لجــزء الثــانــي

 

حـلقــة نقـاش

    

 

 
 
 
 

 

 

قراءة في نص

 

فصل الخطاب فيما وراء الحجاب

 

)القاهرة 9 فبراير 2000(

 

 

                                                                                           

 

      دارت المناقشات في حلقة مستديرة ضمت كل من د. أماني صالح ، والأستاذة أمل

حمادة ، والباحثات : زينب علي وعزة جلال وأمينة محمود ومنال يحيي وهند مصطفى.

وكانت د.أماني قد أعدت ورقة خلفية للجلسة التي كان من المقرر أن تتضمن -إلى

جانب مناقشة نص "فصل الخطاب"- شهادات تقدمها الباحثات عن تجربتهن الخاصة مع

الكتابة . ويشمل التقرير التالي الجزء الخاص بمناقشة النص ، أما الجزء المتعلق

بالشهادات فسوف يتضمنه تقرير منفصل، مع اقتراح أن يكون هذا الأخير أحد مواد

النشرة التي تصدرها الجمعية في عددها التالي بإذنه تعالى.

 

     وسوف يبدأ التقرير بالورقة الخلفية للجلسة (الجزء الخاص بمناقشة النص

فقط)، تلي ذلك مناقشات الجلسة التي استهلت بكلمة افتتاحية لدكتورة أماني صالح،

ثم مداخلات الباحثات بترتيب جلوسهن.

 

 

الورقة الخلفية

   يقدم نص فصل الخطاب للأستاذة الدكتورة منى أبو الفضل للوهلة الأولى لونا

جديدا من الكتابة لصاحبته.  اعتدنا -نحن تلامذتها -على قراءة لون آخر مزيج من

الفكر والسياسة والنظرية والتحليل السياسي.

   وفاجأتنا الدكتورة منى أبو الفضل بهذا النص الذي يدخل في نطاق الانتاج

الأدبي بغض النظر عن تصنيفه داخل هذا الانتاج، فقدمت ما يبدو للوهلة الأولى

لونا جديدا من الكتابة،  طالبة من تلميذاتها قراءة نقدية له في إطار مسعاها

لتطويره.

   إن النص يثير العديد من التساؤلات المتعلقة بالشكل والمحتوى : مجملها هل هو

كتابة جديدة، أم هو مضمون قديم راسخ لدى الكاتبة في قالب جديد؟ وهو ما يفتح

الباب أمام التساؤل: هل الكتابة فعل جديد ومتغير؟ أم أنها كالبصمة  أو الشخصية

ثابتة تتغير أشكال التعبير فيها وتبقى مرتكزاتها وهواجسها واحدة تلح على أشكال

التعبير المختلفة؟

  النص يثير في المقابل تساؤلات حول جودة القالب الذي اختارته د.منى للتعبير عن

رسالتها ومدى نجاح هذا القالب في نقل الرسالة ، ومدى صلاحية مفهوم المسرحية

للتعبير عن القالب الذي التبسه هذا النص ؟ وما هي المقترحات التي يمكن أن يمكن

تقديمها لتطوير هذا النص.

 

مجمل النقاش

 

نص الكلمة الافتتاحية لـ د.أمانى صالح :

    تمثل د. منى أبو الفضل قيمة كبرى فى مجال علم السياسة ؛ فهى ركن أساسى 

وحجر زاوية فى مدرسة إحياء المنظور الإسلامى فى علم السياسة . هذه المدرسة التى

نشأت فى قاعات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية إحدى معاقل الفكر العلمانى

والمدرسة النقلية التغريبية فى العلوم. وتنبع عظمة هذه المدرسة " المنظور

الإسلامى فى علم السياسة "  والتى لا تزال فى طور التشكل والتبلور من عدة مصادر

منها: أولا نشأتها النضالية والكفاحية فى بيئة معادية أو غير مشجعة على الأقل .

ثانيا تطويرها هذا المنظور من القاعدة ، ومن واقع الإحساس المجرد من قبل بعض

الأساتذة فرادى بالحاجة إلى تطوير هذا الاتجاه الأصيل دون مساندة من أى مصدر من

مصادر السلطة . وأخيرا طرح هذه المدرسة فكرة الطريق الثالث .. الطريق الصعب ..

طريق نمو الذات وابتكار وطرح رؤى للمشكلات الثقافية السياسية تنبع من خصوصيتنا

الثقافية ، واجتهاد حلول ، وطرح أطر ومعايير جديدة ، ومفاهيم للتحليل تنبع من

هذه الخصوصية . لقد ولدت هذه المدرسة العظيمة على يد د. حامد ربيع رحمه الله فى

إطار طرحه الهام لنظرية القيم من منظور مقارن. ثم تطورت على يد أستاذتنا

الدكتورة منى أبو الفضل من خلال نقدها لعلم التنمية الغربى وطرحها للمنظور

الحضاري فى التعامل مع مشكلات عالمنا الإسلامى. ولا زالت هذه المدرسة تفرخ

ثمارها فى موجتين ثالثة ورابعة من الأساتذة والباحثين فى مختلف مجالات علم

السياسة.

    كانت هذه مقدمة ضرورية للتعريف بالكاتبة التى نتناول عملها اليوم وبمجال

إسهامها الأصلى وقدرها فى هذا المجال. ... ولكن عمل اليوم ليس جزءا من هذا

الإسهام العلمى البحثى ، إنما هو مسار جديد . أو لنقل كتابة جديدة ولجتها

أستاذتنا حديثاً.  وهى بتواضعها العلمى الذى عهدنا من جانب ، وبمفهومها الذى

علمتنا إياه القائم على التفاعل الخصب المولد للأفكار بين الأستاذ وتلاميذه

تدرك جيدا أنها العالمة الجليلة فى مجال علم السياسة لا تزال هاوية مبتدئة فى

مجال الأدب والتعبير الفنى.. وهى تطرح هذا الإنتاج علينا لنتناوله بالمناقشة

الصريحة البناءة ونقترح عليها سبل تطويره.

    العمل الذى نتناوله اليوم والذى أسمته د. منى مسرحية فصل الخطاب فيما وراء

الحجاب  هو - كسائر أعمالها حتى السياسى منها- يمتزج حتى النخاع  بمشاعرها

الحية وإحساسها المرهف ومعاناتها بهذه الأمة ومآسيها. .. وهى معاناة يعمقها

وجودها فى الغربة بعيدا عن وطنها وتلاميذها . ونحن إذ نكن كل الفهم والاحترام

لهذه المشاعر وتلك المعاناة التى تكمن خلف هذا العمل ، التى يدرك كثير منا

أبعادها وصدقها. . إلا أننا حين نتعرض هنا فإننا لا نعرض بحال لهذا الشعور

النبيل وإنما تنصب جلستنا على ذلك القالب وتلك الأدوات الشكلية والقنوات

التعبيرية التى سلكتها تلك المشاعر للتعبير عن نفسها فيما أسميناه بـ" الكتابة

الجديدة".. طامحين أن تقدم لها مناقشة نقدية بناءة تسهم فى تطوير تلك الكتابة

سواء فيما يتعلق بالنص الحالى أو بالنصوص القادمة.

