماعي

حاورتها : منى عوض

المرأة في تاريخنا ظل، خيال، لا يتحدث عنها المؤرخون إلا من خلال رجل. وقد استطاعت امرأة مصرية كسر هذه القاعدة دون كلام عن رقتها ووداعتها وطيبتها وجمالها الرباني تحكي ملامح وجهها قصة الطبيبة التي أفنت من نصف فرن من عمرها في مجال طب الأطفال، لأن الأطفال هم مستقبل الأمة وأملها في غد أفضل لذا فقد اختارت الدكتورة زهيرة هذا التخصص لتبدع فيه وتفوق غيرها قدرة في هذا المجال.

وعلى الرغم من سنوات عمرها الماسي فهي تمضي في العمل وحياتها ليست إلا هبة سخية وعطاء متصلا فهي تكرس للأطفال حياتها وتعطي نصائحها ومعرفتها وكل ساعة من وقتها لتلاميذها.

هي مؤسس علم الطب الاجتماعي في مصر والعالم العربي إليها يرجع الفضل في إنشاء المراكز الصحية بالهرم والدقي والخاصة بعلاج روماتيزم القلب وصحة الطفل.. وهي التي أسست جمعية الطبيبات المصريات..

لم يقف نشاطها عند حد الصحة فقط بل تعداه إلى ميدان التربية والتعليم حيث ساهمت في إنشاء مدارس إسلامية للغات تضع الدين نصب عينها إلى تخريج جيل مسلم ملتزم بتعاليم دينه ويواكب روح العصر..

زهيرة عابدين.. في مجتمع الأطباء عندما تنطق بهذا الاسم تغشي المكان سحابة من السكينة وغمامة من هدوء ووقار ويكاد كل طبيب أن يقول: أمي فهي الملقبة بأم الأطباء وهي التي كرمتها الدولة فنالت درع الجمهورية والوسام الذهبي في ذكرى مرور 150 عاما على إنشاء كلية الطب.

في ألمانيا كرمها نادي النساء الدولي في فرانكفورت وأعطاها جائزة إليزابيث نورجال التي تمنح سنويا لإحدى النساء اللائي يقدمن خدمات جليلة للمرأة وهي المرة الأولى التي تمنح هذه الجائزة الكبرى لسيدة خارج أوروبا وأمريكا..

قالت عنها الصحيفة الغربية: أنها نموذج لامرأة قلما تستطيع امرأة أخرى محاكاتها في مسيرة حياتها المليئة بالأعمال الخيرية.  فعندما تحصل امرأة في مجتمع شرقي يتميز بسيطرة الرجال على لقب " الأم المثلى لأطباء مصر " فإن هذا يقترب من مرتبة الأسطورة ويعبر عن تقدير عظيم ليس من قبل زملائها فسحب بل من بقية المواطنين د. زهيرة كانت في مصر مؤخرا ثم سافرت إلى الإمارات حيث عملها.. وقبل السفر كان لنا هذا اللقاء الذي فتحت فيه دواليب القلب نفتش فيها عن مواطن الحب للناس ونكتشف هذا المنجم المعطاء الذي لا ينضب ولا يتوقف عطاؤه.

** حرمت من عطف الأم وأنت في سن الثالثة ولم يمت فيك الأمل ولا وهنت الإرادة.. فهل أكسبك اليتم أمومة مبكرة جعلت قلبك يخفق بحب الأطفال؟

ـ في صوت هادئ تكلمت د. زهيرة فقالت رب ضارة نافعة فما من شك أن عدم وجود أمي كان له أثر على سلوكي وربما انعكس هذا على شخصيتي فقد كنت منذ صغري هادئة لا أحب " الشقاوة " فبالرغم من صغر سني وقت وفاة أمي إلا إنني مازلت أتذكرها رغم مرور كل هذه السنين، فالهدى هدى الله و رعاية الله فوق الجميع كما أ،ني كنت متميزة في دارستي أريد دائما أن أكون مثالية وقد كان أبي دارسا للحقوق في فرنسا عضوا بمجلس الشيوخ وشديد العطف عليّ لأنني كنت صغرى البنات ولم يكن قاسيا عليّ وبالتالي فاستقامتي كانت توفيقا من الله سبحانه وتعالى، بالإضافة إلى أنني كنت في صغري شغوفة بسمع القصص الدينية والتي ربما تكون قد أثرت في حياتي وما من شك في أن شعوري بالحرمان من عطف الأم قد أثر عليّ من ناحيتين الأولى: هو أنه جعلني ـ لا أريد أن أقول رحمية وعطوفة ـ ولكن أشعر بحرمان اليتيم من العطف وحاجته إليه وأعتقد أن هذا كان له دخل كبير فيما بعد في أن اتجه إلى حقل النشاط التطوعي.

