تقرير عام عن الدورة التدريبية بالرباط

لمجموعة "الفهرية للدراسات الحضارية" #3


2.   عرض "وحدة علم الحديث" :  

 

 

 

 

 

 

   بعد هذه المقدمة التوجيهية، وتثمين الدكتورة عصمت دندش للمشروع وتوجهاته، تم الإنصات لعرض "وحدة علم الحديث" الذي ألقته الأستاذة سعاد أشتيب، والذي لخص الخطوات المنهجية التي اتبعتها الوحدة، مع عرض النتائج العلمية التي تم التوصل إليها، وكيف برزت صورة المرأة في التاريخ الحديث عبر العصور المختلفة من القرن الثاني إلى حدود القرن العاشر للهجرة، مع محاولة لتفسير الخلفية الاجتماعية والعلمية التي تحكمت في بروز حضور المرأة تارة، وغيابها تارة أخرى من مجال الفعل والمشاركة العلمية، دون أن يتم إغفال المجالات الحديثية التي أسهمت فيها المرأة، والتي تميزت في مجال رواية الحديث دون درايته، هذا طبعا إذا تجاوزنا مرحلة عصر الصحابة التي عرفت حضورا قويا للمرأة في الجانبين : الرواية والدراية.

وعلم الحديث يكاد يكون رجاليا حسب بعض المصنفات، وقد تكونت لدى باحثات الوحدة مادة تمكن من استخلاص بعض الملاحظات والتوجهات. فلقد تميزت مرحلة ما بين القرنين الثاني والخامس الهجري بإسهامات المرأة في رواية الحديث، مع فترات ظهور وتراجع. وبصفة عامة، يمكن أن نعتبر عصر الصحابة عصرا مؤسسا ونشطا لهذه المشاركة، يليه عصر التابعات وتابعي التابعات إلى نهاية القرن الرابع الهجري، إلا أنه كان ينتابه بعض الضعف رغم خصوبة المرحلة التي تطوت بنشوء علوم إسلامية مثل علم الإسناد والتدوين والتطبيق وعلم الجرح والتعديل، والتي كانت تؤسس لشروط الضبط والعدل والحفظ، بعد أن أصبحت الرحلة إلى العلم هي السمة الغالبة على طالبيه.

وابتداء من القرن الخامس الهجري، أصبح يتعذر على المرأة الرحلة إلى طلب العلم، إذ الرحلة تقتضي مصاحبة المحرم، ورغم أن بعض مدارس العلم كانت توجد بالحواضر والمدن، مثل مدرسة أم المؤمنين، فإن المناخ المساعد للمرأة على الالتحاق بالمدارس دون عناء الرحلة القديمة لم يتيسر بشكل عملي إلا مع الاستقرار العلمي بمدارس الكوفة والبصرة والحجاز، وهنا نجد أئمة علم الحديث مثل الذهبي وابن حجر والبخاري قد أخذوا عن المرأة بحكم استيفائها لشروط رواية الحديث، وأهمها العدل.

          ولقد ورد في كتب الصحيح وكتب الموطآت وكتب السنن، وكتب المسانيد، وكتب المشيخات، وكتب المعاجم، وكتب مصطلح الحديث، أسماء راويات جليلات. لكن هناك بعض الأسئلة مازالت تفرض ذاتها من مثل : هل كانت المرأة تحدث من وراء الحجاب أم تجالس طلبتها؟ وهل يمكن مجالستها الشيوخ والطلبة معا؟ فنحن نجد عبارات مثل : حدثتنا فلانة، سمعت عن فلانة، تناولت من يدها، قرأت عن فلانة، وهذه صيغ تؤشر عن قوة المرأة في مجال علم الحديث، بل نجد في كتب التراجم أن المرأة كانت تتصدر الرواية مثل شهـــدة بنت أبي نصر الكاتبة، والتي أصبحت مسندة العراق، فكانت تعدد المجالس ومكان عقد الجلسات بين المنزل والمسجد.[2]

   3.   عرض "وحدة الوقف" :

بعد ذلك تولت "وحدة  الوقف" عرض بحثها والذي ركزت فيه الأستاذة فوزية المشرفة على الوحدة على أهمية الوقف في الإسلام، وكيف تطور مجال الوقف في المغرب باعتباره مصدرا مهما للتنمية الاجتماعية، ثم بينت الكيفية التي أسهمت بها المرأة في مجال الوقف، وبالذات في المغرب، حيث شملت هذه المساهمات مختلف مجالات الحياة، فأوقفت المرأة على بناء المساجد وعلى من يقرأ بها من القراء، وتجهيز العرائس الفقيرات، وأوقفت على الكراسي العلمية، وعلى ختان الأطفال اليتامى، فتعددت بذلك مجالات الوقف وتنوعت، وبرزت إسهامات المرأة من مختلف طبقات المجتمع ومن مختلف الأعمار.  


