|
الجلسة الثانية محور علوم الحديث
البحث: عمل الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن " بنت الشاطىء" فى تحقيق ونشر كتاب "مقدمة بن الصلاح ومحاسن الاصطلاح" الباحث: الأستاذ جمال البنا . يقدم الأستاذ جمال البنا ورقته حول عمل الدكتورة بنت الشاطىء فى تحقيق ونشر مقدمة بن الصلاح ومحاسن الاصطلاح ببيان اهمية هذه المقدمة التى يترتب عليها بيان عمل صاحبة الندوة . فمقدمة بن الصلاح كما يقول الأستاذ البنا هى فى عالم الحديث واسطة عقد شأنها كمقدمة بن خلدون فى علم الاجتماع والعمران ورسالة الشافعى فى أصول الفقه.وقد شمل عمل الدكتورة بنت الشاطىء كذلك تحقيقا للـ " محاسن الاصطلاح" للسراج البلقينى الذى عقب به على المقدمة. بعد أن يقدم الأستاذ البنا تعريفاً بكل من ابن الصلاح والبلقينى ينتقل الى سبر أبعاد عمل بنت الشاطىء فى تحقيق ونشر المقدمة. فيعرفنا بالمعاناة التى لقيتها السيدة فى إخراج هذا الكتاب الذى استغرق منها عشر سنوات ما بين توثيق المتن ، والمقارنة بين النسخ الخطية وما حوت من تصحيف أو سهو ، وجمع تراجم كاتبيها ..الخ. ولم ينس الأستاذ البنا أن يعرج على ما قدمته بنت الشاطىء من إضافات الى تحقيق النص والتدقيق فيه خاصة جهدها فى جمع الفهارس ويخلص الى تقدير هذا الجهد الكبير بقوله" " انها خدمت هذا الكتاب خدمة القوى المين حتى صارت الطبعة التى حققتها فى 950 صفحة فى حين أن بعض الطبعات لا تتعدى مائتى صفحة فأثابها الله خير الثواب". سيرة ذاتية: أ. جمال البنا مفكر إسلامي - يشغل حاليا منصب رئيس الاتحاد الاسلامي الدولي للعمل ومدير مؤسسة فوزية وجمال البنا للثقافة والاعلام الاسلامي. له العديد من المؤلفات منها : نقد النظرية الماركسية (1948) -نشأة الحركة النقابية وتطورها(1966)-الاصلان العظيمان : الكتاب والسنة رؤية جديدة(1982)-العودة الى القرآن(1984)-وجوه الائتلاف والاختلاف بين الرأسمالية والشيوعية والاسلام(1984)-الاسلام هو الحل (1988)-الاسلام والعقلانية (1991)-نحو فقه جيد(1996)-المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء (1997).
إسم البحث: المحدثات فى التاريخ الإسلامى (القرن ال14، وال 15م) الباحثة: د. أميمة أبو بكر فى المقابل العام لإسهام بنت الشاطىء فى الحديث تصحبنا د. أميمة أبو بكر الى تاريخ العلوم الإسلامية بحثاً عن دور النساء كمحدثات وعالمات . تعنى د. أميمة أبو بكر فى بحثها - الذى سبق نشره- بالمحدثات فى قرنين هما الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين حيث تجاوز علم الحديث مجرد الرواية وصار علماً يتجشم طالبه عناء تحصيله وطلبه من مصادره من جانب وتتضاعف أعباءه لدى المرأة الممنوعة آنذاك من الاختلاط ، والمقيدة حريتها فى السفر وطلب العلم وحضور مجالسه. ومع ذلك كان هناك من النساء من ولجت هذا المسلك الصعب بحثا عن العلم وإسهاما فى نقله وتعليمه. المحدثات كما ترصدهم الباحثة هن ألئك المتخصصات فى دراسة علم الحديث بطريقة الرواية والدراية والعلم بأسماء الرواة وطرق الأحاديث والإسناد، بينما " التحديث" هو تدريس فقه وعلوم الحديث الذى ارتبط غالبا بالتشريع وفقه الأحكام . وتشرح لنا د. أميمة أبو بكر المسالك التى اتخذتها النساء المسلمات فى سياق العملية التعليمية بدءاً من التعليم المنزلى والإفادة من البيئة والنشأة الدينية فى التحصيل ، وصولاً الى المشيخة .. ويورد البحث عديداً من النماذج للشيخات المحدثات اللاتى اتسع نطاق اسهامهن الى مختلف علوم الدين واللغة فضلا عما قدمنه من نماذج أخلاقية رفيعة للتقوى والحكمة.
سيرة ذاتية: د.أميمة أبو بكر - أستاذ مساعد بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة. - حاصلة على دكتوراة في الأدب المقارن (الإنجليزي والعربي) من جامعة كاليفورنيا- بيركلي، (ليسانس قسم إنجليزي من جامعة القاهرة، وماجستير الأدب الإنجليزي من جامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة) - تخصصت في دراسة الشعر الصوفي وأدب القرون الوسطى بأوروبا ولها أبحاث منشورة في هذا المجال في الشرق والغرب. - لها اهتمام بالمدخل المقارن لدراسات آداب الروحانيات والتصوف ودور النساء في هذا المجال في الشرق والغرب. - لها أوراق منشورة باللغة الإنجليزية في موضوعات الأدب والشعر الإنجليزي. - لها أوارق منشورة في مجال البحث في مكانة النساء وصورتهن في كتابات التاريخ الإسلامي. - حالياً، مهتمة بتحليل الخطابات المختلفة الماضية والحاضرة- في كتابات بعض الفروع الإسلامية لرصد التطورات والتغيرات المؤثرة على النظرة إلى المرأة المسلمة وموقعها من الحياة العامة.