والثانية: جعلني أشعر أنني في رعاية الله فاتصالي المبكر بالله كان شيئا تلقائيا وحبي له كان فطريا فقد كنت أصلي له وأنا تحت 5 سنوات واستيقظ لصلاة الفجر والبيت كله نائم وهذا الاتصال بالله أفادني طيلة مسيرة حياتي وتعمق أكثر بعد التحاقي بالطب فبدأت أرى الله سبحانه وتعالى في مادة التشريح ومادة علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجي) وفي الكيمياء وكيف تحدث آلاف التفاعلات في أجسامنا فهذا كله لا يمكن أن يحدث تلقائيا أو بطريق الصدفة كما أن ذلك قوى من إيماني وجعلني أشعر برقابة الله المستمرة ومن ثم حرصت دائما على إرضائه.

البيت هو الأساس

** البيت والزوج والأولاد هم الدليل الأكيد على تفوق المرأة في منزلها قبل أن تحقق طموحاتها ارج بيتها فهل حققت أنت ذلك؟؟

ـ في البداية أؤكد أن بيتي هو محل اهتمامي الأول ورعاية زوجي وتربية أولادي هي المسئولية الأساسية فخير عمل تستطيع المرأة ا، تقدمه لوطنها أولا هو تربية أولادها وإعداد جيل جديد صالح.

والحمد لله لقد استطعت أن أحقق نجاحا مشرفا في بيتي فلم أظلم أسرتي أبدا وخاصة وأن زوجي الدكتور عبد المنعم أبو الفضل أستاذ التحاليل الطبية زوج مثالي ولولاه ما استطعت تحقيق هذا النجاح الكبير وعاونني في مسيرة حياتي كلها.

أما أبنائي فأنا لم أقصر في حقهم فقد كنت حريصة على خدمتهم بنفسي وهم في مرحلة الطفولة بالرغم من أعبائي ومشاغلي الكثيرة، ولم أكن يوما ديكتاتورية مع أولادي فقد كنت أخاف على مشاعرهم بمعنى أنني لم أفرض عليهم الأوامر وأواجههم بالشخط أو إلقاء الرعب في أنفسهم وإن كنت في نفس الوقت لا أدللهم، وأنا أعترف أن هذا خطأ فقد كان لابد من بعض الحزم والتوجيه وتبصيرهم بتجارب الحياة ولكنني أنا نفسي كنت أفتقر إلى هذه التجارب بسبب انشغالي بالعلم والدراسة وأشعر أنني لم أقدم لهم الرعاية الكاملة التي كانوا يستحقونها في سن المراهقة الحرج ولكن تفوقهم العلمي والخلقي عوضهم عن هذا التقصير من جانبي والدليل على ذلك أنهم جميعا حصلوا على درجة الدكتوراه ويعملون كأستاذة جامعات وهم الدكتورة منى أبو الفضل التي تعمل أستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وحاليا تعمل بإحدى الجامعات الأمريكية والدكتورة هدى بطب القاهرة والدكتور عمر الأستاذ بكلية الهندسة والصغرى الدكتورة عزة أستاذ طب الأطفال المساعد.