·      الجلسة المسائية :

¢     تعقيب وتوجيهات الدكتورة منى أبو الفضل :

  وعقب هذين العرضين تحدثت الدكتورة منى أبو الفضل بداية عن أهمية الوقف، ونبهت على أنه لا ينبغي في هذا المجال أن  نكتفي بالوصف والرصد، بل يلزم تجاوز ذلك إلى تحليل المفاهيم، والنظر إلى معانيها العميقة، ومدى ارتباطها بالمنظور التوحيدي. ومثلت لذلك بمصطلحات الوقف والتحبيس والتسبيل، فهذه المصطلحات تشتمل على معان بين أصل ثابت يحفظ، وعائد فيه سيولة يتجاوز الحياة الدنيا إلى الآخرة. فالوقف موضوع وسم بخصوصيات النسق التوحيدي المتجلي من خلال :

ـ   العمق والامتداد في رؤية الزمن الذي يجمع الحياة الدنيا والآخرة.

ـ  والبعد الغيبي كحاضر يقيني يدخل في تقدير وتقييم الموازين الجارية والمؤثرة في الفعل التاريخي.

وركزت الدكتورة منى على أهمية إعادة قراءة التراث، وفصلت في هذه النقطة بإبراز كيفية هذه القراءة التي ينبغي أن تنطلق من الداخل الحضاري، وأن تكون بعقلية مجتهدة تتجاوز التقليد والتبجيل للقديم، وتـنأى عن عقلية الترقيع، لأن ولوج التراث بهذه العقلية يمكن من القراءة الواعية والهادفة التي تتوخى تجاوز السلبيات والإغراقات التي حملت هذا التراث وغربلتها، كما تتوخى الاستفادة من الإيجابيات ومن العقلية التي أنتجت هذا التراث في أفق إمكانية توظيفه في الإجابة على بعض تساؤلات وإشكالات الواقع، ثم التمهيد والتقديم لتراكم علمي حقيقي يضمن التواصل والتفاعل بين الأجيال.

ثم ذكرت الدكتورة أن العبرة من قراءة التراث ليست نفض الغبار وإعادة الاكتشاف فقط، وإنما العبرة بالمنظور الذي من خلاله تتم هذه القراءة، مع العلم أن هذا المنظور وبناؤه يتوقف على القدرة على إعادة قراءة القرآن والسنة.

فأكدت سيادتها أن المنظور الحضاري مهم في إعادة قراءة التاريخ عامة بكل قضاياه منفصلة أو مجتمعة، ومنها قضية المرأة التي تعتبر من القضايا المهمة بحكم موقعها داخل الأسرة والمجتمع، وباعتبارها مدخلا مهما للتغيير، وبحكم دورها الذي يمكن أن تؤديه سلبا أو إيجابا في بناء الأمة أو هدمها.

وأكدت الدكتورة منى أبو الفضل في تعقيبها على الحاجة إلى إعادة اكتشاف دور المرأة في التراث الإسلامي متسائلة : هل نحن بصدد فتح ملف المرأة بغرض الولوج إلى المجتمع الإسلامي؟ أم يمكن أن نلج إلى قضايا هذا المجتمع عبر ملفات محددة؟ أم يمكن أيضا أن ننطلق من أجزاء أخرى للوصول إلى نظريات وعموميات في هذا الصدد؟ القاعدة هنا أننا في جميع الحالات، لابد من حصول تراكم معرفي في موضوع البحث، فتلك عملية ضرورية بغية إرساء مشروع يصب في تحقيق تواصل وترابط عضوي كفيل بتنشيط العملية البحثية.

