الجلســة الرابعــة

 محور الأدب والسيرة الذاتية

 

البحث: الأدب الإسلامى.. مدخل لقراءة أدب عائشة

للباحثة : عزة جلال

  من مدخل الأدب الإسلامى اختارت عزة جلال أن تدلف إلى أدب بنت الشاطئ الذى صنفته تحت واحد من اتجاهات هذا الأدب. تطرح الباحثة فى البداية إشكاليات مفهوم الأدب الإسلامى والسجالات الدائرة حوله والتى أبرزت عدم الاتفاق حول المفهوم وما يدخل فى نطاقه. وتشير عزة جلال الى أن أهم ما أسفر عنه الجدل حول المفهوم هو التنازع بين اتجاهى الإلزام والالتزام.؛ فالأول يلتزم التضييق فى تعريف الأدب ويعمد الى " التدخل" وإملاء كل عناصر العملية الإبداعية بدءا من الموضوع والمنهج وأسلوب المعالجة الفنية بدعوى ضمان موافقتها الضوابط الإسلامية . أما الاتجاه الثانى فيتسم بالمرونة والاتساع الشديد حيث يرى الأدب الإسلامى هو كل ما يخدم فى النهاية روح الدين وقيمه العليا وأخلاقياته تاركا للكاتب حرية الإبداع فى الموضوع والمعالجة.

   وترى الباحثة أن أدب بنت الشاطىء يصنف داخل الاتجاه الثانى بل يعد أحد النماذج الممثلة لهذا الأدب الذى يجسد مفهوم الالتزام التلقائى للكاتب الذى ينبع من تشربه الطبيعى بالثقافة الإسلامية العامة التى ينشأ فى أحضانها.

 لقد تجلت تلك الآثار فى أدب عائشة فى لغتها المتأثرة بلغة القرآن ، فى الفلسفة التى عالجت بها مأساة أبطالها- يلاحظ أن بطلاتها كلهن من النساء- حيث نزعت الى عذرهن وعدم إدانتهن ، والنظر إليهن كبشر خطائين ضعفاء النفس يزل كثيرون منهم عن جهل بالحقيقة لا عن شر بالسليقة . وتدفعهم الأوضاع الاجتماعية الظالمة لظلم أنفسهم .   فيكون " العلم" والإصلاح الاجتماعى إذن هما طريق الفرد والمجتمع الى الفضيلة .. وهذه هى الرسالة السامية التى يقدمها لنا أدب عائشة..

سيرة ذاتية

أ.عـزة جـلال

*تخرجت في كلية الاقتصاد و العلوم السياسية - قسم علوم سياسية

*باحثة متفرغة بجمعية دراسات المرأة و الحضارة

*عملت في مركز الدراسات الآسيوية جامعة القاهرة فور تخرجها

*شاركت في :

-          تقريري الحالة الدينية في مصر لعامي 1995- 1996 الصادر عن مركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية الأهرام

-          كتاب دور مصر الإقليمي الصادر عن مركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية الأهرام 1997

-          تقريري أمتي في العالم لعامي 1998-1999 الصادر عن مركز الحضارة للدراسات السياسية

-          عدد من التقارير متنوعة الموضوعات بمجلة السياسة الدولية ( الثقافة السياسية الصينية- اليهود الأتراك - الأزمة البلقانية ….)

 

البحث: الرمز الدينى فى نماذج الرواية النسائية المعاصرة

الباحثة:  الأستاذة هند مصطفى

   ينصب اهتمام هذه الورقة البحثية حول تكييف وعى المرأة - الكاتبة الدينى فى جنس أدبى بعينه هو " الرواية"  باعتبار الأخيرة ملحمة ذاتية تتيح للمؤلف أن يلتمس من خلالها معالجة الكون بطريقته الخاصة ( حسب تعبير جوته).

   ترصد الباحثة بين مطلع الرواية النسائية ( قبل ما يزيد عن مائة عام ) وبين حاضرها هوة كبيرة ترتبط بنضج أكبر للتجربة الإبداعية النسائية وتبلور علاقتها وإحساسها بالوجود.  ويشمل هذا النضج علاقة الكاتبات بالدين بمعانيه الأوسع ؛ " تلك الأفكار العليا التى تشكل عناصر وعى الفرد بذاته فى علاقته بخالقه ومفهوماته حول الخالق والحياة الأخرى ، وتعريفاته لمفاهيم الغيب والإيمان والكفر والثواب والعقاب . حيث الدين بهذا المعنى بعد حاضر فى العمل الإبداعى حضوره فى ذات المبدع".

  تمضى هند مصطفى عبر صفحات بحثها فى رصد الموقع الذى احتله الدين ومفرداته المختلفة فى اعمال العديد من الكاتبات والأديبات المعاصرات مثل  فاطمة المرنيسى ونوال السعداوى وسلوى بكر وميرال الطحاوى واحلام مستغانمى وتحليل علاقته برموز أخرى كالوطن ، الهوية ، الانتماء ، الجسد، المؤسسات ، الجدود والضوابط الاجتماعية..

 

سيرة ذاتية:

أ.هند مصطفى

حاصلة على بكالويوس الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية. يتركز اهتمامها البحثي في الدراسات النسوية بشكل عام ، وبشكل خاص الخطاب النهضوي العربي حول المرأة. وتعمل حالياً باحثة بجمعية دراسات المرأة والحضارة.

 

البحث: السيرة الذاتية لعائشة عبد الرحمن : البحث عن إجابات

للباحثة : الأستاذة أمل حمادة

   " نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر".. بهذه الكلمات لنيتشة تستهل الأستاذة أمل حمادة بحثها عن كتابة د. بنت الشاطىء فى سيرتها الذاتية.

  فى البداية تقدم أمل حمادة محاولة لفهم المنطلقات النظرية للسيرة الذاتية كجنس أدبى بما يعين القارىء على قراءة هذا اللون. تنطلق هذه المحاولة من الجهد الذى قدمه د. جابر عصفور فى كتابه زمن الرواية عن أدب السيرة الذاتية. وبهذا الاختيار تكون أمل قد اختارت " مدخل الذاتية" الذى انطلق منه د. عصفور فى تأصيل هذا اللون من الأدب ، ذلك المدخل الذى ينظر لوظيفة أدب السيرة الذاتية من منظور وحيد هو " أنا " كاتبها حيث السيرة هى " لحظة فاصلة دالة فى حياة الأنا.. لتجتلى فيها لحظة ما فى حياتها الماضية لها صلة بالأزمة المعاصرة التى تواجهها الأنا". وتنأى هذه المعالجة كما هو واضح عن النظر الى الوظيفة الاجتماعية للسيرة الذاتية منظوراً لها فى سياق ثقافة الجماعة رغم اهمية هذه الوظيفة الجمعية للسيرة الذاتية فى سياق الأدب النسوى بصفة خاصة حيث تعد أحد آليات التحرر والنقد والكشف النسوى ضد مصادر الضغط والقمع المؤسسية والثقافية والاجتماعية للمرأة.

  من هذا المنطلق كانت قراءة وتحليل الباحثة للسيرة الذاتية لعائشة عبد الرحمن " على الجسر" التى قرأتها ليس كشهادة على العصر والمجتمع وإنما كسيرة كتبتها إمرأة فى حالة أزمة بعد فقد زوجها ومعلمها ورفيق دربها أمين الخولى. ومن هذا المنطلق تمضى أمل فى تحليل محاور سيرة عائشة الذاتية وهى : علاقتها بأمين الخولى ، علاقتها بالعقل والمعرفة،. ومن نفس المنطلق تمضى الباحثة أمل حمادة فى إجراء مقارنة بين سيرة عائشة عبد الرحمن وسير بعض الكاتبات النسويات العاصرات لها مثل نوال السعداوى ، وفاطمة المرنيسى، وإنجى أفلاطون، وفدوى طوقان عبر محاور أخرى شديدة الصلة بالذات والأنا مثل " الأم، الجسد، الرجل فى تجربتهن.

 

سيرة ذاتية:

أ.أمل حمادة

-مواليد القاهرة1968 ، تعمل حاليا مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

-حصلت على الماجستير عام 1995 عن رسالة بعنوان “دور رجال الدين في الثورة الايرانية79-1982”.

-وتقوم حالياً بالإعداد لرسالة الدكتوراة حول “مؤسسات الدولة الإيرانية والانتقال من الثورة إلى الدولة”.

 



 

 السيرة الذاتية لعائشة عبد الرحمن :

 البحث عن إجابات

                          أمل كامل حمادة

"نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر "      [ نيتشه]

          يعقد هذا المؤتمر في إطار دراسة تاريخ وتأريخ عائشة عبد الرحمن نموذج المرأة المسلمة العالمة الشيخة ، وأغلب الظن أن هذا المؤتمر لا يهدف إلى دراسة بنت الشاطئ لذاتها وإنما في سبيل اكتشاف مواطن الخلل في مسيرة الأمة الإسلامية من اجل اكتشاف آفاق اكثر رحابة واكثر أمنا واكثر تكاملا بين عنصري الأمة (رجالها ونساءها ). فقد لعبت النساء دورا محوريا منذ بدأ الخليقة ؛ فحواء الإسرائيليات أخرجت آدم من الجنة وآسيا أنقذت موسى من طغيان فرعون ، مريم العذراء أتت بسيدنا عيسي إلى الوجود وخديجة بنت خويلد آزرت سيدنا محمـد (ص) وأول من صدقه وآمن برسالته وزينب أخت الحسين هي التي حملت دعوة الثأر لمقتل أخيها وأبناءه في كر بلاء .

          هذه الورقة تهدف بالذات إلى دراسة جسر عائشة عبد الرحمن ، بعبارة أخرى تتعامل الورقة مع السيرة الذاتية التي كتبتها عائشة عبد الرحمن بعنوان " علي الجسر " في اللحظة التي فقدت فيها معلمها وصديقها وزوجها الشيخ أمين الخولي . وتنقسم إلى جزئين :

الأول تقدم محاولة لفهم الأساس النظري الذي من خلاله تتم كتابة السير الذاتية .

والثاني نحاول أن نقدم فيه قراءات مختلفة لسيرة عائشة من خلال قراءتها كنص مستقل ومن خلال وضعها في سياق مقارن مع عدد من التجارب الذاتية لعدد من النسويات .

 

أولا : كيف نقرأ السيرة الذاتية :

بالرغم من تعدد  الأطر النظرية الموجودة لكتابة السير الذاتية بصفة عامة والسير الذاتية النسوية بصفة خاصة إلا أن هناك مشكلة منهاجية جعلت الاعتماد علي هذه الأطر النظرية شبه مستحيل . هذه الأطر وتلك السير الذاتية مرتبطة بخبرة سياسية واجتماعية واقتصادية متمايزة عن الخبرة المعاشة لدي كل من الرجال والنساء ، بل أن الوضع في حالة السيرة الذاتية النسوية العربية أكثر خصوصية فالمحفزات التي انطلقت منها هذه السير متمايزة وإن لم تكن بالضرورة متناقضة مع محفزات النسويات الغربيات [1] . ومن ثم فان الاعتماد سيكون علي كتاب  جابر عصفور" زمن الرواية " والذي يقدم فيه  عرضا شديد الكثافة والرصانة لمفهوم السير الذاتية وعملية نظرة الأنا لذاتها من خلال عملية الكتابة[2].

 

 فكما يظهر من خلال مقولة نيتشه " نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر" تظهر دلالة كتابة السيرة الذاتية فهي " فن الذاكرة الأول" . السيرة الذاتية في هذه الحالة هي لحظة فاصلة دالة في حياة الأنا تحتاج معها أن تقف للحظات تطول أو تقصر لتجتلي فيها حياتها الماضية أو لحظة ما في حياتها الماضية لها صلة ما بالأزمة المعاصرة التي تواجها الأنا .

السير الذاتية بمعني آخر هي أحد ميكانزمات الدفاع عن النفس في مواجهة أزمة تواجه الذات، تحدي اختبار ، اختيار … ويصبح اللجوء إلى الماضي واستجلاء الخبرات الماضية لتلك الذات ميكانزما واقيا في مواجهة تلك الأزمة و/أو رصيدا يسمح باستغلاله وتقديم بدائل يمكن علي أساسها التصرف . من هذا المنطلق لا تصبح السير الذاتية هي مجرد سرد ميكانيكي تاريخي لخبرة سابقة في حياة الذات . ولكنها عملية اختيار واعي أو غير واعي لحوادث وأحداث وأشخاص ومواقف بعينها حدثت في  الماضي وذات دلالة بالنسبة للحظة الحالية المتوترة من حيث المصارحة أو المكاشفة أو التأثير .

 

السير الذاتية أيضا قد تحمل قدرا من المسكوت عنه أكثر مما هو معلن فيها . هذا المسكوت عنه قد يكون أما غير مدرك من جانب الأنا وقد يكون مسكوتا عنه لعوامل أخري متصلة بقمع المجتمع والعادات والعرف التي قد تجرم أو تدين أحداث أو أشخاص أو سلوك بعينه في حياة الذات بالرغم من دلالة هذا الحدث [3].

 

 

     كاتب السيرة الذاتية في تلك الحالة _ زيادة مساحة المسكوت عنه_ قد يلجأ لتكنيك آخر في كتابة السيرة الذاتية ؛ رواية السيرة الذاتية . هذا التكنيك يروي فيه الكاتب سيرته الذاتية علي لسان شخص ثالث أو في شكل رواية أو قصة تروي تجربته ولكن مع الاحتفاظ بمسافة ومساحة بين الكاتب وبين النص . هذه المساحة تعطي فرصة للكاتب بتعرية دواخله دون التعرض لإدانة " العرف والعادة والمجتمع المتسلط والسلطة المتحكمة " [4] . كما تسمح له بأن يقص حياته من أكثر من زاوية وفي أكثر من عمل كل منها يحمل خبرة فترة معينة أو يحمل دلالة أشخاص وأحداث دون التعرض لاتهام أنه يخفي أو يكرر خبرته الشخصية . الأمثلة في هذا الصدد كثيرة ويكفي أن نذكر منها "عودة الروح " و"يوميات نائب في الأرياف " و" عصفور الشرق " لتوفيق الحكيم . كل هذه الأعمال تحمل زوايا وجوانب مختلفة من رحلة الحكيم في زوايا وعصور مصر الحديثة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

يميل جابر عصفور إلي التفرقة بين السيرة الذاتية الأدبية والسيرة الذاتية التاريخية ؛ النمط الأول تهيمن عليه الوظيفة الأدبية للغة بينما الثاني تهيمن عليه الوظيفة الإشارية . وبالرغم من وضوح الحدود بين النمطين إلا أنه لا يمكن أن يكون الفصل بينهما جامدا لا مجال للتمازج والتزاوج بينهما . فكاتبا لسيرة الذاتية أحيانا كثيرة ما يقفز إلى الجانب الآخر ويصبح ساردا لبعض جوانب السير التاريخية ولكن هذا  يظل دائما في حدود دلالة هذا العام التاريخي علي الخاص الأدبي[5].

 

تبقي في هذا الاطار ملاحظة أخيرة حول تاريخ كتابة السير الذاتية وارتباطه بالنموذج الغربي الذي يؤكد علي مفهوم الفردية علي اعتبار أن كتابة السيرة الذاتية عملية مرتبطة بمفهوم وقيمة الفرد علي حساب قيمة ومفهوم الجماعة المتجذر فيا لمجتمعات الشرقية الإسلامية . هذا الارتباط جعل عملية كتابة السير الذاتية في العالم العربي عملية حديثة نوعا ما من الناحية التاريخية . هذا الارتباط جعل عملية كتابة السير الذاتية في العالم العربي عملية حديثة نوعا ما من الناحية التاريخية . هذه الملاحظة تنقلنا إلي النقطة التالية ، وهي كتابة السيرة الذاتية لدي المرأة .

      ترصد بعض النسويات محاولات مبكرة في الغرب لكتابة السير الذاتية في شكل يوميات DIARIES منذ القرن الثامن عشر وما بعده . وبالرغم من هذه المحاولات المبكرة إلا أن شكل الكتابة المعاصر لم يلق الاهتمام الكافي إلا مع تصاعد الاهتمام بالتيار النسوي علي المستوي الفكري والأدبي في النصف الثاني من القرن العشرين [6]   . هذه الكتابات وإن اشتركت  مع السير الذاتية "الرجالية" في كثير من الأمور إلا أنها تحمل بعض الصفات الخاصة ذات الارتباط الوثيق بشخصية المرأة . فمن ناحية الطابع الأدبي هو الأغلب في هذه الكتابات علي حساب الطابع التاريخي . وإذا كان جاز عند د. عصفور التفرقة بين " مذكرات في السياسية المصرية " لمحمد حسين هيكل و " حملة تفتيش " للطيفة الزيات . فإن هذه التفرقة تبدو أكثر وضوحا ودلالة إذا ما قارنا بين مذكرات هيكل ومذكرات لويس عوض مثلا من ناحية ولطيفة الزيات من ناحية ثانية . حملة تفتيش وإن كانت مزيجا بين العام والخاص إلا أن لغتها تبتعد كل البعد عن لغة التأريخ السردية وتقترب أكثر وأكثر من اللغة الأدبية ذات الإشارات والدلالات والمجازات  [7].

 

من ناحية أخري فإنه بالرغم من الحديث عن وجود تيار ليس بالقليل من السير الذاتية النسوية العربية من كافة الاتجاهات الفكرية والسياسية إلا أن هذا التيار مازال قليلا في مجمله . هذه القلة ترتبط في بعض مناحيها بتراث طويل وتاريخي من حرمة المرأة وحرمة الكتابة عنها فكيف بكتابتها هي عن ذاتها ؟! . فالمرأة العربية كانت إلي وقت قريب هي الجوهرة المصونة والدرة المكنونة التي لا يجوز النظر إليها أو الاقتراب منها ، فكيف يمكن لهذه الجوهرة أن تنزع حجابها وسترها وتحدث العامة عن سيرتها وخبرتها مع الحياة والآخرين . ومن ثم يمكن فهم غلبة "رواية السيرة الذاتية النسوية" علي الشكل التقليدي للسير الذاتية علي اعتبار أن الأولي أكثر تسامحا مع النساء وتعطي إمكانات أرحب وأوسع للحديث عن المسكوت عنه .

 

وأخيرا يتساءل محمد البحري " هل يعود فقر السير الذاتية النسائية إلى فقر في تاريخ المرأة العربية ، بما أنها كانت وربما لا تزال مقصاة عن الفعل الذي تحقق به ذاتها "[8]. ولكن متي كانت السير الذاتية تسجيلا لفعل كاتبها الذي تحقق به ذاته ولم تكن حديثا أو رصدا لاحباطاته وعدم فعله سواء في المجال العام أو الخاص . كما أن هذا الفقر الذي يتحدث عنه محمد البحيري هل هو حقا دلالة علي فقر في التاريخ أو إلى فقر في التأريخ لكتابات المرأة أم أن المرأة امتنعت عن تسجيل أو منعت من تسجيل سيرتها نتيجة عوامل عديدة مختلفة تعلق بعضها بالعادات والتقاليد والأعراف وبعضها بالأمية التي عانت منها المرأة دهورا طويلة .

 

الأمية   أو عدم القدرة علي التواصل المكتوب مع العالم ربما ساهم كعامل في غياب التراث المكتوب للسير الذاتية  ولكنه يفتح الباب أمام تساؤلات تخص إمكانية البحث عن أشكال أخري قديمة للسير الذاتية ؛ وأقصد هنا الشعر . فالسير الذاتية في أحد أبعادها هي تسجيل نثري لخبرة و / أو خبرات حياتية معينة ذات دلالة معينة في سيرة الأنا . الشعر وخاصة عند العرب القدماء كان هو القالب الأدبي الأشهر في التعبير عنهم علي حساب الرواية مثلا. في هذا الاطار هل يمكننا إعادة النظر في بعض النصوص الشعرية وإعادة فحصها علي أنها سير ذاتية لكاتبها مصاغة في قالب شعري وليس نثري ؟؟؟ . في هذه الحالة قد نفتح الباب أمام إسهامات متعددة للنساء في كتابة سيرهن الذاتية عن طريق الشعر وما شعر الخنساء في رثاء أخويها إلا أحد الأمثلة الكثيرة في هذا المجال [9]. قد تبدو هذه الفكرة غير مستساغة للوهلة الأولى ولكن أعتقد أنها تحتاج لمزيد من البحث والتدقيق .

 

ثانيا : السيرة الذاتية لعائشة عبد الرحمن :

    سيرة عائشة بالرغم من قصرها _152 صفحة _ إلا أنها شديدة الثراء بحيث فرضت علي كباحثة أن أعود إليها مرات ومرات كي أفهمها وأعرف من هي عائشة عبد الرحمن أو بنت الشاطئ، وكلما عدت إليها كلما أحسست أني أقرأ نصا جديدا .

         

" علي الجسر " هو عنوان سيرتها الذاتية ، وهو وصف بليغ لمكونات هذا الكتاب الذي قدمته بعد عام من وفاة زوجها ومعلمها الشيخ أمين الخولي . عائشة كتبت سيرتها الذاتية تحت وطأة الضغط النفسي الشديد الذي عانته بعد وفاة أمين الخولي في منتصف الستينيات . بنت  الشاطئ في هذه الحالة لا تكتب سيرتها كأحد شهاداتها علي العصر، ولا تكتبها كقصة مجتمع في حالة أزمة وموقعها وموقفها كامرأة من هذه الأزمة ؛ وإنما تكتبها كامرأة في حالة أزمة : فقد الزوج والصديق والحبيب . قراءة جسر عائشة يجب أن تتم علي أكثر من مستوي أو أكثر من قراءة ، وهو ما حدث بالفعل والصفحات القليلة القادمة تحمل أكثر من محاولة للقراءة والفهم .

 

 

القراءة الأولى : عائشة وأمين الخولي :

          هذه القراءة إنما تتعامل مع جسر عائشة كما صورته  هي ، حياتها قبل أن تلتقي الشيخ أمين الخولي هي مجرد مراحل ومحطات إعداد لها حتى تلقاه وبعد ذلك لا شئ له دلاله . فالأحداث والأشخاص دلالتها تستمد من إسهامها في تحضيرها للقاء الأستاذ الذي استحوذ علي تفكيرها وعقلها وقلبها وأصبح زوجها في ما بعد . يظهر هذا من مجرد استعراض عناوين فصول جسرها : قبل أن نلتقي ، في الطريق إليه ، في منطقة الضباب ، ظلال …وأضواء ، موعدي معه ، اللقاء ، معا… علي دربنا الواحد ، ثم مضي وبقيت ، دنيانا بعده ، كلمات للذكري و أخيرا عود علي بدء .

         

عائشة كانت تشعر بأنها تعرف الشيخ أمين الخولي قبل أن تلقاه فتقول " … لمحت الأستاذ الخولي يتحدث إلى عدد من تلاميذه تحلقوا حوله يصغون في انفعال ظاهر . فدنوت منه لأسمع ما يقول، وكانت دهشتي بالغة حين ميزت في صوته العميق نبرة مألوفة ، جعلتني أفكر متسائلة : أين ومتي ياتري سمعت هذا الصوت ؟ نفس السؤال الذي طالما رددته في خاطري كلما لمحت هذا الأستاذ من بعد فلم أشعر قط أنه غريب عني ، وانثنيت أفكر أين ومتي يا تري لقيته من قبل ؟ " [10].

         

فما هي حياة عائشة قبله ؟ ولدت بنت الشاطئ في نوفمبر من عام 1913 في دمياط في بيئة دينية أزهرية . والدها أحد شيوخ المعهد الديني بدمياط " الشيخ محمد علي عبد الرحمن " وكان يتمني أن يرق بولد ، فلما رزق بعائشة وهي الابنة الثانية في العائلة نذرها للتعليم الديني . وهو ما تقبلته عائشة بفطرة منفتحة ذكية وبلغت في ذلك مبلغا جعل والدها يفخر بها ويصحبها معه في مجالس العلم والشيوخ ويسمح لها بالاطلاع علي مكتبته الذاخرة بالعلوم الإسلامية . وعن تلك التجربة المتميزة تقول عائشة " والدي ينتزعني من ملعب حداثتي ، ويلزمني من قبل أن تحل عني تمائم الصبا ، صحبته في مجلسه بالبيت ، أو في مكتبه الجامع ( جامع البحر ) وكان يسميه الخلوة ، ولعلي التقطت في تلك المرحلة المنسية بعض الآيات والصور القصار ، من طول ما سمعته يتلو القرآن الكريم . والتقطت معها كلمات مما كان يتحدث به وزملاؤه وتلاميذه من العلم والإسلام " [11].

 

هذا الطريق الذي أراده لها والدها ( التعليم الديني ) لم يكن لها أن تنحرف عنه إلا بمساعده جدها لوالدتها الشيخ الدمهوجي الذي سعي في إقناع والدها حتى يسمح لها بالانخراط في سلك التعليم المدني وهو احدث بالفعل حيث التحقت بمدرسة اللوزي الأميرية للبنات وحصلت منها علي الشهادة الابتدائية وأكملت بعدها طريق التعليم المدني  حتى وصلت إلى أبواب الجامعة في عام 1935 بعيدا عن عين والدها الذي كان يري أن في هذا النوع من التعليم سلوكا غير مقبول من ابنة الشيخ الأزهري [12].

 

عائشة عبد الرحمن كانت تشعر دائما أن هناك قوي خفية تدفعها وتساندها علي هذا الطريق الوعر الذي لم تكن لتسلكه من البداية . وتقول  " لم أكن أدري كنه هذه القوة القاهرة التي تدفعني إلى أن أحيد من الطريق الذي حدده لي والدي  وأعدتني له بيئتي ، إلى ذلك الطريق المضاد الذي يصل إلى الجامعة وهي التي ينفر قومي من مجرد سماع اسمها  ويرثون لكل من جذبت إليها من الطلاب، وكأنها بدعة منكرة أو رجس من عمل حزب الشيطان  .."[13]. وبالرغم من تعرضها للتعليم الديني إلا أن هذا لم يفقدها ثقتها أو يبعدها عن كنوز العلوم الإسلامية التي تلقتها في مكتبة والدها والتي زودتها بقدر كبير من الثقة بالنفس والنظر للعلوم الأخرى علي أنها لا تمتلك جديدا تضيفه لها . فهي تتساءل في عامها الثاني من الحياة الجامعية عن العائد الذي ستحصل عليه من الجامعة وما هو الذي يمكن أن تقدمه لها الجامعة فيغير نظرتها لنفسها وللتراث الصلب القوي الذي تقف علي أرضه قوية راسخة .