حكاية نجاحي

** حكايتك مع التفوق حكاية طويلة بدأت منذ الصغر.. تستحق أن نتابع خطواتها معك؟

ـ منذ صغري وأنا متميزة في دروسي فقد كنت الأولى على القطر المصري في البكالوريا سنة 1936، وقد كان من الممكن أن يحدث تحول في مسيرة حياتي في دراستي الثانوية فقد حاولت طالبات القسم الأدبي التأثير عليّ واجتذابي للالتحاق بالقسم الأدبي وبالفعل سجلت اسمي بهذا القسم فقد كنت أقوم بالمناظرات ومعرفة بطلاقة الحديث والخطاب وخلال الأجازة الصيفية أقنعتني أختي الدكتورة فاطمة بالتحويل للقسم العلمي وعندما بدأ العام الدراسي الجديد ذهبت إلى ناظرة المدرسة ـ وكانت سيدة حازمة جدا لا يستطيع أي طالب أن يناقشها ـ وتشجعت وطرقت بابها وطلبت منها أ، تنقلني إلى القسم العلمي وكانت تعلم أني متفوقة، وبالفعل أخذتني من يدي وذهبت بي إلى فصول العلمي وهكذا أراد الله سبحانه وتعالى في تحويل مسيرة حياتي.

وبعد الحصول على البكالوريا التحقت بكلية الطب واستمر التفوق وظللت الأولى حتى حصلت على البكالريوس سنة 1945 وسافرت بعد ذلك إلى انجلترا واجتزت امتحان درجة العضوية الطبية الملكية وهو امتحان صعب للغاية لا ينجح فيه سوى العشرة الأوائل فقط وعندما عدت عينت بكلية الطب وتدرجت في المناصب حتى وصلت إلى أستاذة طب الأطفال وكنت أول سيدة ترأس قسم الأطفال في الجامعة.

المرأة وأمراض النساء

** بماذا تفسرين نجاح الرجل في مجال النساء وفشل المرأة في ارتياد هذا المجال الأقرب إليها؟

ـ بداية لا أريد أن نقول فشلها أو قصورها في هذا المجال، فالملاحظ أن الرجل يتميز في الأعمال التي تحتاج إلى شجاعة ومسئولية نظرا لطبيعة تكوينه فطب النساء والولادة لا تخلو من عمليات جراحية كبرى وهذا يجعل الرجل أكثر تميزا عن المرأة بالإضافة إلى ذلك هناك ظروف المرأة الاجتماعية وبيتها وأولادها فيه أم وربة منزل أولا وأخيرا.

وفي حالة اشتغالها بأمراض النساء والولادة فإن ذلك يقتضي استدعاءها بالليل والنهار في الأوقات المناسبة والغير مناسبة للكشف عن الحالات العاجلة والولادات المتعسرة وهذا يتنافى مع وظيفتها الأساسية وهي الاهتمام ببيتها وزوجها وأولادها ومن ثم تعتبر هذه المهنة ظلما للأسرة وفي رأيي فإن تخصص الأطفال هو أكثر التخصصات التي تناسب طبيعة المرأة، وإن كنت أتمنى أن تثبت الطبيبات جدارة في تخصص النساء والولادة.

فنحن في أشد الحاجة إلى أن تخصص الطبيبات في أمراض النساء فأي سيدة لديها شيء من الحياء لا تحب أن تتعامل مع الطبيب وتفضل أن تتعامل مع طبيبة.

** قلت : " أنا لا أبرر العمل للمرأة إلا اللاتي يضفن جديدا في مجالات التعليم والتربية والطب فهذه أعتبرها مجاهدة " فهل لا تشجعين عمل المرأة إلا في هذه المجالات فقط؟ ورأيك في الدعوة هذه الأيام لعودة المرأة المصرية للبيت ؟

ـ هناك قاعدة عامة لا يختلف عليها أحد وهي أن المرأة واجبها الأساسي الذي خلقها الله له هو رعاية زوجها وأولادها، ومن ثم فإن قيامها بفعل ما بإخلاص وضمير مع قيامها في نفس الوقت برعاية أولادها يعتبر جهادا وأرى أن فتح مجال عمل للمرأة في جميع التخصصات خطأ، فلابد أن نختار في كل مجال الشخص الملائم له فهناك أعمال لابد أن تشغلها امرأة مثل طب الأطفال، كذلك لا يمكن الاستغناء عن المدرسة خاصة للأطفال، قد شعرت بأهمية هذا المجال لذا تطرقنا إليه في نشاطاتنا وأنشأنا عدة مداس إسلامية تخرج أجيالا صالحة.

