Back Up Next

 

 

أم الأطباء
بقلم‏:‏ د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

 
منحت نقابة الأطباء الدكتورة زهيرة عابدين لقب أم الأطباء‏.‏
لقد اتسعت أمومتها فشملت مرضي روماتيزم القلب من الأطفال‏..‏ واتسعت رعايتها فوسعت المسنات كما فردت جناحا علي‏(‏ الشابات المسلمات‏)..‏
إنها أم الخير‏.‏
أهلنا في الصعيد يحبون إطلاق اسم‏(‏ أم الخير‏)‏ علي بناتهم‏,‏ تيمنا‏...‏ كم يطيب لي أن أطلق هذا الاسم الطيب المعطاء علي الدكتورة زهيرة عابدين‏,‏ فكم أعطت وكم تبنت مشروعات وجمعيات‏,‏ وكم أسهمت وكم رعت‏..‏ وأترعت‏..‏ كانت هرما للعطاء‏..‏ وكانت مهتدا‏..‏ وكانت سؤددا‏..‏ وكانت رافدا متجددا‏..‏ أعمالها الباقية تقول بعد أن صمت الكلام‏..‏
فعلت هذا كله ولديها أبناء نجباء وأسرة سعيدة‏..‏

‏.....‏
علي أعلي الربوة وقف الإنسان المصري القديم‏,‏ وأراد أن يكون له هرم ولم تكن إرادته هذه حلما بسيطا‏,‏ أو رغبة عارضة‏,‏ فإن تحقيق هذه الإرادة لا يقوم إلا علي العلم بأصول البناء وهندسته‏...‏ وعلي إدارة حازمة تنسق العمل بين ألوف العاملين‏..‏ فإن العقل ليحار كما يقول العالم الأثري الدكتور أحمد فخري إذا ما أعملنا التفكير في كمية العمل التي يحتاج إليها مثل هذا البناء‏,‏ حتي لو استخدمنا المعدات الميكانيكية الحديثة‏.‏

وقام الهرم ليروع الدنيا حتي اليوم‏..‏ ولم ينج من البهر نابليون وعلماء الحملة الفرنسية من ورائه‏!!‏ إذ قدروا أن ما بالهرم من الأحجار يكفي لإقامة سور حول فرنسا ارتفاعه ثلاثة أمتار وسمكه متر‏.‏
وتطول الاحصاءات والمقارنات‏,‏ ولكن الذي يعنينا هنا‏,‏ قدرة مصر علي التشكيل والتنظيم والتصميم والخلق والخلود‏.‏

الهرم الجديد هو الإنسان المصري إذا استوعب الدرس‏,‏ والمعني‏,‏ والدلالة‏..‏ وانطلق من وراثة حضارية يضفي ويضيف‏.‏
معني تمثلته الدكتورة زهيرة عابدين‏.‏
ففي المكان نفسه‏,‏ وعلي الربوة بنت بالحس الحضاري وبالوراثة الحضارية في البناء والإنشاء وزراعة العقل كالحقل‏,‏ وتخضير القلب كتخضير الأرض‏..‏ أقامت مصر من خلالها‏..‏ خلال الطبيبة الإنسانة‏,‏ الدكتورة زهيرة عابدين‏,‏ هرما آخر‏,‏ من قلوب‏,‏ هذه المرة يصعد منها‏,‏ الي الله الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه علي هدي من سجاياها‏..‏ وعلي نور من ضياها‏,‏ وعلي عرف من أنفاس رياها‏..‏ هذه الدار التي أتحدث عنها وقفت وراءها ارادة صممت ونظمت وجمعت القلوب قبل المال‏,‏ وضمت الي النساء‏,‏ الرجال‏..‏ وشيدت هذا المركز‏,‏ صرحا‏,‏ لرائيه يرفعه من الأرض الي الأفق‏,‏ وينتعه من الوهاد الي إشراق واشراقة القمة‏.‏

‏.........‏
ليس للمرأة المصرية أن تتنادي بالمساواة‏,‏ فهي لم تساو‏,‏ الرجل‏,‏ فحسب‏,‏ بل ساوته حين أعطت في كل مجال‏,‏ وحين رفعت من عطائها أعلاما ترفرف في سماء بلادي‏..‏

لم يكتب قلمي‏,‏ يوما‏,‏ سطرا واحدا رئاء الناس‏,‏ أو ابتغاء زلفي‏,‏ أو اشتهاء مغنم‏,‏ ولكني أطري مناقب الدكتورة زهيرة عابدين بعد الغياب لأن اطراءها صدق‏,‏ والثناء عليها حق‏,‏ وأبارك عملها لأن القول فيها‏,‏ كظلها مديد‏..‏ كبحرها يفيض ولا يغيض‏...‏ وبعد المطاف وطول الطواف‏,‏ يقف القائل لا يحيط بها ولا يزيد‏..‏
ماذا يقول الناس في طبيبة تقفل عيادتها وتزهد فيما تدره العيادة من مال يتلهف عليه الإنسان‏,‏ الذي كابد دراسة الطب‏,‏ لتتفرغ للأعمال الخيرية مما امتدت إليه رسالتها الإنسانية‏.‏