هذه الإجراءات جوهرية لتجاوز مسلكيات وذهنيات الترقيع السائدة، ونحن نحتاج إلى إرساء نوع من التعامل مع القضايا الجوهرية من منطلق تحديات جديدة يكون الهدف منه إحياء الذاكرة لتغذية مشروع البحث وتنميته. فالإسلام الذي ندعو إليه هو الدين المعتمد على العلم والإيمان، كثنائية أصيلة لا تنفصم تمثلت في أول مؤسسة عرفها الإسلام وهي المسجد الذي يمثل حجر زاوية الأمة ، فهو دار العبادة وهو مقر للعلم والتعلم.  العلم هنا وارد بمفهومه الشامل، بما فيه العلم كعبادة والعلم كنقد وتجديد. فلقد جسدت هذا المسار بجدارة السيدة عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما كأول امرأة ناقدة في الإسلام.  قدمت نموذجا للوعي العلمي بأبعاده المختلفة ، بما فيها النقد الذي تجسد في الاستدراك على كبار الصحابة بصدد الأحاديث المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

  

  أما فيما يخص دور المرأة في الحديث، فتنصح الدكتورة بإعادة قراءة السنة والحديث بهدف إبراز هذا الأخير على ضوء قراءة نسائية. فلقد توصل المرحوم عبد الحليم أبو شقة في قراءته للحديث إلى اكتشاف دور المرأة الهائل من خلال موسوعته القيمة "تحرير المرأة في عصر الرسالة".

        ويمكننا إعادة اكتشاف مكانة المرأة في الأمة الإسلامية باعتبارها مدخلا جوهريا للتغيير الاجتماعي، والمجتمعي أيضا.  فتماسك الأسرة في أفغانستان وهو الأمر الذي تلعب فيه المرأة الدور الأكبر ، يعد هو العامل الذي لا يزال يحافظ على الكيان الأجتماعي هناك رغم تأثيرات عقود الاختراق والتقويض من جانب ، وعلى الرغم من تهافت البنية التقليدية الاجتماعية والقيمية من جانب آخر .

 وفي هذا الصدد أوصت الأستاذة بقراءة بعض الكتابات الحديثة التي تعبر عن توجهات مختلفة في التعامل مع الواقع الأجتماعي الحضاري في المنطقة ، منها كتابات مجددة مجتهـدة ككتابات الدكتور نصر محمد عارف في مجالات التنمية والأجتماع السياسي ، ومنها تلك الدراسات التي تهتم بالتأريخ للمرأة  المسلمة من منطلقات حداثية شتى كأسهامات الدكتورة ليلى أحمد المؤرخة  بإحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، أو الدكتورة هدى الصدة أستاذة الأدب الأنجليزي بجامعة القاهرة ، وغيرها من الدراسات التاريخية الأنثروبولوجية التي اخذت تعيني بالمزيد من البحث المنهجي عن الجذور التاريخية للمرأة في الإسلام، علما أن واقع المرأة المجتمعي هو في عملية تغيير مستمرة شأنه شأن الحداثة السائدة.

وقد بينت د. منى أن "المنظور الحضاري" كمنهاجية بديلة ، يستبطن  منظومة معرفية لها خصائصها المميزة التي تعبر عنها جملة من القيم والمدركات والمفاهيم والمعاني والدلالات الحســية والمعنويــة ، هذه المنظومة المعرفية هي ما يطلق عليه : النسق المعرفي التوحيدي tawhidi episteme . وهو نسق يتميز بقيامه على إطار مرجعي عاقد هو التوحيد ، هذا من حيث المنطلق. وبانفتاحه من حيث الوجهة والمسار؛ انفتـاحا رأســيا : على عالم الغيب والشهادة ، إذ تأخذ مصادره المعرفيـة  بالوحي والوجود في آن ، و كذا انفتــاحا أفقيــا : على "الآخـر" بمعنى أنه نسق يتجاوز الخصوصية والذاتيــة ليأخـذ بســنة التفاعل والتحـاور .

والمنظور الحضاري استنادا إلى هذا النسق ، يقوم على "التوحيـد" كنسق أونطولوجي معرفي قيمـي، وليس كانتمـاء "ديني" ، بما يعني  إمكانيات توظيفه في قـراءة التاريخ الإنساني ، وعبر المجتمعــات والثقافات المتباينــة .