 

هذا قبل أن تقابل أمين الخولي أو بمعني أدق قبل أن تسمع به ، فماذا الحال وقت إعداد السماء لهذا اللقاء المرتقب ؟ تتحدث هي عن تلك الفترة علي أنها كانت مليئة بالغرور بالقديم لذي تعلمته وعدم الثقة في أن عند أمين الخولي ما يمكن أن يضيفه لها . قضت عائشة الصيف كله تستعد للقاء الأستاذ في العام الجامعي الثاني متسلحة بذخائر مكتبة والدها وبلقائها مع الشيخ "دسوقي جوهري الذي أزاح عن صدرها بعض مخاوفها من الحياة الجامعية ومن لقاءها المرتقب بالشيخ أمين الخولي . ومع بداية العام الدراسي الجديد عادت إلى العاصمة و"ملء نفسي تصور واثق بأني أدنو من منطقة الضوء التي تنجاب فيها عن أفقي ظلال القلق والحيرة ، وتتضح معالم الطريق " [14]. في هذا العام وفي يوم ميلادها كان اللقاء العلمي الأول ولدلالته البالغة اسمحوا لي أن أنقل اقتباسا طويلا إلى حد ما :

هناك حيث أخذت مكاني في قاعة الدرس بالجامعة ، متحفزة للجولة الباقية لي علي الطريق ، ومستجمعة كل رصيدي المتضخم من زهو الطموح و ارادة التفوق ، ومتأهبة لعرض بضاعتي التي تزودت بهت من مدرستي الأولى ، في تحد واثق من النصر.. ودخل الأستاذ الخولي بسمته المهيب المتفرد ، فألقي علينا التحية واقترح ، لكي نتعارف ، أن يعرض علينا مباحث المادة المقرر علينا درسها من علوم القرآن ، ولكل طالب أن يختار مبحثا منها ، يعده ويعرضه للمناقشة في الوقت الذي يحدده. وبادرت فأعلنت اختياري للمبحث الأول ، في نزول القرآن …….وعاد الأستاذ يسأل كل طالب منا، عن الوقت الذي يحتاج أليه في إعداد بحثه فأجبت في عناد وشموخ : يكفيني يوما أو بعض يوم . فقال في نبرة إشفاق وتحذير:كذا فكري  مليا فربما بدا لك أنك في حاجة إلى مزيد من الوقت .وأبيت أن أتراجع …..  وقلت أسأله ، مدلة بما أملك من ذخائر علمه : هل يكفي أن أراجع في موضوعي ، بكتاب البرهان للبدر الزركشي ، وكتابي الإتقان واللباب لجلال السيوطي ، ومع الاستئناس بالسيرة الهاشمية وطبقات ابن سعد وتفسير ابن جرير الطبري ؟ فأجاب كتاب واحد منها يكفي الآن ، لو أنك عرفت حقا كيف تقرئين . " [15].

      

وهكذا كان اللقاء الأول الذي حطم فيه الأستاذ غرور ابنة دمياط التي علمت علي وجه اليقين أنها "قطعت العمر كله أبحث عنه في متاهة الدنيا وخضم المجهول .. ثم بمجرد أن لقيته لم أشغل بالي بظروف وعوائق ، قد تحول دون قربي منه ، فما كان يعنيني قط، سوس أني لقيته ، وماعدا ذلك ، ليس بذي بال "[16].

         

إذن ، عائشة عاشت حياتها تبحث عن الشيخ أمين الخولي الذي صار منذ اللقاء الأول معلمها وأستاذها ونصفها الآخر الذي "تجلت فيه آية الله الذي خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها "… وأمضت حياتها الباقية تتساءل " أكان يمكن أ، أضل طريقي إليه ، فأعبر رحلة الحياة دون أن ألقاه ؟ وحتى آخر العمر ، لم يتخل عني إيماني بأني ما سرت علي دربي خطوة واحدة إلا لكي ألقاه .. وما كان يمكن أن أحيد عن الطريق إليه ، وقد عرفته في عالم المثل ومجالي الرؤى وفلك الأرواح من قبل أن أبدأ رحلة الحياة …" [17].

         

هذا البعد في السيرة الذاتية لعائشة عبد الرحمن لا يحمل لها قدرا متفردا من التمايز عن سيرة غيرها من النساء ؛وهي لم تكن كغيرها من النساء . فعائشة التي ظهرت من خلال علاقتها بالشيخ أمين الخولي مظهر المرأة العاشقة لزوجها والمتفانية في علاقتها به ، لم يكن أساس هذه العلاقة هو البعد الحسي فقط وإنما كان هناك بعد هام لا يستهان به وهو بعد العلاقة العقلية شديدة الثراء والكثافة التي ميزت علاقتهما سويا والتي تظهر في القراءة الثانية . 

 

القراءة الثانية : عائشة عبد الرحمن والعقل :

هذه القراءة الثانية لجسر عائشة ، الجسر الذي وقفت عليه بعد وفاة زوجها اعتبرته مجرد معبر بين حياتها التي استمرت بعده وبين الموت الذي تتمناه حتى تلحق برفيق الحياة . القراءة الثانية الجسر فيه هو معبر بين مجتمع يحمل تقاليد موروثة خاصة بتعليم الفتيات بصفة عامة والتعليم المدني للفتيات بصفة خاصة . إلي حياة جديدة تتمتع فيها الفتاة والمرأة بالآفاق الرحبة التي يفتحها التعليم .

         

عائشة  تحكي قصتها مع التعليم منذ طفولتها والعلاقة الارتباطية المباشرة بين العلوم الدينية والعلوم المدنية التي عاشت في ظلها من خلال الرؤيا التي راودتها في طفولتها التي أهداها فيها ملاك مجنح مصحف شريف بينما هي جالسة في فصلها في مدرسة اللوزي الأميرية للبنات [18]. لم تكتفي عائشة بالتعليم الابتدائي الذي حصلت عليه من المدرسة الأميرية وإنما تطلعت لان تكمل تعليمها في المدرسة الراقية ومن بعدها مدرسة المعلمات في المنصورة وحلوان وطنطا لم تثنها المصاعب التي لاقتها في طريها عن طلبا لعلم بل زادتها إصرارا وعند علي التمسك بحقها في التعليم .

         

عائشة عبد الرحمن في سبيلها للصراع مع العقل لم تكتف فقط بطلب العلم في مدارس المعلمات ثم كلية الآداب من بعدها .ولكنها بالإضافة إلى ذلك خاطبت الصحف ووسائل الإعلام أرسلت إليها عدد من المقالات ؛ في البداية كانت تكتب نيابة عن جدها إلى الصحف تشكو وتحلل حال مدينة دمياط والخراب الذي حاق بها نتيجة تراكم رواسب النيل عند البوغاز . هذه الصلة غير المباشرة بالصحف سرعان ما تحولت إلى صلة مباشرة حينما بدأت تراسل مجلة النهضة النسائية ومن بعدها مجلات البلاغ والكواكب تحت أسم "بنت الشاطئ "خوفا من أن يعلم والدها بأمر اهتمامها بغير الطريق الذي رسمه لها منذ البداية .

         

عائشة عبد الرحمن لم يفتنها الجديد الذي تلقته في المدارس الأميرية ومدرسة المعلمات عن القديم الذي تلقته علي يد أبيها من علوم الدين والقرآن والبلاغة وإنما علي العكس سمح لها هذا القديم أن تتمايز عن رفقائها بخلفيتها القوية التي كثرا ما ساعدتها في تخفيف بعض أعباء الاستذكار . وهكذا " مشيت علي الدرب الوعر ، فكلما قطعت شوطا منه تقدمت إلى امتحان شهادته خفية عن التقاليد الساهرة علي حراستي كيلا أنحرف عن الاتجاه المرسوم لي .. وخفية كذلك عن الأوضاع الطبقية والنظم التعليمية واللوائح المدرسية ، التي أقامت الحواجز والسدود ، في طريق مثلي، إلى الجامعة "[19].

         

تلك الجامعة التي وقفت عائشة علي أبوابها عاما كاملا تبغي الدخول وتحارب حتى تلتحق بالجامعة ، لم تستطع أن تقدم لها جديدا تنبهر به خاصة في العام الأول فالجامعة " عجزت في ذلك العام الأول عن أن تشدني إليها … والذي كنت أخشاه من ضغطة الصراع بين عطاء بيئتي وجديد الجامعة ، لم يلبث أن انجلي عن معركة وهمية في منطقة السراب …" [20]. وتطلب الأمر وجود الشيخ أمين الخولي في حياة عائشة عبد الرحمن العلمية حتى يتغير هذه الموقف السلبي من العلوم التي تقدمها الجامعة . فبعد لقاءها مع أستاذها عرفت عائشة أن الأمر يتطلب مجهودا كبيرا غير ما تعودت عليه من النظر في ظاهر النصوص دون محاولة سبر أغوارها وأنها لابد أن تنفق الليالي الطوال بحثا عن "سر الكلمة وروح النص …وانجلي ما حسبته سرابا ، فإذا الجامعة تعطيني من جديدها ما لم يخطر لي قط علي بال … وإذا القديم الذي جئتها به ، يجلوه منهج الأستاذ الخولي فيمنحه روح الحياة ونبض العصر" [21].

         

هذا الصراع من أجل العقل كان منهج عائشة عبد الرحمن حتى بعد تخرجها من الجامعة واشتغالها بقضايا الدفاع عن الإسلام ضد عدد من العقول العربية التي اختلفت معها في العديد من القضايا مثل معركتها الشهيرة مع العقاد حول المرأة في منتصف الثلاثينيات . وهو أيضا منهجها الذي استخدمته في كتاباتها اللاحقة عن التراث واللغة والدراسات القرآنية [22]

         

هذا العقل الذي كان حاضرا دائما علي الجسر إنما جاء في كثير من الأحيان علي حساب المسكوت عنه في هذا النص . فعائشة عبد الرحمن سكتت عن كثير في سيرتها الذاتية ، كل الجوانب غير ذات الصلة بمعركتها للحصول علي التعليم أو بتحضير السماء لها حتى تلتقي بالشيخ أمين الخولي هو مسكوت عنه . فنحن لا نعرف شيئا عن علاقتها بأخوتها أو بوالدها في غير أمور الدرس . كما أن سيرتها الذاتية توقفت بشكل مفاجئ بعد لقاءها بالشيخ أمين الخولي وحتى استحضارها للحظة وفاته ،فالأعوام الخمس وعشرون التي قضتها معه والأبناء الذين كانوا ثمرة هذا الزواج لم يذكروا أبدا في سيرتها الذاتية . كل هذه المساحات المسكوت عنها لا يمكننا أن نستنطقها ما لم تقله . ولكن يحق لنا أن نتساءل لماذا سكتت عن كل هذا ؟ هل لأن اللحظة المتوترة التي تحمل معاني الأزمة عند الأنا كانت متصلة بهذين البعدين دون غيرهما ؛ العقل وعلاقتها بالشيخ أمين الخولي ؟ أم لأن المسكوت عنه هو مناطق ألغام قابلة للانفجار عند اللمس أو الاقتراب ؟ .هل قصصها عن الأخريات في" صور من حياتهن " هو مهرب من تلك المناطق الملغومة المسكوت عنها . بل هل يمكن أن ننظر لهذا الكتاب وغيره من القصص القصيرة التي كتبتها عائشة عبد الرحمن هي "رواية السيرة الذاتية " التي تحدث عنها جابر عصفور والتي تعطي الكاتب مساحة أرحب للإفصاح عن المسكوت عنه الذي لم يستطع البوح به في سيرته الذاتية المروية علي لسانه [23].

 

 

ثالثا القراءة الجامعة المقارنة :

          كثير من الأشياء لا تتمايز إلا عند المقارنة . ومن ثم فان هذا الجزء سيحاول الاقتراب من سيرة عائشة عبد الرحمن من خلال غيرها من السير الذاتية للمرأة . هذا الاقتراب سيتم من خلال استعراض عدد من المفاهيم ذات الصلة بالسيرة الذاتية والتي تساهم في فهم أفضل   [24].هذه المفاهيم هي العلاقة مع الأم ، الجسد ، الرجل .

          الأم تلعب دورا مهما في حياتنا جميعا فهي المعلم الأول والسلطة الأولى والصلة الأولى لنا مع الحياة . وقد لعبت الأم في كل من حياة عائشة عبد الرحمن ونوال السعداوي وانجي أفلاطون وفاطمة المرنيسي   هذا الدور الهام وان كان بطريقة مختلفة ولدواع مختلفة . فأم بنت الشاطئ بالرغم من أن الصورة المرسومة عنها في حسر عائشة هي صورة هادئة وديعة مليئة بالشجن نتيجة فقدها لوالدتها في حادث غرق ، بالرغم من هذه الصورة الهادئة التقليدية إلا أنها كانت متمردة علي واقعها ولكن دون أن تدخل في مواجهات مباشرة مع مصدر السلطات في المنزل ( الأب ) . ومن ثم فقد ساندت عائشة عمليا ومعنويا في معركتها  للحصول علي التعليم المدني علي غير رغبة الأب في الخروج من حظيرة التعليم الديني .

          أم نوال السعداوي صورتها باهتة أكثر من ذلك ، فهي صورة للمرأة التقليدية المنغمسة علي ذاتها والتي تشوب علاقتها بالرجال أكثر من علامة استفهام . علاقتها بالزوج تبدو سوية ومع هذا تأثيرها علي تكوين نوال السعداوي يعمل في الاتجاه المعاكس بحيث تظهر نوال السعداوي أكثر تأثرا بجدتها لأبيها وبأبيها مصدر السلطة داخل المنزل و الأكثر قدرة علي الفعل . بل أن نوال في "مذكرات طبيبة" تبدو فيها أمها مغرقة في الاهتمام بالتفاصيل الشكلية التي تحفظ للمرأة أنوثتها بالشكل التقليدي وتظهر نوال أكثر جرأة علي مقاوم هذه المحاولات .

          أنجي أفلاطون تمثل نموذجا صارخا للخروج علي المعطيات التي تقدمها الأم ؛ فالأم الأرستقراطية النزعة والأصل والاهتمامات تتناقض كلية  مع قناعات  الابنة الشيوعية . وبالرغم من العلاقة العاطفية العميقة بين أنجي ووالدتها إلا أن انتماءات انجي السياسية تقف دائما كنقطة فراق بين الاثنتين .  وبالرغم من هذا التناقض الفكري فان هذا لم يمنع والدتها من مساندتها علي المستوي العملي والعاطفي أثناء صراعها مع السلطة السياسية في مصر بعد 1952 وخلال سنوات اعتقالها .

 

          نساء المرنيسي  هن أكثر ثورة علي الواقع المغربي الذي كان يعشن فيه ؛ الجدة لأمها والعمة وابنة العم ومعظم عضوات الحريم وعلي رأسهن الأم المتمردة والرافضة . هذا التمرد له مظهر خارجي عنيف ( علي عكس أم عائشة عبد الرحمن ) فأم المرنيسي لا تتورع عن مهاجمة وانتقاد السلطة العائلية والمجتمع الذكوري والتقاليد العائلية التي تدعم عزل الحريم عن العالم الخارجي المليء بالفرص والإمكانات . وهي في تربيتها لفاطمة تشجعا علي هتك الحجب بين الحريم وبين العالم الخارجي سواء علي مستوي التفكير أو /و علي مستوي التصرفات . فالأم عند المرنيسي تبدو أكثر تمسكا في الدفاع عن حق ابنتها في التعليم الحديث حينما تتاح لها هذه الفرصة .

          جسد المرأة كان وسيظل محورا هاما في التعامل مع المرأة . البعض كرس جهده لتغطيته بهدف عزله عن الحياة ، والبعض الآخر غطاه حتى يصونه عن الموبقات ، و البعض تعامل معه علي أنه مصدر للشرور والغواية . هذا الجسد تعاملت معه نماذجنا بطريقة مختلفة أيضا : فعائشة عبد الرحمن لا يظهر وجود لجسدها في سيرتها الذاتية فالكيان عند عائشة هو كيان العقل ولا يظهر ذكر لجسدها إلا اللهم حينما تحدثت عن وصولها لسن العاشرة وهو السن الذي حدده والدها لاحتجازها مع الحريم. علي النقيض من ذلك يظهر لنا وعي نوال السعداوي بجسدها منذ الصفحة الأولى" لأوراقي ..حياتي" فهو موضوع للصراع بين القيم التقليدية للمجتمع التي تصر علي حبس أجساد النساء بالإضافة إلى عقولهم وبين محاولات التمرد من جانب نوال ضد كل القيود حتى لو كان شعرها "نظرت إلى خصلات شعري وهي تتلوى بين فكي المقص الحاد ثم تهوي إلى الأرض …. وشعرت باستخفاف شديد نحو النساء .. رأيت بعيني رأسي أنهن يؤمن بأشياء تافهة لا تساوي شيئا … ومنحني هذا الاستخفاف بهن قوة جديدة جعلتني أعود إلى البيت وأنا أسير علي قدمين ثابتتين ، استطعت أن أشد قامتي وأنا أقف أمام أمي بشعري القصير " [25].

          في نفس الاطار يظهر وعي المرنيسي بجسد المرأة ، الجسد الذي حبسته قيم الرجال في الحجاب داخل المنزل ومنعته من التفاعل والتعامل مع العالم الخارجي . ولكن جسد مرنيسي ليس مقموعا ولا موضوع للصراع كما هو جسد نوال السعداوي . فنساء المرنيسي بما فيهن فاطمة يستطعن الطيران عبر الأجنحة التي تنمو لهن فيا لخفاء عبر القصص والروايات التي تفتح مجالات رحبة لطيران الحريم . "كانت عمتي تزعم بأن في مقدور الكل التوفر علي أجنحة ، والمسألة مسألة تركيز فقط . إن الأجنحة المعنية ليست ظاهرة كأجنحة الطيور ، ولكنها تؤدي دورها علي أحسن ما يرام"[26] .

          سيرة طوقان أو بمعني أدق الجزء الثاني من سيرة فدوي طوقان يحمل تجربة مختلفة ، ففدوي تكتب عن وطن محاصر ومستلب ، نساءه ورجاله يعانون من نفس قمع السلطة المحتلة ومن ثم فالجسد المحاصر في نقاط التفتيش ليس مجرد جسد امرأة ولكنه جسد جزء من المجتمع فاقد الهوية والاتجاه . حتى الحادثة الوحيدة ذات الصلة بجسد فدوي في هذا الجزء من سيرتها الذاتية ( وقوفها أما شباك التصاريح ساعات طويلة ) فجر فيها قدرتها علي نظم الشعر "..جندي آخر يدفعني بقبضة يده دفعة شديدة ، أوشك أن أهوي علي الأرض ، أحد المسافرين يسندني من الخلف براحتيه ، الغضروف المنزلق في أسفل ظهري يلمع لمعة أوشك معها علي الإغماء من شدة الألم أنظر إلى الوجوه المعذبة حولي ، وجوه مغموسة بالعرق والهوان . يعتريني غم عظيم ويلفني حزن أعظم ، يشتعل في داخلي الغضب الملتهب …..حين وصلت بيت شقيقتي حنان في عمان كانت قصيدتي "آهات أمام شباك التصاريح " قد بدأت تتخذ في ذهني شكلا هلاميا غير واضح المعالم …….إلي أن استوي في الأخير قصيدة متكاملة التكوين " [27] .         انجي أفلاطون تختلف نظرتها لجسدها كامرأة عن غيرها ، يمكننا علي سبيل المجاز القول بأن نظرة أنجي أفلاطون لجسدها تنبع من انتماءاتها الفكرية فهي تنظر له نظرة طبقية ؛ أصول أنجي الأرستقراطية تقف حائلا دون قبولها بشكل كامل داخل الحركة الماركسية التي تنظر لملابسها وهيئتها علي أنه دليل علي انفصالها عن الحركة هذا الأمر دفع بأنجي في مرحلة مبكرة إلى ارتداء ملابسها القديمة حتى تخفي جسدها الطبقي . البعد الثاني هو ما ذكرته عن عدم تقبل المجتمع الذي ربي علي الفصل بين الجنسين ن عدم تقبل هذا المجتمع لانخراط الرجال والنساء في العمل السياسي المشترك ، هذا الأمر دفع بأعضاء التنظيم الشيوعي لتكوين قسم نسائي داخل الحركة ينظم عمل العضوات من القاعدة إلى القمة التي يسمح فيها بالاختلاط بين الجنسين [28].

          ماذا عن الرجل ؟ هو أب وزوج وحبيب وغريب . ولكن ما هي العلاقة التي ربطت كل من عائشة ونوال وفاطمة وانجي بالرجل ؟ . الأب عند عائشة هو المصدر الأول للتعليم الديني الذي تلقته علي يديه وهو مصدر السلطة في البيت وصاحب الكرامات  التي أعجزت جدها لامها حينما تمسك بضرورة ذهاب عائشة إلى المدرسة الراقية [29]. الزوج هو في نفس الوقت الحبيب ؛ الشيخ أمين الخولي الذي سبق الحديث عنه وصاحب المشوار الطويل والنصف الآخر الذي "مات بعضي وبكي بعضي عليك " [30]. لا وجود لغريب في حياة عائشة عبد الرحمن فعلاقتها مع الرجل لم تخرج عن هذا الاطار وظلت طوال سيرتها الذاتية تتراوح بين صورة الأب ورغبته في حمايتها من التعليم المدني وصورة النصف الآخر ومآزرته لها علي طريق العلم والبحث .

          نوال السعداوي كانت تحمل قدرا من الإعجاب المشوب بمشاعر متناقضة من والدها فهو نموذج للسلطة الذكورية التي فضلت أخيها طلعت عليها طوال سنوات التكوين الأولى وهو رمز لقمع المرأة من جانب المجتمع التقليدي ، ولكنه في نفس الوقت أصلها الذي يحظى بالتقدير والاهتمام وهو الذات القادرة علي الفعل في مقابل والدتها السلبية إلى حد كبير فهي تقول " أصدق كل ما يقوله أبي. أحفظ كلامه عن ظهر قلب ، أستمع إلى حكاياته كأنما هي الحقيقة . أرمق جسده الضخم . أنا ابنة هذا الرجل القوي الذي ينتصر في كل المعارك " [31].علي النقيض من ذلك تقف مشاعر نوال من الرجل بصفة عامة فهي تصف مشاعرها يوم أن قامت بتشريح جثة رجل لأول مرة فتقول " جسد الرجل ‍ ذلك الشيء الرهيب الذي تخيف به الأمهات البنات الصغار فيحترقن بنار المطبخ لأجل إشباعه ويحلمن بشبحه ليل نهار . هاهو الرجل ملقي أمامي عاريا قبيحا ممزقا ..يغطيه الشعر من الخارج ويمتلئ من الداخل بالعفونات ؟ يعوم مخه في سائل أبيض لزج ويغرق قلبه في دم أحمر غليظ ؟ ما أقبح الرجل ‍من خارجه ومن داخله أشد قبحا"  [32].الزوج الأول عند نوال كان هو الحب الثاني واستمرت قصة حبهما ست سنوات هي عمر زواجهما الذي أدركوا بعد انتهاءه بالطلاق " أن الزواج يفسد الحوار بين الرجل والمرأة ، يفسد الصداقة والحب يدمر الأشياء يسحقها مثل وابور الطحين، يعيدها إلى ما كانت عليه في العصور القديمة زمن العبودية "[33].

           الأب عند فاطمة المرنيسي بالرغم من أنه صورة السلطة الذكورية في المجتمع إلا انه ليس ظاهرا بوضوح الأم في السيرة الذاتية فكأنما فاطمة أرادت أن تكون سيرتها أو بمعني أدق روايتها للسيرة الذاتية هي قصة الحريم المغربي في صراعه مع مطلقات السلطة سواء كانت الرجل الذي حضوره الفعلي باهتا أو مع رموز السلطة من داخل الحريم نفسه أو ما يمكن أن نطلق عليهم التيار المحافظ داخل الحريم . الرجل في رواية فاطمة المرنيسي حضوره أكثر من خلال صوت سمير أبن العم الذي يشارك الطفلة مرحها وأسئلتها وحيرتها من عالم الكبار . هو الآخر الأكثر قدرة علي التواصل والاهتمام . ولكن التقدم في العمر يحمل معه بذور الانفصال بين الرجل (سمير ) والمرأة (فاطمة )[34] .

          الأب عند أنجي أفلاطون هو صاحب " الفيلا الجميلة بالمعادي وكنا أنا وأختي نذهب لزيارته بانتظام . كنت أحبه كثيرا وان كنا لم نعش معه تكونت لنا معه ذكريات حلوة تركت آثارها أهمها رحلاتنا معه في الصحراء الممتدة من المعادي وكذلك في المناطق المتاخمة للبحر الأحمر…. لكن ذلك لم يستمر كثيرا في علاقتنا بأبي ….واقتصرت علاقتنا معه بمرور الوقت علي زيارة أسبوعية للغذاء أو العشاء في منزله . وظل الحال كذلك حتى وفاته في مايو 1959 " [35] . الأب ذكراه باهته وكذلك تأثيره في حياة أنجي . الزوج في هذه الحالة وهو الحب الأول هو الأكثر تأثيرا "فحمدي" هو رفيق المشوار وصاحب القناعات اليسارية المشتركة مع أنجي ورفيق الكفاح من أجل تغيير المجتمع  وكما صدمت عائشة عبد الرحمن بوفاة زوجها وأمين طريقها صدمت أنجي هي الأخري بوفاة الزوج عن عمر صغير مما كان له أكبر الأثر عليها .

          سيرة فدوي طوقان تنتمي إلى ما أسماه جابر عصفور بالسيرة الذاتية التاريخية فهي لا تحكي قصة حياتها بقدر ما تخبرنا عن واقع معاش لمجتمع تحت الحصار ، كل الأحداث والأشخاص والوقائع ليس لها دلالة خاصة بها أو بفدوي كإنسان وإنما بفدوي الشاعرة الفلسطينية التي تعيش في مدينه نابلس تحت الحصار الإسرائيلي وتقاومه بكل ما أوتيت من قوة . ومن ثم ففي هذا الجزء بالذات مقارنة بالجزء الأول ( رحلة صعبة : رحلة جبلية ) فدوي تحولت من البعد الخاص إلى البعد العام وسيرتها هنا هي سيرة هذا المجتمع . من ثم فالرجل هنا هو المستعمر أو رفقاء الطريق والكفاح من الشعراء ومن غيرهم لا وجود للحب بالمعني الشخصي الخاص ولكنه الحب الأكبر حب الوطن وحب الإنسان الذي يقاسي الظلم .      

          عائشة عبد الرحمن  أذن تمثل نموذجا متسقا مع ذاته ومع نموذج المرأة المسلمة العالمة الشيخة التي عي دورها علي كل من المستوي العام والخاص . تقدم صورة متوازنة وطبيعية للعلاقة مع الذات ومع الآخر  . حتى تمردها علي السلطة الأبوية واتباع طريق التعليم المدني بجانب التعليم الديني لم يكن في شكل تمرد سافر وغير موجه وإنما ظلت دائما حريصة علي عدم المواجهة العنيفة مع والدها حتى لا تغضبه وهو صاحب الكرامات المعروفة . يتبقى لنا سؤال هام في هذه المرحلة ما الذي يجعل عائشة عبد الرحمن تختلف عن الباقيات ؛فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي وأنجي أفلاطون وكل منهن تعتبر من الرموز النسائية علي اختلاف مشاربهن؟ لماذا اختلف موقفها عنهم في المفاهيم السابق الإشارة إليها وغيرها من المفاهيم  كالسلطة المجتمعية والسياسية ؟ إن الإجابة عن مثل هذا السؤال قد لا تكون في نطاق هذه الورقة ولكن يمكن لنا أن نقدم عددا من المؤشرات التي تساهم في الإجابة: من أهم هذه المؤشرات  اختلاف الخلفية التعليمية ؛ فعائشة بدأت في ظل القرآن ومعه وفي ظل أب لم يكن فهمه لقواعد الدين جامدا ومتحجرا ( في ما عدا نظرته لتعليم البنات )  هذه الخلفية لم تتوافر للأخريات .

المؤشر الثاني يتعلق بطبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة ، فعائشة علي سبيل المثال لم تعاني من التمييز ضدها لكونها بنت من جانب أبيها أو أمها علي العكس مثلا من حالة نوال السعداوي التي كانت ضحية في كثير من الأحيان لتفضيل أخيها الذكر عليها لمجرد كونه ذكر وهذا ما فجر فيها طبيعتها المتمردة. الصفات الشخصية تقدم مؤشرا ثالثا فعائشة عبد الرحمن وبالرغم من دفاعها الدائم عن الحق إلا أن سيرتها توضح لنا أنها كانت تحاول أن تتفادى الصدام المباشر والمواجهة الصريحة مع مصادر السلطة دون أن يعني ذلك تنازلها عن مبادئها ومعتقداتها . المؤشر الرابع يتعلق بالظرف التاريخي الاقتصادي والاجتماعي الذي عاشت فيه هذه الرموز النسائية فقد يكون لهذا الظروف أو الظروف عامل مشجع أو مثبط للمواجهة مع الآخر .