****

** عزة جلال :

  بدأت عزة حديثها بالإجابة عن سؤال : هل يعد هذا النص مسرحية ، وقدمت اجابتين،

الأولى تنفي ذلك احتكاما إلى المعايير التقليدية الكلاسيكية ، والثانية تقر كونها مسرحية بمنطق ما بعد الحداثة ، ممثلة على ذلك بمسرح التليفزيون الذي يتكون أحيانا من ممثل واحد هو الراوي وورائه تظهر الأحداث على شاشة سينما.

  وفي توصيفها للنص ، أشارت عزة إلى أن في الثقافة العربية المرتبطة بالأدب مدرستين كبار: مدرسة الطبع والصنعة . الاديب المنتمي لمدرسة الطبع يكتب بالمشاعر فقط ، في حين أن مدرسة الصنعة تشمل اصطناع الألفاظ المزينة والجميلة.  ومن ثم فهي تصنف النص داخل المدرسة الأخيرة وذلك لما تراه من غلبة الصنعة عليه ، موضحة  أن الالفاظ والجمل المصنوعة كانت تمنعها عن متابعة الفكرة . بمعنى أن اللغة كانت هدفا في ذاتها ولم توظف لصالح الفكرة بالشكل الأفضل .

 

   وتربط عزة بين ما كتبته د.منى وبين خلفيتها في العلوم السياسية بما أسمته "أدب السقوط" أو "أدب الاستغاثة" موضحة أن الثقافة العربية عرفت هذا اللون الأدبي  في فترات معينة : في فترة سقوط الأندلس في المائة سنة الأخيرة قبل سقوط غرناطة على سبيل المثال وعرفته أيضا وقت الحملات الصليبية . وتعرّفه بأنه "تعبير عن موقف مأساوي وواقع مأزوم بأدب مثله  يتحرر من القوالب المعتادة" .   فالشعر الذي ظهر في فترة سقوط الاندلس مثلا غير ملتزم بشكل الموشحات التي كتبها بن عربي وغيره . تمثل على ذلك أيضا بقصيدة  "هوامش النكسة" التي كتبها نزار قباني ، فهي ليست بشعر ، لكنها تعتبر كذلك لان من كتبها شاعر ولان بها حد أدنى

من الكلام المسجوع وحد أدنى من الوزن لكنها تظل ومضات ملائمة للحالة النفسية  للشاعر والأمة، لغتها لغة متشنجة ، وهي ليست بحال من الأحوال قصيدة بالمعنى المتعارف عليه. والباحثة لا تنفي هنا أن فترات السقوط تلك -أو النوازل كما تسميها د.أماني-  تخلق أدب رفيع ، مؤكدة أن هوامش نزار -استطرادا للمثال الذي ضربته- تعد نقطة فاصلة في حياته ويؤرخ بها لتاريخه الأدبي. وبالمثل -تقول عزة- فإن مسرحية د.منى  تفتقد شكلها التقليدي ربما لأنها كتبت في واقع مأزوم وكتبتها انسانة تعاني نفسيا بشدة جراء هذه الظروف فلم تخرج بشكل مترابط.بل كانت أشبه بكتابة شخص اختلطت  عليه الأمور من فرط سوءها.

 

      وقد أشارت د. أماني في هذا الصدد إلى فكرة أن العاطفة وحدها لا تخلق أدب ، مذكرة ببيت من الشعر دُرج على تضمينه في مناهج الأدب في المدارس المصرية باعتبار  أنه يعبر عن نوع من الانسياب العاطفي لكنه لا يعبر عن أدب ، وهو:

واه لسلمى ثم واه واها   ياليت عيناها لنا وفاها

      واستكمالا لحديثها ، أشارت عزة إلى أنه يمكن بعمل نوع من المونتاج للمشهد الثاني يمكن التمييز  بين صوتين (أ) و(ب) كلاهما ينتمي للحضارة الغربية : احدهما يمثل ضميرها والآخر واقعها.

**

أمينة محمود1  :

استهلت أمينة كلمتها بالاشارة إلى أن صاحبة النص -د.منى-التي تشتغل بالعلم والفكر وتنتج نصوصا في اطار فكري معرفي عقلاني لاتسعها القوالب التي اعتادت ان تقنن فيها انتاجها ، فهي ليست عالمة عقلانية باردة تقف بذاتها خارج ما تكتب عنه انها ذات من تعايش وتعاشر وتقتات على ما تكتب عنه وتهتم به من قضايا. هي المرأة المسلمة بلباسها المتواضع وحجابها تقف شامخة بثراءها الروحي والعلمي والتراثي  لتدلو بدلوها وتبدي برأيها وتشهد شهادتها . مشيرة إلى أن المرأة المسلمة لا تدلي بشهادتها من الخارج بل من الداخل، من قلب الاحداث ، انها تشهد بشهادتها بينما عرضها ينتهك وبناتها تغتصب وابناءها يقتلون. انها شهادة حية نابضة مخضبة

بالدماء ومعطرة برائحة الاحتراق، والقالب العلمي الفكري لايسع تلك الشهادة ولا يوفيها حقها  لذلك تم اللجوء الى قالب جديد يجمع بين الفكر والفن . نحن هنا أمام مسرحة لمحاكمة فكرية للحضارة الغربية العدوانية.

 

ووصفت أمينة تتابع أحداث المسرحية بقولها : بتدفق شعوري غامر فياض تبدأ المسرحية ولهول ما تعيشه أمة الله الشاهدة المسلمة، ولشدة وجدها واشتعال أحشائها فإنها تهرع إلى أصولها وتتشبث بجذورها وتستغيث برموز ماضيها وهو ليس ماضيا ميتا فالمرأة المسلمة تدرك أن ماضيها وحاضرها هو مستقبلها . ومن وحي القلم ومن وحي الإسراء والمعراج المستمر ومن وحي القلم المتجدد تستغيث  آمة الله  بالرموز الاسلامية المشرقة: بحيّ بن يقظان، بابن سينا ، بابن طفيل بالعطار بالشيخ الأكبر تستغيث  من محراب العذراء ومن عند بئر زمزم تتلمس الامان وتستشعر

الاستقرار بينما هي تقف على أعتاب "عالمية خراب العمران".