عمل الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن " بنت الشاطئ " في تحقيق ونشر كتاب " مقدمة بن الصلاح ومحاسن الاصطلاح" للسراج البلقينىأ.جـمال البـناكتاب مقدمة بن الصلاح : على كثرة الكتب التى دبجت في فنون الحديث، فان كتاب أبن الصلاح يعد واسطة العقد، وهو في عالم الحديث كمقدمة بن خلدون في علم الاجتماع والعمران وكرسالة الشافعي في علم أصول الفقه . وقد سبق أبن الصلاح – فيمن سبق – في الكتابة إمامان كبيران هما الحاكم أبو عبد الله النسابورى ت 405 ولكنه لم يهذب أو يرتب ثم جاء بعده الخطيب أبو بكر البغدادي ت 463 فصنف كتابه المشهور الكفاية، وأردفه بكتابه " لجامع الآداب الشيخ والسامع " فضلا عن كتب أخرى عديدة إلى أن جاء " الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهر زوري نزيل دمشق. فأجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا اجتمع الناس عليه وساروا بسيره فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر. ومعارض له ومنتصر. ومن الكتب التى صنفت تعليقا على كتاب بن الصلاح كتاب " الإرشاد " للإمام النووي الذي أختصر الإرشاد في كتاب " التقريب والتيسير لمعرفة سن البشير النذير " وللحافظ زين الدين العراقي 806 آمال على تقريب النووي. كما نظم الشهاب الخوّبى أبو عبد الله محمد بن أبى العباس شمس الدين أحمد بن خليل بن سعادة الشافعي قاضي قضاه الشام 626 – 693 أرجوزة عن كتاب أبن الصلاح المعروفة بمنظومة أبن خليل وعنوانها " أقصى الأمل والسول في علوم حديث الرسول " في ألف وستمائة بيت . ووضع الرخي الطبري أبو إسحاق المكي إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الشافعي كتابين هماً " الملخص في علوم الحديث " لخص فيه كتاب بن الصلاح و " المنتخب " لخص فيه الملخص .. وصنف التاج الأردبيلى أبو الحسن على بن عبد الله التبريزي الشافعي نزيل القاهرة 677 – 746 " اختصار علوم الحديث لأبن الصلاح " .. ولا تتسع هذه الورقة لإيراد بقية أسماء الذين صنفوا تعليقاً أو اختصار أو شرحاً لمقدمة بن الصلاح وقد أستغرق ذلك من المحققة – الدكتورة عائشة عبد الرحمن عشر صفحات من القطع الكبير ( من ص 52 إلى 62 ) . من هو " ابن الصلاح " : هو تقي الدين أبو عمرو الشهر زوري – وأسمه عثمان ولد سنه سبع وسبعين وخمسمائة في بلدة شرخان قرب شهر زور من أعمال إربل . حفظ القرآن في بلدته وجوّده. وتفقه على والده الصلاح عبد الرحمن " وكان من جلة مشايخ بلده المشار إليهم في الفقه والصلاح " ومن أكابر الشيوخ الشافعية الذين يتصل بهم سند شيخ الإسلام أبى ذكريا النووي، في فقه الشافعية . ولما ظهرت نجابة أبن الصلاح نقله والده إلى الموصل فسمع الحديث عن أئمة المحدثين والفقهاء هناك ولزم شيخة العلامة العماد بن يونس إمام وقته في المذهب الشافعي والأصولي. وأتصل بأخ شيخة الكمال بن يونس . ثم رحل فطوف بمدن خرسان ونيسابور ومرو وقزوين وأدرك جله علمائها قبل أن يجتاحها التتار من سنه 616 . ثم رحل إلى بغداد قبل أن تجتاحها التتار ليسمع من شيوخها الحفاظ . بعدها كانت الرحلة إلى الشام .. وعندما كان بالشام أجتاح التتار خرسان ودمروها فاستحال عليه العودة ولطف الله به أن لم يكن موجودا. حتى لا تتقطع نفسه حسرات على ما حدث فيها . وفي الشام عهد إليه الملك الأشرف موسى بن الملك العادل النظر في مدرسة ست الشام وفوض إليه أمرها وكان أول من ولى التدريس به. ثم لما عمر الملك الأشرف " المدرسة الشرفية " بدمشق، ولى أبا عمرو أبن الصلاح أمرها، وفوض إليه مهام التدريس بها. فكان فيما قال تلميذه وصاحبه شمس الدين أبن خلكان: " يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا بعذر ضروري لابد منه، مع اشتغاله بالفتوى تأتيه من الأقطار، والتأليف والدرس " ورحل إليه طلاب العلم من الآفاق. شهد له مؤرخوه من أصحابه وتلاميذه، على أنه " كان وافر الجلالة والعقل حسن السمت نبيلاً متبحراً في العلم مضرب المثل في الطلب مجتهدا في العبادة والطاعة، مشهوداً له بالورع والتقوى والصلاح والسداد، مجمعاً على إمامته وجلالته " . إلى أن توفى، نضر الله