وألاحظ أن هناك طبيبات لا يفضلن العمل بعد التخرج بحجة رعاية الزوج والأولاد وفي رأيي أنه ما دام المجتمع في حاجة لهؤلاء الطبيبات فإن خدمة المجتمع تعتبر نوعا من أنواع الجهاد.

أما دعوة المرأة للبيت فهي لم تحدث حتى في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كانت المرأة تخرج في الغزوات لتساعد في تضميد الجروح وكان يطلق عليهن الآسيات وهو اسم جميل يأتي من المواساة والتسرية عن المريض، إذن عودة المرأة للبيت موضوع لا يجب أن نتطرق إليه!!!

** لماذا أغلقت عيادتك الخاصة منذ 30 عاما.. لماذا ؟

ـ عندما لم يتحقق حلمي في إنشاء مستشفى للأطفال المصابين بمرض روماتيزم القلب في الجامعة اقترح عليّ زوج أختي إنشاء جمعية لتحقيق هذا الغرض فقد كان يلمس مدى انفطار قلبي على هؤلاء الأطفال، وقمنا بتأسيس الجمعية واتسع نشاطها وكثرت المشاغل والواجبات لذا لم ِأستطع التوفيق بين العمل في عيادتي الخاصة والعمل التطوعي في الجمعية فاضطررت لإغلاقها وكرست كل جهودي للطبقة الفقيرة.

** روماتيزم القلب الذي يصيب الأطفال هل هو مرض وراثي أم مرض بيئي ؟ وكيف يمكن الوقاية منه؟

ـ روماتيزم القلب مرض خطير ونسبة الوفاة فيه عالية إذا أهمل علاجه وكان من أهم أسباب الوفيات في أطفالنا من سن 5 ـ 15 سنة، وحتى إذا لم يؤد إلى الوفاة فإنه يقعد الشخص عن العمل قعودا تاما وهذا يعتبر عجزا وخسارة لمصر أما الآن فقد تغيرت الصورة إلى حد كبير بفضل الجهود التي قمنا بها منذ عام 1956.

وعامل الوراثة في هذا المرض عامل طفيف ولكن البيئة هي الأساس في حدوث التهابات اللوز بالميكروب السبحي، وهذا يحدث عند تكدس في المدارس مثلا وعدم توفر الوعي الصحي، وهؤلاء الأطفال يكون لديهم في العادة حساسية واستعداد لهذا المرض حيث يصابون بالحمى الروماتيزمية وهكذا فإن البيئة لها علاقة كبيرة من حيث المساكن الصحية والوعي الصحي وثقافة الأم والأولاد.

إن الوقاية ذات أهمية سواء في روماتيزم القلب أو غيره من الأمراض وهناك ثورة قامت في مجال الطب على أن مفهوم الطب هو المداواة فقد كان يخيل للطبيب أن من واجبه أن يشخص المرض ويعالجه ولكن الأولى به والأرجح له والفائدة التي تعم الناس هي الاهتمام بالوقاية ومحاولة منع المرض والحمد لله أن ديننا الحنيف قد اهتم بمجال الوقاية اهتماما شديدا كما جاء ذلك في القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. والآن اختلفت الصورة اختلافا كبيرا وهذا يرجع إلى ارتفاع المستوى الاجتماعي وزيادة الوعي والثقافة وأهم من ذلك كله زيادة وعي الأم فمنذ حدوث التهابات اللوز تسرع بالطفل إلى الطبيب فالتهاب اللوز به اتصال بالحمى الروماتيزمية والعلاج المبكر في هذه الحالات يمنع الحمى من الظهور حتى في الشخص الذي لديه استعداد للإصابة بالمرض.

ولقد بذلنا أقصى مجهود في القيام بحملة للكشف على تلاميذ المدارس من سن 5 ـ 15 سنة واستخراج حالات روماتيزم القلب وقد قام بذلك مركز روماتيزم القلب بالهرم بالتعاون مع وزارة الصحة وقد كنا نقوم بعملية تثقيف صحي للأمهات وهذا مستمر حتى الآن في المركز.