 

 آمة الله الشاهدة المسلمة التي تحترق أحشائها بنيران وعدوان الحضارة الغربية العنصرية تقدم  شهادتها في لغة قوية ثائرة. ولأنها فقدت القدرة على الفعل ،  أو لنقل انها لا تستطيع أن تقدم على فعل مناسب لما تلقاه هي وقومها من غصب وقتل وعدوان ،  فإنها تتخذ لغتها سلاحها تزيح به اللثام عن رجس اللئام وتسعى لتأسيس علم يؤصل لمنشأ القبح في العالم. وتعيد فتح ملف تلبيس ابليس. وهكذا تبرز المراة المسلمة في هذا الزمان فيكون لها حضورا والحجاب اذا ما ارتدته بروزا من شأنه ان يهدد النظم ويكشف عوراتها. وتشهد أن عين الوحشية شرعة عامة العولمة ودهامئها وتشهد  بعمى البصائر وغيبة الضمائر وتشغل شهادة المرأة المسلمة المشهد كله على شكل سردي.

 

المشهد الثاني يقدم شهادات من أهلها، أهل تلك الحضارة الأوروبية الغاشمة. وعلى شكل حوار وسجال يتراوح الحديث ما بين دفاع باهت عن تلك الحضارة وهجوم قوي .  وانما يكون الدفاع باهتا بسبب أن ما قدمته تلك الحضارة من مآثر يقبع وسط ما أقدمت عليه- ولاتزال- من فظائع وأهوال. هذه الشهادات من الداخل تبرز أيضا من خلال ضمير بشهادة المرأة المسلمة التي تسعى لنقد تلك الحضارة بالهجوم عليها من الداخل وليس من الخارج فقط .

 

وفي تعليقها على اللغة ، رأت أمينة أن اللغة مؤثرة لها وقع عاطفي  وانفعالي كبير، وانها موظفة لأبعد الحدود في التعبير عن الأفكار وتقديم الشهادات واثارة العواطف والانفعالات ، مشيرة إلى أن الكاتبة متمكنة من لغتها وتملك ناصيتها الى حد كبير وقد استطاعت بتوفيق كبير ان تطوع اللغة لتخدم رسالتها التي تريد بها ايقاظ الغافلين ووخز ضمائر  المعاندين الغارقين في أوهام العنصرية والاستعلاء .

وحول مسألة المتلقي ، استطردت أمينة قائلة :لأن صاحبة هذه الرؤية  (أي أمينة نفسها) محبة للادب والفن عاشقة للغة والتعبير فقد تذوقت هذا النص لغويا واستشعرته وجدانيا واستطاع النص أن يحدث فيها ما ارادته صاحبته من تأثير عقلي  وجداني وشعوري. لكن يظل هناك سؤالا هاما : هذا النص المكتوب بوعي شديد كي يؤدي  رسالة هل ينجح بقالبه هذا في أن يصل  لجمهور وعامة المستقبلين؟.

 

ان المفترض في الرسالة هو وصولها الى عامة الناس كي تفعل فعلها وتؤدي غرضها .  وهنا تساءلت أمينة: هل عامة الناس يتذوقون  ما في هذا النص من لغة ثرية بحيث يتجاوزون اللغة إلى الافكار . هل هذا القالب الجديد الذي يجمع بين الفكر والفن يعتبر صالحا من الناحية الفنية لتوصيل فكرة معينة وفي نفس الوقت يترك تأثيرا ممتعا ؟ هل صوت الضمير هنا وصوت الشهادات الحارقة من هول ما ترى يكفي لاحداث وقع وتأثير على المتلقي؟ ان المشهد الأول كله سردي  بينما المعروف ان المسرحية  قائمة على الحوار . كذلك المشهد الثاني يقوم على حوار سجالي  ويحمل بثراء قضايا  فكرية كثيرة أكثر ما يحتملها القالب المسرحي.

 

وقد وصفت النص بأنه محاولة لمزج الفكر والفن وأنه محاولة جريئة ، تعبر عن عجز  القالب الفكري عن احتواء ما يحدث في عقل وقلب الذات المفكرة من مشاعر وخواطر وانفعالات جمة. فصاحبة النص-كما ترى أمينة- لم ترغب في اللجوء الى الشكل الفني الصريح المحض. بل رغبت في الجمع بين الفكر والفن. والفن هو الوجه الانسب للمشاعر والعواطف والحالة النفسية الداخلية للانسان. أما بالنسبة للمتلقي العادي، ترى أمينة أن الشكل الفني المحض هو الأقرب لتوصيل الأهداف اليه واثارة العقل والمشاعر. واذا كان هذا النص قد ترك فيها -أي أمينة- تأثيرا كبيرا 

بصفتها امرأة مسلمة مثقفة تعيش بالفعل ما أثاره النص ، فهي لا تتوقع أنه سيترك  نفس التأثير على المتلقي العادي. ربما لو شاهد هذا المتلقي مثلا مشهدا لفتاة  بوسنية تعرضت للاغتصاب  تقف المؤدية على المسرح لتؤدي بدورها استرجاع الفتاة المرير لما حدث لها ربما يثير هذا في المتلقي اقوى المشاعر والانفعالات فيخرج غاضبا على الحضارة الغربية العنصرية، لكن د. منى لاتريد الاكتفاء باثارة تلك المشاعر المريرة التي للأسف سرعان ما تزول . انها تريد انقاذ الغافلين وتذكيرهم الدائم بموقعهم الاليم في الحياة والعالم . وتريد ادانة الحضارة الغربية وكشف اللثام عن حقيقتها القبيحة وذلك فإن القالب الفني هو الانسب لها . انها تقدم في قالب فني محاكمة فكرية للحضارة الغربية وقد نجحت في ذلك كنص بغض النظر عن محاولة تصنيفه  في قالب معين . أعتقد أن صاحبة النص ذات موهبة فنية ولكن ينقصها الجرأة  لكي تكتب كتابة أدبية فنية مقولبة في قالب فني معروف . ربما يكون تاريخها العلمي والأكاديمي  الطويل عائقا لها من مغامرة الخوض في الكتابة في مجالات بعيدة عنها.

 

ومن جماليات النص التي أشارت إليها أمينة كونه محمل بالرموز : الاستغاثة  بالرموز الاسلامية الفلسفية، الصوفية منها بشكل خاص : حي بن يقظان ، بن سينا ، العطار والشيخ الاكبر .. فحي بن يقظان مثلا وكما توصفه أمينه -رمز فلسفي كبير لوصول الانسان للمعرفة بدون وحي.

أشارت ايضا إلى ختام المسرحية لحظة ظهور العذراء عند الكعبة مقر البعثة المحمدية ، من منطلق أن هذا المشهد يعكس في براعة كيف ان الدين واحد والحق واحد . أشارت أيضا إلى ما قالته أحد الاصوات الغربية في المسرحية "اننا اذا احتكمنا الى عدالة السماء ونزلنا فينا  معشر الغرب حكم كتابنا المقدس لعرفنا ان وزر الاباء انما يتحمله الابناء" . حيث يشمل هذا ادانة للغربيين من داخل الكتاب المقدس لان لديهم فكرة  توارث الخطيئة ، فالمسيح صلب لكي يفتدي البشرية في

زعمهم وهو الأمر الذي لا يوجد لدى المسلمين : "لاتزر وازرة وزر أخرى".