وجهه، سحر الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة " فازدحم عليه الناس وصلى عليه مرتين، ثم شيعوه إلى مثواه في مقابر الصوفية، وقبره ظاهر يزار ويتبرك به، قيل: والدعاء عنده مستجاب " فيما حكى الحافظ أبو عبد الله الذهبي – المتوفى سنة 748 هـ – في أعلام نبلائه، والتاج السبكى المتوفى سنة 771 هـ بعد وفاة المتقى ابن الصلاح بنحو من مائة وثمان وعشرين سنة . طريقة ترتيب كتاب " مقدمة ابن الصلاح ": قسم ابن الصلاح كتابه إلى أبواب كل باب فيها، يختص بأحد أنماط الحديث. وما يتصل بها بحيث وصلت إلى خمسة وستين بابا، بدأت بالأول وهو فوق الصحيح من الحديث وختمت بالباب الأخير معرفة أوطان الرواة وبلداتهم وفيما بين ذلك وضع أبوابا مستقلة لكل من الحسن والموقوف والمرسل والمنقطع والشاذ والمنكر والمعلل والمضطرب والمدرج والموضوع، وأنتقل إلى حال الرواة فتحدث عن صفة من تقبل روايته ومن ترد روايته. ومعرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وأنواع الإجازة ومعرفة كتابة الحديث وضبطه ومعرفة آداب المحدثين، ومعرفة أداء طالب الحديث ثم عاد إلى الأحاديث نفسها فتحدث عن الإسناد العالي والنازل، والمشهور من الحديث ومعرفة الغريب والعزيز من الحديث ومعرفة المسلسل ومعرفة المصحف من الأسانيد، ومعرفة مختلف الحديث، ومعرفة المراسيل . وتحدث في أبواب عن الصحابة، والتابعين ورواية الأكابر عن الأصاغر والمدبج وما سواه من رواية الاقتران بعضهم من بعض ومعرفة الأخوة والأخوات ورواية الأباء عن الأبناء. والأبناء عن الآباء، ومعرفة الأسماء والكنى، ومعرفة ألطاف المحدثين، ومعرفة المتلف والمختلف. ومعرفة الرواة المتشابهين في الاسم الخ .. ومعرفة المنسوبين إلى غير آبائهم أو الأنساب التى باطنها على خلاف ظاهرها ومعرفة المبهمات ومعرفة تواريخ الرواة في الوفيات ومعرفة من خلط آخر عمره، ومعرفة طبقات الرواة والعلماء ومعرفة المولى من الرواة والعلماء وأخيراً معرفة أوطان الرواة وبلداتهم . وقال في نهاية مقدمته .. وذلك آخرها، وليس بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى، إذ لا تحصى أحوال رواة الحديث وصفاتهم، ولا أحوال متون الحديث وصفاتها، وما من حالة منها ولا صفة إلا وهي بصدد أن تفرد بالذكر وأهلها، فإذا هي نوع على حاله، ولكنه نصب من غير أرب، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
كتاب محاسن الاصطلاح للسراج البلقينى : لم يقتصر عمل الدكتورة أبنه الشاطئ على تحقيق مقدمة بن الصلاح، بل إنها حققت أيضا محاسن الاصطلاح للسراج البلقينى الذي عقب به على المقدمة . والسراج البلقينى عالم المائة الثامنة هو أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير الكتاني المصري الشافعي فقيه الزمان ومجتهد الأوان وعالم المائة الثامنة . كانت الفترة التى عاصرها البلقينى من فترات الازدهار وسط المحن والأزمات . فقد ولد في ليلة الجمعة الثانية عشرة من شعبان سنة 724 هـ في عهد السلطان الناصر محمد بن السلطان المنصور قلاوون التى امتدت قرابة ثلث قرن من الاستواء والازدهار وبناء الجوامع والمدارس. وكانت " بلقينه " هي مسقط رأسه وهي إحدى قرى ريف الدلتا فحفظ القرآن وهو أبن سبع سنين وحفظ المحرر للإمام الرافعى والكافية لأبن مالك والشاطبة في القرارات الخ..[1] واستوطن القاهرة في صباه وحضر دروس المشايخ وسكن رفقاً من الوقت بالمدرسة الكامليه وتأهل للتدريس والفتيا قبل أن يبلغ سن العشرين " وأفتى ودرس وهو شاب وناظر الأكابر وظهرت فضائله وبهرت فوائدة وطار صيته في الآفاق مثل الطاعون " كما قال ابن حجر . وانتقل السراج من منزله في المدرسة الكاملة إلى داره التى أسسها بحارة بهاء الدين بالقاهرة ثم الحق بها مدرسته الشهيرة وتدرج في المناصب حتى أصبح قاضى القضاة ورأى بعد فترة أن يفرغ للإمامة والفتيا والدروس فتولى أبنه منصبه " قاضى القضاة " وشهد له الجميع بالذكاء وقوة الذاكرة وسعه المعرفة وكان كل أئمة المذاهب يحضرون درسه ويفيدون منه . واجمع علماء الأنصار في زمانه على أنه " طبقه وحده ولملكت له أدوار الاجتهاد باتفاق وأنه