 

   2.  عرض "وحدة النوازل" :

تعرضت ورقة وحدة النوازل إلى تحديد مصطلح النوازل، وكيف تدرج التأليف في هذا العلم بالغرب الإسلامي، مع عرض للصعوبات المنهجية والمتمثلة في غياب رؤية واضحة ودقيقة للتعامل مع هذا الموروث الذي يكثر فيه ذكر أجوبة متعلقة بالمرأة بشكل غير منتظم، فكان الإشكال هو بأي منظور سيتم التعامل مع هذا الكم الهائل؟

  وتطرقت الأستاذة نجاة الهاشمي المشرفة على هذه الوحدة إلى بعض النماذج من النوازل التي حملت الأجوبة عنها انحرافا واضحا عن الخط العام الذي رسمه القرآن الكريم في التعامل مع قضايا المرأة، مثل حرمان المرأة من الميراث، وغيرها.

  بعد هذا العرض تدخل الدكتور طه جابر العلواني بحديث جمع الإجابات الكبرى والتوجيهات العلمية بناءا على ما ورد في العرض من تساؤلات، وما حمله من نقائص، كانت منطلقا لمداخلة الدكتور الفاضل الذي بدأها في الجلسة الصباحية واستكملها في الجلسة المسائية.

  ففي الجلسة الصباحية ركز الدكتور طه أساسا على أن الدخول لعالم الفتوى وقراءتها وتحليلها يحتاج كخطوة أولية إلى تفكيك السؤال وإعادة تركيبه من جديد. لكن كيف يتم تفكيك السؤال الفقهي؟ إن السائل عندما يطرح السؤال لابد أن يفترض أن لديه نموذجا، أن لديه تصورا ما، أن لديه استشكالا نجم هو نفسه عن شيء من الأشياء في ذهنه جعله يصوغ السؤال. ولهذا ففهم السؤال يعتبر خطوة منهجية ومعرفية شديدة الخطورة يمكن أن تقود المجيب قيادة صحيحة أو قيادة خاطئة.  


·    الجلسة المسائية :

¢      ملاحظات الدكتور طه بخصوص علم التفسير :

حاول الدكتور طه العلواني في بداية الجلسة المسائية أن يقرب الباحثات من الصورة التي رسمها القرآن الكريم والتي هي الصورة المعيارية، وتساءل عن ماهية هذه الصورة، هل هي كلية أم تجزيئية ؟ ما هي الصورة التي أعطانا القرآن الكريم عن الإنسان؟ أي ما هي الرؤية الكلية عن الإنسان التي تؤخذ من العقيدة؟ وبمعنى آخر ما هي الرؤية الكلية المستوحاة من القرآن الكريم عن الإنسان كإنسان، بقطع النظر عن النوع ذكر أو أنثى؟ وهل القرآن نص على فوارق معينة؟

  ثم حدد فضيلة الدكتور كيفية التعامل مع هذه الصورة القرآنية موضحا أنه إذا كانت هناك فوارق مثلا، فلنذهب إلى هذه الفوارق بالذات لنرى ما إذا كانت فوارق تتعلق بالنوع أم فوارق أخرى؟ وبالتالي نبحث سائر الأسئلة الواردة في عصرنا هذا حول الذكورة والأنوثة. فنحن نريد أن نعلم ما إذا كان القرآن قد أعارها اهتماما ما أو لم يهتم بها.

ومن ثم فإن الصورة التي ستبنى عن المرأة ستكون من خلال الدخول المباشر لرحاب القرآن الكريم والسنة النبوية، لأن القرآن الكريم كان يتنزل على الناس لحل مشاكلهم التي كانت تقع في الحياة.

ونحن الآن علينا أن نصوغ مشاكلنا ثم نذهب بها إلى القرآن الكريم، سيما وأن مشكلتنا مركبة، فيها الأثر من الفكر الغربي، وفيها الأثر من التحدي الخارجي، وفيها الأثر من التقاليد، وفيها أثر الانحراف في فهم النص، ويظل القرآن الكريم مرجعا للحل وليس مرجعا للأزمة.