 

** أمل حماده:

    تعليقا على ما قالته عزة ، نبهت أمل إلى أن المونولوج في المسرحية ليس شكلا  جديدا بل على العكس، فهو شكل معروف منذ زمن الإغريق. مضيفة أن  نص د.منى -بهذا  الخصوص- يثير إشكالا معينا، ففي حين أنه من المعروف أن النص المسرحي يأخذ شكل حواري إما ديالوج (بين إثنين أو أكثر ) أو مونولوج (أي بين البطل وذاته) ، فإن هذا البعد الحواري غائب تماما في النص ، ومن  ثم فهو مجموعة من الخواطر  والتفاعلات أكثر منها قالب مسرحي .

   وحول موقف المتلقي ، ذكرت أمل أنها -ضمن غيرها ممن حولها من الباحثات- تعرف

د.منى أبو الفضل وتدرك مدى معايشتها للحوادث، خاصة أنها -أي أمل- واحدة من

تلاميذها وممن عاشوا معها ، وخبروا ما حدث لها ابان أحداث البوسنة والهرسك على سبيل المثال، ومن ثم -تقول أمل -فأنا سوف أتعاطف مع النص حتى وان لم أفهمه ، ولكن المشكلة تبرز بالنسبة للمتلقي من الخارج . وتشير هنا إلى أن المتلقي العادي يحتاج شحنة بصرية، مقترحة أن تستخدم د.منى امكانياتها الكومبيوترية في إدخال شحنة بصرية على الكومبيوتر من خلال "الجرافيكس"  ، هذا مع تخفيف "خطاب"  المسرحية الذي يتميز في صورته الحالية بالطول وعمق اللغة . مشيرة إلى أن توزيع  اللغة إلى سمع وبصر سيكون من شأنه تبسيط الأمر كثيرا للمتلقي.

 

وقد أثارت أمل نقطة أخرى تتعلق بحجم الافكار والشعور والعاطفة المتضمنة في النصوص الادبية مقارنة بالنصوص العلمية التحليلية . حيث أوضحت أن النص بغض النظر عن كونه نصا أدبيا خالصا أو علميا تحليليا يستبطن مجموعة من الأفكار ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بالإطار المرجعي لمنتج هذا النص، هذا الإطار الذي  يحكم نظرته للحياة والموت والعلاقة بين المتغيرات والثوابت في المسافة بين الرحلتين . مشيرة إلى أن الفرق بين النص الأدبي والعلمي قد يكمن في الرداء الذي  تتلبسه هذه الأفكار فبينما في الأخير تتلبس لباس العقل أو/ و المنطق أو/ و

الوحي أو/و الرشادة الا انها في الأولى تتلبس رداء المشاعر والعواطف من أجل إيصال رسالتها في المقام الأول واقناع المتلقي في المقام الثاني .

   

وحول مضمون الأفكار التي احتواها النص ذكرت أمل أن النص يحمل شحنة شديدة  الانفعالية من د. مني حول مجموعة من التطورات علي الساحة الأوربية ذات الصلة الوثيقة بعالم المسلمين. ووصفته بأنه : صرخة من "أمة الله" ليس بالضرورة "ضد"  ولكنها في مقابل الاخر الذي يضطهدها ويعذبها ويستبيح حرماتها . وتساءلت أمل : هل يمكن النظر لهذه المناجاة ومحاولة كشف الستار عن حقيقة ممارسات وتناقضات الحضارة الاوربية ، على أنها مناجاة من الداخل _ من داخل هذه الحضارة (كما أشارت أمينة وعزة) بقصد محاولة تصحيح المسار أو مخاطبة الجانب الأكثر تسامحا داخل هذه الحضارة والذي تم تعميته و/أو تزييف وعيه الانساني ؟ . أم أنه لا سبيل

للاصلاح والتصالح بين الحضارة الغربية والمسيحية ؟ بعبارة  أخري هل التناقض داخل الحضارة ونظرتها التعصبية أصيل بحيث لا يمكن فصم عري التحيز والتعصب إلا برفض وبمحاولة فصم العلاقة بين الغرب والمسيحية ؛ بحيث أن الغرب هو المصاب وليس  المسيحية؟

 

 ونقلها هذا التساؤل لنقطة تالية تتعلق بخصوصية الحضارات واتساقها مع  الاديان ، مشيرة إلى أن المسيحية في الاصل هي دين تسامح وترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله . ولكنها في مرحلة من المراحل ارتبطت بحضارة غربية قائمة علي الاستعلاء والتعصب، مما ربط بين المسيح " وفرسانه " وبين حركات وحلقات متعاقبة  من محاولة فرض الذات ومحو الآخر في المقابل  ، مذكرة بهذا الصدد بممارسات الرومان ضد المسيحيين الأوائل أنفسهم . مضيفة أنه علي الناحية الاخري، فالدين الاسلامي دين سماحة وعدل ارتبط بحضارة عربية بدوية المنشأ وان كان فيها قيم

للصراع والعنف الا أنها استطاعت أن تستوعب في سماحة الدين الاسلامي وتقدم في عز قوتها نموذجا قائما علي فهم وتسامح مع الآخر والدعوة لدين الله بالتي هي أقوم .

ثم تستطرد أمل في فكرتها مشيرة إلى معضلة واجهتها في الانسياب في التفكير بهذا المنطق ، مؤداها أنه إذا صحت هذه الخاطرة الأخيرة فهي في منتهي الخطورة ؛ لأنها تعني أن الغرب لا سبيل اصلاحه ولا سبيل لاحداث تصالح ما بين حقيقة الدين المسيحي والحضارة الغربية مما قد  يساعد علي تأجيج الخصومة والصراع بين الغرب والشرق . ومن ناحية أخري تتساءل أمل كيف تفسر هذه العلاقة موقف المسلمين عربا وعجما من بعض الحركات العنيفة ( بن لادن علي سبيل المثال لا الحصر ) وهل استخدام العنف كوسيلة للتغيير هو حدث عارض نتيجة للقهر والقمع والاستلاب والاستغراب أم أنه تغير أصيل يستوجب التحليل والدراسة ؟

 

وقد أثارت هذه التساؤلات وتلك الأفكار التي طرحتها أمل مناقشة خاصة ، استهلتها د. أماني عندما أوضحت أنها لا تتفق مع أمل على فكرة أن الدين الاسلامي استوعب الحضارة العربية بل ترى أنه على العكس حدث تعريب للدين . مدللة على ذلك بأن التاريخ الإسلامي لم يكن تاريخ سلمي خال من الدماء، بل مورست كذلك الخلافات المذهبية بكل عنف وقسوة. وقد أجابت أمل أنه مع ذلك لم يشهد التاريخ الإسلامي مثلا ممارسات من قبيل فتح المناطق باستخدام العنف الدموي وبالابادة. مضيفة أن فترة الخلافة الراشدة على الأقل كانت فترة اتسمت بسيطرة الدين على الحضارة. وهو ما وصفته د. أماني بأنه نوع من التوفيق الذي لا يرقى للقول بأن الدين استوعب الحضارة