 

كل هذه المؤشرات وغيرها كثير قد لا تقدم الإجابة الشافية لماذا كانت عائشة عبد الرحمن هي عائشة عبد الرحمن ولكن قد تكون هي نفسها تعبيرا عن نفسها أو كما قال علي شريعتي في وصفه للسيدة فاطمة الزهراء  "فاطمة هي فاطمة " [36].


 


 

الأدب الإسلامي مدخل لقراءة أدب عائشة

عزة جلال

 

          إن أي نظرة عميقة إلى تجربة الحياة لابد أن تنتهي لأن الحياة صعبة وإن كانت جميلة ، ولابد لهذه النظرة أن تدرك أن كل شئ في حياة الإنسان لا يدوم وإنما يصير إلى الزوال؛ فالسعادة تنطوي صفحتها ؛ والصداقة والحب والعلاقات الإنسانيّة المختلفة يتعرض أصحابها إلى التفرق والانفصال.. الوجود نفسه يؤول إلى العدم.

          ومن هنا لم يخلُ الفن الجيد على مدى تاريخ الإنسانية من الحزن والشجن ، فالفن هو تفكير عميق في أمور الحياة وشئونها يجسدها ويعكس ما بها، وتكون قيمة هذا الفن أنه إبداع من ناحيّة ، وأنه مرآة عاكسة لظروف اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسية من ناحية ثانية، وليس اهتمام باحثي العلوم الاجتماعية على اختلافها بالفنون إلا نتاجاً لهذه القيمة التي يحملها الفن حتى دون أن يدري...

          فانعكاس الواقع في الأدب يساعد على تنسيب أفكار وآراء وتوجهات الأديب لمجتمعه وعصره ـ وهو المعروف اصطلاحاً بدراسة جينولوجيا الأفكار ـ ، وحيث يأتي أدب بنت الشاطئ ليعكس فترة هامة من مسيرة المرأة من الحرملك إلى الجامعة بما يحجز له مكاناً في فضاء الأدب النسائي ، وحيث هو في ذاته يمثل نمطاً أو نوعاً من الأدب ـ الأدب الإسلامي ـ تعز الماصدقات المعاصرة التي تشي به وتعبر عن مضامينه……تكون أهميته.

         

          بتعبير آخر يمكن القول أن أدب عائشة ذو أهمية مزدوجة وجهها الأول تجسيده لمعاناة هذا الجيل الأول ممن حصلن على أعلى مستويات التعليم في ظل ظروف ـ اجتماعية وسياسيّة ـ متلاطمة انعكست كأشد ما يكون الإنعكاس على حياة هذا الجيل من السيدات الذي تنتمي له بنت الشاطئ والذي ظل يحمل خبرة البدايات الصعبة معه في أي مجال كتب فيه ، ووجهه الثاني من الأهمية أنه كان أدباً مختلفاً كما كتبته زميلات عائشة في المرحلة من كونه أدب ملتزم بتنشئتها الدينية وثقافتها الإسلامية ومن هنا كان اشتهارها بأديبة الفقهاء وفقيهة الأدباء رغم تنوع قصصها الأدبية بين موضوعات ومواقف مختلفة.

          يعرف أدب عائشة عبد الرحمن التنازع ما بين النشأة والثقافة الملتزمة دينياً وبين الثقافة الحداثية العلمانية التي غمرت الواقع المصري من ثلاثينات وحتى خمسينات القرن العشرين وكان التنقل روحاً ومجيئاً بين الالتزام الديني الذي يصل إلى حدد السلفية وبين الانفتاح على الحداثية والتفاعل معها هو فكر ومنهج بنت الشاطئ وفيما كتبته سواء كان أدباً أو تراجم أو شهادات.

          ولأن مفهوم الأدب الإسلامي بتفاعل الجدل حوله يبدو أنه يعاني ذات النزعتين ما بين الالتزام الديني المحض أسلوباً وموضوعاتاً بين التأثر بالنزعات الحداثية ، حيث هو كذلك كان الاعتقاد بإمكانية الدخول منه إلى أدب عائشة ، وفي هذا الإطار تتضمن هذه الورقة البحثية عدة أجزاء أولها: -

-         الجدل الثائر حول مفهوم أدب إسلامي والنقد الذي تمخضت عنه الدعوة إليه ممن رفضوه ثم تحت أي من اتجاهاته يمكن تصنيف أدب عائشة.

-                     ما استخلص من ملامح عامة متكررة في الأعمال الأدبية الكاملة لبنت الشاطئ.

-                     أخيراً تناول نموذج أدبي من قصص الدكتورة عائشة كدراسة حالة.

  

ـ الأدب الإسلامي .. لماذا ؟

تكاثف النقاش في الفترة الماضية ولا يزال إلى الآن حول مفهوم الدب الإسلامي، وما بين مقالات شهدتها صحفٌ قومية وحزبيّة ومؤتمرات عقدت حاملة اسمه كانت أهم الأسئلة المثارة:-

-                     عن وجود (أو بالتحديد إمكانية وجود) أدب إسلامي من عدمه.

-                     عن شكله ومعايير الحكم على أدب ما أنه أدب إسلامي.

-                     عن حدود تماسه وتقاطعه مع الآداب الأخرى دونه وعوامل تميزه واختلافه عنها.

  الواقع أن أياً ممن تناولوا هذا المفهوم مدحاً أو قدحاً لم يقدم إجابات شافية قاطعة للأسئلة السابقة.

وإذا أردنا أن نورد أسباباً فلعله حداثة وجدة الدعوة إلى "أدب إسلامي" فلم يكن يسمع من قبل أن تمايزات واختلافات كالموجودة الآن ـ داخل الثقافة العربيّة ـ إلى أدب إسلامي ، أدب ليبرالي ، أدب اشتراكي، أدب علماني.. إلا بظهور تلك التوجهات الفكرية وقولبتها في أيديولوجيات سياسّية وهي مسألة حديثة بالنظر لتاريخ الأدب العربي الذي يمتد ما يقارب الخمسة عشر قرناً.

          والاعتقاد أن السجالات الفكرية بين المدارس السابقة أفرزت الجدل حول "الأدب الإسلامي" حيث سقط أسير مناقشتهم من ناحية ومن ناحية أخرى أنه ليس ثم اتفاق بين القائلين بوجوده أو بإمكانية وجوده على تعريفٍ أو شكلٍ أو حدودٍ له

 أن مفهوم "الأدب الإسلامي" يكشف كيف أن الفن ليس بعيداً عن السياسة بل أن حضروه قوي حتى يما قد لا يدركه الفنان أو المبدع وبالتالي فإن كشف النقاش حوله هو بمثابة إجراء عملية استقراء لأحوال الفكر والمثقف العربي المعاصر.

 

عن الأدب الإسلامي في توجهيه : -

من بين المناقشات حول الأدب الإسلامي يمكن تمييز اتجاهين داخل طائفة الداعين لوجود أدب إسلامي، يختلف كل توجه في تصوره لهذا الأدب شكلاً وموضوعاً إلا أنهما يحسبان معاً وفي نفس الخندق إذا ما بدا على شاطئ المناقشة الآخر الاتجاه الرافض تماماً لوجود أدب إسلامي تحت أسباب منها أنه يجرد الأدب من إنسانيته وكبح الإبداع .. وما إلى ذلك مما سيتم التعرض له.

الاتجاه الأول:

ساق أصحاب هذا الاتجاه عدة تعريفات للأدب الإسلامي نذكر منها :-

"التعبير عن انتماء الفرد لربه ودينه ورسوله وكتابه الحكيم ولوطنه وأمته"[a] تعريف      د.عبد الغفار هلال

"هو الأدب الذي يعبر عن نشوه الشعور الإنساني في قلب المؤمن ـ      خمرة الصوفي وعذريه الحب الإلهي..، هو الأدب الذي يهجو أعداء الدين والوطن ويمدح الأبطال..، هو النشيد الخالد الذي يترنم به الإنسان متبتلاً في محراب الجلال والكمال والوجود.."[b].

 "هو التعبير عن تجربة شعورّية في صورة موحية ولا يفهم هذا التعبير ولا يمارس إلا في إطار تصوّر إسلام واضح يوحد بين الحق والجمال.." تعريف لسيد قطب[c].

"الأدب الإسلامي هو التعبير الفني عما يحس به الأديب تجاه الله     والإنسان والكون والحياة بما يوافق نظرة الإسلام"[d] تعريف د.سهيلة زين العابدين

وبالرغم من أن منهج البدء بالتعريف لضبط المفاهيم المستخدمة هو منهج دقيق ومعروف لباحثي العلوم الإجتماعية وله قيمته إذ أن التعريف يضبط عملية الاستنتاجات الخارجية عنه أو منه ، بالرغم من ذلك فإن هلامية وعدم وضوح ألفاظ وتعبيرات داخل متن التعريفات السابقة جاء بنتائج عكسية تماماً إذ لم تخدم تلك التعريفات وغيرها المفهوم في إيضاحه أو إيضاح كيف السبيل إليّه، فالتعريف الثالث مثلاً لم يوضح كيف للأديب أن يوحد بين "الحق والجمال" كما أن التعريف الرابع وهو لرئيسه لجنة الأديبان المسلمات في رابطة الأدب الإسلامي العالميّة بالهند لم يحدد المقصود "بنظرة الإسلام" ثم ما هي حدود تلك النظريّة .

وربما حاول أصحاب هذا الاتجاه أن يعوضوا اتساع وعدم وضوح تعريفاتهم بالتأطير الدقيق للأدب والأديب الإسلاميين.

فسيد قطب في توضحيه يقول:[e]

"إنه بذلك فإن الفصل في الأدب بين الخلق وبين الجمال مؤذياً للطرفين إذ ليس هناك في ا لحقيقة أدب محايد أو أدب لا رسالة له .." الأدب الإسلامي عنده أدب موجه لإصلاح الحياة وتعميرها ومن ثم "..الأدب قد يلم بلحظات الضعف البشري لكنه لا يلبث عندها ألا ريثما يحاول رفع البشريّة من وهدة هذه اللحظات.." "..النظرية الإسلامية لا تؤمن بسلبية الإنسان.. ومن ثَمّ فالأدب والفن المنبثق من التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه .. إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة.." فهو هنا يوجه الأديب لموضوعات بذاتها يحدد له مجال كتابته بل وحدد انفعاله بالمواقف المختلفة لتنحصر في تصوير الحق والمثال.

وسهيلة زين العابدين صاحبة السبعة عشر كتاباً في مجال النقد الأدبي "تحت مجهر التصور الإسلامي" تخلص خصائص الأدب الإسلامي وملامحه في الإيمان والسمو والشمولية .."ويكون معيار تقييم الأدب هو التصور الإسلامي لله والإنسان والكون والحياة.."

وخلصت الدكتورة سهيلة إلى أنه بتطبيق منهجها هذا يمكن رصد شطط الكتاب والأدباء الذين حادوا عما قالت به لغةً وموضوعاتً، فإحسان عبد القدوس جمعت نظرية للخالق والأديان بين العلمانية والعقلانية والواقعية والاشتراكية والبهائية والإسماعيليّة والفرويدوية والوجودية السارترية. وديوان أمل دنقل يفيض إلحاداً !![f]

والرأي أن الأدب الإسلامي عند سهيلة زين العابدين يعني التدخل في اللحظة الإبداعيّة بالضبط الحازم ، وتكون ممارسة رقابة قاسية على شعور الأديب وعلى أسلوبه هي الفارق الذي يجعل منه أديب مسلم ملتزم أو غير ذلك ( وغير ذلك عندها أما علماني أو ملحد) ويشترك عبد الغفار هلال وسيد قطب وسهيلة زين العابدين في رفض الأدب الذي يصور سقطات أو أخطاء وهفوات البشر لأنه برأيهم فيه تشجيع على رذائل الأعمال ويصل الرفض عندهم إلى حد القطيعة فعند سيد قطب الأدب الآخر "جاهلي" كالمجتمعات التي تمخضت عنه، وسهيلة زين العابدين تراه من قبيل الحداثة الملحدة حتى لو كانت هناك قيمة مستبطنة يرجوها الأديب من عرض لحظات الضعف تلك..

وعليه فإن هذا النمط من التنظير للأدب الإسلامي وإن لم يطرح منهجاً مكناً ليتبعه الأديب وجاءت أغلب رؤاه على طريقة "الينبغيات" متناسين طبيعة الفن عموماً والأدب كفن تتداخل فيه عوامل سيكولوجية ثقافية مجتمعية لغويّة على وجه التحديد ، فهي عدة أوامر تفقد صدقيتها إذا طالبت الأديب الانفعال بحوادث دون أخرى ليأتي الأدب مطية تحمل بطريق مباشر أفكار ومعاني الدين وتعاليمه متجاهلين الجوانب التعبيرية الفنية فيه.

ولم يكن من المستغرب أن تفرز الحركة الثقافية رد فعل معاكس لهذا الاتجاه رافض لكل ما دعي إليه، ولا يبالغ إذا قيل أن النقد الموجه لفكرة وجود أدب إسلامي توجهت بالأساس لهذا الاتجاه دون الآخر التالي ذكره ، لا سيما أن أصحاب هذا الاتجاه كما سبقت الإشارة لم يكتفُ بتضييق مجالات الكتابة الأدبيّة بل وصل الأمر لحد تكفير أدباء آخرين بصفات تصل لحد السباب الخراج عن حدود لياقة المثقفين، فتصدى عدد منهم للرد على أصحاب هذا الاتجاه وكانت أبرز الآراء في ذلك:-[g]

ما أورد الكاتب طلعت الشايب من أن الدعوة للأدب الإسلامي على هذه الشاكلة "تخريف ..ورده فكريّة وزحف من تيار التسيس الديني لصالح جماعات ودول.." ويرى الشايب أن المشكلة ليست في تناول موضوع ديني فهذه حرية المبدع بل في الإصرار على اختزال كل شئ في خانة الدين بشكل تعسفي ، ويتوقع أن يكون هناك حديث لاحق عن إعلام الإسلامي وصحافة إسلامية ودراما إسلامية..، ويردف قائلاً: "الدين وجد لتنظيم الحياة؛ إذن فالحياة أسبق في الوجود على الدين وبالتالي هي أشمل وأكثر رحابة مثل الفن الذي ستبوء محاولات اختزال موضوعاته وأساليبه في خانة الدين بالفشل المؤكد.." ، كما يعلق أنه داخل الدين مذاهب عِدّة من شافعي ومالكي وحنبلي وحنفي فهل سيتم تصنيف الآداب التي ترفع لافتة إسلامية وفقاً لهذه التقسيمات

وترفض الروائية نوال السعداوي هذه الدعوة حيث تفترض في الإبداع أن يتجاوز حدود الموروثات الاجتماعيّة والسياسية والجنسّية والبيولوجيّة ..ولهذا لا تقبل بفكرة أدب مسيحي أو أدب يهودي أو أدب بوذي أو أدب إسلامي فكل هذه التصنيفات هي محاولات سياسيّة لا علاقة لها بالإبداع لصبغ كل نشاط إنساني بالصبغة العقائدية المذهبية بما ينذر بتفجر صراعات التمييز العرقي والديني بما يتناقض مع رحابه الفن فالقائلون بالأدب الإسلامي يختصرونه في علاقة الفرد بالله وفي سيره على صراط مستقيم لا يحيد عنه.. وتستطرد السعداوي بالطبع لا يمكن أن يمنع أحد من ممارسة حقه في التعبير عن دينه ومذاهبه عبر أشكال أدبيّة لكن هذا لا يسمى أدب ديني فقط "أدب  "

وللروائي إبراهيم عبد المجيد نقده حيث يشير إلى أن ما قرأه تحت لافتة "أدب إسلامي" لا يصلح إلا لحصص المطالعة في المدارس الابتدائية ولو كان هذا هو المطلوب أي تقديم مواعظ أخلاقية في ثوب أدبي بسيط جداً لا بأس إلا أنه لا يمكن أن يعتبر ذلك أدباً كاملاً فضلاً على أن ما يورده القائلون بالأدب الإسلامي من موضوعات ليكتب فيها الأديب محدودة وتقيد سقف الخيال الإنساني.

الاتجاه الثاني:

هذا الاتجاه يدخل للقول بإمكانية "الأدب الإسلامي" من مدخل طبيعة عملية الإبداع الأدبي ذاتها حيث الأديب يعاني مخاضاً من تفاعل مشاعر واختلاجات داخل أعماقه بفعل مؤثر خارجي أو داخلي، ثم تجد هذه التفاعلات طريقها إلى خارج الذات عبر أدوات التعبير اللغوي.

ويعرف ذلك الوجود الأول للنص الأدبي داخل ذات الأديب "بالتجربة الشعورية" ، وتعد التجربة الشعورية رصيد إنساني مشترك؛ يشترك فيه البشر كافة، فالأديب يتميز بتوقد الإحساس والانفعال وبالقدرة على التعبير عن تلك التجربة.

ويتمايز الأدباء فيما بينهم بتمايز درجة انفعالهم حتى بنفس الحدث، ويتمايزون أيضاً بقدر تطويع كل منهم للغة بحيث يؤثر المخزون الثقافي والعملي والخبراتي على معالجة الأديب للحدث[h].

ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه كالدكتور محمد حمدون ومصطفى عليان على أن طريقة معالجة الأديب للحدث الذي أثار انفعاله أو جذب اهتمامه تتم بشكل عفوي غير مباشر فإذا قصد الأديب إليها قصداً أو حرها عماداً في عمله الأدبي فإنه يتعرض للنقد بجريرة التظاهر والإدعاء.

واستخدام الأديب لألفاظ اللغة عبر أسلوبه مسألة تلقائية تكون فيها ثقافة الأديب وتجاربه وخبراته هي الخلفية اللازمة لتجربته الشعوريّة وتمثل الإطار الذي تتحرك في فضاءه عملية الإبداع ، ويؤكد الدكتور حمدون أنه "لا يمكن فصل النص الأدبي عن الثقافة التي ينبثق منها وهنا تبدو وصلة الأدب قوية بكل عناصر الثقافة ومنحها الدين أما إذا كانت الثقافة في عصر الأديب تعطي اهتماماً للموسيقى أو التاريخ أو الأسطورة فالأدب سيركز على ذلك.."[i].

ثم يردف حمدون مشيراً إلى أن هذا يصدق على الأدباء عامة وهناك من النقاد الغربيين من كرس ذلك مثل (G.B.Gunn) * في كتابه الأشهر “Literature  and Religion” حيث يرى الأدب مرآة صافية لثقافة وللأوضاع المحيطة بالأديب ليتفق بذلك مع الدكتور زكي نجيب محمود حينما أشار لأن دراسة القطعة الأدبية تتم أحياناً ليُسَتِشف منها شيئاً عن الحياة الاجتماعية التي لابد أن تكون قد أحاطت بالأديب أوالفنان وهو يبدع..[j]

وهذه المقدمة يكون من المنطقي وحيث يقع الدين حجر زاوية في الثقافة العربيّة وحيث تأكدت الهوية العربيّة مرتبطة بعروبية النص المقدس قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فتوحدت اللهجات في لغته .. يكون منطقيّاً أن نجد للدين مكانه فيما أثمرته تلك الثقافة من فنون وآداب.

وإمكانيّة وجود أدب إسلامي تظل مرتبطة بوجود ثقافة مستمدة من روع الإسلام وتعاليمه وقيمه ، وغالباً ما ينتهي أصحاب هذا الاتجاه بتوصيات من قبيل إحياء التوجه الإسلامي فيما يلقن للنشئ في المدارس والعناية بالثقافة الإسلامية المقدمة للتلميذ في مختلف المراحل لتحصينه ضد التيارات الوافدة وربطه بلغته الفصحى وأن ينظر في تأليف الكتب الدراسية إلى ارتباطها بالقيم الإسلامية لتبدو للتلميذ شخصيته وكيانه..[k]

هذا التوجه الثاني وإن بدا أكثر رحابه واتساعاً ومرونة من الأول الذي يضيّق من موضوعات الأدب ويضع قيوداً حديدية على الأديب وأسلوبه فهو رغم ذلك لم يؤطر نظريَّاً للأدب الإسلامي بسماته وملامحه وعوامل تمايزه عن الآداب الأخرى كما أنهم لم يقدموا تعريفاً للأدب الإسلامي ولعل السبب وراء ذلك هو أن ما قالوا به لم يكن ليختلف عن معنى "الأدب" بصفته المجردة ولهذا فإن هذا الاتجاه لم يثر نقداً حوله بل أن بعض مقولاته تتفق مع ناقدي الاتجاه الأول فحسين أحمد أمين يرى:

"أنه ثمة أدب إسلامي قديم بكل تأكيد، ومن حق أبناء شعوبنا أن يطوروا الآداب والفنون بما يجعلها تعبيراً إسلامياً عن المشكلات المعاصرة (هو يتفق هنا مع الاتجاه الثاني) ، ولكن ليس معنى ذلك أن ينكر هؤلاء الإسلاميون على الأدباء والفنانين الذين لم يتشربوا بالقيم الدينيّة حقهم الكامل ومطلق حريتهم في التعبير عن ذواتهم وتصوير الواقع بالشكل الذي يروق لهم (يختلف مع الاتجاه الأول) فليس هناك سلطة من حقها أن تزعم احتكار الحقيقة.."[l]

ربما يكتسب الاتجاه الثاني أهميته في سياق الجدل القائم حول الخصوصية والعالمّية بحيث يكون التأكيد على جذور الثقافة والتأكيد على ملامح الهوية والشخصية العربيّة مسألة حيوية أشير إليها في سياق حديثهم عن خلق ثقافة إسلامية ملتزمة كي يوجد أديب ملتزم حتى وإن تدين بدين غير الإسلام فالثقافة العربية الإسلامية أثمرت شعر المهجر الذي خطّه مسيحي الشام وتمثّل رافداً هاماً للمدرسة الكلاسيكية في الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين وجاء في معظمه لا سيما أدب مهاجري أمريكا اللاتينية (الرابطة الأندلسيّة) ملتزماً متأثراً باللفظ القرآني أحياناً.

هذا الاتجاه وسع من معنى "الإسلامي" ومن ثَمّ من أسلوب الأدب وأغراضه للدرجة التي تتماهى معها حدوده مع معنى الأدب الإنساني وحاول ان يؤكد على التزامه بالقيمية دون أن يوجد آليّة فاعلة أو "روشتة مخصوصة" لذلك فأغلب ما قدمه يصدق على الأدب وعلى غيره من فنون الكتابة والفنون عامة التي تطل كل حين دعاوى بالتزامها في مواجهة اتجاهات إباحية أو عبثية تظهر داخلها.

وافتقد مفهوم الأدب الإسلامي في اتجاهي طرحه إلى التأصيل النظري كما افتقد إلى الماصدق الواقعي فجاءت الآراء حوله إما مصمته. كالاتجاه الأول تشدد عليه وترسم الحدود  حوله دون أن تناقشه وفي ذات الوقت لم تنقل الجدل عنها والنقد الموجه إليها إلى داخلها ـ وأما مراوغة كالاتجاه الثاني الذي دار أيضاً حول الفكرة وقدم جهداً رصيناً عن علاقة الثقافة والبيئة "بالأدب"لا "الأدب الإسلامي".

إن الدعوة لأدب إسلامي في ذاتها مسألة صحيّة فهي تخرج بالإسلام من "حصص الدين" في المدارس إلى فضاء الفكر ليصبح الدين جزءاً من اهتمامنا اليومي أو بالأحرى تصبح اهتماماتنا اليومية جزءً منه بما يحمله ذلك من أمل في ظهور آداب ملتزمة لا ملزمة ، من جانب آخر الدعوة صحية لأنها تفتح مسألة إشكالية الموروث في مواجهة العصر بتعبير آخر الثقافة التقليدية ـ تقليدية بمعايير التاريخ والجغرافيا ـ في مواجهة تأسّد ثقافة عالمية "أو عولمّية" مفروضة ـ مفروضة بمعايير الواقع de facto والمصلحة ـ لتبقى الأسئلة التي بُدأ الحديث عن أدب إسلامي بلا إجابة ..

 

بنت الشاطئ بين مرفأين :-

يبدو ما كتبته بنت الشاطئ من أعمال أدبيّة (صدرت تحت عنوان الأعمال الأدبية الكاملة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب) أكثر قرباً من الاتجاه الثاني الذي يرى وجود أدب إسلامي إذا هيئات البيئة للأديب النشأة والثقافة الإسلاميّة.

فبنت الشاطئ المولودة في 1913 لأب شيخ في المعهد الديني بدمياط وحفيده لأحد مشايخ الأزهر نشأت في مُناخ إيماني دعم هذه النشأة حفظها للقرآن منذ كانت في الخامسة وتلقيها العلوم الإسلاميّة على منهج الأزهر على يد والدها وأترابها في المعهد الديني ، ثم ارتباطها بالقراءة لا سيما الأدبيّة خلال كفاحها للحصول على شهادة الكفاءة وبداية كتابتها للأدب عام (1934) ـ قصيدة حنين إلى دمياط ـ ثم فوزها بالجائزة الأولى التي نظمتها وزارة علي ماهر عن إصلاح الريف عن كتابها "الريف المصري" لتبدأ في دخول حيز الأضواء الأدبيّة فارضة لغتها الأدبيّة ـ التي استقت مداها من نشأة محافظة وارتباط مبكر بلفظ القرآن ـ على مجتمع العاصمة على حد تعبيرها (على الجسر/ سيره ذاتيّة ص 122).

كانت تكتب وتحاضر بلغة صقلها تجويد القرآن معتمدة على اتصالها بالبيان العربي في ذروة نقائه وعز أصالته والذي تعلمته في معهدها الديني بالقرية وتستمر رحلة عائشة بنت الشاطئ على نفس المنهج لحين لقاءها بالأستاذ أمين الخولي رائد ومؤسس مدرسة الأمناء حيث (..إذا القديم الذي جئتها به ـ وتقصد الجامعةـ يجلوه منهج الأستاذ الخولي فيمنحه روح الحياة ونبض العصر.. على الجسر/سيرة ذاتية ص 136).

عائشة إذا في لقاءها بأيمن الخولي ورغم كون هذا اللقاء العلامة الفارقة في حياتها حسبما تشي سيرتها الذاتية التي تجعل فيها من اللقاء به محوراً دارت حوله أو في فلكه بقية الأحداث قبله أو بعده، عائشة في هذا اللقاء لم تنفض القديم وتعني علوم السلف وإنما عملت على جلوها وصقل ثقافة كلاسيكية اكتسبتها من مكتبة أبيها بثقافة حديثة فكان أن تجمع لديها رصيد من تراث السلف وتصورات العقلية الأسطورية إلى حكمة الفلاسفة وجدل السوفسطائية ومنطق أرسطو وديكارت والمنهج التجريبي الاستقارئي والعلم بمباحث الأصوليين والكلاميين وضوابط علم الحديث واللغة ومناج الفلاسفة المسلمين المتعددة..وليس اختيارها لأبي العلاء المعري- بذات المفارقات في شخصه- موضع للبحث في رسالتها للدكتوراه الا تجسيداً لذلك.