أما بخصوص تحديد حقل المفاهيم يقول الدكتور طه، فقد أثيرت تساؤلات حول الكيفية التي يتم بها تحديد هذه المفاهيم، هل من داخل النص أو من خارجه؟ فأشار إلى أن الشريعة الإسلامية هدفها أن تعطينا تصورا عن قيمة الفعل الإنساني الذي يقع بين خطين: خط بداية الحياة وخط نهايتها. وحينما ندرك هذه البديهية نطرح على أنفسنا الأسئلة التالية:

-    هل هناك فرق بين فعل المرأة وفعل الرجل من حيث أثر هذا الفعل في الكون والحياة والعمران والتزكية؟

-    كيف يمكن أن ينعكس التوحيد على هذا الفعل؟

-    كيف يمكن أن نربط بين هذا الفعل وبين الاستخلاف والائتمان والتسخير؟

  فلعلنا نجد فوارق، إذ الرجل لم يكن أما في حياته إلا مرة واحدة في عهد آدم الذي كان أما وأبا في آن واحد، وغير آدم من الرجال لم يجرب في حياته وظيفة الأمومة. ففعل الأمومة له أثر خطير في الكون والحياة والوجود، وفعل الذكورة أيضا له أثره.

  وللموازنة بين الآثار لابد من مرجعية، والمرجعية هي الشرع الذي هو الوحيد الذي بمقدوره أن يصف هذا الفعل بكونه جيدا أو رديئا.

          فنحن لما ندخل القرآن بهذا التصور، حول ما إذا كانت هناك فوارق بين فعل الذكر وفعل الأنثى وأثره من حيث الحيثيات التي ذكرنا، سنقرأ القرآن من أوله إلى آخره بحثا عن تلك الفوارق، فإن وجدناها سطرناها، وقمنا بعملية تحليلها ودراستها، وإن لم نجد فأي فارق يختلقه الفقه بالنسبة لنا هو موضع تساؤل.

¢     ملاحظات الدكتور طه بخصوص فقه النوازل :

بخصوص فقه النوازل، يعقب الدكتور طه قائلا : لو أردنا أن نلخص المقاصد الشرعية ـ أي مقاصد المكلف الذي هو الله سبحانه وتعالى ومقاصد المكلفين ـ سنجد أن هذه المقاصد لها مستويات مختلفة، وأن أعلى هذه المستويات هو مقاصد الشارع نفسه، والتي يمكن تلخيصها في النقط التالية :

-   التوحيد : أي الوصول إلى الإقرار بوحدانية الله.

-   التزكية : أي تزكية الإنسان باعتبارها المؤهل الوحيد له ليكون خليفة في الأرض.

-   العمران : والمرتبط بالكون والعمارة فيه.

          فهذه أمور ترتبط بجانب القيم الذي سوف يحسم كثيرا من التساؤلات التي بقيت مثارة ولم يستطع الفقه الإجابة عنها، لأن الفقيه عادة ما يسمع أو يقرأ السؤال المرفوع إليه، والمصاغ من خلال الواقع، ثم يعرج به إلى النص لكي يحكمه فيه إن وجد في النص ما يتعلق به، وإلا ذهب به إلى القواعد الأصولية منقبا بين هذه الجزئية وتلك، ويستمر كذلك إلى أن يصل إلى ما يريد أو لا يصل. وهو في كل تلك المراحل يجتهد ليصل إلى الظن الغالب، والذي هو عبارة عن شيء ينقدح في نفسه، قد لا يستطيع أن يجد له دليلا جزئيا مباشرا، ولكنه يحس بنفسه من خلال الأدلة التي استعرضها وتعامل معها أن عليه أن يقول كذا في حكم هذه النازلة أو تلك الإشكالية.

لكن الحسم في قضايا عديدة إنما يكون عبر القيم التي تعبر عن جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، مثلا :

-    هل إيمان المرأة المؤمنة يمكن أن يقال أنه أنقص لأنها امرأة؟

-    هل الرجل يمكن أن يتزكى والمرأة لا؟

-    هل العمران يحتاج المرأة والرجل معا أم يحتاج أحدهما فقط؟

فنحن نحتاج حين نرجع لهذه الفتاوى المرتبطة بنوازل معينة، والتي غالبا ما ارتبطت بظروف استثنائية : ظروف احتلال، أو حلول مصائب شتى، أو حدوث كوارث طبيعية، أن نعرضها على هذه المقاصد باعتبارها مرجعا للتقييم والمعايرة، فحينما أقول أن مفتيا فقيها قد أخطأ في فتوى معينة يكون لدي حلان :

¨   الأول : أن أراجع الفتوى بدقائقها، وفقا لعلم الأصول وعلم استنباط الفتاوى، وأقول أخطأ لأنه رجع مثلا إلى السنة قبل أن يعرف ماذا قال الكتاب الكريم، هذا أمر يمكن أن يقوم به الفنيون المتخصصون.