 

وأشارت عزة إلى موضع آخر من حديث أمل قائلة أن المسيحية بطبيعتها الروحية الخالصة  لا تؤسس دولة ومن ثم استعان الغرب بالاسس اليهودية لتأسيس دولة، أما الاسلام فقد قنن هذه الأمور بشكل واضح. وهنا تدخلت أمينة موضحة أن الخلاف في الإسلام هو خلاف سياسي اجتماعي حتى لو اتخذ صبغة دينية ، ويبقى الإسلام كعقيدة مقررة من الله سبحانه وتعالى ومصونة بالنص المقدس الذي لا يتغير :القرآن .أما المسيحية فهي على حد تعبيرها، دين صناعة بشرية ، فالدين المسيحي هو حلم عبر البشرية ثم لم يعد له وجود. كانت مدة رسالة المسيح ثلاث سنوات أنزل عليه حينها انجيل من السماء وهذا الانجيل اختفى . وتستطرد أمينة قائلة أن "النسخة الحالية

من الإنجيل تنسب لبولس والأخير يهودي ولم ير المسيح بل ان قصة دخوله المسيحية  قصة غريبة . لقد كان بولس من أشد أعداء المسيح وأتباعه حتى تقدم للزواج من ابنة أحد احبار اليهود فرفض الأخير طلبه ، فكان من حقده ان انقلب الى المسيحية" .

وتخلص أمينة إلى أن العقائد المسيحية الحالية محض تشكيل تاريخي  ومن ثم كان ارتباط المسيحية بالعنف منذ البداية  أمرا متوقعا، حيث دارت الاختلافات والحروب حول جوهر العقيدة : هل بالمسيح والعذراء جزء الهي وجزء بشري وبأي نسب وهكذا..

ومن ثم أيضا فلا مجال للحديث عن تصالح بين الغرب والمسيحية إذا كانت الأخيرة غائبة أساسا.

 

وهنا أثارت د.أماني فكرة المفارقة بين وجود نص ثابت القداسة ونص تشكل عبر التاريخ مبينة أن وجود القرآن كنص ثابت يعطي مجالا دائما الإصلاح ، الذي يظل يتراءى كعملية واردة للمسلمين لأن لديهم ما يحتكمون إليه في مواجهة عوامل  التغيير والانحراف الطارئة على الواقع. لكن في المسيحية فالأمر يختلف نظرا للاختلاط بين المكون الالهي والبشري.

 

وعادت أمل للتساؤل من جديد حول  كيفية التعايش مع آخر نفترض فيه العنف منذ البداية؟ وهل ستكون أحد سبل التعايش معه ان يكون هناك ازدواجية . وهنا أجابت د. أماني بأن علينا أن نعاملهم بقواعد البشر : القوة ، التمكن، المواجهة، الردع.  وتدخلت أمينة هنا موضحة أن الغرب كان وما زال هو الذي يصيغ المواقف والافعال تجاهنا في حين أن دورنا يقتصر على مجرد رد الفعل ، وأضافت د. أماني مؤكدة أن الغرب طوال تاريخه كان يملك الاقدام والجرأة حتى أنه وفي فترات اضمحلاله الفكري لم يتورع عن شن الحملات الصليبية..وهو ما وصفته أمينة بأحادية المنطق الأوروبي المتمثل في غرور القوة ومنطق العنف والاستعلاء والتقليل من شأن الآخر.

 


** زينب علي :

    علقت زينب في البداية على لغة النص مشيرة إلى أنها مثلت حائلا بينها وبين النص أكثر من كونها شئ جمالي. كما أشارت إلى أن النص يحتاج إلى أن يأخذ بنية أكثر اكتمالا حيث  يبدو كأنه ما زال في طور التكوين. وقدمت زينب في هذا الإطار مقترحات محددة انصبت على  هيكل النص وشخوصه. حيث أشارت إلى إمكانية أن يتضمن الحوار عبارات مفصلة واضحة ، أو بعبارة أخرى يتم فك "الملف المضغوط" أو "النص المضغوط" على مساحة أوسع. ليتشكل نص جديد يحمل نفس الأفكار ولكن على نحو أوضح وأكثر تفسيرا ، فيه استخدام للحلى اللغوية بشكل ينثرها هنا وهناك ، بما يضيف للنص جمالا. إلا انها استثنت الشعر الذي تستهل به المسرحبة من هذا باعتبار انه يشكل في ذاته بنية جمالية مكتملة.

 

واقترحت زينب أن تملي د.منى أفكارها تفصيلا على احدى الباحثات، بحيث تصيغ هذه الباحثة تلك الافكار حول الواقع الحضاري الراهن في العالم .

    وتوضح زينب أن النص فيه متناثرات عن الواقع السياسي والحضاري والثقافي يمكن ان تتمدد وتفكك ، هروبا من الجمل المركزة جدا. خاصة وأن النص يحتوي ما يعزز هذا "التفكيك" ، ففيه احالات تاريخية ومعاصرة ، يمكن ان تصاغ  وتحكى داخل النص، وذلك مثل قصة  البوسنة ومحاكم التفتيش ، النساء الساحرات...إلخ . فعندما تحكى "الحدوتة" دراميا ستكون هناك مسرحية بمعنى الكلمة .

  

وتقترح زينب تحديدا بنية معينة للنص تتسم بالتدرجية والتصاعد المحكوم ، كما تقترح شخوصا للمسرحية تخدم هذا التصاعد. فالنص إذ يطرح بشكل خاص قضية إحياء الضمير واشتياق أهل العصر لنداء السماء، فإن ذلك-حسبما ترى زينب- يمكن تجسيده ذلك باستخدام نمط شخصيات تحمل نزعات متناقضة:   شخصية تمثل نزعة عقلانية وأخرى تمثل نزعة روحانية. بحيث يكون الشخصان الرئيسان  رجل وامرأة : امرأة مسلمة ورجل غربي . المرأة المسلمة تمثل الحضارة الإسلامية  في حين يمثل الحضارة الغربية رجل. منوهة إلى إمكانية أن يكون الرجل الغربي هو  مارسيليو البادوي نفسه باعتبار ان لديه نزعة ضمير تمكنه من التفاعل مع المرأة

المسلمة حين تتحدث معه ولا يرفض الحوار.

  

وتتواجد الشخصيتان الرئيستان إلى جوار محكمة منعقدة . تنعقد هذه المحكمة في  أكثر من مكان مع نفس الشخوص :الرجل والمرأة والقاضي مثلا.. بحيث ينتقلون بين الأماكن المحددة في المسرحية. وتؤكد زينب على أن يوظف انتقال المحاكمة  بشكل يخدم الدراما بمعنى أن لا ينفصل المكان عن الحوار ، ولا يكون مجرد خلفية تخلق  بذاتها أجواء روحانية عالية ولكنها منفصلة عما يروى. بل ان كل موقع تنتقل فيه  المحاكمة يكون خادما للحوار .