تبدو بذلك بنت الشاطئ "نموذج " للشخصية الإسلامية التي نادى الاتجاه الإثني القائل بالأدب الإسلامي إلى وجودها لضمان وجود أدب إسلامي ـ ويكون السؤال عن انعكاس هذه الثقافة الإسلامية الرصينة والمجددة بعلوم عصريّة متفتحة على الأدب .

 

        ملامح عامة

هناك عدد من الملامح العامة والمتكررة في أعمال بنت الشاطئ الأدبيّة على تعددها...

الملمح الأول :

يتعلق بظهور تأثرها بالحفظ المبكر للذكر الحكيم في أن (لغتها قرآنِيّة ) تدخل التعبيرات القرآنية في تراكيب الجمل دون إقحام.

لم تعانِ بنت الشاطئ من غربة لغوية إذن بين لغة نشأت تسمعها وتتحدث بها ولغة تفرضها طبيعة الكتابة في النصف الأول من القرن العشرين المتأثرة باتجاهات غربية علمانيّة ، فلم تفرض على نفسها الكتابة بأسلوب أترابها ممن يكتبون في نفس الفترة لترضي الذوق العام وكي لا تبدو شاذة عن جيلها .

ساعد على ذلك استيعابها للنص القرآني حفظاً وفهماً فكان اقتباس التعبير يأتي في موضعه..

"أي تمني عندما حملت أمي جنينها الأول أن يهبها الله غلاماً زكياً.." على الجسر ص 37.

"..كلا يا فتاة ما كانت أمك امرأة سوء، وما كانت آثمة بغية .." امرأة خاطئة ص 18.

"..لكننا طردنا منها ونبذنا بالعراء أنا وهذه الأم التي رأيتها منذ أيام .." سر الشاطئ/المقنعة ص74.

"..عندما بُشر بمولد أنثى اسودت الدنيا في وجهه ، وخرج من داره متعثر الخطو.." سر الشاطئ/الذئاب ص 155.

"..وانتبذت مكاناً قصيا في أطراف المدينة حيث أقامت مع أرملة فقيرة .." سر الشاطئ/الورثة ص 173.

وتلك اللغة الأدبية القرآنية لم تقف عند حدود قص ص كتبتها بنت الشاطئ إذ هي تُرى في ا لطريقة التي صاغت بها تراجم سيدات بيت النبوة وفي مقالاتها "شاهدة عصر" ليتأكد بذلك أنها كانت تتعامل مع اللفظ القرآني بعفوية.

 

ملمح ثان : يتعلق بواقعية ما تكتب

واقعية بنت الشاطئ لا تعني فقط أن ما تكتبه قابل للتحقق بل أيضاً أن أغلبه كان عن قصص وحوادث حقيقية مرت ببنت الشاطئ أو مرت بنت الشاطئ بها.

باستثناء سيرتها الذاتية ، أغلب ما كتبته كان قد حدث بالفعل بحيث تدخل "الأنا" ضمن سياق الأحداث والتطورات كجزء منها أو طرف فيها أو شاهد عليها .

الأنا عند بنت الشاطئ لم تعنِ انكفائها على ذاتها ولا تصوير قصصها لعالمها الخاص ليكون أدبها بذلك صدى لهذا العالم، فقد خرجت بنت الشاطئ عن نفسها مصورةً حياة المحيطين بها بحساسية ملاحظة وقدرة على التقاط المعنى خلف الموقف تليقا  بأديبة، عائشة تروي عن جيرانها وزميلاتها وقريباتها التي عايشت وقائع حياتهن عن قرب مما أعطاها القدرة على الرصد ثم الكتابة لاحقاً.

روايتها للأحداث تؤكد أن مسافةً زمنية فصلتها عن تلك الأحداث بحيث هي تتأمل في ذاكرتها تقيّم بمنطقها الحاضر ماضي مر بها تغيرت عنه من حيث تقيمها للأشخاص والوقائع ، فهي تعترف في مجموعتها "قصص من حياتهن " بهذا التغير فمن سارعت بالحكم عليها حملت الأحداث براءتها ومن استمعت إلى خوض الخائضات في سيرتها أثبتت الأيام طهرها إلا أنها ترجع ذلك إلى حداثة السن وقصور الخبرة وكأن فارق المعرفة التي أتاحتها الذاكرة أو أتاحها الخيال الاسترجاعي لم يتخلص من هيمنة عائشة كشاهدة للأحداث ولم يتخلص تماماً من أحكامها الأولى وإن حاولت تبريرها، وهذا طبيعي حيث "العلاقة بين مكونات الذاكرة المستعادة ونوع اللحظة الحيدة التي تبعث الذاكرة على الحركة أشبه بالعلاقة بين حجر المغناطيس وكل ما يستجيب له من مواد قابله للتمغنط فالذاكرة لا تضئ للوعي (...) إلا وقائع الماضي وأحداثه المجانسة لعلاقات اللحظة المهيمنة على الوعي.." [m]

ورغم أن الظن يزال قائما أن التزام الأديب تصوير واقع قد يلقي بظله على مستوى الصنعة أي تقنية الكتابة يكون الأديب الواقعي ـ أي الذي يكتب أحداث ممكنة الوجود من خلال بناء أدبى مصنوع كرائد الرواية الإسلامية نجيب كيلاني وسواه ـ متحرراً منها رغم هذا الظن فالتاريخي لا ينفي الأدبي والعكس عند عائشة والوظيفة الجمالية لم تتناقض مع الانفعال بحوادث شهدتها بعينها شاركت في بعضها وتابعت عن قرب البعض الآخر كأغلب السير الذاتية التي تحكي تاريخا خاصاً على خلفية تاريخ عام.

نهضت بنت الشاطئ بمهمة بلورة الأحداث كي تكون أكثر تشويقاً وعملت كراو على عدم إقحام الأحداث بعيدة الصلة بالموضوع التي قد يكون لها أثر تبديد الانتباه معترفةً بذلك في أكثر من موضع في سر الشاطئ /قصص من القرية وقصص من حياتهن.. وتكون المتعة التي تمنحها عملية التأليف على هذا النحو هو اعتبار الأديب لجمهور التلقي بحيث لا يفقد في سياق سرد الأحداث عملية التسلية فكانت قصصها قصيرة أقرب إلى ومضات سريعة تحمل عظة أخلاقية أو اجتماعيّة بما يعني أن هادفية الأدب لا تأتي على حساب جماله طالما أحسن الأديب الصياغة والتزم بعدم مباشرة وافتعال العظة.

 

ملمح آخر لأعمال بنت الشاطئ الأدبية

وهي تمحور جُلّ ما كتبته حول المرأة

المرأة التي قد تكون قريبتها أو جارتها أو زميلتها ، شغلت بنت الشاطئ بتصوير قصص من واقع نساء من مختلف الطبقات الاجتماعيّة ، الواضح أن قضية تحرر المرأة من أسر التقاليد بدأ مع عائشة منذ ويبدو أن النشأة الريفية المحافظة وعدم الاختلاط بين الجنسين ساعداً أيضاً عائشة على الاقتراب من حياة جاراتها وقريباتها في دمياط يجالسنها يحكين مشاكلهن وعثراتهن لها أو أمامها .. كل ذلك ساعد أن تكتسب حساسية مبكرة تجاه قضية المرأة والمجتمع لا سيما أنها نفسها عانت صداماً بين التقاليد وتطلعاتها حينما كان والدها يعترض على دخولها المدرسة وتوعدها بالتبرأ إلى الله منها كلها أرادت أن تحصل على قسطٍ أعلى من التعليم ثم مجتمع المدينة وزميلات الدراسة..، حينما كانت تستعرض حياة هؤلاء كانت تلقي اللوم على الظروف التي ساقت هذه أو تلك للخطيئة فما من امرأة في أدبها لم ترغب في الصلاح والاستقامة هل كان ذلك تحيزاً منها لبنات جنسها أم هو واقع المرحلة أم صدفة!! "..لن تجدي سواي من يقسم لك أنها ما أثمت إلا لأنها تجهل الإثم ولا زلت إلا لأنها تجهل معنى الزلل" (سر الشاطئ/ناعسة ص212)

وتاكد هذا الاتجاه بوجودها في القاهرة والتحاقها للعمل بجريدة النهضة النسائية التي أُسند إليها رئاسة تحريرها وإدارتها في 1933، وفي مُناخ عمل المدرسات زميلاتها استطاعت أن تدرك بنت الشاطئ الضريبة التي تعانيها الفتاة التي تخرج عن عرف المجتمع فتتعلم حيث كان التقسيم حاد بين أن تكون أماً وزوجة أي تلعب دورها التقليدي أو أن تكون متعلمة مثقفة حيث كانت الفتاة المثقفة تحرم من الأمومة ثمناً لثقافتها وعملها في لحظة زمنية لم يكن المجتمع فيها ليسمح لها بالجمع بينهما أما هذا أو ذاك.

وحينما شرعت بنت الشاطئ كتابة قصص زميلاتها من المعلمات اللائي قابلتهن أثناء عملها بالتدريس قبل الالتحاق بالجامعة قدمت كتابها قصص من حياتهن بأن وصفتهن "بالشهيدات" اللائي مهدن الطريق لغيرهن حتى يخرجن من الخدور إلى الجامعة ، هذا الجيل الذي تحمل الصدمة الأولى من رفض المجتمع لتغير توزيع الأدوار داخله فكانت العادات والقيم الرجعية والنظرة المتدنية للمرأة تقف أمامهن سداً. "..أبت أسرتها أن تبعث بها إلى المدينة لتتعلم إذ كان خروج البنات وقتذاك أمراً منكراً في تلك البيئة ، كما كان تعليمهن يلقي عليهن ظلاً من غضاضة وامتهان، أثراً لمخلفات عصر معني جعل أول مدرسة مصرية للبنات ـ أنشئت في عهد محمد علي ـ وقفاً على الإماء الحبشيات ثم اليتيمات المعوزات.." (سر الشاطئ/غنية ص 119).

رأت بنت الشاطئ أن المزايا التي تحققت للمرأة كان وراءها عدد من هؤلاء السيدات اللائي صعدن جبلاً عالياً بأظافرهن حتى وصلن إلى القمة ، هذه الرؤية التي صورتها من خلال تفاعلها مع أحلام ومعاناة زميلاتها لتجد قصصها مكاناً داخل رقعة "الأدب النسائي".

 

دراسة حالة "امرأة خاطئة"

كان اختيار قصة "امرأة خاطئة " لكونها تناقش موضوع "الخطيئة" وقد حظيت الخطيئة باهتمام شديد من الأسماء الأدبية  اللامعة في النصف الأول من القرن العشرين عبر عدد ضخم من الإنتاج الأدبي تنوع بين الرواية والقصة والمقالة بحيث كانت طريقة التناول وأسلوب المعاجلة وزاوية الاهتمام هي العوامل المميزة للأديبة عن غيرها.

ومصدر اختلاف بنت الشاطئ في طرح القضية كان تناولها للمفارقة بين معنى الخطيئة في الدين ورؤية التقاليد لها عبر استعراض أدبي بليغ لقصة واقعية من الحقيقة ذهبت صاحبتها لعائشة تحكي قصتها علها بالحكي تتخلص من عار الإثم..

كان الاختلاط بين التقليدي والديني في مسألة الخطيئة" هو السبب في معالجات أدبّية تطرح حلولاً غير ملتزمة فما كان طرح بنت الشاطئ مختلفاً إلا لاختلاف التناول فهي تتعرض لقضية خلق المجتمع لأدوار يتمثلها الأفراد بوعي أو بغير وعي ثم عودته ليحاسبهم عليها بعد ذلك من خلال خادمة طفله يوصيها أهلها بطاعة "السيد" (..اعملي على إرضاء سادتك ليحتفظوا بلك، فليس لك عند غيرهم مكان.."

وتكرس البيئة في يقينها الطفولي ملكية السيد لها ويرتبط حصولها على حلوى وفاكهة برضاء السيد فما كانت لتصد السيد وما كانت لتستطيع ..!!

عائشة عبد الرحمن حاضرة في القصة كمستمعة للبطلة تداخلها كل فترة لتستوضح أو تستفهم وحاضرة كراوية للخلفيات الزمنية والحديثة للقصة وحاضرة تناقش بشكل غير مباشر عبر لسان البطلة واقع فتاة ريفية ساذجة جعلت منها الأوضاع "اللئيمة" على حد تعبير عائشة امرأة خاطئة دون أن تتعمد هي ذلك "..رأيت أمامي مخلوقة ضعيفة ؛ تعرض في جسدها الهزيل ؛ وقامتها النحيلة ؛ وملامحها البائسة صورة موجعة للشقاء الإنساني، وتثير بنظرتها الوديعة وابتسامتها الذابلة عواطف الرثاء والحزن والاشفاق.."

أرادت عائشة إذن فض الاشتباك بين الديني والتاريخي في مسألة بالغة الحساسية في مجتمعات الريف الحضر على حد سواء وتزيد حدة الحساسية في الريف إذ حاولت بنت الشاطئ توضيح كيف تعمر المواقع الحربية والحصون والقلاع وتمد الأسلاك الشائكة على المرأة العورة أما الرجل فيبقى خارج سلطة التشريع يمارس دور الخصم والحكم يشنق ولا يُشنق فالسيد في القصة جعل من ناعسة خاطئة رغم جهلها لكُنْه الخطيئة ثم ألقاها للطريق كي تعاني ذنبه، عمدت بنت الشاطئ للإشارة كيف أن هذا الرجل /السيد يحمل شهادة حسن سير وسلوك تاريخيّة وحكماً بالبراءة من كل تهم الزنى العلنية التي اقترفها بينما تعاني المرأة الريفية منذ مقدمها للحياة مفهوم "الأنثى العار" وكيف أن ربط الأنوثة بالعيب والعار جعل المجمع محروماً من الطمأنينة ينام والسكين تحت وسادته، ثم لاحقاً كيف تنتقم السماء من الفاعل الحقيقي "..افتقر سيد الأرض، كانت زوجة مسرفة متلافة..لما نفذ المال رهنت الأرض وغلق الرهن وحدد يوم لبيع الضيعة.."

بنت الشاطئ في القصة إذن تحاكم واقع المرأة في الريف ووضعها في الثقافة وموقعها في المجتمع من خلال أسلوب بليغ بالغ البساطة يحقق نقداً لاذعاً لأوضاع تسيئ للرجل والمرأة على حد سواء ، يساعدها فيها نشأتها الريفية ومعاناتها الخاصة من السباحة ضد تيار التقاليد كي تتعلم ، هل كانت بنت الشاطئ تنتقم من التقاليد بأن تكشفها في أبشع صورها وأخص تجلياتها إذ تناولت فكرة الخطيئة؟

كانت عائشة أيضاً تمارس نقداً يُعرف لدى المتخصصين "بالاجتماع السياسي" تحل العلاقات المترتبة على توزيع الثروة من خلال قصة ناعسة الخادمة الطفلة التي تنتقل للخدمة لتعيش في ضيعة السيد ضيعته يبيعها معها "..أو لم نكن ملك يمينه يتصرف فينا تصرف المالك فيورثنا من يشاء ويبيعنا إلى من شاء ؟ أجل، و ها نحن أولاء قد انتقلنا مع الأرض والقصر والدواب من مالك إلى مالك ..من سيّد إلى سيّد "

 فتنقل لنا عائشة بذلك طبيعة العلاقة بين طبقات المجتمع وقت حياة الأحداث وطبيعة العقليّة الريفيّة السيد من جهة وناعسة من جهة، ثم مجتمع القرية من جهة الذي يتغذى على حكايا بعضها حقيقي وأكثرها مختلق تلعب الأسطورة والخرافة دوراً في تشكيل وعيه ".. عجب الناس لها أن رأوها تتلقى سهامهم في ابتسامة هادئة وتقف في مهب العاصفة ووجهها يشرق بنور شاحب غريب وأرجف نسوة في الحي أنها اتصلت بملك الجن عن طريق بعض السحرة فأمدها بتعويذة عجيبة تحميها من القوم فلا تنال منهم سهامهم ولا تحس أذاهم.."

اختتمت بنت الشاطئ القصة بموت ناعسة ليسدل الساتر.. ويعلق ذنبها بذنب الأوضاع والظروف التي حاكمتها دون أن تناقشها "..أنها لترقد جثة هامدة شلاء لا يحجزها عن القوم سوى حفنة تراب، كان هذا التراب قذيفة اللعنة عليها في أمسها الفاجع وهو اليوم ، درع يصد عنها عادية القوم ويحميها من الذئاب.." ، واقعية أحداث القصة تصد عن بنت الشاطئ تهمة التحيز التي ألصقت بأديبات ناقشن "الخطيئة" وعدم القصد إلى الخطيئة أو تعمدها يبرأ ناعسة من الذنب عند بنت الشاطئ التي اختتمت قضتها بعبارة : -

"..رحمك الله يا ناعسة لم تكوني آثم الخاطئات في هذه الدنيا.."

وختاماً

التناول الملتزم العميق لموضوع كثر تناوله من زوايا عديدة كان منها غير الملتزم و المتوجس و السطحي …يجعل من عمل بنت الشاطيء "أدب اسلامي " بمعايير الاتجاه الثاني في الأدب الإسلامى السابق الإشارة اليه الذي يركز علي الخلفية الدينية للأديب كى يخرج أدباً إسلاميا ، بحيث يمكن الرد به علي دعاوى أن  التزام الأدب في لفضه و شكله يتعارض مع جماله و تقنيته ، فجاءت امرأة خاطئة معبرة عن استيعاب بنت الشاطيء لبيئتها و ظروفها من ناحية وفهمها لمعنى الخطأ و الاثم في الدين الذي لم يعاقب الشخص لكونه مخطئ وانما يسائله لكونه متعمد فعمر بن الخطاب لم يقطع يد السارق في عام الرمادة لانه لم يسرق متعمداً الخطا او السرقة ، كانت هي اذاً تتخطي الشكل الي المعنى و المضمون تتعامل مع روح الدين لتكشف زيف التقاليد المتسترة به لتخرج في النهاية بنقد رصين لاوضاع اجتماعية قائمة

ارست بذلك بنت الشاطيء مباديء يمكن السير عليها لايجاد ادب ملتزم بالمعنى الواسع للالتزام فهو ملتزم بالدين في شكله وهدفه وملتزم بثقافة المجتمع وان اختلف معها وملتزم بالاصلاح و التوجيه فتشكل رافد في الادب او مدرسة يمكن ان تتبع اومنهج يحتاج للمواصلة ….

 

 


 

الرمز الديني في نماذج من الرواية النسائية المعاصرة

هند مصطفى

 

      ينصب اهتمام هذه الورقة حول تكييف وعي المرأة الديني -طبيعته واتجاهاته-في جنس أدبي بعينه هو الرواية باعتبار الأخيرة "ملحمة ذاتية تتيح للمؤلف أن يلتمس من خلالها معالجة الكون بطريقته الخاصة" إن جاز لنا استخدام هذا التعريف الذي صكه فولفجانج جوته[37]. وباعتبار أن العمل الأدبي بشكل عام، قبل أن يكون انتاجا أو تعبيرا ، هو بالنسبة للذات المبدعة وسيلة للكشف عن الذات[38]. وقد اختيرت الرواية بشكل خاص لأنها -بحكم التعريف والبنية-توفر فضاءا تعبيريا أرحب مقارنة بالشعر والقصة القصيرة ، خصوصا بالنسبة للمبدعات العربيات اللائي باتت تجربتهن أكثر ثراءا وتعقيدا .

  

  لا شك أن الرواية النسائية العربية قد لحقتها قفزات تطويرية جذرية في الشكل والمضمون خلال فترة المائة العام التي تفصل بين حاضرها الراهن وفترة ظهورها في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على أيدي رائدات شهيرات مثل أليس بطرس البستاني (صائبة عام 1891) ، ولبيبة هاشم  وزينب فواز العاملي (حسن العواقب عام 1895) ، ولبيبة ميخائيل صويا (حسناء سالونيك 1909) وفريدة عطية (بين عرشين 1912) [39]. وقبلهن عائشة التيمورية ان جاز وصف الرواية على مؤلفها "نتائج الاحوال في الأقوال والأفعال" الصادر عام 1887[40].

      بين هذه الأعمال المبكرة التي تراوحت بين التسلية والترفيه والوعظ والرواية التاريخية، وبين أعمال التسعينات هوة كبيرة، ترتبط بتطور التجربة الإبداعية النسائية حيث "أصبح هناك أعمال تولد كل يوم وتنمو من خلال بعضها البعض عبر حرية داخلية تحاول المبدعة  التحرك من خلالها لتخاطب الوجود: وجودها الخاص أولا ثم وجود بقية العالم لا من منطلق النرجسية ولكن من منطلق التعرف على ذلك المكبوت تاريخيا والذي لم تسمح له الظروف الثقافية بمثل هذا الانطلاق من قبل"[41].

    ويرصد أحد الباحثين[42] تحولات الخطاب الروائي للمرأة المصرية وخصوصيته عبر ثلاثة أجيال (لطيفة الزيات-سلوى بكر-ميرال الطحاوي) مميزا  الجيل الروائي الاول بصبغته السياسية النضالية التي يذوب فيها المسار الشخصي والحياتي مع مصير الوطن. فيما تم في الجيل الثاني تجسيد الوعي السياسي والاجتماعي بحركة وجدلية المجتمع، ويجتمع الجيلان في بروز علاقة الرواية بالتاريخ والسياق السياسي والاجتماعي. هذا إلى أن يجئ جيل الثمانينات والتسعينات منكفئا على ذاته وهمومه وإشكالياته الخاصة الوجودية "وتضخم الأنا الانطولوجي على حساب العلاقة مع الآخرين". ومن ثم تشكل الانثى محور كتابات هذا الجيل الأخير بخصوصيتها وإحساسها بلغة الجسد ورهافة وحساسية المشاعر.

    التقسيم نفسه تذهب اليه كاتبة أخرى[43] -اثر مسح للرواية النسائية العربية في مائة عام-بقولها أن روايات الستينات كانت سياسية برز فيها النضال واحباطات هزيمة 1967 وقضايا الهجرة والحرب..محددة لفجر فكر جديد من الكتابة النسائية العربية مع روايات الثمانينات[44] ذات الطابع الذاتي والتي تتحدى النظام الأبوي.

    وكانت إحدى الباحثات الغربيات قد قامت بمحاولة مسحية أسبق[45] ، أفرزت نتائجها عن تقسيم تطور الإبداع النسوي الى ثلاثة مراحل تاريخية هي: Feminine, Feminist,Female Stage: الأنوثة ، النسوية ، الأنثى . بحيث تمتد المرحلة الاولى من 1840 الى 1880: وفيها كتبت المبدعات بهدف اقناع الرجال بكفاءتهن . أما في الثانية (1880-1920) ومع تطور المشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة الاوروبية ، تطور الأدب الذي تكتبه النساء وأخذ يتعرض للمشاكل والمعاناة التي تمر بها المرأة في تلك المجتمعات، ودار هدف الكتابة الابداعية حينئذ حول التعبير عن معاناة النساء وعالمهن الخاص والعام. أما المرحلة الاخيرة فقد رفضت فيها المبدعات أشكال التقيد المتخفية وراء قناع الذكورة وكذلك الرفض السلبي للرجل والمجتمع ، والتفتن الى خبرتهن الخاصة كمصدر للفن.

     ان الهدف من الإشارة الى هذا التصنيف الغربي الأخير ليس التأكيد على التصنيفات السابقة بل هي محاولة للفت الانتباه إلى المتابعة الخطية التي تتم بوعي أو دون وعي في مجتمعاتنا وداخل نخبنا الثقافية للتجربة الغربية . إذ بدأت الحركة النسوية بالرغبة في الحصول على اعتراف بالوجود وبالحقوق الاجتماعية -ثم الرغبة في المساواة-ثم التمرد المطلق والانكفائية الذاتية والكفر بمبدأ المساواة باعتناق نوع من الخصوصية الذاتية الحدية التي تنفصل عن المجتمع. 

        الأدب النسوي

     تتعدد وتتنوع المواقف التي تتخذ من مفهوم الأدب النسوي ، وهي تنهج في غالبيتها إلى رفضه  ارتكانا على عدة عوامل منها :أن التخصيص يعد عائقا بين المرأة وبين الفضاء الاجتماعي حولها. كذلك فإن التصنيف يتضمن حكما بالهامشية مقابل مركزية مفترضة (للذكوري) . أيضا يعتبر البعض أن تغليب الهوية الجنسية على العمل الإبداعي ما هو الا تغييب للانساني العام والثقافي القومي من جهة ، وللتجربة الشخصية والوعي بها من جهة ثانية، وللخصوصية الفنية والمستوى الفنى من جهة ثالثة. وهناك من يرى أن هذا التصنيف هو تعميم للحواجز "الحريمية" الموجودة في العالم العربي بسحبها على مجال الابداع.[46]

   واذ يأتي جل الرفض من جانب الأديبات أنفسهن ، ينحو البعض إلى اعتبار ذلك تمثلا للقناعة السائدة في المجتمع حول احتقار "النسائي" بما ينطوي عليه من دلالات ترتبط بـ "الحريمي" ، وما يستتبع ذلك من إلحاق صفة الدونية بالكاتبة وانتاجها .وكأن المرأة هنا تتعرض بدون وعي لنوع من الاستلاب الذكوري وانتحال مواقع الرجل.[47]

    والمفارقة أن هذه الاختلافات لم تمنع شبه الإجماع على خصوصية اسهام المرأة في الحقل الأدبي . وتتلون تلك الخصوصية بأشكال شتى لدى من يثيرونها الا أنهم يعودون لصب عوامل "الخصوصية" في مجرى "العام" . بمعنى أن الخصوصية لاتعدو أن تكون إحالة على الموقع الأنثوي[48] ، لكنها في النهاية تصب في العطاء الثقافي العام . ذلك أن كتابة المرأة تبغي تغيير موقعها وتفكيك القناعات السائدة حولها ومن ثم فهي تشارك في فعل تطوير ثقافي شامل. والأمر هنا قد يبدو ملتبسا ، فإذا كانت للكتابة الانثوية خصوصيتها ، فلماذا نرفض المسمى إلا اذا كان رفضا للنتائج الخاصة بهاجس الدونية . 

    ولرصد خصوصية الكتابة النسوية، مداخل عدة ، أهمها مدخل الذاتية . فالذات المؤنثة تنزع "القناع الذكوري" لتعبر عن تجربتها التاريخية والنفسية والثقافية . ويعبر ذلك عن نفسه في فن السرد ذاته "ذلك ما يعلل كثافة استخدام الكاتبات/البطلات ضمير المتكلم في صياغة الخطاب الادبي عامة والروائي منه خاصة اعتبارا لكون صلة الرحم لا تنقطع بين الكاتبات وبطلاتهن ، وعنصر السيرة الذاتية سافر الحضور والغناء الوجداني الرومانتيكي الدائم التدفق".[49] كذلك في موضوعات الكتابة وحدودها ، فلدى الكثيرات اقترنت كتابة الذات  بالجسد الانثوي. وهو ما يفسر بالاختلافات البيولوجية والنفسية الاساسية بين الرجل والمرأة "فماذا يعرف الرجل /الذكر عن المرأة وعن الحمل/انتفاخ البطن، عن مبادلة الغذاء والهواء والخفقان؟عن مساجلة الاصوات والحركات بين الأم والجنين ؟..ماذا يعرف الرجل عن تلك المغامرة التي تمزق الأحشاء والتي لا نظير لها في الدنيا؟"[50].