ونتيجة هذه الجهود المكثفة فإن الحالات المتأخرة التي كانت تصل إلى 50% من مجموع الحالات انخفضت إلى 14% ثم إلى 4% ثم إلى 2% .

أما أكثر الأمراض المنتشرة حاليا في مصر لدى الأطفال فهي أمراض سوء التغذية والنزلات المعوية وإن كانت نسبتها قد قلت عما كانت عليه قبل 20 – 30 سنة وهي تحتاج لجهود مضاعفة لأنها أمراضا يمكن التغلب عليها ومن الأمراض المهمة أمراض الدم الخبيثة وهي ليست منتشرة ولكن هناك بصيص من الأمل في أننا سوف نتغلب عليها.

** فكرة الطب الاجتماعي فكرة جديدة على مجتمعنا.. ماذا تعنى وما هو مجال تطبيقها؟

ـ الطب الاجتماعي له أكثر من اسم فيطلق عليه طب المجتمع أو طب البيئة أو الطب الوقائي وكلها معاني متقاربة ومتكاملة. وتقوم فكرة الطب الاجتماعي على نزول أئمة العلوم الطبية للمجتمع للمشاركة بجهودهم وللتعرف على مشاكله الصحية على الطبيعة والتخطيط للقضاء عليها بطريقة عملية بدلا من التخطيط النظري والمساعدة في محاربة المرض والقضاء عليها.

ونحن لنا السبق في إدخال مفهوم الطب الاجتماعي في مصر فقد بدأنا الفكرة عندما أنشأنا مركز روماتيزم القلب بالهرم فقد لوحظ أن الطفل لا يحتاج فقط إلى حمايته من الأمراض المختلفة وإنما هو في أشد الحاجة إلى الوقاية من الظروف الاجتماعية الدافعة لهذه الأمراض.

واعتبر أنا أول أستاذ كرسي في طب المجتمع بجامعة القاهرة أول من جعلت مفهوم الطب الاجتماعي مفهوما حيا واشركنا أساتذة الطب مع الأجهزة المتخصصة في محاربة المرض في البيئة.

فطب المجتمع يقصد به إصلاح البيئة لمنع الأمراض، فالبيئة تساعد على حدوث الأمراض كالنزلات المعوية الدوسنتاريا والتيفود، فمثلا إذا كانت البيئة مليئة بالذباب فإن هذا سوف يساعد على حدوث الأمراض السابقة والتي لا يصح أن تكون موجودة في مجتمعنا واندثرت أو كانت تندثر في مجتمعات أخرى.

ومفهوم الطب الوقائي يمتد للريف والمدن خاصة الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان.

** قلت ذات مرة: يراودني حلم التغيير منذ كنت طالبة إلى أن وصلت إلى درجة أستاذ ورئيس قسم ولم أستطع تنفيذ فلسفتي الخاصة بها. ما هي الفلسفة التي تريدين تنفيذها؟

ـ منذ أن كنت طالبة وقبل أن أصبح دكتورة كانت أشعر بأن هناك حشوا في المناهج  لا لزوم له وأن هناك أشياء كثيرة تدرس لنا وننساها أحيانا قبل التخرج.

ما من شك أن العلوم الطبية الأساسية ضرورة لتكوين خلفية للطالب يستند إليها وأساس يوسع مداركه هذا شيء ضروري ولكن أن تعرف مثلا اسم كل عظمة دقيقة في الجمجمة وفيها مئات وأسماء غريبة وكلها تنسى فهذا تضييع للوقت والجهد.