   

والأخير سيكون له مضمون فلسفي أو فكري حول العلاقة بين العقل والعاطفة والايمان. المرأة المسلمة تمثل الايمان ومعه الحكمة والعمران ، وهو في المقابل  يمثل العقلانية . هو يتكلم عن الماديات وهي تتكلم بشكل يخلط بين الماديات والروحانيات.

   كما أن الحوار لن يكون مباشرا بل سيتصاعد ويتم قولبته بشكل لا يجعله هجومي منذ البداية ، لكن يتدرج بشكل بسيط من الهوامش للقلب عبر تسلسل تاريخي معين.

بمعنى أن البداية يمكن أن تكون باثارة القضايا المعاصرة :الحادث في البوسنة  مثلا ، ثم ينتقل لالقاء الضوء على البعد التاريخي للحضارة الغربية وإبراز مسألة  العنف كسمة دائمة، ثم تتصاعد الأحداث بشكل أعلى ، ويكون هذا بديلا عن  النقد الصريح الذي يعبر عن أننا الأفضل وهم الأسوأ ، على اعتبار أننا لسنا الأفضل بل لدينا عيوبنا .

 

وقد أشارت زينب إلى بعض النماذج الأدبية التي سبق أن طرحت نفس الفكرة بشكل أو بآخر مثل رواية ساحر الصحراء لباولو كويلهو، وراوية البشموري  لسلوى بكر ، وقصة قصيرة لبهاء طاهر بعنوان محاكمة الكاهن كاينن. حيث تتجسد في الثلاثة فكرة الكائن الضعيف الذي يملك روحانيات عالية ويرفض ان تكون القوة هي  المنطق السائد

 

** منال يحيي:

   ترى منال أن القالب الأدبي  هو الأنسب بالنسبة لـ د.منى  مبررة ذلك بأنها كتابتها تتسم بالاسترسال في الأفكار والوصول لتداعيات واستحضار الماورائيات والانتقال من نقطة لأخرى بسرعة كبيرة ، بشكل يجد خير تعبير عنه في مسألة الفلاشات التي تومض على حد تعبير عزة . وتضيف منال أن القالب الذي اختارته د.  منى مناسب للخيال ، ورغم أنه لا يأخذ شكل الأدب المنضبط، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن مشكلة تواجهها  في التعبير بالأسلوب العلمي المجرد عن أفكارها وانتقالاتها السريعة .

وتشير منال إلى أن القارئ للنص يشعر بتداخل بين الأدب والعلم ، وفي هذا الاطار تجيب بالايجاب على سؤال الورقة الخلفية بشأن كون النص  مضمون قديم في قالب جديد . موضحة أن هذه هي شخصية د.منى؛ شخصية ثابتة تتغير أشكال التعبير عنها. . وتشير منال في هذا الصدد إلى أن المقال يأخذ منحا أقرب للعلمية في بعض المواضع بحيث يمكن استنتاج ان كاتبه عالم سياسة ؛ فالتنقيط في جزء معين على سبيل المثال يخرجه عن طبيعة العمل الفني . وهي ترى أن القالب صالح في التعبير عن الفكرة لكن الأمر يختلف حسب الجمهور وثقافة المتلقي. وفي نهاية مداخلتها أكدت منال على أن د.منى تريد ان تخرج من الانضباط والعلمية والموضوعية المفروضة على عالم

السياسية لأن العاطفة مهمة وهي شئ من صميم انسانيتنا   خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس أمور بالغة الحساسية في ذواتنا.

**

هند مصطفى:

   أشارت هند في البداية إلى أن د.منى تنفلت من رقابة قارئيها ومن تصوراتهم  المسبقة عن القوالب الأدبية وعن اللغة . مبينة رؤيتها للعلاقة بين د.منى واللغة  ، وذلك فيما يلي :

- أن  د. منى نشأت في بيئة أجنبية ، ومن ثم صارت نظرتها للغة وتذوقها لها وإحساسها بقيمتها مختلف.

- د.منى تعني كثيرا باللفظ ، بشكله ووقعه وأناقته - تحب أن يكون جميلا رشيقا ومتعاليا  (الرواي -أطياف-ابتهال-مطويات ..) ويمكن أن نضيف حنونا أيضا (د. منى  دوما ما تستخدم لفظ محضن -طيات..وهي كلمات نشعر فيها بالدفء )

-د.منى صاحبة المشروع الحضاري. ولأن اللغة العربية هي انعكاس لهذه الحضارة ، فإن الحرص عليها والاعتناء بها بالشكل السابق هو جزء من مهمتها الرسالية ، هذا غير استخدام الكلمات التي تشكل في مدلولاتها ملامح معينة من الحضارة الاسلامية .

- من النقطتين السابقتين ، صارت اللغة في ذاتها -تراكيبها وألفاظها- ليست خادمة للفكرة بقدر ما  تؤدي بذاتها وظيفة مستقلة تتكامل مع الفكرة ، مشيرة إلى أن أصل نص فصل الخطاب كان مقالا بالانجليزية ولكن عند تحويله إلى العربية، استحضرت د.منى اللغة العربية التي جاءت ومعها عبقها وروحها ومدلولاتها الحضارية الخاصة ، فظهر- من ثم- نص جديد له معالم جديدة ومسمى وتكييف جديدان.

-

د.منى في شخصها انسانة مشغولة بالهم الفكري وبفعل الفكر أكثر من غيره من أفعال، ومن ثم فإن كلماتها تأتي معبرة عن ذلك من قبيل الاستخدام المتكرر لكلمات مثل : التأمل-حيارى-الخواطر-أطياف..كلمات لها الطابع الفكري الروحاني.

-

د.منى تخلقت لغتها مع القرآن لذا فهي تتأثر به ..وتستخدم ألفاظه فنجد في النص : الشجرة المباركة ، لاشرقية ولاغربية ، الصفا والمروة ، روح وريحان ، قعود ، شهود ، كلا إن إلى ربك الرجعى ...وفي استخدامها المتكرر لكلمات معينة (في هذا النص وغيره) مثل صنوان مثلا.