    إن أدب المرأة حقيقة واقعة اليوم ، والاعتراف به تحصيل حاصل . لكن الأمر المهم أن يكون هذا الاعتراف نابعا من قناعة  تحررت من هواجس الدونية ، ومن عقلية الاستقطاب والثنائيات المتقابلة (نسوي/رجالي) . والأهم ألا يكون هذا الاعتراف دعوة لتكريس للاغراق في الخصوصية والانعزال عن المجتمع، بل هو اقرار بجدلية العلاقة بين خصوصية التجربة وعموم النتائج ، ضمن طرح عام يرى أن "حكاية المرأة هي ذاتها حكاية المجتمع/الأمـة كما أن حكاية المجتمع/الأمـة جملة من الحكايات التي للمرأة فيها باع"[51].

        الرمز الديني :

      إن الدين بمعانيه الأوسع التي تتخطى حدود الفقه بمعناه الاصطلاحي الضيق (الاحكام العملية التكليفية المرتبطة بالسلوك) إلى تلك الأفكار العليا التي تشكل عناصر وعي الفرد بذاته في علاقته مع الرب  ومفهومه عن هذا الرب وتصوراته عن حياة دنيا أو أخرى وتعريفاته الخاصة لمفاهيم مثل الغيب، الإيمان،الكفر، الخطيئة،الثواب ،العقاب.... الدين بهذا المعنى هو بعد حاضر في العمل الإبداعي حضوره في ذات المبدع كأحد أبعاد علاقته بالكون والوجود، حاضر بدلالاته الأولية الفطرية وانعكاساتها الرمزية وتجسيداتها المادية. والبحث عن حضوره في العمل الإبداعي هي قضية بلا معنى، في الوقت الذي يمكن الحديث فيه عن تكييف هذا الحضور : طبيعته وحدوده وخصائصه. 

    وتعكس متابعة الواقع الثقافي الراهن أهمية رصد العلاقة بين ثلاثية الإسلام والإبداع والمرأة . وإذا كانت السطور السابقة قد تعرضت لجانب من إشكاليات المرأة والإبداع ، فإن الإسلام والإبداع من ناحية ، والإسلام والمرأة من ناحية ثانية ، ومن ثم الإسلام وابداع المرأة من ناحية ثالثة تظل إشكاليات حية ومتوالدة ومتشابكة على الساحة الثقافية اليوم.   

     والإشارة إلى قضية الدين والإبداع أو الإسلام والإبداع الأدبي تستدعي مباشرة الاشارة إلى طرح جديد ظهر مؤخرا ونال نصيبا وافرا من الاهتمام الإعلامي. ذلك أنه حين بروز فكرة وضع إسهامات د.عائشة عبد الرحمن الأدبية على مائدة البحث، أثير طرح "الأدب الإسلامي" كوصف لانتاج بنت الشاطئ في مجال القصة وتراجم سيدات بيت النبوة والسيرة الذاتية..تزامن هذا مع جدل إعلامي حول فكرة الأدب الإسلامي، تراوح بين مناقشات وندوات وحوارات مع أعضاء ما يسمى برابطة الأدب الإسلامي العالمية ومقرها الهند. والتي تضم لجنة باسم "لجنة الأديبات المسلمات". وذهب الجدل حول هذا الطرح ، إلى الدعوة لتكفير عديد من الأدباء من جانب، وإلى رفضه كلية من جانب آخر ، في حين لفتت الفكرة انتباه البعض حول إمكانية تلمس وتطوير نوع من الأدب يلتحف بالإسلام بمعناه الحضاري الواسع الأفق والحدود من جانب ثالث. وفي هذا الخضم كان الاقتراب من المفهوم بحثيا يصطدم دوما بجدار التعريف. ما هو الأدب الإسلامي .. وبهذا الصدد لم يمكننا الحصول على أي تعريف واضح ..بل ان واحدة من عضوات لجنة الأديبات المسلمات بالرابطة المذكورة -موريتانية الجنسية- قد ذهبت في حوار لها إلى تعريف المفهوم على أنه "الأدب الذي يكتب بلغة القرآن"[52] في دلالة واضحة على تأثر المفهوم بالواقع القطري المحيط بها ، حيث تثار في بلادها  قضية "الفرنسة" ، الأمر الذي يصبح غير ذي معنى بالنسبة لقارئ من مصر مثلا. ولدى محاولة التماس تعريف من خلال رصد بعض محاولات تطبيقه التي قامت بها واحدة من أعضاء الرابطة ، برز شئ هو خارج الأدب كلية، بنهجه الوعظي المباشر وتقيده بأحكام الفقه بمعناه الضيق.

    الأمر الذي أثار فجأة قضية أكبر من مسألة الأدب الإسلامي، مؤداها هل الإسلام يتعارض مع الإبداع ، بمعنى أنني عندما أصف كتابة ما بأنها خارج الأدب الإسلامي ، فهل ذلك يحيل مباشرة إلى وصفها بأنها "أدب كافر" ، إن الخطورة تكمن في أن بعضا من رموز الرابطة من السيدات ذهبن إلى ذلك بالفعل[53] مما  يحيل الأمر بدوره إلى قضية أخرى ، تتعلق بالعقلية التي تتعامل مع الأمور بحدية الاستقطاب (إسلامي/كافر).

   وبعيدا عن الاستطراد في متابعة العلاقة بين الإسلام والإبداع على هذا المنوال وهو ما أعتقد أن ورقة أخرى قد اضطلعت به بالفعل ، فإن هذه الورقة لا تهدف لا إلى تحري الدين أو الرمز الديني في الرواية النسائية بحثاعن "النموذج الديني" أو "النموذج الاسلامي" ولا إلى تحري فضاءات المسموح وغير المسموح في الخطاب الروائي دينيا. بل هي تهدف  تحديدا إلى رصد التصور الديني كما هو في الأعمال المتناولة مع تحديد أشكاله وتوجهاته. انطلاقا من افتراض مسلمة بعينها ترى أن البعد الديني/الإسلامي هو بعد حاضر في الخطاب العربي بشكل عام ، كحاكم ثقافي ، وكحد خطابي ، ناهيك عن كونه موضوعا للخطاب في بعض الاعمال.. وهذا ينسحب على الخطاب بأشمله بما فيه -ان لم نقل خصوصا- خطاب المرأة، و الخطاب النسوي.

        النسوي والديني:

     شكل الإسلام حدا أساسيا في خطاب تحرير المرأة لدى بزوغه في نهايات القرن التاسع عشر، فكان ملاذا لجميع أطراف الخطاب وصنوانا لمفهوم الإصلاح ومنطلقا له على اختلاف توجهاته. نستطيع أن نلحظ ذلك جيدا مع إطلالة سريعة في مؤلفات الفترة  أيا كان توصيف وتصنيف المعاصرين لها بين الحداثة والتقليد. فالأمر سيان هنا سواء قرأت لمحمد طلعت حرب و محمد فريد وجدي ومحمد كمال الدين الادهمي ، أو قرأت لمحمد جميل بيهم  واسماعيل مظهر ومجد الدين حفني ناصف وغيرهم ..والأمر لم يقتصر على مؤلفات الرواد من الرجال بل ينسحب كذلك على أعمال الريادات النسوية الأولى مثل زينب فواز العاملي وباحثة البادية ونبوية موسى ودرية شفيق..شاملا مى زيادة على مسيحيتها.[54]

    وظل حضور "الإسلامي" في خطاب تحرير المرأة قائما مع تطور هذا الخطاب على يد النسويات المسلمات المعاصرات من أمثال ليلى أحمد وفاطمة المرنيسي . وقد اتخذ هذا الحضور أشكالا مختلفة تماما خلال الثمانينات ثم التسعينات تزامنا مع تطور حقل دراسات المرأة  في الغرب وتحديدا الدائرة التي تعني بدراسة المرأة في الشرق الأوسط. تطورا كَمُن في مدخل التناول وفي توصيف المرأة محل الدراسة. اذ حل المنظور الثقافي محل كل من دراسات المناطق والانثربولوجي كمدخل للتناول من ناحية، وبالتبعية، حل توصيف "المسلمة" محل أي توصيفات أخرى للمرأة محل الدراسة، من ناحية أخرى. [55]

    وفي رصدها للعلاقة بين الاسلام والمرأة ، تقول واحدة من أشهر الموسوعات الغربية عن الدين والمرأة[56] (وهي تعبر بشكل عام عن توجهات عدد كبير من النسويات المسلمات،وكذلك توجهات شطر معتبر من الحقل الأكاديمي الغربي المهتم بدراسات "المرأة المسلمة") : "يفوق حضور المرأة  في القرآن حضورها في أي نص مقدس آخر، يرتبط هذا الحضور بالتركيز على مساواتها مع الرجال" وتمضي الموسوعة في ذكر حقوق المرأة في القرآن متوقفة لدى آيات: "وللرجال عليهن درجة" (البقرة الاية228) و"الرجال قوامون على النساء.." (النساء الاية34)، و "نسائكم حرث لكم" (البقرة الاية224). وكذلك آيات السماح بتعدد الزوجات للرجال ، باعتبارها فروق قرآنية بين الجنسين ، لتنتهي الى القول بأنه "بينما ميز القرآن بين الدور والوضع الاجتماعي للرجل والمرأة ، فإنه لم يفرق بينهما فيما يتعلق بالمسئولية الاخلاقية، وقد قدم القرآن نماذج للخضوع من الجنسين . كما أن نماذج الخضوع والطاعة التي ارتبطت بالمرأة..تعني الخضوع لارادة الله وليس الرجل"[57].  وتعود الموسوعة للقول بأن القرآن كمصدر اساسي للتشريع الاسلامي قد ارتبط بجسد هائل من الاحاديث التي من المفترض ان تمثل النموذج الحي للاسلام كما عكسه النبي محمد (ص). تلك الاحاديث  تم جمعها ونسبها وتصنيفها في القرن الثالث الهجري. وانه في أدب الحديث والتفسير برز التمايز في المسئولية الاخلاقية بين الجنسين -دون النص. "وبجانب النقص العقلي والاخلاقي، اُعتبرت المرأة بالغة القوة والخطورة في أحاديث وتفاسير أخرى . فالمرأة مساوية للشيطان من حيث مسئوليتها عن انحراف الرجال بعيدا عن الفضيلة وهي لذلك المصدر الأساسي للفتنة"[58] .و"هذا التناقض بين ما ذهب اليه النص القرآني من مساواة بين البشر ، وبين مكانة المرأة في التشريع الإسلامي قد  أفرز مجالا واسعا من النقد الاصلاحي على مدار القرن الماضي"[59].

       وفي أحدث مؤلفات الباحثة الأمريكية اليزابيث فيرنيا صاحبة أول كتاب عن المرأة المسلمة (صدر عام 1977 بعنوان Middle East Muslim Women Speak )، تذهب إلى اقرار وجود ما تسميه "نسوية إسلامية" ، قائلة "انه من المدهش أن يشكل المعتقد الإسلامي ذاته أساسا للعديد من أنماط السلوك التي أسميها نسوية!! الأمر الذي يختلف كليا عن "النسوية الغربية" التي تعرف نفسها على الدوام بكونها علمانية ، وأنها حركة تؤسس بعيدا عن الدين[60] . وتنقل فيرنيا عن "عزيزة الهبري" المحامية الأمريكية -اللبنانية الأصل ، قولها عن نفسها "كمسلمة ، يمثل الدين جزءا من حياتي لا أستطيع أن انفصل عنه"[61]

وتضيف فيرنيا "في مصر وتركيا والكويت والولايات المتحدة تبدأ النساء -الإسلاميات التوجه- من فرضية تقول أن فكرة المساواة الجنسية موجودة بالفعل في القرآن ، لكن المشكلة في التفسير الذكوري أو الفهم الخاطئ للنص المقدس. ومن ثم تكون المهمة الأولى للحركة النسوية هي إعادة فهم ذلك النص ، والجديد أن يتم ذلك بمشاركة من النساء ذاتهن في تلك العملية التي ظلت تاريخيا قصرا على الرجال. ورغم أن فيرنيا تفرق بين "النسويات الإسلاميات" و"النسويات المسلمات دينا" ، إلا إنها تؤكد انه لا واحدة من الفئة الأخيرة تشك في إقرار القرآن بمساواة الرجل والمرأة. [62]

    هكذا يظل التماس والتشاكل بين الديني والنسوي قائما طالما ارتأت النسويات أن "للمؤسسات والأبنية الفكرية وأساليب التفكير الخاصة بالمجتمعات الإسلامية الأولى ، والتي تشكل كلها معا الخطابات الأساسية في الفكر الإسلامي ، دور بارز عبر التاريخ الإسلامي في تحديد موقع المرأة من المجتمعات الإسلامية"[63] اللائي ينتمين اليها .

    ولم تقتصر علاقة النسوي-الديني (على اختلاف زاوية النظر إليها) على المؤلفات الأكاديمية بل امتدت كذلك إلى مجال الإبداع الأدبي . وتصف إحدى الباحثات "الطفرة الأدبية النسائية الراهنة" بقولها : "وكأنه مع ازدياد الحس الديني والتعصب الاجتماعي في عدد من الدول العربية ، فإن حسا آخر له علاقة بالوعي ونور الثقافة قد أخذ في التوهج كرد فعل مضاد لدى الدوائر الأدبية العربية من النساء المبدعات والرجال المبدعين الذين أدركوا مدى عمق وأهمية أن صوت المرأة ليس عورة"[64].

    وبصرف النظر عن توجه هذه الباحثة فالأمر الجدير بالملاحظة أن ما تسميه "الطفرة الأدبية النسائية الراهنة" قد تزامنت بالفعل مع التطور الأخير في الخطاب النسوي المعاصر ، ذلك التطور المشار إليه آنفا ، والذي يهتم بالبعد الإسلامي بمضامين وأطر جديدة. وأيا ما كانت مدلولات هذا التزامن ، فالأمر يبدو جديرا بالدراسة والبحث .

      لقد اقترن فكر الإصلاح النهضوي بقضية المرأة وإصلاح أوضاعها كمدخل لاصلاح حال الأمة، وارتبط ذلك جدليا بالإسلام كموضوع/باعث/حد/مظلة للإصلاح بشكل عام ، وإصلاح وضع المرأة بشكل خاص. واليوم وبعد مرور قرن أو ما يزيد -نواجه  وضعا شبيها: اتجاهات للإصلاح-تركيز مكثف على قضية المرأة-بروز البعد الإسلامي وتداخله المعقد مع البعدين الآخرين...وفي بداية القرن سمعنا أصوات وردة اليازجي وزينب فواز وعائشة التيمورية وملك حفني ناصف  وقدرية حسين ومي زيادة وأخريات، أصوات نسائية تفاعلت رؤاها مع الاتجاهات الثلاث، واستخدمت فيما استخدمت الأدب للتعبير عن محصلة تلك الرؤي بصدد معالجة واقع وإشكاليات نسوية وحضارية مختلفة وللمساهمة في التطور الاجتماعي الحضاري بشكل عام. والآن نرصد أصوات نسائية أخرى تستخدم التعبير الأدبي أيضا ولها رؤاها التي تتفاعل بصورة أو بأخرى مع الاتجاهات نفسها لتصب في المجرى الثقافي العام، الأمر الذي نتوسل بكتابتهن الروائية لتكوين تصور أولي عنه.

 

      وكما قدمنا سينصب اهتمام هذه الورقة على تكييف الوعي الديني في نماذج من الرواية النسائية العربية المعاصرة ، وذلك من خلال رصد الرمز الديني في البنية السردية اللغوية للرواية، من حيث طبيعة هذا الرمز وكثافة حضوره والاتجاه نحوه من حيث السلب او الإيجاب او اللامبالاة..والقضايا المقترنة بظهوره ، وكذلك كيفية ارتباطه بكافة أبعاد الوعي النسائي الأخرى. وينصب مدلول الرمز الديني إلى أمور مثل : صورة "الرب" ونمط العلاقة معه، مفاهيم مثل الايمان والخطيئة والغيب ...الخ، الرموز الدينية المجسدة في مؤسسات أو شخوص بعينها ، أو طقوس وملابس معينة.

     

 وفي هذا الإطار تم اختيار خمس روايات هي "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي ، و"الباذنجانة الزرقاء" لميرال الطحاوي، و"البشموري" لسلوى بكر ، و"جنات وإبليس" لنوال السعداوي، و"نساء على أجنحة الحلم" لفاطمة المرنيسي.   

 

        الايمان والمرأة /الوطن

     في روايتها "ذاكرة الجسد"[65] تتعرض الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي لمفهوم الايمان مباشرة. فالبطل/الراوي ، الرجل الوطني الذي يتخذ من  باريس مهجرا ، والعائش طوال الوقت في حلم الوطن ومدينته قسنطينة على الأخص. يسأل عن الايمان وتجيب البطلة/الحبيبة/الوطن/المدينة ، والتي تظهر لنا في الرواية كأنها أحلام مستغانمي ذاتها بحدودها الجسدية والنفسية ولغتها المعبرة القوية بل انها تحمل اسمها ذاته "أحلام". وفي إجابتها وفي ردة فعله عليها نلحظ لأول وهلة كيف يتماهى الدين مع الوطن/الذاكرة.

"هل انت مؤمنة؟

-طبعا انا أمارس كل شعائر الاسلام ..وفرائضه.

-وهل تصومين؟

-طبعا أصوم ..انها طريقتي في تحدي هذه المدينة في التواصل مع الوطن ..ومع الذاكرة." ص239

وكأن هذا التواصل يترجم في نفس الراوي/السائل مباشرة ، إلى مصالحة مع الله ومع الوطن والذاكرة فيقول لها ولنا: 

"ما أجمل كلامك يومها، كان يأتي ليقلب ثنايا الذاكرة، ويوقظ داخلي صوت المآذن في صباحات قسنطينة. كان يأتي مع الصلوات، مع التراتيل، مع صوت المؤدب في كتاتيب قسنطينة القديمة فأعود الى الحصير نفسه أجلس عليه بالارتباك الطفولي نفسه ، أردد مع أولاد آخرين تلك الايات التي لم نكن نفهمها بعد، ولكننا كنا ننسخها على ذلك اللوح ونحفظها كيف ما كان خوفا من "الفالاقة" وتلك العصا الطويلة التي كانت تتربص بأقدامنا لتدميها عند أول غلطة. كان يأتي ليصالحني مع الله ..كان يصالحني مع الوطن، ويحرضني ضد هذه المدينة التي تسرق مني كل يوم مساحة صغيرة من الايمان..ومن الذاكرة." ص240

والإيمان لدى أحلام/البطلة/الكاتبة هو مفهوم وظيفي بالدرجة الأولى، انه ليس فقط "طريقتها في التواصل مع الوطن" بل هو أيضا :

 "طمأنينتنا السرية ، درعنا السرية وهروبنا السري الى العمق لتجديد بطرياتنا عند الحاجة. أما الذين يبدو عليهم فائض من الايمان ، فهم غالبا ما يكونون قد أفرغوا أنفسهم من الداخل ليعرضوا كل ايمانهم في الواجهة لأسباب لاعلاقة لها بالله!"ص239

يتبدى بعد جديد لتلك الوظيفية لدى "حسان" شقيق البطل الأصغر الذي لايزال يعيش في الوطن:

"..لقد عدت الى الصلاة منذ سنتين ولولا ايماني لاصبحت مجنونا. كيف يمكن أن تصمد أمام كل هذا المنكر وهذا الظلم دون ايمان؟ وحدها التقوى تعطيك القدرة على الصمود. انظر حولك:لقد توصل  جميع الناس الى هذه النتيجة وربما الشباب أكثر من غيرهم لانهم الضحية الاولى في هذا الوطن" ص306

ان الايمان هنا ملاذ للهروب، للخروج من الواقع ، والتقية من احباطاته وخيباته ..

" أكان يخاف على من خيبتي، ويخشى ان يفقد فرحة عودتي اليه والى هذا الوطن مرة أخرى عندما كان يتوقف احيانا عن الحديث لينتقل بي الى موضوع آخر؟ كأن يستدرجني مثلا بطريقة غير مباشرة الى الدين والى التقوى والايمان. ويغريني بالتوبة، وكأن وجودي في فرنسا بحد ذاته قد أصبح ذنبا وكفرا. أهذا هو حسان؟ لم أمنع نفسي ساعتها من الابتسام وأنا أتذكر أنني أحضرت له معي زجاجتي ويسكي كالعادة" 307

والإيمان بوظيفيته تلك ، يشكل مفهوما خاصا، أنه كما تقول أحلام الكاتبة/البطلة :

" قناعة ، وهو ككل قناعاتنا قضية لا تخص سوانا ..لا تصدق المظاهر ابدا في هذه القضية الايمان كالحب عاطفة سرية نعيشها وحدنا في خلوتنا الدائمة إلى أنفسنا".240

وقد تنتفي في لحظة ما أهمية تلك الوظيفة الهروبية التي يوفرها الايمان :

 "..كف عن الصلاة يا ابني. لقد أصبحوا يصلون أيضا ويلبسون ثياب التقوى..كف عن الصلاة..وتعال نفكر قليلا" 358-359

وازاء هذا المفهوم "المخصخص" للايمان، تأتي الخطيئة "حاسمة":

-"أنا أكن احتراما كبيرا لادم لانه يوم قرر أن يذوق التفاحة لم يكتف بقضمها وانما أكلها كلها. ربما كان يدري أنه ليس هناك من أنصاف خطايا ولاأنصاف ملذات ..ولذلك لايوجد مكان ثالث بين الجنة والنار. وعلينا -تفاديا للحسابات الخاطئة- ان ندخل احداهما بجدارة". ص261

 

        الدين والتماهي مع حدود الجسد

في روايتها "الباذنجانة الزرقاء" تقدم ميرال الطحاوي صورة مختلفة للرمز الديني . يسير الرمز الديني هنا مع حدود الجسد ، فهو يتجذر في وعي البطلة قدر ارتباطه بجسدها ، وقدر وطأة هذا الجسد على وعيها.

وعلى محور الدين/الجسد نسمع في الرواية صوتين لبطلتين ، كلاهما تخاطبنا بضمير المتكلم ، تتشاركان الفراش في بيت الطالبات ، تتشاركان الحبيب ، إلا انهما تأخذان مواقع متقابلة على المحور المذكور. أولهما ندى/ن  وهي كما تصف نفسها .

"هي بنت محترمة..أربعة أعوام لم يشعر بها أحد ، تنبش في دواخلها"مهذبة ورقيقة" تمارس قمع أحلامها بانتظام وتعود عينيها تلك الانحناءات التي تواجه بها الحياة وديعة كما تمنوا لها ، وتحادث نفسها بانتظام عن أخطائها، ونسيت كيف يكون الكلام من طول صمتها، ولاترى بين المدرجات سوى سهم طولي يشير الى المسجد، تبكي وتضم شعرها في ضفيرة، تطيل غطاء رأسها كل يوم حتى لايرى منها أي تفاصيل، حين تقطع صخب المحاضرات بوحدتها ستتبع السهم وتجلس الى جوار الحائط" .57

وتصفها صفاء/ص بقولها :

"البنت التي تشاركني فراشي تضفر شعرها كقروية..خارجة من طست حمومها وترتدي ملابس عصر النهضة، غالبا هي ملابس امها ..تطيل كل يوم غطاء رأسها وتفتح فمها بتقعر أزهري يرتدي طربوشا"ص66

 

وحين تصف (ن) (ص) تقول :

"كانت البنت المحشوة في بنطال ضيق وفي يدها سيجارة تنظر لي باستفزاز"ص62.."تقف دائما بمواجهة روحي بتحد وتقطن أعلى فراشي ولاتسقط مثلي في المنامات" "أقارن بين تفاصيل جسدها وجسدي"ص62

وللوهلة الأولى نلحظ كيف يختلط الرمز الديني بالجسد في التعريف بالاثنتين ، وحين نسمع: سهم طولي يشير الى المسجد.. تبكي وتضم شعرها في ضفيرة.. تطيل غطاء رأسها كل يوم ، يحيلينا ايقاع الكلمات القاطع إلى حالة القصر التي تعيشها (ن) ، الغريب إنها حين تتحدث عن نفسها في هذا المقطع تستخدم "ضمير الغائب" : ترى -تبكي -تطيل-تجلس ..وكأنها تعبر عن حالة اغتراب شديدة الوطأة ، أو حالة "استلاب" بتعبير احدى فتيات الرواية التي تكتب في مذكراتها :

"يحتل جسد المرأة حيزا كبيرا من دائرة استلابها فإن كان الكبت هو أول محاور استلاب المرأة وانتهاك آدميتها فهي في نفس الوقت أداة جنس. هذا التناقض بين وظيفة المرأة وصورة الجنس أدى إلى كثير من الخلل في وعيها بجسدها والى تناقض أعمق في مفهوم الشرف والعفة في العقلية العربية"ص 112

 

تتأكد تلك الحالة بالتعريف الذي تقدم به (ن) (ص) : "البنت المحشوة في بنطال" فهو تعريف بالجسد ، بل انها حين ترصد الفروق بينها وبين صاحبتها تقول "أقارن بين تفاصيل جسدي وجسدها" مقارنة بالجسد أيضا. وعلى حين يرفض احد مستويات الوعي عند (ن) نموذج (ص) المتحرر جسديا وجنسيا - فهي على مستوى أعمق تنجذب لذلك النمط الذي يقف "بمواجهة روحها بتحدي" والذي في الوقت نفسه "لايسقط في المنامات" تلك الكوابيس المفزعة التي تداهم (ن) المتدينة الخلوقة ، في حين تتحرر منها (ص).

والمنامات بدورها ترتبط بالكبت الذي تعيشه (ن) صنونا لثنائية الدين/الجنس:

" المسجد عبارة عن ركن بين حائطين ..لا أحد هنا غيرها وطالبة في نقاب أسود تلمحها دائما تصلي الضحى وبعد عدة نوافل أخرى تجلس لقراءة القرآن بصوت خفيض ، قد تحدثها بعد أن تنتهي من صلاتها عن عذاب القبر أو علامات يوم القيامة أو تعطيها كتابا عن التبرج وأذكار الصباح والمساء، فتطيل ثوبها أكثر ، وترتدي قفازا متعففة عن السلام والكلام...ورغم ذلك تواصلت المنامات" 58.

إن  الاقتران  الثلاثي الكبت/الدين/الجنس يعبر عن نفسه هنا بوضوح  في أسلوب السرد وايقاع الكلمات . وهنا نحيل على استهلال العبارة السابقة :"المسجد عبارة عن ركن بين حائطين"!. ان حياة (ن) محصورة بين حائطين ، مقيدة مع حدود غطاء شعرها ورداءها الطويل وجدران المسجد ، تفصلها عن الحب وعن الحبيب وعن الحياة:

-"وحدك تصدقين ما تحكينه لهن، فرحك ولهفتك ، وهن يتركنك بعد انتهاء الموعظة ليدسسن أيديهن في أيدي الاخرين بين القاعات والمعامل والادراج، وتلبسين أنت قفازك"..ص109

-"مستعدة الان ان تركلي كل العلب الورقية التي حبسوك فيها، وتفتحي ازرارك كلها، وأن تمزقي أوراقك بثقوب كثيرة للضوء والمحبة والحياة"ص117

-"المعرفة طريق المحبة ونحن لم نتعارف بشكل كاف أنا حتى لا استطيع التكهن بتفاصيلك من خلال هذه الملابس"ص124

-"خلعت قفازك وغطاء رأسك وفتحت قلبك عن آخره"124

-"أخبئ وجههي بعيدا عن مرآتي، لكن حين تواجهني ستقول عني بسخرية :افتحي زرا اضافيا من أزرار رخصك، وتحدثي عن النسيان وعن فضائل ارتداء القفازات وصنع المسافات وبراقع الخجل. وبعد أن تسرد أحكام الصد والهجر واللوعة وتؤكد خيباتي، ستأتي أمي بعد أن تفرغ من صلاتها وتضع رأسي على حجرها وتعدد الرقي وتحدثني عن عيون الناس"ص131

"من حقك أن تعيشي وتحبي..هل تشعرين أن تخلصك من غطاء رأسك ذنب كبير يستحق أن تفسدي أفراحك الصغيرة بالحيرة أو التشكك في مقدرتك على أن تحبي وتعطي"ص133

 وكما يتأصل الرمز الديني بهذا الشكل في نفس (ن) ، فالأمر ذاته نجده عند (ص)، لكنه عند الأخيرة يقترن بالسلطة ..السلطة التي تتمرد عليها بكافة أشكالها بدءا من الأب فالحكومة فالرب..