عالم المائة الثامنة وذكروا فيه الحديث المشهور " أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " . وتقلبت الأمور بمصر، وتقلصت دولة المماليك الأتراك وظهرت دولة المماليك الجراكسة، وبعد فترة من القلق والاضطراب ظهر الظاهر برقوق وقاد الجموع لحرب العدوين اللدودين الذين عادوا لقهر مد الإسلام أعنى الصليبيين والتتار وسار في صحبته شيخ الإسلام السراج البلقينى وكسر الصليبيين مرة بعد أخرى . وكان السراج البلقينى في تلك الفترة المربحة والقيم الحالكة سراجا بحق يضئ الطريق ويهدى الضالين. ويوجه السلاطين إلى ما فيه الخير. وقد كان منهم من يتتلمذ عليه كالسلطان المؤيد الحركسى. قال ابن حجر " حدث بصحيح البخاري عن شيخ الإسلام السراج البلقينى باجازه فقه أخرجها وذكر أنها كانت معه في أسفاره لا يفارقها حتى توفاه الله يوم الجمعة العاشر من ذي القعدة الحرام سنة خمس وثمانمائة. وصلى عليه ابنه الجلال عبد الرحمن ودفن في مدرسة في حارة بهاء الدين . كتــاب " محاسـن الإصـــلاحوتضمين علوم الحديث لأبن الصلاح: قال السراج البلقينى في مقدمة " محاسن الإصلاح " بعد أن أشار إلى مقدمة بن الصلاح . " قصدت اختصاره لاقتفى آثاره، مع الإشارة إلى زيادات مهمة، وإيضاح أمور ملمة بحيث يكون كالشرح له من جهة بسط وتنبيه على ما أغفله. وأتحرى عبارته أو معناها وأتوخى أن لا أزيل الحكايات والتواريخ عن لفظها ومعناها. وسميته " محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح " والمرجو من الله تعالى أن يكثر النفع به، وأن يظهر لقاصد هذه الأنواع جواهر مطلبه، وأن يفتح علينا من عطائه الجزيل فهو حسبنا ونعم الوكيل " . نقول مع أن السراج أراد الاختصار، فإنه أضاف إلى الأنواع التى ذكرها بن الصلاح خمسة أنواع بحيث وصلت إلى السبعين . عمـل الدكتـورة ابنـه الشاطـئ فـيتحقيق ونشر كتاب مقدمة "ابن الصلاح": عنيت ابنه الشاطئ بهذا الكتاب عندما أشرفت عام 1974 على طبعه منه أصدرها مركز تحقيق التراث بدار الكتب القومية سنة 1974 ، وطبعت في ظروف صعبه ولمده عشر سنوات فتضمنت أوهام وأخطاء وتصحيفات حاولت استدراكها في ملحق بالطبعة لم يخل هو الآخر من خطأ وتصحيف فتملكها الضيق "وتمنيت على الله أن ييسر لها قبل الرحيل طبعه منقيه" "واستجاب الله لدعائي، له الحمد والمنة ..." . وصفت الدكتورة عائشة عبد الرحمن عملها في هذه الطبعة فقالت : "لم يكن الأمر، كما في الطبعة الأولى مجرد إخراج متن من ( المقدمة والمحاسن ) من أصول لهما موثقة. فكل منهما قد قرئ على مصنفه ووثقه بخطه. وقد ظل أولهما بوجه خاص، مشغلة علماء الحديث من عصر ابن الصلاح فما بعده بحيث يمكن لأهل الاختصاص التنبيه إلى ما قد يقع في طبعاته وقد تعددت من أخطاء وأوهام . بل الأمر فيما ينبغي لتوثيق المتن، من مقابلة كل ما فيه من نقول على أصولها في الكتب التي نقل منها المصنف، صرح بأسمائها أو أبهم. واقتضى هذا وجوب البدء أولاً بجمع ما وصل إلينا من الكتب المصرح بها في نقول ابن الصلاح والسراج البلقيني، ومنها نوادر غير متداولة، ما بيت مطبوع ومخطوط. والمطبوع قلما يخلو من تصحيف وخلل ووهم، والمخطوطات لا تسلم من طمس وتآكل وخرم، وغالباً ما تكون كلماتها غير منقوطة، ومتونها خالية من الفواصل وعلامات الترقيم، وقد تكون على هوامشها إضافات دون علامة لمخارجها، تميز ما هو منها لحق لسقطٍ من المتن، وما هو من الحواشي عليه، للمصنف أو غيره. وكشفت المقابلة للنقول في (المقدمة والمحاسن) على ما تيس لي من مصادرها، وعن مواضع غير قليلة من الإدارج والسقط والوهم، كان ما يمكن اتقاؤها، ومصادر النقل ليست بين أيدينا، فكان أن تورطنا في ضبطها على السياق، اجتهاداً فينا لا مجال فيه لاجتهاد. كما وجهت المقابلة إلى ما يكون من اختلاف النقل عن نصه في المصدر المنقول منه. وقد جرينا فيما مضى على اعتماد مصادر النقل في مواضع الاختلاف، دون أن نقدر احتمال أن يكون النقل صحيحاً، وأن الخطأ في المصدر أو المرجع المنقول منه، لوهم من مؤلفه أو ناسخة أو ناشره وطابعه، و بهذا تثقل تكاليف التحقيق بالرجوع إلى مصادر أخرى مما يحتكم إليه في مثل هذا الاختلاف. وكان من الإخلال بقواعد المنهج كذلك، ان قصرت في الطبعة الأولى في تخريج الأحاديث بالمقدمة والمحاسن، اقتصاراً على الاطمئنان إليها بوجودها في كتب الحديث والسنن. وما كان ينبغي أن أغفل أن علماء المصطلح يشغلون غالباً بالحديث المرفوع أو الموقوف والمرسل والمنقطع والمقطوع والمعضل، والمدرج والشاذ والغريب، والمعلل والضعيف، والمدلس والمنسوخ والموضوع..