دكتورة زهيرة‏..‏ إننا نكرمك بعد أن سبقنا الي تكريمك منذ سنوات خلت‏,‏ هيئة الأمم المتحدة‏,‏ التي اختارتك ليس عن مصر وحدها وما أجلها‏,‏ ولكن عن إفريقيا‏..‏
إننا نكرمك بعد أن سبقنا الي تكريمك‏,‏ التقدير العلمي العالمي‏,‏ الذي تمثل في دعوتك الي المؤتمرات العالمية‏.‏

إننا نكرمك بعد أن أكرمك الله وأظهر آيته يوم‏(‏ المصعد‏)‏ حين سقط بك فروعت القاهرة‏,‏ لأن الإنسان الذي يسقط بين الأسلاك الكهربائية من الدور السادس لا يترك في الأمل‏,‏ بقية‏,‏ ترتجي‏...‏ ولكن الله سلمك في ذلك اليوم البعيد ورعاك‏,‏ لأنه أراد بمصر خيرا‏..‏ ولأنك قدمت خيرا كثيرا والله لا يضيع أجر من أحسن عملا‏.‏
لقد كرمتها الجمعية الملكية بلندن‏,‏ وبحسب المرء أن يكون في وطنه‏,‏ وفي خارجه‏,:‏ رمزا ومعلما‏(‏ بفتح الميم وسكون حرف العين‏).‏

‏***‏
رحلت الدكتورة زهيرة عابدين جسما وبقيت روحا تلهم الأسوة وتصنع القدوة‏,‏ وتكتب في تاريخ المرأة المصرية صفحة ناصعة‏.‏

وللمرأة المصرية تاريخ مديد ومجيد في السلم والحرب يفرد له‏,‏ الحديث‏.‏
الدكتورة زهيرة عابدين كانت أما بالمعني الجامع‏,‏ وكانت علامة مصرية‏,‏ وكانت تاريخا يعتز به التاريخ في وطن التاريخ والأمجاد‏.‏

الدكتورة زهيرة عابدين ذات الثقافة الرفيعة والتدين العارف الذي يستمد عمقه من إيمان عميق بالله‏..‏ ثم إيمان عميق بالإنسان الذي يزيده العلم توفيقا وتحقيقا فتروع التقوي منه لأن وراءها معين فياض من المعرفة والعمق والنفاذ يزيد الإحساس رهافة‏,‏ ويزيد التقوي شفافية وعمقا وصدقا وتصديقا‏.‏
هكذا كانت الدكتورة زهيرة عابدين الطبيبة المصرية والتقية والوفية لكل هذه الصفات التي تتوجها‏.‏
إنها تذكرنا بالتقيات علي مسار التاريخ الإسلامي‏,‏ من صاحبات العطاء في شتي نواحيه‏,‏ واللائي وقفن المال والعقار علي الأعمال الخيرية‏.‏
من ريادات الدكتورة زهيرة عابدين

‏*‏ أول طبيبة عربية تمنحها كلية الأطباء الملكية بلندن درجة الزمالة‏.‏
‏*‏ الطبيبة الوحيدة التي نالت الدكتوراه الفخرية في العلوم الطبية من جامعة أدنبره بانجلترا علي مستوي العالم كله‏1980.‏

‏*‏ منحتها مصر وسام الدولة الذهبي تقديرا لمكانتها العلمية‏,‏ قدمه لها الرئيس السادات‏.‏
‏*‏ أسست أول كلية طب متطورة بدولة الإمارات العربية‏(‏ كلية دبي الطبية للبنات‏)‏ عام‏1986‏ ووضعت مناهجها‏.‏

‏*‏ للدكتورة زهيرة عابدين من الأبحاث العلمية ما يربو علي المائة والعشرين بحثا في المجلات العلمية بمصر والعالم‏.‏
‏*‏ منحتها الدولة الجائزة التقديرية سنة‏1996‏ في العلوم الطبية التطبيقية‏,‏ فتبرعت بقيمتها المادية لأوائل الخريجين في طب الأطفال والدراسات العليا‏.‏

في المكتبة العربية مجلد ضخم باسم‏(‏ الدر المنثور في طبقات ربات الخدور‏)‏ يضم‏549‏ اسما‏,‏ ولكن ما كتب عن كل منهن من باب التعريف أو الطرائف ولكن الدكتورة زهيرة عابدين من الدر المكنون العالي الذي دخل التاريخ العلمي الإنساني الذي تعتز به القيم‏.‏
 
 
 
 

 

Back Up Next