بدأ تعليم الطب في غرب أوروبا وانجلترا واعتقدوا أن المناهج التي وضعوها أشبه بالإنجيل والتوراة لا تمس فعوقوا أي تطور أو محاولة للتحسين فلم يكن أحد يستطيع أن يمس هذه المناهج، وفي الستينات بدأت ثورة طبية من جانب الأطباء مطالبين بضرورة التغيير والتحسن، وأنا مؤمنة بهذا فأنا تخرجت في الأربعينات وظللت أحلم 15 سنة بالتغيير، وعموما فالتغيير دائما صعب، ولكن أتيحت لي فرصة ذهبية في دبي فأعطيت حرية اختيار المناهج فاخترت الأفضل والأحدث وحققت ما كنت أتمناه، كما أنني أشرفت على التنفيذ خوفا من أن يأتي أحد لا ينفذها أولا يفهم ما كنت أقصده أو ليس لديه الحماس الكافي، كذلك كنت أحلم أن يٌعطي الطب الوقائي أهمية أكبر في مصر وأن يتعلم طالب الطب أن الدكتور لا يعني " السماعة " ولكن لابد أن يكون دوره الأول الوقاية ومحاربة المرض ثم تشخيص المرض وعلاجه إذا حدث.

** يتعرض الأطباء الشبان للبطالة هذه الأيام.. فكيف يمكن حل هذه المشكلة ؟

ـ هذا سؤال مهم وحرج فالبطالة موجودة في النطاق الطبي بشكل واضح ففرص العمل في مشكلة في جميع الدول وقد يظهر بشكل أوضح في مناطق عنها في مناطق أخرى نتيجة سوء التوزيع فقد يكون هناك تكدس للأطباء في مناطق وحرمان مناطق أخرى من الرعاية الصحية وربما لو أحسنا توزيع الأطباء فإن هذه المشكلة تكون أقل حدة مما هي عليه الآن، إننا في إفريقيا وآسيا والعالم العربي والإسلامي نعاني من نقص الأطباء ولو تم توزيع الأطباء بشكل معقول لما ظهرت مشكلة البطالة بنفس هذا الوضوح، وفي يوم من الأيام كانت كلية طب القاهرة تقبل 1000 طالب في الدفعة الواحدة لكن إحساسا بخطورة هذه السياسة انخفض العدد إلى 500 ولكن بالرغم من هذا فإن الأطباء لا يجدون فرصا للعمل.

لقد ارتفعت بعض الأصوات في الجرائد الحزبية تحتج على إنشاء الجامعة الأهلية بحجة أنها سوف تؤدي إلى مزيد من البطالة وفي رأيهم أن الجامعات التي لدينا كافية وتحتاج فقط إلى التطوير بدلا من إنشاء كليات لسنا في حاجة إليها.

ورأيي الشخصي هو أنني حينما أنشء كلية طب خاصة تكون على درجة عالية من الكفاءة ولا تقبل فيها إلا أعداد صغيرة ربما تكون هذه الكلية إضافة جديدة للكليات الأخرى يتخرج فيها قيادات طبية رفيعة المستوى وهذا قد يؤدي إلى منافسة جادة نحو التطوير.

فالتنافس في الخير مطلوب ونتائجه طيبة.

** ونحن في شهر رمضان كيف تقضي الدكتورة زهيرة يومها ؟

ـ منذ أن كنت طالبة لم أشعر بأي مشقة في شهر رمضان على العكس كنت أشعر أنني نشيطة ولم يكن هذا الشهر الكريم يغير أبدا من نظام حياتي، وأنا أعتقد أن رمضان لا يغير من نظام الحياة ولا يقلل من عطاء الفرد، حتى وأنا في هذه السن أشعر بأن الصيام يزيد من نشاطي وحيويتي، فحجب الطعام ساعات طويلة لا يعوق قوة التركيز ولكن قد يؤثر هذا على البعض ومن ثم يحتاجون إلى تحوير خفيف في نمط الحياة اليومية. لكن الصيام من الناحية الطبية والعلمية لا يمكن أن يتدخل في قلب نظام الحياة، وأنا في رمضان أحب أن أعطي وقتا أكبر للاتصال بالله فأحافظ على صلواتي خاصة صلاة الفجر والتي أحرص على أن أؤديها في الجامع وأظل أقرأ القرآن حتى الشروق وأختمه في هذا الشهر وحريصة أيضا على صلاة التراويح، فهذا الشهر الكريم هو فرصة للعودة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأحرص كل عام على أداء العمرة في العشر الأواخر في رمضان.

 

 

  

Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse


Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment - M.A.F.]. All rights reserved.
Revised: April 17, 2007 .