|
تعقيـــب للأستاذ وليد منير عن " فصل الخطاب فيما وراء الحجاب.."
نحن هنا أمام مسرحية ذات مضمونات فكرية مهمة ، ولكنها تحتاج إلى جسد؛ إلى اجراءات تشكيل على المستوى الفني، إلى تقنيات درامية : أي إلى ما يجعلها -بالتعبير الاصطلاحي لنقاد الدراما: لعبة play . وليس بالضرورة أن تستند هذه اللعبة إلى قوانين أرسطو الكلاسيكية بل لها أن تفيد من تقاليد الدراما الملحمية عند "بريخت" مثلا ، ومن أساليب مسرح الاحتجاج الطليعي ، ومسرح الشارع ، ومسرح العبث ؛ أي لها أن تفيد من معطيات الحداثة المسرحية عند "بيتر بروك" و"أنتونان آرتو" و"يونيسكو" وغيرهم . وإضافة الى ذلك فإن لها الحق في أن تعد نفسها مسرحا ذهنيا أو فكريا خالصا على نحو ما هو موجود لدى توفيق الحكيم في عدد من المسرحيات . ولاشك أن كل هذه المنطلقات أو المبادئ الافتراضية الاولية ستتيح لها أفقا أوسع من الحركة الحرة. بيد أن هذه الحركة الحرة ، كذلك، تظل في حاجة ، دوما إلى إطار، إلى شكل ، إلى نسيج. وهو ما تفتقده هذه المسرحية إلى حد كبير . ولذلك فأنا أقترح -على المستوى العملي -إعادة كتابتها انطلاقا من التوزيع التالي: 1- وجود شخصية الراوي (وهو عادة ما يحمل عبء الشحنة الفكرية والموضوعية وتوصيلها ، والتعليق على الأحداث). 2- وجود حوار ما بين شخصيتين رمزيتين أساسيتين: الأولى الرجل الغربي ، والثانية امرأة مسلمة. 3- وجود أداء تمثيلي للاحداث المهمة . ويمكن أن يتم ذلك من خلال البانتوميم ، والرقص ، والتعبير الحركي (وأبرز هذه الاحداث فيما أرى : مذابح كوسوفا ، الانتهاك الانساني في الشيشان، مجاعات القارة الافريقية ، حرب الخليج ، مأساة شيرنوبل). 4- تدعيم الاداء التمثيلي للاحداث بعناصر الميزانسين (الديكور). وليكن ديكورا بسيطا متحركا في فراغ المسرح (لوحات للحرب في الخلفية "جورنيكا بيكاسو" مثلا ، منصة انطلاق صواريخ، أشجار جرداء أو غابات خربة بفعل الدمار النووي ، بيوت مهدومة ، رايات منكسة..الخ). 5- موسيقى جنائزية تصعد بين حين وآخر ، وأضواء شديدة وخافتة حسب ايحاءات الحدث ، وتأيرات بصرية كالدخان ، وصوتية كالطلقات وبكاء الاطفال وصرخات النساء .. وهكذا. 6- وجود مجاميع بشرية تدخل وتخرج في بعض الاحداث (مجاميع جنود- مجاميع فقراء جوعى- مجاميع نساء مغتصبات- مجاميع طلاب تقوم بمظاهرة أو اعتصام). 7- وجود كورس يردد بين حين وآخر مرثية للوضع الانساني أو مقطوعة غنائية حزينة أو يردد السطور الاخيرة من كلام الراوي ليؤكد عليها. 8- وجود بعض شخصيات تلبس أقنعة لتعيد إلى الذاكرة رمزا معينا : السيد المسيح-هتلر-هرتزل-الامام ابن عربي..الخ. ويكون دورها مقصورا على التجسد لدقائق أمام الجمهور والقاء المقولة الاثيرة التي مفتاح شخصيتها وأفكارها من قبيل : -ماذا يفيد الانسان لو كسب العالم وخسر نفسه؟ - نحن فوق الجميع. -ان الله يتجسد في شعبنا. - كل مكان لا يصير مكانة لا يعوّل عليه. 9- من الممكن أن يقرأ الراوي بين حين وآخر (محاكيا دور المسرح التعليمي) فقرة أوعدة فقرات من كتاب له دلالته ليقف المشاهد على اتجاه حركة الافكار في عالم الغرب وتاريخه الثقافي : مثلا يمكن له أن ينبه المشاهد الي انه سيقرأ الآن هذه الفقرة من شذرات هيرقليطيس في تمجيده القوة و الصراع او تلك الفقرة من كتاب فوكوياما " نهاية التاريخ " او كتاب تودروف " فتح امريكا " ..و هكذا . 10-لا مانع من الاشارة ، ما بين حين و آخر ، الي"الضمير الاوروبي الضد" : الي "برتراند راسل" او "جوته" او "روجيه جارودي ".. الخ وظني ان المسرحية سوف تكتسب ، بذلك ، جسدها الدرامي المتحقق و تشكيلها الفني المنشود وحينذاك سوف تعكس نوعاً مهماً من الكتابة الدرامية الحية التي تمس المناطق الساخنه في الفكر و الواقع الانساني . وهو دور أعظم شرفا من أي دور آخر . مع تمنياتي بالتوفيق الدائم وللدكتورة منى أعمق آيات الشكر والمودة.
|
|
Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment -
M.A.F.]. All rights reserved.
|