-"كانت تذكرني بأبي وهو يتحدث عن النعمة التي يصونها الرب من الزوال ملطخا وجهي بأصابعه التي لاتزال فيها قوة لان تعلمني الادب والاحتشام"ص66

-"تحاول البنت التي تستلقي اسفل فراشي ان تضيف الى معارف ابي مقاطع اضافية"قل لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لانزلنا عليهم بركات من السماء".ص67

-"كان جارنا اول رجل حدثني عن ماركس والبورجوازية العفنة والنظام البطريركي وحرية الجسد ، حين تطوع ليعطيني درسا في الفلسفة وعلم النفس في احدى السنوات الدراسية ، ثم مد يده من تحت الطاولة  فأمسكت الشياطين في جسدي ، كنت لاأزال أخاف من الرب الذي يرانا، لكنني كفرت بأن الصبر مفتاح الفرج أن أحب عباده اليه الفقراء"ص66

 

ان دلالات ظهور الرمز الديني في الرواية بهذا الشكل لا تنسحب على الدين كعقيدة/كايمان ، انها في الواقع تنسحب على رموز مجسدة ارتبطت بمصالح ومؤسسات بعينها برزت في خبرة البطلة الجامعية الشابة وأعادت تشكيل وعيها بشكل مختلف. هذا في حين أن البطلة نفسها وحين كانت طفلة لم يتأثر وعيها بعد بتلك المؤثرات ، تصف زيارتها لزميل لها مريض وكان مسيحيا رأت عنده صورة لمريم العذراء، فتقول:

"وحين زرناه في بيته ، رأيت صورتها على الجدار كانت جميلة جدا فأحببتها ..فذهبت في اليوم التالي إلى المدرسة وعلى رأسي غطاء أبيض كما رأيته في صور العذراء" ص37

كانت المرة الأولى والأخيرة التي نرى فيها الرمز الديني بعيدا عن المؤثرات المؤسسية. والكاتبة تعود لأسلوب التقرير لعرض فكرتها هنا فتقول:

"وتم اجهاض حركة تحرير المرأة وافراغ محتواها التقدمي واستثمارها لصالح البورجوازية لتحقيق نزعاتها الاستعراضية ثم أجهزت السلفية على هذه المكتسبات نهائيا إذا ألقت المرأة بحصاد نضالها لتعود طائعة مختارة لمواقعها القديمة من خلال التمسك بالتقاليد أو ما أسماه البعض بالردة الحضارية أي نكوص المرأة واختباؤها في ظل الموروث بديلا عن التمرد والمسئولية"115

ومن ثم فالدعوة لازاحة المأسسة الدينية تظهر في ذاتها وكأنها الخلاص من حالة الاستلاب والقهر الديني/الجنسي/السلطوي الذي تعانيه البطلة بوجهيها ن/ص .

- "قال ان الاستبداد ليس دولة فحسب بقدر ما هو عقلية ومنهاج، قال ان مجتمعاتنا تشبه جهازا ضخما لانتاج  الاستبداد وان شر الاستبداد ما مورس باسم الاسلام، لان الله خلق الاديان لترفع الاغلال عن الاعناق لالتكريسها"ص77

- "لابد من الخلاص من عقلية التنظيم الخاص لانه صيغة للتزاوج بين كيانين يعانيان الفصام ، التنظيم الخاص الموكل  اليه بأعمال عنف انتحارية هو كيان اضافي سيقوم اما بالشقاق بين الصفوف أو بأعمال همجية لانه يعتمد على صيغ العنف والبلطجة وطرحنا الاسلامي طرح حضاري"ص87

         الدين والحدود والمرأة

    رغم أننا لم نعرف فاطمة المرنيسي كروائية الا أن مؤلفها "نساء على أجنحة الحلم"[66] المترجم عن أصل انجليزي بعنوان "Dreams of trespass-Tales of a harem girlhood" ، يستحق وصف رواية بامتياز ، خاصة مع الترجمة الرصينة التي استحقت عليها فاطمة الزهراء ازرويل جائزة الدولة التقديرية. والمؤلف كما تصفه  المرنيسي "ليس سيرة ذاتية، وانما أحداث متخيلة على شكل حكايات ترويها طفلة في السابعة"[67] وحسب ما تصفه المترجمة هو رواية تقوم بنوع من التأريخ الاجتماعي لفترة شهدت تحولات اجتماعية شاملة في التاريخ المغربي ، وهي ترى أنها تشابه في هذا أعمال نجيب محفوظ التي أصلت للتاريخ الاجتماعي الشعبي المصري.[68]

والقارئ لمؤلف المرنيسي ما يلبث أن يتبلور أمامه سؤال ضخم: إلى من توجه المرنيسي خطابها؟ إلى القارئ المغربي أو العربي المسلم أم من؟ دعنا نطرح هذا السؤال في البداية دون إجابة.

    في السطور الأولى لروايتها تضعنا المرنيسي مباشرة أمام المشكلة/المفهوم  المحور في النص ألا وهو "الحدود" . ذلك المفهوم الذي تستخدمه بمهارة لمفصلة أفكارها الخاصة بالاسلام والمرأة والغرب، وتسكينها حسب منظورها الخاص في علائق معينة.

-"مشاكلنا مع النصارى كما يقول أبي ، وكما هو الشأن مع النساء،  تبدأ حين لاتحترم الحدود ، وقد ولدت في فترة فوضى عارضة اذ أن النساء والنصارى كانوا يحتجون على الحدود ويخرقونها باستمرار"ص9

-"يقول أبي بأن الله عندما خلق الارض وما عليها فصل بين النساء والرجال وشق بحرا بكامله بين النصارى والمسلمين، ذلك أن النظام والانسجام لايتحققان الا إذا احترمت كل فئة حدودها"ص9

-"أن تكون مسلما يعني أن تحترم الحدود"ص11

-"الامريكيين السود والبيض لايتزوجون فيما بينهم، ..وكل مدينة من مدنهم تنقسم في الواقع الى مدينتين: واحدة للسود والاخرى للبيض كما هو الشأن عندنا في فاس بالنسبة للمسلمين واليهود"ص197

-"اننا نعرف بأن الله فصل بين الرجال والنساء لضبط النظام، ونعرف بأنه سبحانه وتعالى فصل بين الأديان لكي تعبد كل طائفة بطريقتها وتدعو لنبيها، ولكن لم الفصل بين البيض والسود"ص198

-"تذكري دائما بأنني رغم كوني غير متعلمة وعانيت من وطأة التقاليد، نجحت في انتزاع لحظات قصيرة من السعادة في هذه الحياة الملعونة ولذلك لا اريدك أن تفكري دائما في الحدود والحواجز"74

ونلحظ براعة أسلوب السرد هنا حين نسمع الحكاية بضمير المتكلم على لسان الطفلة البريئة ذات السبعة أعوام، حيث تنتحل الجمل والعبارات التقريرية تلك البراءة لتنثر رسائلها هنا وهناك على طول الرواية . هذا فضلا عن طابع الصدق الذي تضفيه التقنية السردية ذاتها على تلك الرسائل. فيقتنع القارئ بأن الرواية بالفعل  تأريخ صادق لوقائع مجتمع وتسجيل لأصوات أولئك الذين عاشوا المرحلة ، بل وتعبير صادق عن الإسلام وحضارته، وذلك كما يعكسه سطح نقي لعقل طفلة في  هذا السن. وعند هذا يمكننا أن نمرر التضمين القصري لقضية المرأة والحدود والإسلام حتى عندما يتعلق الأمر بالقضية الوطنية  والكفاح ضد المستعمر،أو بقضية عنصرية عرقية يمارسها مجتمع أجنبي ، أو حتى ممارسات النازي في الحرب العالمية الثانية:

-ولكن هؤلاء الالمان الغريبي الأطوار لم يكونوا يريدون النيل من الفرنسيين فحسب ، بل أعلنوا الحرب على اليهود أيضا ، حيث أجبروهم على أن يرتدوا شيئا أصفر يميزهم اذا ما غادروا منازلهم، كما يجبر المسلمون النساء عندنا على وضع الحجاب لنفس الهدف"ص104

-"...لا أحد يدري السبب الذي يجعل الرجال يجبروننا على وضع الحجاب ، لاشك أنها مسألة الاختلاف ، ذلك أن الخوف من الاختلاف يجعل الناس يتصرفون بطريقة غريبة"ص104

وعندما نتأمل كل العبارات السابقة المقتبسة من نص المرنيسي ، نلحظ المقابلة "العدائية" التي تصر على التأكيد عليها -بدرجة عالية من الذكاء في الحقيقة- المقابلة بين الإسلام كطرف والمرأة كطرف آخر مقابل. والإسلام (والمسلمين) هنا يتجنى ، وفي المقابل تقف الفئات المستهدفة :النساء-المسيحيون..

"نال العرب احترام العالم ، كانوا يصدرون الأوامر والرومان يطيعون، الا أن المسيحيين أصحاب حيلة ولايجب منحهم الثقة وخاصة حين يتظاهرون بالخضوع في حين كان العرب منهمكين في محاصرة النساء وراء الابواب، اجتمع الرومان وباقي المسيحيين وقرروا تغيير قواعد اللعبة في البلاد المتوسطية".ص52

وحين تتحدث المرنيسي عن ممارسات النازي ضد اليهود ، مستنكرة التعصب الذي وقف وراء اضطهادهم ، فإنها تنتقل الى فاس حيث يقيم اليهود في حيهم الذي يسمى "الملاح":

"وهم كباقي الناس في ثيابهم الطويلة التي تشبه جلبابنا، يضعون القبعات عوض العمامة ، هذا هو الاختلاف الوحيد......... لليهود صلواتهم والههم وكتابهم المقدس الذي يعلمونه لاطفالهم، كما توجد في الملاح بيعة (كنيسا) يقصدونها للتعبد كما نقصد نحن المساجد. اننا نؤمن بنفس الانبياء والرسل ما عدا حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام"ص 104

وهي هنا تظهر قدرا كبيرا من التسامح يحيلها إلى ذكرى الأندلس حيث عاش العرب واليهود، لتتحدث عن نوع خاص من التسامح في الواقع:

"اذن فقد استمتع العرب واليهود بحياتهم هناك في الاندلس خلال سبعة قرون، يقرؤون الشعر ويحلمون بالنجوم من حدائقهم الغناء التي تكسوها الياسمين وأشجار البرتقال، التي كانوا يسقونها بنظام بالغ التعقيد. كانوا يحبون الابحار بين اللغات وينتقلون بين الثقافات والديانات بمرونة عجيبة ان لم نقل "لاواعية" حسب ابي ، كانوا متسامحين الى حد ان الواحد منهم لا يعرف ديانة جاره وكانوا يغيرون العقائد كما يغيرون القفاطين"ص108

انه نوع من التسامح لا يظهر بين الاديان لكنه في الواقع يظهر حين غياب الأديان.

    وحين توصف المرنيسي أطراف الحرب بين بلادها وفرنسا فهي تسميهم : المسيحيين والمسلمين. ولعله من الغريب أن يغيب عن أصوات الرواية الحس القومي الوطني تماما في تلك الأجزاء التي تتناول التعديات الفرنسية على الأراضي المغربية ، في مقابل الاصرار على نبرة الحدود التي بمقتضاها توضع النساء مع الفرنسيين/المسيحيين في خندق واحد ، وكأن النساء هنا خارج حركة النضال الوطني في البلاد ، وكأن الأخيرة هي قصرا على الرجال في حين أن للنساء مشاكلهن المنفصلة تماما. هن مشغولات بحركة التغيير الاجتماعي على مستوى أمور مثل الزي ، ودخول السينما إلى البلاد..إلخ

-"لا تغطي شعرك أبدا أتسمعين؟ انني أصارع من أجل ازالة الحجاب وانت تعودين اليه يا لها من فظاعة..حتى وان واجهك هتلر عليك أن تواجهيه ورأسك حاسر، لافائدة من تغطية الرأس والاختباء ..أريد أن تمشي بناتي في أرض الله الواسعة ورأسهن مرفوع وهن ينظرن الى النجوم"110.

-"المشكل بالنسبة لبعض الرائدات اللائي كانت تفضلهن شامة، وخاصة الاوائل منهن، هو انهن لم يقمن بشئ يذكر ما عدا الكتابة.. والأفظع يتمثل في حياة عائشة التيمورية ... حيث أمضت حياتها حتى وفاتها سنة 1906في كتابة قصائد نارية ضد الحجاب"  ص140

 

ومن ثم فلا مجال هنا لاقتران فرنسا بصفة العدو مثلا ، لقد كانت في ذلك الوقت عدو الرجال فقط وربما الاسلام أو الله:

-"الالمان مسيحيون انه أمر أكيد يعيشون كالباقين فيما نسميه بلاد الثلج ، لم ينعم الله بنعمه على النصارى لأن مناخهم بارد وقاس"ص103

لكنهم  لم يكونوا هكذا من وجهة نظر نساء الرواية :

-"هذه الوتيرة التي يسير عليها النصارى في اختراعاتهم تدل بالتأكيد على أنهم سيكتشفون طريقة لبناء دور بسقوف متحركة عندما تكبرين"ص192

هذا في الوقت الذي لايزال العرب يتشبثون فيه بالتراث :

"الزمان هو جرح العرب ، انهم يرتاحون إلى الماضي

الماضي هو العودة إلى خيام أسلافنا

التقليد هو مكان الأموات

والمستقبل رعب وذنوب

والتجديد بدعة واجرام" ص229

هذا التوجه الرافض للعودة إلى الماضي والذي تئن "شامة" احدى قريبات المرنيسي بالشكوى منه ، هو تأكيد لموقف المؤلفة الذي عرضته من قبل في كتابها "الحريم السياسي" حين تقول إن عودة الكتاب والمثقفين العلمانيين إلى النصوص بحثا عن البراهين لدعم موقفهم انما يعزز الموقف الأصولي ويزيد من شرعيته. لذلك يجب طرح الموضوع برفض العودة للماضي،  والتشبث بالتراث وتقاليد الماضي ليس إلا إحدى الوسائل لتثبيت هيمنة الرجل على المرأة وابقاء المرأة في مكانها.[69] وهنا تقف علامة استفهام أمام معنى وحدود مفهوم التراث لدى المرنيسي.

 

        الاله: رؤية بديلة:

    في روايتها الأخيرة "البشموري"[70] تقدم سلوى بكر نوع من إعادة القراءة من منظور خاص لعدد من الأفكار الدينية يرتبط جلها بالذات الالهية .

تجئ الرواية على لسان بدير قيم كنيسة السيدة العذراء بقصر الشمع بمصر العتيقة حيث يصف رحلته مع الشماس ثاونا من بيعتهم إلى الأراضي الموحلة في الشمال حاملين رسالة من الأب يوساب  رئيس البيعة إلى قائد ثورة البشموري ضد ظلم الولاة المسلمين ، يطالبه فيها بالكف عن القتال والاستسلام. إلا انه يمكن القول أن هدف الرواية أبعد وأعمق بكثير من الـتأريخ لثورة البشموري ضد الخلافة الأموية في ذلك الزمان.

     ومرة أخرى تأتي براعة تقنية السرد المستخدمة التي تجعل الرواية تأتي بضمير المتكلم، وعلى لسان "بدير" الرجل النقي البسيط الذي تنعكس عليه الأحداث دون أن تتزيف ، والقادر في الوقت نفسه على التقاط الرسائل الروحية والتعبير عنها بلغته البسيطة. تلك الرسائل التي ينقلها عن "ثاونا" بطل الرواية صاحب الفلسفة الخاصة للدين والحياة ، تلك الفلسفة التي يقلق عبؤها روحه، ويعبر عنها مسلكه ولاوعيه ، في الوقت الذي لايبدو فيه معترفا بها على مستوى الوعي.

"أقول لك يا بدير في بعض الأوقات تراودني أفكار مختلطة عن هذا العالم الذي نعيش فيه ، وهناك مسائل لا أفهمها رغم اجتهادي في العلم ودرايتي بالناس وأمورهم"ص93

ومن ثم جاءت أهمية دور بدير في نقل تلك الفلسفة التي كان سيعجز ثاونا عن التعبير عنها لو أنه قام بدور الراوي.

"عندما يتحدث ثاونا بكلام من هذا النوع أشعر أنه يخفي معرفة لا يبوح بها لكنها تفلت من لسانه بين  الحين والحين ، وكان يبدو لي كلما تكلم بكلام من هذا النوع وكأن هناك أمرا يعذبه أو أن روحه لا تعرف الطمأنينة واليقين"ص63

وتأتي شخصية ثاونا رمزا لنوع متميز من التسامح مع النفس ، مع الله ومع الآخرين ، تسامحا يسمو على الخطيئة ويغير مفاهيمها الموضوعة . يقول بدير حين يحدثنا عن ثاونا:

"كنت أحب  ثاونا لأنه كثير العطف على، ولأنه كان سمح الوجه..كان ثاونا عشريا بطبعه، بسيطا في تعامله..اضافة إلى انه واسع العلم ، كثير المعرفة" ص14 "لا يصدر عن فمه إلا القول الطاهر"ص15 "لم يكن ..كبعض من الكنسيين المتزمتين ..بل كان واسع الصدر..عميق الايمان" ص61.

ونلمس تسامح ثاونا حتى مع دويبات الأرض "..معظم دويبات الأرض سوف تسعد بهذا الجراد فهو وليمة ربانية جاءتها من السماء" ص65. وعند اصراره على دفن الوعاء الذي يحمل أحشاء أحد الفراعين في الموضع الذي قادتهم اليه "الكا" الخاصة به ، وهو يصلي علي أحشاء الميت المجهول لأنه "انسان ربما لو عاش بيننا الان لكان قد آمن وصار  مثلنا من أهل الديانة والتقوى"ص68 .

وكان ثاونا يرسم صورا للسيد المسيح والعذراء والقديسين على جدار البيعة ، فسأله بدير يوما عن مغزي اختفاء صور الجحيم و الشياطين من رسومه ، فأجابه :

-"نحن نصور القديسين وكذا السيد والبتول كيفما نرى على أجمل وأفضل ما يكون لتحنين القلوب وتعميرها بالايمان وكذا نفعل لتبدو قوة ايمانهم لدى الشعب، فيتجلد ويصبر على ما هو فيه اذا ما ضعف ايمانه أو اهتزت عقيدة تحت وطأة الزمن ، وأعلم يابدير أن الخلقدونيين الملكانيين يصورون الشياطين وزبانية الجحيم حتى يخيفوا الناس ويرعبوهم بالاخرة، ليتسلط من يريد التسلط عليهم باسم الرب"ص16

-" ما تكون عليه الصور من حال الترهيب أو الترغيب، فهذا ما يتعلق بخصال الناس وخلاف ذائقتهم من مكان لمكان"ص 16

    فالاله كما يراه ثاونا لا يرتبط بممارسة سلطة العقاب والتعذيب ، لكنها صور تُلحق به قصرا حين يريد البعض الاستبداد والتسلط  باسم الاله. وحين تتدخل السلطة تختلط الأمور، وتتداخل حدود الديني والدنيوي بمقاييس الأقوى ، في حين يجمع الضعفاء عجزهم مستنجدين بإله يعلو فوق التقسيمات المؤسسية للدين:

"ثم ان العرب المسلمين يثورون أيضا ضد هؤلاء الولاة ويرفضون دفع الخراج مثل القبط، ودين المسلمين يأمر بالمعروف وينهى عن فعل المنكر، ولاينكر السيد والبتول، وعامة الناس من المسلمين العرب بسطاء متقشفون في حياتهم وملبسهم ، وجوامع الصلاة لاذهب فيها ولافضة فهم يركعون ويسجدون للرب في خشية وخشوع بكل أدب وبساطة، اذن قل لي بربك يابدير:لماذا يتجبر هؤلاء الامراء والولاة ويسلكون مسلك أباطرة وملوك الروم في الزمن القديم، ولماذا يتوسط أبونا يوساب بينهم وبين البشامرة بدلا من أن يقوي البشامرة عليهم؟ ولماذا لا يأمر الولاة بالمعروف وينهاهم عن المنكر ليكونوا مثلما كان الولاة في مبتدأ الاسلام، كما قرأت عنهم في الكتب وسمعت:أتقياء بسطاء، يخشون الرب ويعيشون في الزهد والتقشف كأنهم رهبان داخل قلايات؟"ص ص93-94

ولا تغفل سلوى بكر هنا أن تشير إلى وضع المرأة ضمن تلك الصورة الايجابية للمجتمع المسلم التي عرضت لها توا، فتقول على لسان بدير :

"كانت النساء يسرن مكشوفات الوجوه، يخالطن الرجال فيما يستوجب المخالطة من معاملات وبيع وشراء ، دون أي حرج، وقد كنت أظن أن نساء المسلمين لا يخرجن من دورهن ولا يخالطن الرجال في أي أمر من الأمور"ص113 

وفي ظل  المحيط الذي يعج بالتجبر والتسلط والظلم والفقر ، برزت نزعات التعصب والتزمت من ناحية والهرطقة من ناحية ثانية ، فثاونا كما يلاحظ بدير "رغم أن فضله وأعماله الطيبة كانت ظاهرة للجميع ، فإن البعض هنا في المكان المقدس ظل يحاول تلطيخه ورميه بالاقاويل فقد وصموه بالسحر تارة وبالعلمانية تارة أخرى" ص14 . وكذلك فقد صار "الاضطراب في كل شئ حتى الرهبان في الأديرة صار بعضهم يخلط ويهرطق دون خجل أو مواربة..وما زال هؤلاء يفعلون مثلما كان يفعل في الماضي من صياغات تلفيقية ايمانية لمآرب في نفوسهم وأغراض تخص مصالحهم".ص114

وثاونا -ومثله بدير وكذلك "مينا بن بقيرة الشخصية الرئيسية الثالثة في الرواية وهو قائد ثورة البشموري -عاش  "زمنا طويلا في الضلال" قبل أن "يهتدي"، وهو يحن لماضيه ويعترف بذلك:

"ليسامحنى  ويغفر لي الرب ..انني حتى هذه اللحظة التي أجلس فيها وأحدثك لا أشعر أنها خطيئة بل  كلما طافت الذكريات برأسي، وتمثلت صور الماضي أمام ناظري وكأنها حدثت بالأمس القريب ، انتعشت روحي بالفرح وغمرتني سعادة لا أقوى على احتمالها أحيانا فأشعر انني أرغب في القفز والطيران والعلو والارتفاع حتى أعالي السحاب" ص104

"أنا لا أشعر بالخطيئة أبدا وأتعذب لذلك كثيرا لأنه يفترض أن أشعر  بالخطيئة وأتوب إلى الرب ولا أعرف لماذا يحدث لي ذلك يا بدير ..قل لي لماذا لا أندم وأتوب. بل لماذا أتمنى أن أعيش ما عشته من قبل والذي يسمى خطيئة" ص104

إجابتك في نفسك أيها الراهب لكنك لا تعيها ، لأنك ببساطة لا ترى أن ما فعلته خطيئة بمقاييس إله تختلف صورته وصفاته عما يراه الآخرون ، إله أكثر بساطة وتسامحا ، بالشكل الذي يستوعب تلك "الخطايا" أو التي "تسمى خطيئة" كما تقول. وثاونا رغم أنه لا يعترف بهذا التصور ، لكنه كامن في لاوعيه ، ويعكسه لنا بدير حين ينقل هذيان ثاونا حين أصابته الحمى.

ولعله تجدر الاشارة هنا إلى أن سلوى بكر طرقت نفس الفكرة من قبل في قصة قصيرة لها [71] روت فيها حكاية عن ديك ودجاجة من عهد الفراعنة رأيا في نفسيهما جدارة لنيل بعض القداسة كغيرهما من الحيوانات (القط بس والتمساح سبك والبقرة حتحور...). فذهبا إلى الكاهن الاعظم لمعبد آمون يحلمان بأن ترسم صورهما على جدران المعابد ؛ الدجاجة وهي "راقدة على البيض ..وهي سائرة بكل وقار وسط الكتاكيت" والديك "وهو يمد رقبته صائحا..وهو ناشرا جناحيه البديعين" . ولدى مثولهما لدى الكاهن ترافع الديك موضحا أسباب استحقاقهما للقداسة:

فعن نفسه قال "أنا أمتثل دون تأخير لامر الاله رع فأصبح بمجرد أن ألمح شعاع ضيائه البهي في الاعالي، وأكرر ذلك منبها الجميع حين أجده قد صار في كبد السماء معلنا حلول الظهيرة أما عندما يمضي غاربا ليحل المساء، فإنني أودعه على أمل اللقاء به في الصباح التالي وأنا أنشد بكل محبة نشيدي :كوكوكوكوكو" وعن زوجته قال :"هي لاتتوانى عن مواصلة دورة الحياة فتبيض دوما بدأبها المعهود وترقد على البيض لتخرج الكتاكيت" وعنهما معا قال:"اننا من الطف وارق الكائنات في العالم والجميع هنا في مدينة طيبة وفي كل مكان في البلاد يحبوننا كثيرا ولايستاء منا أحد..".

ورغم هذه المرافعة المنطقية ، صدم الكاهن الأكبر مشاعر الزوجين حين أعلن بكل صرامة أن الالهة يجب أن تكون :"قوية ، جبارة ، مخيفة، صارعة، عنيفة، فتاكة، مسيطرة ، مهيمنة، مرعبة، مخربة، صاعقة، مزلزلة، حارقة، منتقمة عند اللزوم.."

والكاتبة هنا تشير بقصتها إلى أمرين :

الاول: كيف تحتكر المؤسسة "فكرة الدين ومسألة الالوهية العويصة" حتى انها تحتكر التعريف بالاله، وتصوره حسبما يتراءى لها. والثاني : كيف تطغى صفات القوة والبطش والجبروت على تصور الاله في ذهن العامة دون صفات الرحمة. ويقترن طغيان الصورة الأولى بقوة فكرة الخطيئة ذاتها وتسلطها على العقول بما تحدثه من استقطابات وخلافات (تعصب/كفر على سبيل المثال الذي يظهر في البشموري).

      وأخيرا تثير رواية البشموري تساؤلا معينا : لماذا اختارت سلوى بكر أن توصل رسائل مثل هذه، خاصة المتعلقة بصورة الاله، داخل اطار مسيحي تارة ومن داخل الديانات الفرعونية تارة أخرى ، دون أن يظهر ذلك داخل اطار اسلامي ، هل تجد الأمر صعبا أو هل تراه لا يتحقق . أم أن الجزء الثاني من البشموري والذي لم ينشر بعد سيحمل ذلك البعد الناقص فتصبح تساؤلاتنا هذه  بلا أساس؟؟    

 

        الرب ضد المرأة :

     كأن نوال السعدواي تقيم بروايتها "جنات وإبليس"[72] محاكمة للرب ، الذي أخرج المرأة كما أخرج إبليس من رحمته وتركها تتعذب تحت رحى السلطة الذكورية في كل زمان ومكان.