وذلك كله مما لا شأن لمفهرسي الأحاديث به، وقد يكون الحديث مخرجاً من طرقة الصحاح في كتب الحديث الأمهات، ويتعلق الأمر عند علماء المصطلح بإسناد معين أو رواية بذاتها، في كتاب منها أوفي كتب غيرها من المصنفات الحديثية. وأشق ما تكون المعانان حين لا يذكرون متن الحديث أو بابه، بل يكتفون بطرف منه أو كلمة، أو إشارة إلى إحدى طرقه، كأن يقولوا: الحديث الذي رواه فلان عن فلان، وأنكر المروي عنه أنه روّاه إياه، أو الحديث الذي روّاه فلان عن شيخ يشارك فيه عدد من الرواة، قل أو كثر، تشابهت أسماؤهم أو ألقابهم وكناهم وأنسابهم..ونحو ذلك من الإشارات التي بعد العهد بمن كانوا يعرفونها بمجرد الإشارة إليها ، وأما نحن، في عصرنا البائس ، فلا غنى لنا في تخريج الأحاديث بكتب المصطلح ، عن كتب المستدرك و الالزامات و المراسيل و العلل والأوهام ، ومختلف الحديث وغريبه وناسخه ومنسوخة والتدليس والوضع …ومسائل الحفاظ لشيوخهم .و كتب التاريخ و الرجال : الجرح والتعديل و المؤتلف و المختلف ، والمتفق والمفترق والأسماء والكنى، والألقاب والأنساب ، ومعاجم الشيوخ و برامجهم وكتب التقييد لرواه الكتب و المسانيد ، وما تيسر من كتب الأطراف و المبهمات… وقد استغرق إعداد هذه الطبعة عشر سنين دأباً، لئن شُغِلْت فيها، كذلك، بتكاليف الإشراف على طلابي في الدراسات العليا، لقد كان لي من صحبتهم في رسائلهم ما زادني تحريراً لمنهج التوثيق، وعلماً بقوانين التحقيق، وزودني بمصادر ومراجع لم تكن مما وقفت عليه من قبل. وكنت كلما عكفت على إنجاز هذه الطبعة ظهر مخطوط من حيث لا أحتسب، أو نُشر من كتب التراث ما أحتاج إليه. فعُدت على بدء أعيد النظر فيما سبق لي إنجازه..وتكرر ذلك مراراً حتى بدا لي كأن لا نهاية لما رجوت إكماله. وخشيت أن ينتهي الأجل المقدور لي، وأنا هامة اليوم أو غدٍ، قبل إخراج هذه الطبعة الجديدة، فاستخرت الله تعالى وقدمتها للطبع، ويظل المجال مفتوحاً لما بها من فوات يستدركه من ييسرهم الله تعالى لخدمة الحديث الشريف وعلومه"[2]. وقبل أن تقوم المحققة بالتحقيق كان عليها أن تقدم – بين يدي تحقيقها – تعريفاً كافياً موثقاً بالشيخين ابن الصلاح والسراج البلقينى. ويستشعر القارئ لما كتبته عنهما أنها. كأنما انتقلت إلى عالم الأسلاف فعاشت معهم، وتحدثت طويلا عن شيوخهما وتلاميذهما وخلائق كل واحد وطريقة استماعهم وإجازتهم، بتجاوب عاطفي عميق، وكأن حديثهما نوع من القربى إلى الله. وأحياء مسيرة هؤلاء الأئمة الإعلام ... ثم كان عليها أن تقارن بين النسخ الخطية وتحقق كل وتفطن إلى ما جاء في كل منها من تصحيف أو سهو الخ .. ، وهنا أيضاً – عرضت لكاتب كل نسخه وسماعه وشيوخه وتلاميذه كأنما تلتذ بهذا السياق وتريد أن تشرك القارئ فيها . وهذا الحديث الطويل المحقق، المدقق الموشي بغلاله من التجاوب النفسي.. عن ابن الصلاح، وعن السراج البلقينى وشيوخهما وطلابهما ثم تراجم الذين كتبوا بأيديهم النسخ الخطية، وشيوخهم وتلاميذهم وطريقة روايتهم الخ.. استغرق 150 صفحة كاملة قبل أن يبدأ الكتاب.. بالفعل. وجعلت كعادة السابقين متن بن الصلاح في أعلا الصفحة يتلوه من محاسن الاصطلاح يتلوه هامش يفسر بعض ما جاء في آلمتني . ولم يقف عمل الدكتورة عائشة عبد الرحمن عند تحقيق النص والتدقيق منه الخ.. ولكنها قدمت خدمه إضافته كبيرة بأن ضمنت الكتاب فهارس مهمة شغلت من ص 744 حتى ص 945 إي قرابة مائتي صفحة في دليل الإعلام الرجال. ودليل الإعلام النساء. ودليل الكتب في متني المقدمة والمحاسن ثم فهرس موضوعي وأخيراً المستدرك . ومن الغريب أن الدكتورة نسيت أن تشير إلى فهرس الأماكن والبلدان الذي أثبتته بالفعل وجاءت بيانات أسم وافيه ففيها الاسم