-

التأثير القرآني لا يقتصر فقط على الألفاظ بل على روح النص ، بمعنى أنه لا يمكن الحكم بأن  القرآن مثلا نص أدبي أو علمي وتاريخي أو إرشادي ... القرآن يصف ويروي وتتبدل فيه لهجة الخطاب والمخاطب ، ويشمل الجمل التقريرية كما يشمل حوارات ومشاهد بكاملها . ود.منى -بوعي أو دون وعي- تقلد ذلك

..-

لقد أسمت د.منى نصها مسرحية لأنها تراه وتسمعه ، مشيرة إلى أنه مع امعان النظر يظهر أن النص هو وصف لمسرحية . فالمسرحيات تتكون من وصف (للمكان والزمان والهيئة) ومن حوار (يقوله شخص ، شخصان ، او أكثر) . والمشكلة هنا بالنسبة للنص تكمن في الحدود بين الوصف والحوار . إضافة إلى عدم وضوح الحوار رغم أنه قائم ( يمكن تبينه   بشكل أفضل في المشهد الثاني، في حين أن المشهد الأخير سيكون صامتا ويكون التعبير عن وصف د.منى بالاضاءة والديكور) ويمكن إعادة هيكلة النص بالفعل وسيتحول إلى أحد أشكال المسرح التجربيبي باستخدام الخلفيات المناسبة  وتوزيع الحوار على مجاميع خاصة الجزء الشعري الأول.

 


** أمانى صالح :

نوهت د.أماني إلى أنها كغير متخصصة فى الأدب وإنما محض متذوقة له ، تجد أن النص على قوة المشاعر فيه يثير عدة مشكلات أمام القارىء ، وقد لخصت هذه المشكلات فيما يلي:

 

أولا: مشكلة  المراوحة بين العمق والتعقيد :

   حيث لفتت النظر الى أن التعقيد يختلف  عن العمق وان اختلط به. العمق إيجابية   بينما التعقيد يؤثر سلبا على التلقى.. العمق يتعلق بتماسك البنية الداخلية للأفكار بينما التعقيد يتجسد فى تداخل الأفكار.  مشيرة إلى أن طرح أفكار ورؤى عميقة فى النصوص الأدبية يعد من أكثر المهام فنية وتعقيداً؛ أولا لأنه ينبغى على الكاتب أن يبتعد فى طرحه عن المباشرة والخطابية ، وثانيا لأنه ينبغى أن يجتهد فى البحث عن أسلوب بسيط لتوصيل الأفكار والمشاعر العميقة . ومن أشهر تلك الوسائل المعتادة "الرمزية " حيث يجسد الكاتب العلاقات المعقدة بين الأفكار فى تفاعلات يومية أو ممارسة بين البشر ، ويشير مسارها العام بوضوح إلى الأفكار والمعانى المجردة التى يريد أن يتناولها الكاتب .

 

ومثلت د. أماني على ذلك بواحدة من أكثر المسرحيات ذيوعاً وهى "زيارة السيدة العجوز" لفريدريك دورينمات ، مشيرة إلى أن جودة المعالجة الرمزية بلغت حد أن تيسر لآلاف القراء الربط بين أحداث المسرحية وبين الأثر المدمر لغزو القيم المادية للحياة المعاصرة على تماسك المجتمعات خاصة التقليدية منها.

    

وتضيف د. أماني أن النص  لا يخلو من عمق الأفكار ولكنه بنفس القدر لا يخلو من التعقيد فى تناولها والتعبير عنها. مبينة أن التعقيد ينصرف الى التراكيب اللفظية والأخيلة وحتى العنوان : الذى تتعدد بنوده ؛ من وحى الإسراء والمعراج، فصل الخطاب ..، مطويات الزمان..، وتنتهي في هذه النقطة بالتأكيد على الحاجة إلى تطوير هذا النص إلى مزيد من تبسيط وتفكيك الشكل لصالح المضمون ، والاختيار بين بدائل من المترادفات أو الوظيفيات المتشابهة.

 

ثانيا: مشكلة الاتصال :

     وبينت هنا أن أغراض الكتابة تتعدد وتختلف: قد يكتب الإنسان للتنفيس عن نفسه وتوتراته الخاصة ، عند ذلك تكون له الحرية المطلقة فى الفكر والتعبير والخيال، مشيرة إلى دعوة أمينة د. منى الى ممارسة حريتها المطلقة فى التفكير والتعبير ،  على اعتبار أن أمينة تمارس هذا النوع من الكتابة للذات.. واستدركت د. أماني مبينة انه عندما يكتب الإنسان نصا بغرض اتصالى (إيصال أو حمل رسالة أو فكرة أو شعور معين الى آخرين .. عند هذا الحد يتعين عليه أن يوجد تلك الجسور الاتصالية مع مدركات الآخرين .. ينبغى أن يكون ثمة قاسم مشترك من خبرة يحال

اليها ، أو مصطلحات متفق على دلالتها .. إلخ ، وإلا تعين على الكاتب أن يسرد علينا تلك الخبرة بزخمها من الأحاسيس حتى نشترك معه فيها .... من هذا المنطلق أشارت د. أماني إلى وجود مشكلة اتصالية فى نص "فصل الخطاب" . مفسرة ذلك بالاشارة إلى أن بعض الألفاظ لا تحمل دلالة لكثيرين من القراء مثل : سينوية ، عطارية ، إبن العطاء، العدوة القصوى، الشيخ الأكبر، القسطاس المستقيم .. ربما تحمل دلالة لدارسى الفلسفة  أو التصوف. وتضيف أيضا ما تسميه الأخيلة الناشئة عن أصالة المكون الثقافى الغربى فى تشكيل مدركات وثقافة الكاتبة مثل: مارسيلو البادوى؟ مجلس أشهاد روما .. الخ

 

ثالثا: مشكلة القالب الفنى:

     قررت د. أماني هنا أن لكل قالب فنى قيوده واستحقاقاته . والمسرحية قالب قائم على التشخيص لأطراف التفاعل وأحداثه . تشخيص يسهم فى الإيهام به عناصر الحركة والصوت والإضاءة .. الخ .. وتساءلت : هل يقبل هذا النص التشخيص؟ أين هى الشخوص والأحداث؟ كيف يمكن تجسيم ما فيه من جماليات لفظية عبر التمثيل والتشخيص ؟

وفسرت د. أماني ذلك أكثر بالاحالة إلى مشاهد المسرحية فبينت أن المشهد الأول  يواجه  صعوبة كبيرة فى ذلك، أما اعتبارا من المشهد الثانى فإن  النص يقبل نوعا من القراءة القائمة على الأداء الدرامى ( الذى لا يزال بعيدا عن معنى التشخيص المسرحى الكامل) هو نوع من القراءة القريبة من إلقاء الشعر الحر أو أمسيات الحكى .

 

رابعا: مشكلة التنازع بين الكتابة الأصلية والكتابة الجديدة:

      أشارت د. أماني إلى أن د. منى لم تنس  فى لحظة أنها باحثة أو مفكرة فى علم السياسة . فموضوع علم السياسة مهيمن عليها .. مثيرة مفارقة كون "الكتابة الأصلية " (قاصدة بها الكتابة العلمية) أحيانا تهجم لتزيح جانبا وبحسم "الكتابة الأدبية"  وتهمشها كما حدث فى الصفحة رقم (9) التى لا يمكن نسبتها الى الكتابة الأدبية حيث تناقش بشكل صريح وأسلوب سياسي مجرد ، المخاطر التى ينبغى الانتباه اليها عند ملاحظة وتقييم حركة الإحياء الدينى فى العالم والغرب على وجه الخصوص.