¨   الثاني : أن أستخدم المنهج العام، وهي المقاصد العامة والقيم الحاكمة، والمستويات الأخرى من المقاصد التي ترتبط بها مثل الحرية والعدل والمساواة وحفظ الضروريات.

ونبه الدكتور طه بخصوص التعامل مع القرآن الكريم ودراسته إلى نقطة مهمة، وهي أن القرآن الكريم له بداية وعنده غاية، أي أن لديه حدا وله مطلع، فالنص في عصر التنزيل كان يحرك الواقع العربي بشكل يستمر إلى خط النهاية.

والفقيه كثيرا ما يغفل عن هذه الناحية، فيظن أن النص يخاطب البداية فقط، ولعل مشكلة المرأة ومشاكل أخرى مثلها لم يلحظ فيها الفقيه هذا الجانب لعدم تكشف هذه المسألة بالقدر الكافي.

فالفقيه المفتي من هذا النوع فاته أن القرآن الكريم حرك البيئة في اتجاه الاعتراف بالمرأة اعترافا كاملا كشريك كامل في كثير من الحيثيات، وأزال كثيرا من الشوائب التي كانت قائمة في الأذهان، والأمل أن يأخذ الفقيه هذه البدايات ويستمر بها إلى أن ينتهي إلى التسوية الكاملة، فيما عدا ما لابد منه بناء على طبيعة توزيع الأدوار والوظائف.

وربما يكون الفقيه استمر أيضا يردد صورة بداية النص بناء على ما كان موجودا. فنحن إذن بحاجة لفهم طبيعة النص القرآني والتعامل معه بطريقة سليمة. فنعرف أنه حينما يكون للنص بداية أن هناك فضاء، ونفهم كيف يمتد هذا الفضاء، وما الذي يشتمله، وإلى أين ينتهي. فهذا سيفيدنا في معرفة الامتدادات.

فالله جل شأنه مثلا قال في محكم تنزيله : "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" (سورة آل عمران، الآية 102)، وأن يتقي الإنسان الله حق تقاته هو أمر في غاية الثقل والصعوبة، وليس بالشيء السهل إطلاقا [3]. فحق الله تعالى على العبيد كبير جدا، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر "فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم" (سورة التغابن، الآية 16). فعندما ترد الاستطاعة ندرك أن التقوى التي أمرنا أن نقوم بها هي في قدر الاستطاعة، فالنص الأول كان فيه فضاء، والذي ملأ هذا الفضاء هو النص الثاني : "فاتقوا الله ما استطعتم".



 أخرج البخاري في "الأدب المفرد" في باب الكتابة إلى النساء وجوابهن "حدثنا أبو رافع حدثنا أبو أسامة حدثني موسى بن عبد الله حدثتنا عائشة بنت طلحة قالت: قلت لعائشة وأنا في حجرها، وكان الناس يأتونها من كل مصر، فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها، وكان الشباب يتآخوني فيهدون إلى ويكتبون إليّ من الأمصار، فأقول لعائشة : يا خالة هذا كتاب فلان وهديته، فتقول لي عائشة : أي بنية فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندك ثواب أعطيتك، فقالت تعطيني" انتهى. وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان في ترجمة فخر النساء شهدة بنت أبي نصر الكاتبة "كانت من العلماء وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير وكان لها السماع العالى ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر واشتهر ذكرها وبعد صيتها، وكانت وفاتها في المحرم سنة أربع وسبعين وخمس مائة" انتهى مختصراً. وقال العلامة المقريزي في "نفح الطيب" في ترجمة عائشة بنت أحمد القرطبية: "قال ابن حبان في "المقتبس" لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعدلها علماً وفهماً وأدباً وشعراً وفصاحة وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف وماتت سنة أربعمائة" انتهى مختصراً.

Back Up Next

 

 

Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse


Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment - M.A.F.]. All rights reserved.
Revised: April 17, 2007 .