كاملاً ثم رقم الصفحة وسنة الوفاة، ولا يقدم الأمر تعليقاً سريعاً موجزاً وهذا أغلب في تراجم النساء إذ تذكر أزواجها أو أبناءها الخ.. أو مناسبة هامة أو مناسبة هامة ارتبطت بها وقد تأخذها العاطفة فتكتب ما يكون ترجمة قصيرة لها . وتضمن دليل الكتب في متني المقدمة والمحاسن عرضاً كاملاً لهذه الكتب مع تعليقات ثمينة على بعضها كما جاء في تعليقة عن "الأسماء والكنى للحاكم إذ ذكر معظم ما كتب عنها". وقد يكون أهم من هذا كله الطريق التى عرضت بها أبنه الشاطئ فهرس المتن (الموضوعات) إذ أنها في كل نوع ذكرت أهم ما تضمنه من الفوائد بحيث يمكن لمن قرأه أن يأخذ فكرة عامة عن موضوع الكتاب كله . ويبدو لي أنه لما كان الحديث في المتن عن كل نوع مرسلاً. فإن المؤلفة كانت بين أن تكتفي بذكر أسم النوع.. (الحديث الصحيح أو الحديث الحسن الخ..) أو أن تعرض باختصار ما أورده الباب بإسهاب. وهذا هو ما اختارته وهو ما يتفق مع طبيعة الإخلاص والحرص على الكمال وإبقاء الأمر حقه الذي يتصف به كل شئ قدمته في هذا الكتاب ولهذا جاء الحديث في الفهرس عن بعض الأبواب أو الأنواع. مستغرقاً لأكثر من صفحة . ولا جدال في أن الدكتورة عائشة عبد الرحمن رحمها الله خدمت هذا الكتاب خدمه القوي الأمين. ففيه الأمانة والعاطفة والإخلاص قدر ما فيه من التمكن والتحقيق والتدقيق. حتى وأن كان هذا قد ضاعف من حجم الكتاب. فبعض الطبعات لا تتعدى مائتي صفحة في حين جاءت الطبعة التى حققتها في 950 صفحة فطيب الله ثراها وأثابها خير الثواب . _________________
المحدثــــاتفي التاريخ الإسلامي (القرنين الـ14، والـ15 م) د.أميمة أبو بكر
تقـديم: هل اشتغلت النساء في القرون الإسلامية الأولى بمهنة التدريس في الحقل الديني؛ أسوة بعلماء وفقهاء العصر؟ .هل كن أستاذات يُعلمن الطلبة ـ رجالاً ونساء ـونقلن إليهم علماً ينتفع به؟ .لم يكن التصدي لتدريس العلوم الدينية ، وقراءة الكتب المرجعية الرئيسة في هذا المجال وشرحها، أمراً هيناً أو مفروغاً منه في هذه العصور المتقدمة، التي اتسمت بصعوبات جمة أمام سبٌل طلب العلم، واكتساب كفاءات للتعليم. ولأننا نتحدث عن عصور ما قبل نشأة الجامعات، كمؤسسات رسمية للتعليم العالي، فقد كان يتطلب ذلك كثرة السفر والارتحال من مكان إلى مكان للاستقاء من مصادر علمية بذاتها، وكذلك الخوض في المجال الاجتماعي العام، وهي أمور تزيد من "مرئية" النساء في أي مجتمع، وتستدعي تقبُلها وتقبُل تغيرات في مفهوم تقسيم أدوار النساء والرجال، بين المجالين الخاص والعام.. وهذه كلها تطورات في الفكر الإنساني والمجتمعات البشرية لم تتأتَ لثقافة العصور الوسطى في مجملها. مثلاً، يواجه الدارسون لموضوع تعليم المرأة ومشاركتها في الحياة العلمية العامة في تاريخ الغرب الأوروبي، خلال تلك الفترة، صعوبات عديدة للحصول على معلومات أكيدة، عن مستوى معرفة القراءة والكتابة، أو عن إنجازات أخرى في مجالات الثقافة والعلوم، وقد رجحوا أن تعلم القراءة والكتابة اقتصر على نساء الطبقة العليا والبرجوازية اللاتي كن يقرأن الروايات العاطفية ورومانيسات العصر، ولكن غير ماهرات في استخدام القلم، وكن يوظّفن لذلك كاتباً أو سكرتيراً خاصاً([i]). واستناداً إلى كتابات بعض التربويين ـ أمثال المحامي الشهير "فيليب دو نوفار" من فرنسا ـ استخلص الباحثون أنه في تأكيده على تعلم المرأة الغزل والحياكة فقط؛ لأنه في تعلمها القراءة والكتابة خطر، وأن هذا لمصلحتها قبل كل شئ.. إنما هو يعبر عن الرأي السائد في أوروبا القرن الـ13، الذي أدان تثقيف المرأة بصفة عامة، وأدى إلى حرمان الغالبية العظمى من النساء من التعليم العالي والتربية الفكرية([ii])، سوى النوع المتاح لنساء الطبقة الأرستقراطية من خلال مدارس الراهبات والتعليم بمنازل الكبراء والأمراء، أو تعليم الأبجدية والتلقين الديني (CATECHISMS) لأولاد وبنات الفقراء في مدارس المدن والريف الابتدائية، أو التعليم الحرفي والمهني لطبقة الحرفيين والأعمال اليدوية([iii]). إلا أن الاتجاه السائد في التربية التعليمية للمرأة، كان يميل إلى عزلها عن العلوم المتقدمة، واكتفائها