 

خامسا: مشكلة المحور او الفكرة الجوهرية:

   وركزت د. أماني هنا على الفكرة التى تدور حولها الدراما وتتصاعد بها وتؤكدهافى النهاية . مؤكدة ضرورة أن تكون هذه الفكرة واضحة  للقارىء  وأن يتعاطف معها كذلك بمعنى أن تكون مقنعة للمشاهد او القارىء ولها شرعية لديه بما يحقق التعاطف معها. مبينة أن الفكرة في النص غير واضحة إلا ابتداء من المشهد الثانى وقصيدة النهاية . وبخصوص هذه النقطة تساءلت د. أماني : هل مشكلة حجاب المسلمات المقيمات فى الغرب(إن كانت هي بالفعل محور النص حسبما فهمته) تحمل كل هذه الخطورة التى تبرر انفعال د. منى بها الى هذا الحد حتى تضعها فى سياق واحد مع الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وكل التاريخ الدامى للعلاقة بين الشرق والغرب؟

سادسا : هواجس الكاتب :

   ولهذا صلته بموضوع اتصالية النص. وقصدت بها د. أماني تلك الهواجس المتسلطة على الكاتب والتى تعجب الكاتب أو يظل أسيرا لها دون أن يدرى ، فيما يكون ذلك ملحوظا لدى القارىء أو المتابع. مشيرة إلى عدة هواجس شكلية وموضوعية في النص . عددت منها الافتتان باللغة والبلاغيات العربية ؛ الافتتان بالسجع  والجناس والترادف والتضاد . موضحة أن هذا الافتتان يرتبط بواقعة المعرفة المتأخرة للدكتورة منى باللغة العربية .. معرفة اتخذت شكل الاكتشاف الحميم الثرى الذى شعرت ولا تزال  أنه اكتشافها الخاص الذى تحرص على أن يحسه الآخرون ويدركون قيمته لديها.

   واستدركت د. أماني آسفة أن وقع هذا الاكتشاف ليس كذلك لدى الآخرين الذين نشأوا على اللغة العربية ؛ فلدى هؤلاء إشكالات اخرى جسيمة فى علاقتهم باللغة وتفاعلهم معها.. إشكالات ربما لا علاقة لها بالجمال قدر علاقتها بوظيفة اللغة ؛ مبينة أن أزمة التفاعل بين العربى ولغته هى أحد جوانب أزمة الثقافة والتطوير والتجديد الثقافى بصفة عامة ؛ هى أزمة مزدوجة من جانب الإنسان العربى الذى يعجز - بحكم عوامل كثيرة أهمها نظاما التعليم والإعلام- عن كشف إمكانيات التعبير والتفكير الكامنة فى اللغة ، ثم الجانب الآخر من اللغة ذاتها ككائن حى متطور

أصبح عاجزا عن ملاحقة عشرات المستحدثات التى تولد يوميا فى الثقافة والحياة.   والنتيجة حالة من الجدب الذى ينعكس على الفكر الذى تمثل اللغة مادته -  ( مقترحة هنا تخصيص حلقة نقاشة لاحقة لمدارسة خاصة حول هذا الموضوع).

   من هواجس الكتابة الأخرى فى النص ، التي استكشفتها د.أماني ، هواجس المسلم المقيم فى أوروبا أو الغرب المسيحى ؛ مشكلاته ، مخاوفه ، رؤيته الداخلية للغرب التى تختلف عن رؤية المسلم فى دار الإسلام فى أبعاد وجوانب كثيرة .

   

الى جانب هذه المشكلات " الاستراتيجية" حسب تعبير د. أماني -التي يثيرها النص، أشارت الأخيرة إلى عدة جزئيات بغية توضيحها ؛ بعضها يتعلق بالمعانى : مثلا فى فاتحة النص: كيف وعلى أى أساس جاءت المرأة المسلمة لتنقذ عالم الألفية الثالثة والنظام العالمى الجديد من ضياعه، وهى اول ضحاياه فى كوسوفا والشيشان وغيرها ؟  ما علاقة القحط والجفاف فى الصحراء الغربية من أفريقيا بمنجزات التكنولوجيا .؟

   هناك ما يتعلق باستحدام الألفاظ مثل: تعثو فسادا= تعيث فسادا هو الصواب.. المشهد المغوار والمغاوير الأفظاظ = المغاوير هنا مستخدمة على محمل سلبى وسىء بينما معناها فى اللغة العربية كما فهمناها إيجابى ويعنى الشجاع المقدام

الغفلان= الغفلة أو الغفو  أو النعاس .. الهمايونى= ؟

 

وفي نهاية مداخلتها قدمت د. أماني مقترحين لتطوير النص:

الأول : تطويره عن طريق : تركيز وإبراز الفكرة المحورية ، التخفيف من المنحوتات اللفظية ، اعتبار النص نوعا من السيناريو الذى يقتضى مرحلة أخرى من التلبيس والتفصيل الى أشخاص هى رموز الحضارة الغربية ، منها ما يمثل العنصرية والاستعلاء والعنف الغربى للرجل الأبيض ومنها ما يمثل الضمير الغربى الذى لا يتخلص تماما من ازدواجية المعايير ، يتحاورون ويتفاعلون مع شخصية تمثل رمزا للحضارة الإسلامية مع توظيف قضايا معاصرة كأحداث مثل الاغتصاب والإبادة العرقية . أى باختصار مزيد من تشخيص القيم وتفعيل الحوار.

 

البديل الثانى : تفكيكى يقوم على الاعتراف بتنوع الظروف العاطفية والانفاعلية التى تم فيها نسج ذلك النص . ومن ثم جمع كل دفقة شعورية تعبيرية فى كيان خاص بها مثلا؛ ص 3-4 خواطر صوفية .   ص 7 خواطر مهداة الى مروة قاوقجى .  ص 8 خواطر من وحى البوسنة وكوسوفا والشيشان.

 

تمت

-1 كانت مداخلة أمينة عبارة عن نص متكامل مكتوب قامت بقراءته، وهذا نصه مع

تدخلات تحريرية طفيفة من معدة التقرير.

جمعية دراسات المرأة والحضارة  ـــــــــــــــــــــــــــــــ حلقة نقاشية

 

 

وللنقاش تعقيب ، و للحوار بقيــة ، بإذن الله .

 

 و فيما يلي نص تعليق ورد من أستاذ الأدب واللغـة العربية، د. وليد منير،     و قد تفضل مشكورا بعد ان اطلع على النص ، بإرسال تصوره في مجال تطويره  في شكل مسرحية مكتملة العناصر الدرامية.  و نرفقه لاستكمال الملف على النحو الذي وصل الينا حتى الآن .


Back Next

 


Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse


Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment - M.A.F.]. All rights reserved.
Revised: April 17, 2007 .