والرواية تجري أحداثها في مستشفى للأمراض العقلية تضم عددا من الرجال والنساء مسلوبي الإرادة تحت  السلطة المطلقة لرئيس المكان . ذلك المكان الذي يُمنع فيه دخول الكتب عدا الكتاب. "كلمة الكتاب مكتملة لاتحتاج إلى كلمة أخرى . إذا رنت الكلمة في الجو أدرك الجميع أنه كتاب الله ولاكتاب غيره يدخل السراي بأمر المدير".ص8

والكتاب هنا يبدو كدستور لهذا المكان الذي تدخله "جنات" بطلة الرواية المتمردة التي لا تحنى رأسها ولا تغض بصرها بخلاف "النساء في عنبر الحريم ..رءوسهن ملفوفة بالطرح"ص174.

ولجنات ذكرياتها القديمة مع الكتاب نفسه :

"في الصباح تتسلل إلى غرفة المكتب...تشد كتابا غلافه ناعم مصقول..تشد ورقة وتصنع منها طائرة بجناحين. رآها جدها وهو يدخل من الباب . خطف منها الكتاب وهو يصيح:ده كتاب ربنا ياحمارة! . وأخذت قبل أن تنام علقة ساخنة منه بالعصا الخيزران. رقدت الى جوار جدتها تبكي بصوت مكتوم. أعمدة السرير النحاسي تهتز مع نشيجها. لم تكن تعرف أن الله يؤلف الكتب مثل جدها"ص20

 واقتران "الله" بجدها هنا ليس الأخير في الرواية، فالله دوما ما يظهر ضمن عدد من رموز السلطة الذكورية التي تحكمت وتتحكم في جنات ونفيسة ونرجس، وغيرهن من قاطنات المكان:

-"ارتبطت في ذهنها رائحة الله برائحة جدها"ص21

-"انها يد أخرى تلك التي تقودها للموت. ربما هي يد الله أو يد أبيها أو زوجها أو جدها الأكبر"ص30

-"وهو مجنون لا يؤمن بالزمن أو الله أو المدير أو رئيسة الحكيمات"ص7

واضطهاد الرب للانثى يعود إلى عهد آدم وحواء وقصة السحلية التي لعنت مع حواء :

"تلقى الرب من آدم كلمات فتاب عليه وحده. هكذا قال أبوها لأمها . نزلت الآية بالمفرد لا المثنى . وفي آية العصيان استخدم الله المثنى لا المفرد، والله عليم باللغة وقواعد النحو . لايمكن أن يستخدم المفرد او المثنى في غير محله ويردد أبوها كلام الله قلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة.. ولا تقربا هذه الشجرة فأزلهما الشيطان وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو" ص92 [73]

والمرأة مطرودة من الرحمة وموصومة بالعار في كل دين ينسب للرب:

"كل النساء ساقطات.ناقصات عقل ودين..حليفات للشيطان والباب الذي يفتح على الجحيم..أصل البلاء وسبب الخطيئة كما جاء في الانجيل..كيدهن عظيم كما قال الله في كتابه الكريم"ص130

والله يتحيز ضد الأنثى ربما لأنه ذكر . جنات اسمها : جنات عبدالله عبد اللاه ، وعبد اللاه تكتب بدون نقطتان على الهاء "عبد اللاه مش عبد اللاة"ص156 ، و"الانثى فوقها نقطتان"ص157، "الرب لايخاطب الانثى يا نفيسة" ص151 ، "ان الله لم يخلق المرأة لتكتب"ص73.

وكما أن ابليس يشارك جنات في أنهما مغضوب عليهما من قبل الرب ، فكلاهما يشترك في تمرده وكلاهما له نفس التجربة الحياتية في الرواية. كلاهما يتعرض للقمع ممثلا في الأسرة وفي الرمز الديني المشخص (الشيخ استاذ اللغة العربية والدين -وشيخ الكتاب) وفي السلطة الحكومية(العمدة) . يشتركان حتى في تجربة الانتهاك الجنسي التي يتعرضان لها في الطفولة:

-"كانت هذه  هي طريقة العقاب في المدرسة. تقف ووجهها ملتصق بالجدار وذراعاها مرفوعتان...يزحف بين ردفيها شئ كالاصبع.ينتفض جسدها ..فتهبط فوقها العصا الخيزران"ص31

-"ذراع طويلة تمتد ..تقبض عليه كأنما هو دجاجة. يرفع عنه جلبابه من الخلف .....يخاف ان يستدير. يخاف ان يحرك رأسه ناحيته أو يرفع عينيه اليه"ص112

وجنات تحب ابليس لأنه متمرد مثلها "أنا أحبك ، لأنك الوحيد من بين العبيد رفضت السجود وقلت لا"ص170 . "وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء..وسجدوا جميعا للخليفة الفاسد إلا إبليس"ص113.

وقد خذل الله  نرجس لقد كان "أملها في الله كبير.عادل ورحيم ولايمكن أن يخذلها"ص38 ، و "منذ تعلمت النطق وهي تستغفر الله على الذنب العظيم"ص100 لكنها حين تسأله "فين الدم يارب؟"ص38 لايقابلها إلا "صمت مطبق"ص38 . ومثلها نفيسة حين دعت "يا رب" نجد انه "لاأحد يرد في السماء"ص147 .

وهما غير جنات التي حسمت أمورها مع الرب منذ البداية:

"أنا لا أخاف منك يامن تحرم المعرفة وتطفئ الضوء يا من تتخفى وراء قناع الرب ، وتزرع الخوف والطاعة بدل الحب وتقتل الالاف بلاذنب وتلعنني كالسحلية إلى الأبد" ص74

لقد خرجت جنات من رحمة الرب بمشيئته لذا فهي تتمرد بمشيئتها على معاييره وتصنيفاته:

"أنا لست مريم العذراء ولا حواء الآثمة . أنا لست ساقطة ولا أنا طاهرة .أنا انسانة قلبي هو ربي وجريمتي قصيدة شعر" ص156

وهي لا تنتظر منه شئ:

"يفتح الكتاب ويقرأ :جنة عدن تجري فيها أنهار من عسل ولبن. لم تكن تحب طعم العسل ولا اللبن. تفضل عليهما الجبنة الحادقة والخيار المخلل"ص18

 

الخاتمة :

    تضمن العرض السابق عدة اتجاهات من الدين ، يمكن التطرق اليها عبر عدة محاور؛ فعلى مستوى نمط التناول وشكل الحضور الديني ، يمكن التمييز بين نمطين، أحدهما قد ندعيه حضور تلقائي أو طبيعي ، والآخر نمط حضور عمدي أو مقصود. والتقسيم هنا نسبي في الواقع ، لكنه ينصرف إلى تمييز نمط ظهر فيه الدين والرمز الديني بشكل استراتيجي ، ووظف الرمز توظيفا دقيقا للوصول لهدف محدد سلفا. وعلى النقيض من هذا النمط الذي أفرزه عقل مرتب ،  ارتبط ظهور الرمز الديني في النمط الآخر بنوع من القلق والحيرة النفسية في عقل الكاتبة، ومن ثم جاء وجوده متناغما مع باقي عناصر العمل الروائي.

   واختلفت المشاعر التي صاحبت ظهور الرمز باختلاف طبيعة الوعي المقترن به، فمن الحنين إلى الكبت إلى القلق إلى التحلل المنظم إلى الثورة المقرونة بالبغض الشديد. ارتبط الرمز الديني تارة بالذاكرة والوطن ، وتارة بالجسد والكبت الجنسي، وأخرى بالتطلع الروحاني لصورة إلهية مغايرة ، ثم بالتمرد الاجتماعي لأقلية خلال مرحلة تحول، وأخيرا بالرفض المطلق لكل السلطات.

    كذلك تباينت النظرة لدور الدين بين كونه ملاذ للهروب والانفصال عن واقع مؤلم ، وكونه حاجر فاصل عن ممارسة الحياة. ثم اعتباره مكرس للحدود بين البشر، وبشكل أخص ضد المرأة.

    وعلى مستوى المحاولات التي قدمت للتعامل مع الفكرة الدينية من حيث التطوير الذي يفرز أثره اجتماعيا (أو ما قد نسميه الوظيفة الاجتماعية للدين)، برز اتجاه لكشف وبلورة صورة جديدة ايجابية للرب ، وكذلك دعوة لإزاحة المأسسة الدينية، وأخرى للتماهي بين الأديان ، بخلاف التصور الداعي لإزاحة الدين نفسه.

    وارتبطت هذه التصورات بالأساس بفكرة الكاتبة عن السلطة التي مثلت مفهوما محوريا في جميع الأعمال. فقد اقترنت السلطة تارة بالصورة الموضوعة للرب ، واقترنت كثيرا بالمؤسسة الدينية التي تحتكر الكلام باسم الرب، واقترنت بالرب ذاته في أحيان أخرى.

وتباينت صورة المرأة لذاتها في تلك الأعمال ، فرأينا المرأة /الوطن - والمرأة كفرد من أقلية اجتماعية مهضومة الحقوق على خلفية دينية-والمرأة التي هي حواء المتمردة على لعنتها ، والتي- بحريتها- تستبدل بالجنة التي حرمت منها، "جنات" وليس جنة واحدة.

 

    وبالعودة إلى التمييز الأول بين النمطين العمدي والتلقائي في التناول ، يمكن القول في ضوء العرض السابق ، أن النمط الأخير الذي ارتبط ظهور الدين فيه بنوع من الأرق الطبيعي لدى الكاتبات اللائي ينتمين إليه ، قد ارتبط في الوقت ذاته بموقف مزدوج تجاه الدين، يتمثل الوجه الأول لهذا الموقف في رفض القيود التي تفرض باسم الدين الذي تمت مأسسته بشكل أو بأخر. أما الوجه الثاني فيتجسد في محاولات للخلاص من تلك القيود وإجراء مصالحات مع الدين الأمر الذي وجدناه بالشكل الأوضح في رواية ميرال الطحاوي "ان الله خلق الأديان لترفع الأغلال عن الأعناق لا لتكريسها"ص87 . ومن ثم فإن الجدل الذي أثير في هذه الروايات تركز حول "علاقتنا بالإسلام" وليس في الإسلام نفسه . وقد  صب هذا في دعوة مستبطنة لإصلاح "فهمنا للدين" كطريق نحو الإصلاح الأوسع شاملا إصلاح وضع المرأة.

    على الجانب الآخر فإن النمط الذي ظهر فيه الدين بشكل قصدي موظف قد اتخذ موقفا معاديا للدين في ذاته ، الأمر الذي يحمل رفضا لقضية الإصلاح الديني ، شاملا دور الدين في الإصلاح العام . ومن ثم فتغيير وضع المرأة اقترن بنبذ الدين . نجد هذا في روايتي نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي. فالأولى تنسب دونية وضع المرأة للرب مباشرة ، بل تذهب لاقرار فكرة "ذكورية الإله" التي جعلته يتحيز ضد الأنثى منذ بدء الخلق. وهي تؤصل لذلك في القرآن من خلال الإشارة إلى آيتي العصيان ثم الغفران في قصة الخلق. ببيانها أن آية العصيان جاءت بصيغة المثنى بينما آية الغفران جاءت بصيغة المفرد لآدم وحده.

    وما تفعله السعداوي بطريقتها المباشرة ، ترمي اليه المرنيسي بشكل اكثر حيطة ، بضغطها المستمر على مسألة الحدود . وهدف المرنيسي كما تعكسه القراءة المتأنية لنساء على أجنحة الحلم ، يمكن وضعه في معادلة منطقية بسيطة هي:

-الإسلام يقر الحدود أن تكون مسلما يعني أن تحترم الحدود"

-الحدود تعني عزل المرأة وتكريس دونيتها  "لا اريدك أن تفكري دائما في الحدود والحواجز"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن الإسلام يفصل المرأة ويكرس دونيتها

   طبقا لهذه المعادلة المنطقية فإن تصحيح وضع المرأة يتضمن بالتبعية التخلص من الحدود أو التخلص من الدين الذي يقر الحدود. وتجدر العودة هنا إلى السؤال الذي سبق طرحه حول المخاطب في رواية المرنيسي . فالواقع أن الرواية تولد لدى قارئها مباشرة هذا الهاجس الذي قد نسميه "هاجس المخاطَب". وتزعم كاتبة هذه السطور أن المخاطب هنا كان القارئ الغربي بالأساس الذي وجهت إليه هذه الرواية في طبعتها الأصلية بالإنجليزية ، فهي تلفت نظر هذا القارئ  الذي يجهل في الغالب عديد من تفاصيل الحياة في الشرق، والذي  يهتم في الوقت نفسه بمعرفة هذا المجهول وخفاياه وحريمه وإسلامه ، الأمر الذي نشعر به حين نقرأ عبارة مثل:  "ولكن هؤلاء الألمان الغريبي الأطوار لم يكونوا يريدون النيل من الفرنسيين فحسب ، بل أعلنوا الحرب على اليهود أيضا ، حيث أجبروهم على أن يرتدوا شيئا أصفر يميزهم إذا ما غادروا منازلهم، كما يجبر المسلمون النساء عندنا على وضع الحجاب لنفس الهدف"ص104.  ففي بلادنا وعلى اختلاف المواقف بين سلبية أو إيجابية من حجاب المرأة ، لا تثار مثل هذه الحجة في تبرير الحجاب. في الوقت الذي يبدو فيه منطقها قريبا من العقل الغربي.  والأمر يصبح مثيرا للعجب عندما تقول المرنيسي أن عائشة التيمورية أمضت حياتها في "كتابة قصائد نارية ضد الحجاب"  ص140"(!!).

 

 

 

وبشكل عام يمكن تلخيص أهم نتائج العرض السابق فيما يلي :

1-               حضور الدين بقوة في الأعمال التي تم تناولها. فقد أبرز العرض مدى تجذر المسألة الدينية -على اختلاف النظر إليها-في وعي الكاتبات وارتباطها الدقيق بلب قضاياهن الذاتية ووعيهن بأنفسهن وعلائقهن بالآخرين.

2-                التمييز بين الدين كإيمان وكعقيدة، وبينه كأحكام فقهية ، الأمر الذي يعكس منحا واسع النطاق بين المثقفات للتمييز بين النص الإلهي الأصلي بما يتضمنه من زخم روحي، وبين ما طرأ عليه من تدخلات بشرية في شكل تراث ضاغط من التحريفات والخلط بدافع المصالح والأهواء المتغيرة.

3-                الأدب النسائي في هذا المجال وتحت نير هذا الخلط يدور حول ذاته حائرا إزاء سؤال : هل الدين ملجأ للإنسان/ المرأة، أم مطرقة على رأس هذا الإنسان. ينبع هذا الالتباس من تعريف ملتبس للدين نفسه ، هل هو النص والروح النقية الخالصة كما نزلت من خالق الكون ، أم مئات من النصوص والتأويلات التي شرحت هذا النص وأنزلته على الواقع برؤيتها.

 


 

المـداخـلات والنقـاش

 

د.هدى الصدة : أود التعبير عن سعادتي بهذه الندوة الهامة والتي تنم عن تنامي التيار العامل على إحياء تراث النساء في التاريخ الثقافي العربي وأنا سعيدة بضفة خاصة وشخصية لاكتشافي وهذا خطأ مني- لباحثات من تخصصات كنت أتصور أنها لا تهتم بالتاريخ الثقافي أو الأدب وهذا خطأي لأننا في زمن الدراسات البينية فكل المتحدثات في هذه الجلسة ينتمون لتخصصات اقتصاد وعلوم سياسية في الأساس وهذا شئ جميل وهو يشي بأن هناك اتجاه بحثي قوي يشجع هذه الدراسات البينية، وهذا شئ محمود أردت التنويه له.

نقطة ثانية، أنا سعيدة لاختيار موضوع الندوة، أي شخصية بنت الشاطئ لأنها من رائدات الفكر المصري عامة والحركة النسائية خاصةً ومن أبرز الشخصيات التي أثرت  الحياة الثقافية العربية و إن كانت من الشخصيات التي لم تنل حقها من التقدير والاعتراف الكافي، صحيح أن بنت الشاطئ نالت من الجوائز العلمية الكثير لكن تظل سيرتها في الثقافة العربية وتاريخ الحركة النسائية مختفية بعض الشيء وأتصور أن هذه الندوة تساهم في تسليط الضوء على دورها في ذلك.

في تقديري أيضاً أن اختيار بنت الشاطئ من القائمات على الندوة جاء ليعبر عن تيار بحثي جديد وقديم يهتم بإعادة النظر في بعض المسلمات الفكرية أو التاريخية كما يسعى بإصرار لإضاءة بعض العناصر المسكوت عنها في تاريخنا بصفة عامة وتاريخ الحركة النسائية بصفة خاصة وقع الاختيار في هذه الندوة بالتحديد على تلك الشخصية اضاءة عنصر من العناصر الإسلامية الفاعلة في الحركة النسائية وهي بنت الشاطئ التي ساهمت في دفع الحركة النسائية.لاشك أن الحركة النسائية   مرتبطة بشكل وثيق بالحركة الثقافية والسياسية والاجتماعية وجلستنا اختصت بالأدب والسيرة الذاتية، وتركز تمشياً مع موضوع الندوة على الدين والهوية الإسلامية في أدب بنت الشاطئ، وسأركز على هذا الموضوع وأدود القول أني أجد هذا الاهتمام بالعنصر الديني في كتابة النساء اهتمام مشروع وهام وضروري خاصةً إذا اعتبرناه عنصراً مسكوتاً عنه إلى حدٍ ما أو مستبعداً في الخطاب السائد.واعتبر هذا اهتماماً مماثلاً أو موازياً لاهتمام النسويات بتسليط الضوء على تاريخ النساء المنسي وذلك لما لمسوه من إقصاء للنساء في التاريخ المدون ومن ثم يكون تسليط الضوء على المرأة معيداً للتوازن في الذاكرة الجماعية.

كما قلت في البداية، استمتعت جداً بقراءة الأوراق المقدمة خاصةً وأنها أثارت لدي تساؤلات عديدة أستفيد منها وسوف اقتصر في تعقيبي على سؤال واحد: كيف نعيد التوازن للذاكرة؟ وهو السؤال الذي اعتبره الهم المشترك في كل هذه الأبحاث، كيف نتذكر النساء ونحي تراثهم ؟وكيف نطرح الموضوعات المسكوت عنها إذا رأينا أن هناك جانباً من الجوانب التي نود أن نسلط الضوء عليها؟ كيف نعيد النظر في المفاهيم السائدة دون الوقوع في أسرها ودون أن نعيد إنتاجها لكن بشكل معكوس؟ وهذا دائماً فخ يمكن أن نقع فيه، نتحدث عن دور المرأة وحقوق المرأة في المجتمع وقد نرتكب خطأ أن نعكس المسألة ونزيد بها أشياء في المنطقة التي نراها ناقصة وهذا دائماً خطر موجود نواجهة كباحثات كما أعتقد. أحب التأكيد أن الأسئلة التي أطرحها على الباحثات أطرحها على نفسي بالأساس.. سأبدأ بورقة أ.عزة جلال عن مفهوم الأدب الإسلامي كمدخل لقراءة أدب عائشة.

أ.عزة تعرضت لتيارين في تناول المفهوم وتصف الاتجاه الأول على أنه مصمت والثاني على أنه مراوغ، وتجد مشكلة  منهجية ونظرية في تعريف مفهوم الأدب الإسلامي وهو فعلاً مفهوم لم يحظَ إلى الآن بتأصيل نظري على حد علمي.           ثم تتجه إلى تسليط الضوء على عناصر دالة في أدب بنت الشاطئ لتصل إلى نتيجة أنه يمكن تصنيف أدبها على أنه أدب إسلامي.

أود التحاور مع هذه العناصر (اللغة/الواقعية/…دراسة حالة المرأة الخاطئة) ربما هذه العناصر موجودة في كتابات كتاب آخرين كثيرين ولا يعتبروا أنفسهم يكتبون أدباً إسلامياً فماذا نفعل. مثلاً سأركز بالتحديد على قصة امرأة خاطئة والتي تعبر عن اتجاه عام في كتابة النساء خاصةً في النصف الأول من القرن العشرين  اتسمت كتابة النساء في تلك الفترة بوصف أحوال النساء بطريقة تقريرية في معظم الأحيان وجاءت عناوين تلك القصص على وتيرة امرأة خاطئة مثل امرأة مقهورة وبائسة، جامحة… نساء كثيرات كتبوا قصصاً كهذه ليست فقط عائشة عبد الرحمن، كل هؤلاء النساء تصدوا لازدواجية المعايير الأخلاقية في التعامل مع الرجال والنساء في المجتمع الحديث وكلهم حاولوا فك الاشتباك بين الأخلاق والعرف أو الدين والعرف… وبالتالي أتصور أن ما تفعله عائشة عبد الرحمن في قصة امرأة خاطئة تحاول ان تفعله أمينة السعيد في الجامعة وإحسان كمال وسهير القلماوي ونوال السعداوي عن مفهوم الشرف أي أن هذا الاهتمام أو التوجيه الذي نلمسه في أدب عائشة نجده ضمن اهتمام –وأنا هنا استعمل المسميات التي أتحفظ عليها- الإسلاميات والعلمانيات وأذكر هذه المسميات بتحفظ شديد ولا أوافق عليه.

عزة في الورقة متشككة جداً من المفهوم لكن في النهاية –وأنا متعاطفة معها فكلنا نستخدم مفاهيم نرى أنها جيدة أو يمكن أن نستخدمها وهذا وارد فكلنا يستخدم المفاهيم ويقدر بعد ذلك أن يعيد النظر فيها- لكن منهجية استخدام المفهوم مسألة يجب أن نتوقف أمامها.

أنتقل بسرعة لورقة أ.هند مصطفى، أتوقف معها عند نقطة منهجية عن كيفية معالجة النصوص لكي تصبح المقارنات دالة بحيث تسمح باستنباط بعض النتائج المتعلقة بالرؤية وتوظيف الرمز والعلاقة بين الأدب واللحظة التاريخية والإجابة عن السؤال المضمر في الورقة إلى أي مدى عبرت الرواية النسائية المعاصرة عن المجتمعات الإسلامية؟ وأنا أتخيل أنه بشكل مقصود أو غير مقصود يمكن اعتبار أن هذه الورقة تعلق على فكرة مفهوم الأدب الإسلامي بمعنى أننا نجد أن كل الكاتبات التي تتناولهم هذه الورقة تأثروا بالتراث الإسلامي واستخدموه بشكل ما- أشكال الاستخدام والتأثر تختلف طبعاً بناءً على أشياء كثيرة يدخل فيها السياق /التوجه/الغرض/ مشروع الكاتبة وهي كلها أشياء مهم أن نستفيض فيها لكن مشكلة الندوات أنه ليس هناك وقت-أنا مقدرة هذا- لكن في النهاية جميع الكاتبات والكتاب الذين نشأوا في ثقافة إسلامية –وهنا ضرورة أن نناقش سؤال هل من المهم أن يكون الوالد والدراسة المتخصصة هي علوم القرآن لكي نقول أنني نشأت في ثقافة إسلامية؟ لا طبعاً، فكلنا جزء من ثقافتنا الإسلامية. هذا سؤال أطرحه للمناقشة.

أما ورقة أ.أمل حمادة: وتطرح تساؤلات حول قراءة السيرة وكيفية إحياء تاريخ النساء وهي تساؤلات هامة أشارت الباحثة لمفهوم مهم هو تعدد القراءات. أي أننا نستطيع قراءة نفس النص بطرق متعددة ومناهج متباينة لتستخرج منه نتائج قد تتعارض وتتناقض وفقاً للمنهج، هذه الملاحظة أؤكد عليها أخذاً في الاعتبار واقعنا الثقافي شديد الأحادية والرافض للتعددية في الحقيقة.

لمست الباحثة بطريقة غير مباشرة مشكلة شائعة في قراءتنا للسيرة بصفة عامة وهي الإسقاط على السيرة بافتراضات مسبقة ومعبرة عن انحيازنا أو تبنينا لاتجاه فكري ما وهذا خطر نواجهه لأنه لا توجد قراءة محايدة بشكل من الأشكال ولكن لأي مدى نحاول أن نتمثل الموضوعية. 

ثم حاولت الباحثة استكشاف بعض الجوانب المخفية في سيرة بنت الشاطئ وهذا هدف مهم مستندة لأسلوب المقارنة ومستخدمة بعض العناصر التي سلط عليها النقاد والناقدات بعض الضوء في التراث النقدي عن السير وهو تراث نقدي كبير جداً خاصةً في الثلاثين سنة الماضية.. وقد اختارت العلاقة مع الأم، مع الجسد، والرجل. وربما لضيق الوقت المتاح يقتصر عرض الباحثة لنماذج السير المختلفة على أمثلة قصيرة وكنت أريد المزيد أن اعرف أكثر عن الأمثلة التي ذكرتيها ولكن خلاصة الورقة أتوقف عنها عند بعض الاستنتاجات أنا أتخيل أنك ملت للوقوع في الافتراض المسبق فنحن نبحث عن نموذج متسق الباحثة تقول في النهاية ان عائشة إذن تمثل نموذج المرأة المتسقة مع  ذاتها ومع نموذج المرأة المسلمة العالمة الشيخة التي تعي دورها. وأنا أسأل الباحثة لماذا بنت الشاطئ دوناً عن بقية النساء اللاتي ذكرتيهم في البحث متسق مع ذاته؟، أليست إنجي أفلاطون متسقة مع ذاتها، ماذا نعني بالاتساق مع الذات؟ هذا سؤال.

سؤال ثاني هو نموذج المرأة المسلمة وما هي المعايير المستخدمة لتقرير أن شخصية ما تمثل هذا النموذج وشخصية أخرى لا تمثله وإلى أي مدى في استخدامنا فكرة النموذج نقع في فخ التفكير الجوهري الذي يقسم الأشياء بشكل صارم جداً وما هو هدف قراءة السير بصفة عامة هل هو إثبات التفرد، هل نريد أن ننتهي كنتيجة أنها نموذج فريد يمكن أن يتكرر أم ماذا؟ ما هو الهدف من قراءة السير بشكل عام.

أسئلة كثيرة وأنتهي بسؤال عام عن قراءتنا لسير النساء أتخيل أنها تعبر عن محاولة للمشاركة في تشكيل تصورات ثقافية مكملة أو مضاهية أو مقاومة للتصورات السائدة عن النساء العربيات والمسلمات – إن التصورات السائدة أو المغايرة أو المنتجة بشكل عام تؤثر على الوجدان الجماعي بل وتوجه مساره وتحدد تطلعاته ويظل السؤال كيف نقرأ السير ونشارك في إنتاج تصورات ثقافية مغايرة ومقاومة للتنميط السائد- كيف يمكن أن نشكل تصورات ثقافية عن النساء دون الانزلاق في فخ التفكير الجوهري، فكرة النموذج الواحد/المعايير الصارمة ونفترض أننا نتحدث باسم كل النساء أو المرأة العربية والمرأة المسلمة على تعدد النماذج الموجودة أمامنا وكيف نشكل تصورات ثقافية ونتجنب تكريس الثنائيات الحادة في فكرنا المعاصر. أتوقف عند هذا السؤال.

أسئلة القاعة:

د.محمد عمارة:

أتقدم بخالص التقدير والثناء على الأخوات الباحثات فإنهن أثرن موضوعات جديرة بالنظر وأصلنها بشيء كثير من الموضوعية والعلمية. بالنسبة ل أ.أمل حمادة مدخل السيرة الذاتية كفهم للشخصية التي نبحثها وما وراءها من مضامين أراد صاحب السيرة أن يبينها شئ أساسي والجزئية التي أشارت إليها في معرض حديثها عن مسألة الشعر وجعله كمصدر للتوثيق أمر جيد من حيث الطرح سبق وطرحه أ.محمود شاكر  وركز عليه بشدة لدرجة أنه كان يكتفي بالشعر منطلقاً للتشكك في الروايات التاريخية-وفهم ذلك مع إجلالي ل أ.محمود شاكر ومشيختي الفكرية عليه لكن أرى فيه نوعاً من المبالغة، فالشعراء معروفون بالتزيد والمبالغة بغرض الصنعة اللغوية أو لأي شئ آخر فكيف نكتفي بالشعر الذي أصله كذب مع وضع الكذب بين القوسين وثيقة للتأريخ والتوثيق للحياة الذاتية أرى أن في الأمر شئ من المجاوزة لا تخلو من شئ من المصداقية.