بالمهام المنزلية النسوية، أو تعلُم فنون وآداب وإتيكيت "الغزل الرفيع" (Courtly Love) للحصول على زوج مناسب. وفي المجتمعات الإسلامية المتزامنة، كان العاملان الرئيسان اللذان تسببا في تأخير النساء عن الرجال، في الحصول على فرص مساوية في التعليم ـ خاصة في المؤسسات وأجهزة الدولة الرسمية بعد نشأة "المدارس" ـ هما: أولاً أن العرب وضعوا المرأة في مكانة سامية، وأشفقوا عليها من تعرضها لمخاطر طلب العلم وشظف الحياة والتقشف الذي كان يقاسيه الطالب في السفر، وثانياً الاهتمام الكبير بالناحية الأخلاقية أدى إلى كراهية الاختلاط والرغبة في التقليل منه أو منعه على قدر المستطاع([iv])، حتى لو تطور ذلك إلى الجور على الحق الإسلامي الأساسي للنساء في الحصول على العلم من مؤسساته ومنابعه أو العمل به. وفي ظل هذه الظروف التاريخية الصعبة، فإن ظهور طائفة من النساء العالمات في المجتمعات الإسلامية المبكرة اللاتي تبوأن موقع الأستاذ المتخصص بمجالس الدرس في المساجد والمنازل لإلقاء الدروس والمحاضرات على الطلاب، هو أمر يستوقفنا ، والغرض من هذه المقالة هو عرض للمجال الذي مارست فيه السناء المسلمات هذا النشاط التعليمي المحدد، ورصد طبيعة وخصائص هذه العملية التعليمية في سياقها التاريخي؛ حتى نفهم دلالتها بالنسبة إلى حياة النساء خاصة، وسوف أبني ملاحظاتي بالنسبة إلى الشخصية المٌحِدَثة على نصين من أشهر قواميس أعلام القرنين الـ 14و الـ 15. هما "الدرر الكامنة" لابن حجر العسقلاني (المتوفي 1448) و"الضوء اللامع" لمحمد شمس الدين السخاوي (1428ـ 1497م)، ويضم كل من الكتابين تراجم مختصرة لأبرز علماء وأعيان وفقهاء العصر.
من هن المُحدثاتالمُحدثة /المُحدث هو المتخصص في دراسة علم الحديث الشريف "بطريقة الرواية والدراية، والعلم بأسماء الرجال وطرق الأحاديث والمعرفة بالأسانيد ونحو ذلك"([v])، والتحديث هو تدريس فقه وعلوم الحديث. ومن المعروف أنه كان للنساء الصحابيات والتابعيات في الجيل الإسلامي الأول ـ ومنهم أمهات المؤمنين ـ دور كبير في حفظ ورواية الأحاديث النبوية ، وقد سجلت كتب المراجع الإسلامية عدد "أسانيد" النساء مثل الطبقات الكبرى لابن سعد الذي أورد فيه أكثر من 700 امرأة روين عن الرسول أو عن أصحابه وعنهم روى أعلام الدين وأئمة المسلمين ، كما ترجم ابن حجر في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" حياة 1543 رواية حديث([vi]). وما يعنينا هو تطور هذا النشاط من مستوى الحفظ والرواية إلى مستوى الدراسة المتقدمة ـ في الأجيال التي تلت ـ لكتب الأحاديث وتصنيفاتها وشروحها ، وقد انتمت هؤلاء النساء اللاتي تخصصن في مجال الحديث إلى طبقة العلماء المشتغلين في تلك العصور بمختلف العلوم الدينية، وقمن بدور تاريخي مماثل في عملية نقل المعارف وتوثيقها من خلال تحفيظها وتدريسها إلى أجيال أخرى تالية.
رواية الحديث ونشأة التعليمبدأ التعليم الإسلامي في أوله شفاهياً وبصفة غير رسمية، معتمداً على العلاقة الشخصية المباشرة بين المعلم أو المدرس والطالب، وقد كانت باكورة العملية التعليمية تتمثل في نشأتها بحلقات في المساجد أو حتى الطرقات والأماكن العامة بالمدن الكبيرة؛ بأن يلتف السامعون حول المعلم ويحفظا محاضراته لترديدها بعد ذلك والأخذ عنها، وعندما يشعر طالب العلم أنه قد نال من عند شيخ ما كل ما لديه من المعارف، يذهب إلى غيره ليستقي منه أشياء أخرى وهكذا. وكان المُعلم يُدرس فقط ما يسمعه مباشرة أو يحفظه من معلم آخر سبقه، ومن هنا كانت أهمية المعرفة التي يتم الحصول عليها من خلال اللقاء الشخصي بالمعلم، وكانت لها قيمتها العالية في تقييم المؤرخين الإسلاميين للعلماء([vii]). وهكذا بدأت فكرة التعليم برواية ونقل الأحاديث النبوية والتعليق عليها في القرن الأول الهجري بالمساجد ـ كما رأينا ـ ومنها انتقلت إلى مجالس علمية تعليمية بالمنازل بدءاً من القرن الثاني وما يليه، واستمرت طبيعة هذه العلاقة الحميمة والوثيقة بين الأستاذ والطلبة الذين يحضرون إلى منزله، هي من أحسن ملامح التعليم الإسلامي المبكر، في نظر كثير من الباحثين([viii]). وصاحب تطور