الشئ الثاني أتفق مع أ.أمل أن على الجسر لم تكن سيرة ذاتية لعائشة عبد الرحمن بقدر ما كانت وسيلة للتعبير عن شعورها و موقفها ومكانة الشيخ أمين الخولي في نفسها فأنا أتصور أنها من اللحظة الأولى ما كانت تهدف التعبير عن ذاتها بقدر ما أرادت تصوير اللحظة التي التقت فيها بأمين الخولي.

أمر أخير بالنسبة ل أ.أمل حمادة، لا أفهم أوجه الربط بين سير نوال السعداوي، إنجي أفلاطون، المرنيسي بسيرة بنت الشاطئ أرى أن المجال بعيد جداً لا يشترط أن تكون كلها أسماء نسوية كي أجعلها في مجال واحد أو قارب فأنا أرى أن في مجال المقارنة ينبغي ألا ننظر إلى جنس الكاتب بقدر ما ننظر إلى ما كتبه فعلاً- فعندما نتعرض للصورة التي كتبها عائشة عبد الرحمن علينا أن ننظر إلى أقرب الكتابات لها لنقارنها بها سواء أكان كاتبها رجلاً أم امرأة- وطبعاً يمكن استثناء فدوى طوقان وإنجي أفلاطون باعتبار خلفيتهما الفكرية الأدبية التي دفعتها لكتابة السيرة يمكن مقارنتها ببنت الشاطئ لكن الأمر بعيد بالنسبة لنوال السعداوي وفاطمة المرنيسي.

-بالنسبة للأستاذتين عزة وهند فورقتاهما متداخلتان إلى حد ما ولذلك سيكون تعليقي عاماً بالنسبة للأدب الإسلامي ومفهوم الأدب الإسلامي أنا أولاً لا أخفي تعاطفي  معه، لكن المشكلة الأساسية في نظري قصر إنتاج الأدباء السابقين حتى قبل نشوء المصطلح وتعثر تصنيفه في دائرة الأدب الإسلامي. حتى عائشة عبد الرحمن ما علاقتها بالأدب الإسلامي، عائشة كتبت سيرتها الذاتية وكتبت صور من حياتهن والأعمال الأدبية الأخرى في الخمسينات أو ما قبلها أي قبل نشوء المصطلح بفترة كبيرة.. فأنا لا أرى سبباً في التعسف في تصنيف أي أديب أو مفكر ومفهوم الأدب الإسلامي وما أخذتاه عليه من غلبة الخطابية نشأ في نظري إلى  الاهتمام باللافتة أكثر من الاهتمام بالمضمون، فنجيب كيلاني وهو الاسم الأبرز والأشهر في مجال الأدب الإسلامي غزير الإنتاج وأنا لا أرى شئ ممكن ينطوي في دائرة الأدب الإسلامي مما كتبه اللهم إلا رواية "رحلة إلى الله" وهي أضعفهن بناءً فنياً لكن مثلاً حكايات عبد المتجلي.. وأنا أؤكد هنا أن التعصب للافتة يضير الفن.

أ.هند مصطفى وما ذكرته من "ذكورية الإله" عند نوال السعداوي وقبلها ما استهلت به أ.أمل ورقتها فكرة حواء وآدم أن حواء هي التي أخرجت آدم من الجنة وما ربطته أ.هند مصطفى من الإله متعصب للذكر في مقابلة الأنثى الحقيقة الفكرة خاطئة من الأساس، فحواء لم تغوي آدم. أ.هند طرحتها بالمفهوم الأوسع حواء في العهد القديم هي التي أغوت آدم، أما حواء القرآنية ليس لها دخل في خطيئة آدم "وعصى آدم ربه فغوى" ثم "اجتباه ربه فتاب عليه".

-أثني على الباحثات الثلاث اللائى يبشرن بخير إن شاء الله، وأبدأ بالتعليق في شكل برقية، فغوى آدم ليس آدم وحده "فأكلا منها" وقلنا "اهبطا منها" وهي إحدى القضايا التي اهتمت بها عائشة . "على الجسر" كتاب يكتب للعلم هو نشر بعد عام من وفاة الشيخ أمين الخولي وأكثره نشر على هيئة مقالات تعبر فيها عن فقدها للشيخ لأمين الخولي زوجها وأستاذها وشيخها فمن الظلم أن نجعل الكتاب سيرة ذاتية. إنما هو تعبير حقيقي عن علاقة بنت الشاطئ بأمين الخولي ، وأنصح الباحثة كي تنمي علاقة الأدب بالتعليم أن تقرأي الصحف والمجلات التي كانت تصدر في مصر في العقد الأول من هذا القرن، فكانت كلها تضج بتلك المشكلات والتي أسفرت عن ظهور الجامعة الأهلية ومن قبلها المدارس الأهلية. باختصار بدأ التعليم الحديث في مصر قاعدته عربية وانتهى بعد الاحتلال البريطاني إنجليزية أو فرنسية غابت اللغة  العربية، الموقف من التعليم لم يكن خاص بتعليم المرأة فبنت الشاطئ حينما قالت لوالدها أريد أن أذهب لهذه المدرسة نقلت القضية العامة من الخارج إلى البيت فوالدها شيخ أزهري والأزهر هو الذي كان يتبنى الإصلاح فيمكن أن يكمل ذلك بحثاً عظيماً بالرجوع لصحف أول القرن، لماذا سكتت عن أخواتها وبناتها..كلها ليست موضوع لعلى الجسر ما دام الحديث أساساً عن أمين الخولي.؟

مداخلة من د.عزة وهبي: الواقع يجب الإشادة بالمستوى الممتاز للباحثات وشجاعتهن في طرق موضوعات جديدة والتعرض لموضوعات لم تتأصل نظرياً بعد وتذكر لهم الجدية في التناول.

لكن هذا الموضوع يبدو كسلاح ذو حدين ففي التحليل الذي قمن به يحسب لهن وعليهن ما الأدب الإسلامي وأنا لست دارسة لكني مهتمة.ما هي القواعد والمعايير التي نحكم بها على أدب ما أنه إسلامي وهل يوجد بهذا المعني أدب مسيحي ويهودي. فبمعنى المرجعية الدينية نقول أن هناك أدب مسيحي كما تناولته عزة، النقطة الثانية أن الباحثات الثلاث اتجهن لطرح نماذج متعددة في المقارنة بين بنت الشاطئ ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي أين النماذج الغربية النسائية ولو على سبيل الإشارة أو في المقدمة أو الاستنتاج العام لأن هذه الأشكال من الأدب سبقت في أوروبا وهناك بحوث وقواعد مستقرة.

اتفقت مع ما قيل أنه من الظلم أن يوضع الكتاب الخاص ب أ.الخولي في مجال السيرة الذاتية لأنه بهذا المقياس يمكن أن نضع كتابات عديدة ل د.بنت الشاطئ في أوسع من نطاقها فهي كانت تعبر عن الريادة وعن تيار عام بزغ في الخمسينيات بهذه المنطقة. كتبت عائشة كتاباً عن الفلاح في الفترة السابقة على الثورة تناولته في جزء من دراستي للماجستير حين تعرضت للعدل الاجتماعي والإصلاح الاقتصادي رجعت لكتابها لأنه كان به دعوة متقدمة  بشكل عام ومثالي وهذه ينطبق على كتابها عن أمين الخولي. لا يمكن أن نعتبره كتاب عن سيرتها الذاتية أو تجربتها ولكن قد نجد ذلك في التعبير ليس في رواية لكن في مجمل أعمالها التي يمكن أن نرجع لها.

مداخلة من القاعة د.أماني صالح: كلامي للباحثات هي فقط نقطة نظام على خلفية كثير من المشكلات السياسية التي تنتج عن الندوات نتيجة اجتزاء عبارات معينة قيلت ونسبها إلى الباحثات، الأخت أمل حمادة عندما قالت إخراج آدم من الجنة نسبت ذلك للإسرائيليات والأخت هند عندما قالت ذكورية الإله هذا منسوب إلى فاطمة المرنيسي وليس إليها.

مداخلة من القاعة-لدي سؤالين مكتوبين، الأول خاص ب أ.أمل: لماذا النزوع إلى المدخل/الاقتراب شديد الذاتية لتناول السيرة الذاتية وكنا نتوقع وأنت الباحثة في العلوم السياسية أن يكون اهتمامك مركزاً حول الوظيفة الاجتماعية لهذا الجنس الأدبي بصفة خاصة في إطار التحرر النسوي؟ السؤال الآخر هل ضوابط كتابة سيرة ذاتية في مجتمع أوروبي هي ذات الضوابط في مجتمع عربي وهل هذا يعني أو لا يعني شيئاً لمناهج النقد.

أ.أمل: (ردود) أشكر لكل من تفضل وأبدى ملحوظات على الورقة بالنسبة للمدخل الذاتي أو الاقتراب، نص على الجسر وهو معنون سيرة ذاتية لا أعرف من وضع هذا العنوان الفرعي في الهيئة العامة للكتاب أم عائشة عبد الرحمن، لكني تعاملت معه باعتباره سيرة ذاتية النص فرض نفسه علي فالبعد السياسي لم يتضح في النص بقدر البعد الذاتي.بالنسبة لما طرحته هل يصلح الشعر كأحد أشكال السيرة الشفهية هذا يرد على أن أمية المرأة وقفت عائقاً دون تسجيلها سيرتها الحقيقة، وهذا لم يكن إلا اقتراح بدارسة ونبذل كثير من الجهد في النظر للشعر كأحد أشكال التعبير الأدبي.

المقارنة مع غيرها من النسويات غير مفهوم، فأنا اخترت نماذج متباينة في كتابة السيرة الذاتية بحيث ينتمي كلهن  لثقافة عربية إسلامية واحدة نعم لكن الثقافات الفرعية مختلفة وانتماءاتهم السياسية مختلفة والمقارنة بين نماذج مختلفة قد تبدو متضادة يثري المقارنة ويخلق هناك حيثية للمقارنة.لماذا نقرأ السير الذاتية لها لإثبات التفرد لكن أعتقد أن كاتب أو كاتبة السيرة يحمل تجربة معينة ذات دلالة تتجاوز الذات إلى المجتمع أو ظرف تاريخي معين وما قدمته لم يكن لإثبات أن عائشة عبد الرحمن هي شئ خارق للعادة ولكن لاكتشاف الدلالة.

لماذا بنت الشاطئ متسقة مع ذاتها عكس إنجي أفلاطون، أعتقد أن مقدمات بنت الشاطئ وصلت لنفس النتائج بينما مقدمات إنجي أفلاطون اختلفت، فإنجي من بيئة أرستقراطية تعليمها فرنسي هي ذاتها كانت واعية للانفصال بينها وبين الواقع حتى على مستوى اللغة، هذه المقدمات وصلت لنتائج مختلفة على المستوى الفكري فهي شيوعية على حد قولها نفسها ومقدمات عائشة أنها فتاة ذات نشأة دينية ريفية جعلها سارت في خط لم تخرج عنه.

فأنا شأن ما قيل عن النموذج ضد القوالب لكن هناك أساسية يمكن بالاستناد إليها أن  نقول على شخص ما إنه إسلامي رغم تحفظي على "إسلامي" الأول أعلن الكاتب عن انحيازاته المسبقة وهي لا تكفي وحدها فنوال السعداوي تقول أنها كاتبة مسلمة وعربية وقرأت    القرآن أكثر من 40 مرة. العامل الثاني برغم رفض القوالب والتنميط هناك مجموعة قواعد متفق عليها تحدد وترسم حدود النموذج "إسلامياً" "أو ماركسياً" وتحرك المبدع داخل حدود هذا النموذج مبرر لإطلاق أنه ينتمي لمدرسة معينة.

تعقيب الأستاذة عزة جلال عل المداخلات اعترف أنني وأنا أعد نفسي للجلسة طرحت ذات الأسئلة التي طرحتها د.هدى أو القاعة علي نفسي، فقد تعاملت مع مفهوم الأدب الإسلامي وأنا أتحسس موضع الأقدام لأنه ليس بتخصصي بالأساس وأيضاً لأنه مفهوم هلامي غائم  كان فيه كثير من اللبس. وجهدي الحقيقي أنني قسمت الاتجاهات حوله أما بالنسبة لتعليقات د.هدى أن غير الدكتورة عائشة كتب بلغة قرآنية وواقعية وتحدث عن النساء فأنا لم أقل أنها الوحيدة التي فعلت ذلك وتصنف ضمن "الأدب النسائي" وداخل الورقة وهي ورقة لا بحث كنت حريصة على وضع علامات تنصيص حول مفهوم "أدب إسلامي" وهذا يجعلني أرفض أن أجعل من أمينة السعيد أديبة إسلامية وفقاً لدعاة الأدب الإسلامي قد يدخل ويصنف كأدب إسلامي …أما بالنسبة لتفرد بنت الشاطئ في معالجة الخطيئة هي تفردت وليست الوحيدة التي تعاملت بهذا التفرد لكن بصراحة أرفض أن تصنف في نفس جانب نوال السعداوي لأن رفض بنت الشاطئ للتقاليد لم يجعلها ترفض الدين بل تجتهد لتكتشف جوهره لكن السعداوي رفضتهما معاً أعني الدين والتقاليد جملةً وتفصيلاً.المفهوم متحيز:نعم المفهوم متحيز في طرحه، وأنا لست من طرحه.

بالنسبة لأسئلة القاعة أبدأ بسؤال د.عزة وهبي ما هي معايير الحكم على أدب أنه إسلامي. الحقيقة إن كل من كتب عن الأدب الإسلامي دار حول تقديم إجابة لهذا السؤال لكنه لم يجب فحتى أصحاب الاتجاه الأول المتشدد في طرحه أدخل نجيب كيلاني ود.عائشة ضمن من استشهد بكتاباتهم الأدبية وفق إذن فالمعايير عندهم غير ثابتة وبالنسبة للاتجاه  الثاني تكاد لا تكون موجودة.

بالنسبة لمفهوم الأدب الإسلامي وكيف أدخلت إليه بنت الشاطئ بشكل متعسف الحقيقة أنني لم أصنفها لكن التصنيف جاء من دعاة الأدب الإسلامي لقد قرأت ذلك من خلال ما قالوه أما ما خلصت إليه فهو أن ما كتبته بنت الشاطئ كان أقرب إلى الأدب  الإنساني الملتزم  وقد يجد له أمثالاً في ثقافات أخرى غير إسلامية.

ولأني أستبطن المنظور الحضاري الذي يرى الإسلام حضارة أظلت حتى أفراد غير مسلمين فقد أشرت إلى أدب مهاجري أمريكا اللاتينية والذين عرفوا بالعصبة الأندلسية فقد كان أدباً ملتزماً برغم أنه ينتمي لمسيحي الشام الذين تأثروا بالنشأة الملتزمة في الشرق المسلم.

د.هدى: أشكر المتحدثات ولي تعليق على مسألة السيرة الذاتية أن هناك ناقد أمريكي شهير له مقولة "كل الكتابة هي شكل من أشكال السيرة" وفقاً لهذا ففي العشرين سنة الأخيرة أصبح مفهوم السيرة اكثر رحابة عما كنا نعتبره سيرة قديماً.                                                

 

 

 


 هوامش الأبحاث المقدمـة :

 بحث أ. مل حمادة :  في السيرة الذاتية لبنت الشاطئ ( مراجعات في " على الجسـر" )


[1]هناك عدد كبير من الأطر النظرية المطروحة في هذا المجال ، أنظر علي سبيل المثال :

LINDA S.COLEMAN(ED), women's life – Writing: finding voices /building community (Bowling Green State Uni. 1992>

FELICITY A.NUSSBAUM, The Autobiographical Subject : Gender and Ideology in Eighteenth _ Century England ( The John Hopkins Uni. Baltimore and London 1989 .

DOMNA C.STANTON (ed) , The Female Autograph : Theory and Practice Of Autobiography From The Tenth to The Twentieth Century ,The Uni. Of Chicago Press ,Chicago, 1987.

SHARI BENSTOCK (ed) , The Private Self : Theory and Practice of Women’s Autobiographical writings , THE Uni. Of North Carolina : Chapel Hill ,1988.   

 

بحث أ. هنـد مصطفى : في الرواية النسوية وتكوين الوعي الديني

 

[2] جابر عصفور ، زمن الرواية  (القاهرة : الهيئة العامة للكتاب ، 1999)

[3] جابر عصفور، المرجع السابق ، ص ص 204-205.

[4]  جابر عصفور ، المرجع السابق ، ص 209 .

[5] جابر عصفور ، المرجع السابق ،ص ص 224-230 .

[6])لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع أنظر مجموعة الكتابات المذكورة في هامش رقم 1 حول مختلف الكتابات النظرية عن السير الذاتية للنساء.

[7] لطيفة الزيات، حملة تفتيش ، ( القاهرة :كتاب الهلال) , العدد 502 ،ربيع الثاني /أكتوبر 1992 .

[8]

[9] في هذه الحالة قد يكون من المفيد إعادة النظر في شعر النساء بصفة عامة والجواري العربيات بصفة الخاصة من خلال منظور جديد لاستكشاف إذا ما كانت أشعارهن عند النظر إليها من منظور جديد يمكن أن تقدم فهما مختلفا . وعلي سبيل المثال أنظر :

جلال الدين السيوطي ، المستظرف من أخبار الجواري ، تحقيق عبد الله المنشاوي ، ( المنصورة : مكتبة الايمان ،دت).

جلال الدين السيوطي ، نزهة الجلساء في أشعار النساء ، تحقيق (المنصورة : مكتبة الايمان ، دت) . 

[10] عائشة عبد الرحمن ، علي الجسر : بين الحياة والموت /سيرة ذاتية ( القاهرة : الهيئة العامة للكتاب ،1999 )ص 125 .

[11] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، ص 28 .

[12] لمزيد من التفاصيل عن حياة عائشة عبد الرحمن ومشوارها العلمي أنظر :

أميرة خواسك، رائدات الأدب النسوي في مصر ، ( القاهرة : الهيئة العامة للكتاب ،1999 ) ص ص 115-122 .

[13] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، ص 93 .

[14] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، ص 121 .

[15] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ،ص ص 132-133 .

[16] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق، ص 135 .

[17] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، ص ص 143-145 .

[18] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، ص 43 .

[19] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، 85.

[20] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، ص 101-103.

[21] عائشة عبد الرحمن ، المرجع السابق ، ص 136 .

[22] لعائشة عبد الرحمن عدد كبير من الكتابات في مجال الدفاع عن اللغة العربية والتراث والإسلام نذكر منها علي سبيل المثال :

"تراثنا بين ماض وحاضر "و" الغفران دراسة نقدية " و" قراءة في وثائق البهائية " وغيرها كثير . 

[23]لمزيد من التفاصيل حول الأخريات التي كتبت عنهن عائشة عبد الرحمن أنظر :

صور من حياتهن : في جيل الطليعة من الحريم إلي الجامعة  (القاهرة : الهيئة العامة للكتاب ،1999 ) 

وقود الغضب وقصص أخري (القاهرة : الهيئة العامة للكتاب ،1986)

سر الشاطئ وقصص من القرية (القاهرة : الهيئة العامة للكتاب ،1992)

[24] السير الذاتية التي سيتم التعرض لها في هذا الجزء هي :

نوال السعداوي ، أوراقي حياتي ،(القاهرة : دار الهلال ، 1995).

سعيد خيال ( محرر) ، مذكرات أنجي أفلاطون ،( القاهرة : دار سعاد الصباح ،1993 ).

فاطمة المرنيسي ، نساء علي أجنحة الحلم ، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل ( الدار البيضاء : دار نشر الفنك ، 1998 ).

فدوي طوقان ، الرحلة الأصعب : سيرة ذاتية ، (عمان : دار الشروق ، 1993).

 

[25] نوال السعداوي، مذكرات طبيبة ، (القاهرة : دارا لمعارف بمصر ،1965  ) ص 15 .

[26] فاطمة المرنيسي ، نساء علي أجنحة الحلم ، مرجع سبق ذكره ،ص 218 .

[27] فدوي طوقان ، الرحلة الأصعب ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 66-69.

[28] سعيد خيال (محرر) ، مذكرات أنجي أفلاطون ، مرجع سبق ذكره ،39 .

[29] عائشة عبد الرحمن ، علي الجسر ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 45-47 .

[30] المرجع السابق ، ص 160 .

[31] نوال السعداوي ، أوراقي ..حياتي ، مرجع سبق ذكره ، ص 36.

[32] نوال السعداوي ، مذكرات طبيبة ، مرجع سبق ذكره ، ص 24-25 .

[33] نوال السعداوي ، أوراقي …. ، مرجع سبق ذكره ، ص 222 .

[34] فاطمة المرنيسي، نساء …، مرجع سبق ذكره ، ص ص 252-254

[35] سعيد خيال (محرر) ، مذكرات انجي أفلاطون ، مرجع سب ذكره ، ص ص 14-16 .

[36] علي شريعتي هو من أهم الكتاب الإيرانيين الذين اسهموا في تثوير الواقع الإيراني قبل الثورة الإسلامية عام 1979 توفي قبل الثورة بعامين بعد أن ترك عدد من الكتابات الهامة عن التغريب الثقافي في إيران ودور المستعمر . يعد كتابه حول السيدة فاطمة الزهراء من أجمل ما كتب ونشر بالإنجليزية والعربية وعدد من اللغات الأخرى . 

* لمزيد من التفاصيل راجع

G.B. Gunn, Literature and religion (Harper Row, Newyork, 1971)

[37] عبد الملك مرتاض،في نظرية الرواية ، سلسلة عالم المعرفة (الكويت:المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، العدد221،ديسمبر1998)،ص13.

[38] المرجع السابق،ص 123.

[39] لمزيد من التفاصيل حول نشأة الرواية النسائية العربية انظر: ايمان القاضي، الرواية النسائية في بلاد الشام :السمات النفسية والفنية 1950-1985(دمشق:الاهالي،1992)

[40] جابر عصفور ، المرأة ونشأة الرواية العربية ، مجلة العربي (الكويت :المجلس الاعللى للثقافة والفنون والاداب ، العدد477، اغسطس1998).

[41] ظبية خميس،الذات الانثوية من خلال شاعرات حداثيات في الخليج العربي (دمشق: دار المدى ،1997)، ص6

[42] عبد الرحمن أبو عوف ،الخطاب الروائي للمرأة المصرية المعاصرة، ورقة قدمت إلى مؤتمر مائة عام على تحرير المرأة العربية ، في الفترة 23-28أكتوبر 1999 التي نظمها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.

[43] هي بثينة شعبان في كتابها100عام من الرواية النسائية العربية. الحياة 2/11/1999.

[44] تحدد هنا خمس روايات هي :الوطن في العين للفلسطينية حميدة نعنع وحكاية زهرة للبنانية حنان الشيخ وحجر الضحك للبنانية هدى بركات وشجرة الدفلي للبنانية املي نصر الله وذاكرة الجسد لاحلام مستغانمي.

[45] هي الباحثة اليان شوالتر Ellian Shwalter  في دراسة بعنوان Literature of their own صدرت عام 1977وشملت 150 كاتبة. نقلا عن : ظبية خميس ، مرجع سابق،ص36

[46] انظر في تفصيل هذه الاراء :بوشوشة جمعة، الرواية النسائية المغاربية (سوسة :منشورات سعيدان/د ت)ص25-44.

[47] المرجع السابق، ص41

[48]  تتخذ الناقدة الادبية يمنى العبد هذا الموقف على سبيل المثال . انطر في هذا" المرأة والابداع في مجال الرواية تميز المنظور وتعديل البنى" ورقة قدمت إلى مؤتمر "مائة عام على تحرير المرأة العربية" 23-28أكتوبر1999، والتي نظمها المجلس الاعلى للثقافة بالقاهرة.

[49] بوشوشة جمعة، مرجع سابق ، ص52-53

[50] زينب العسال ،حديث العورة واختلال الوعي، مجلة القاهرة (القاهرة:الهيئة العامة للكتاب،العددان178-179 سبتمبر أكتوبر 1997) ، ص80

[51] د.منى أبو الفضل ، "مراجعات في تاريخ الأمــة:المرأة وحركات الإصلاح والتجديد -إطلالــة معــرفيــة "، المرأة والحضارة (القاهرة:جمعية دراسات المراة والحضارة، العدد الأول ، ربيع2000).

[52] الشرق الأوسط ، 16نوفمبر 1999.

[53] أنظر مثلا الحوار الذي أجري مع سهيلة زين العابدين الكاتبة السعودية ورئيسة الرابطة حول نظرية إسلامية في النقد الأدبي ، في : مجلة الوطن العربي ، العدد1178-الجمعة 1-10-1999.

[54] انظر في تفصيل ذلك : منى أبو الفضل ، هند مصطفى على، خطاب المرأة في عصر النهضة :قراءة بديلة ، ورقة قدمت إلى مؤتمر "مائة عام على تحرير المرأة العربية" 23-28أكتوبر1999، والتي نظمها المجلس الاعلى للثقافة بالقاهرة.

[55] المرجع سابق، ص2.

[56] Sirinity Yong (ed.) Encyclopedia of  Women and World Religion (New York:Macmillan,1999).

[57] Ibid, p490

[58] Ibid, p 492

[59] Ibid , p496

[60] Elizabeth Warnock Fernea, In Search of Islamic Feminism: One Woman’s Global Journey (New York:Doubleday  , Jan.1998) p416

[61] Ibid.,p416

[62] Ibid,p416

[63] ليلى أحمد ، المرأة والجنوسة في الإسلام، ترجمة منى ابراهيم -هالة كمال (القاهرة :المجلس الاعلى للثقافة،1999).ص5

[64] ظبية خميس، مرجع سابق ، ص7

[65] احلام مستغانمي، ذاكرة الجسد (بيروت:دار الاداب، الطبعة الثانية عشر،1992)

[66]  فاطمة المرنيسي، نساء على أجنحة الحلم ، ترجمة :فاطة الزهراء ازرويل (الدار البضاء:المركز الثقافي العربي،الطبعة الاولى،1998).

[67] انظر هوامش المرجع السابق ، ص255. وفيها تقول المرنيسي أن الطفلة التي تتحدث ويفترض أن تكون فاطمة ، هي شخصية خيالية: "لو حاولت أن أحكي لكم طفولتي لما استطعتم اتمام الفقرتين الأوليين لأن طفولتي كانت مملة إلى حد كبير".

[68] في لقاء شخصي معها في جامعة الدار البيضاء بالمغرب .

[69] هشام شرابي، النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين (بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى عام 1990) ص73.

[70] سلوى بكر ، البشموري ، روايات الهلال (القاهرة :دار الهلال، العدد598، أكتوبر1998).

[71] سلوى بكر ، بيض الديك في طيبة ، اخبار الادب ،20مايو 1999.ص20

[72] نوال السعداوي ، جنات وابليس(بيروت:دار الاداب،الطبعة الاولى ، 1992)

[73] ربما تغفل الكاتبة هنا أن آية العصيان وردت أيضا بالمفرد "وعصى أدم ربه فغوى" طه- الاية 121.


 

Back Up Next