حلقات المسجد إلى مجالس المنزل تطوراً آخر هو بداية استملاء هذه العلوم والمعارف، أي كتابتها وتداولها للتدريس، وأيضاً التعليق عليها وشرحها وتدوين هذه الشروح وتجميعها في مصنفات خاصة. وعلى الرغم من اتساع دائرة المواد والعلوم، فإن الحديث وروايته ظل له "عناية خاصة من المسلمين .. ولم يكن المدرس يجرؤ على روايته جراءته على تدريس أية مادة أخرى"([ix]). أما نظام المدرسة كمؤسسة تعليمية رسمية ، فكانت بدايتها في أواخر القرن العاشر الميلادي بمدينة نيسابور عندما أنشأ الشيعة منشآت لتدريس ونشر المذهب الشيعي أطلقوا عليها في بادئ الأمر "دار العلم"، ثم كانوا أول من استخدموا اسم "مدرسة"، فقد أنشئت المدرسة البيهقية والسعيدية ومدرسة أبي سعيد الأسطرلابي ومدرسة أبي استحق الأصفراني حتى جاء عصر اللاجقة ووزيرهم المعروف "نظام المُلك" الذي طور هذه المنشآت، حتى أنشأ المدرسة النظامية الشهيرة ببغداد (1064م) من أجل مكافحة المذهب الشيعي وتعضيد الفكر السني، ومنذ ذلك الوقت، تطورت المدارس في بقاع العالم الإسلامي الأخرى، كمؤسسة تعليمية رسمية شاملة يتقاضى فيها المدرسون الرواتب ويتخرج منها الموظفون لتولي مناصب في الإدارة والقضاء، أي أصبحت منشآت عامة تشرف عليها وعلى مناهجها ومدرسيها الدولة، وما فعله نظام الملُك في إيران وجنوب بغداد، فعله الأتابكة في الموصل ودمشق، وكذلك صلاح الدين في مصر([x]). إلا أنه على الرغم من انتشار هذه المدارس، فقد استمرت المساجد ومنازل العلماء أمكنة مفضلة للتعليم العالي وللحصول على العلوم الرفيعة؛ لأن الدراسة بالمنازل ظلت نوعاً من الدارسة الحرة غير المقيدة بفكر مذهبي أو سياسي معين، ولا تتدخل فيه الدولة أو تملي مناهجه، نظراً "لأن الطالب أو وليه يختار له العلوم التي تناسبه، كذلك كان يختار المدرس.. ذو الشهرة ا لعلمية والخلقية."([xi]). ومعنى هذا كما تعلق د.زينب محمد فريد أن اشتغال النساء بالتدريس ودخولهن هذا المجال ذا المنافسة الشديدة، دليل على سعة ثقافتهن وثقتهن بأنفسهن، وعلى المنزلة العلمية والكفاءة المتوفرة لهن،([xii]). فاتخاذ مجلس الشيوخ لم يكن أمراً هيناً "بسبب كثرة الأسئلة التي يمطر بها الطلاب المدرسين.. حتى إذا وفُق المدرس في الإجابة عن الأسئلة الموجهة إليه ، إلى حد إقناع الذين تحلقوا حوله، فإنه حينئذ يستطيع أن يستمر في عمله ، ويواصل التدريس. أما إذا عجز، فعليه أن يعود طالباً يتلقى العلم في مجالس الشيوخ."([xiii]). إذاً فقد خضعت المحدّثات المسلمات ـ أيضاً ـ لتلك المعايير الصعبة، ولعلمية الانتقاء الدقيق في هذا المجال ، وقد ساعد على ذلك نشأة معظم هؤلاء النساء في بيئات علمية خاصة، كأن يكون الأب أو الزوج أو أحد ا لأقارب عالماً أو فقيهاً معروفاً، فيكون ذلك مُسبباً مباشراً لبدء سَير النساء في سبيل المعرفة المتقدمة للدراسات الدينية والثقافية العالية، أو عن طريق معلم خاص يُدعى للفتيات الصغيرات. فأنتج هذا التعليم المنزلي الخاص، مجموعة من نساء الصفوة المثقفة في المجتمع المسلم ـ المحدّثات كنماذج للتعليم الإسلامي العالي وتخصصيته؛ فقد كان الحديث أوسع منبع للتشريع في العبادات والمسائل المدنية والجنائية، أي أنهن كن ـ بالتالي ـ راويات للتاريخ والقصص والحكم وقواعد الأخلاق والفلسفة، وعالمات بالتشريع وحكم الدين في كثير من شئونه.([xiv]) ونفهم أن دائرة نشاط "التحديث"، قد اتسعت لتشمل تدريس مبادئ وقواعد فقهية مستمدة من الحديث، ويؤكد أكثر من دارس للموضوع، أن معنى ذلك أن السناء المسلمات قد لعبن دور حلقة الوصل الهامة المؤسّسة للتراث الفقهي والعلمي([xv]). كما يتضح لنا أن النساء قد تفوقن في هذا المجال وحظين بسمعة كبيرة، فيما يخص بالذات قِصَر سلسلة "الإسناد" لديهن ـ وهذه أحد العناصر الهامة في علم الحديث ـ ومعناها أن تتفرد المُحدّثة، وتكون الوحيدة المسئولة عن نقل وقراءة (أي تدريس) مجموعة أحاديث معينة أو أجزاء وكتب عن طريق "السماع" المباشر من شيخة أو شيخ سابق متخصص في تلك المجموعة أو الكتاب المعني، وبذلك كانت المحدثة ـ في معظم الأحيان ـ تتميز بالحصول على "مَشْيَخَة" خاصة بها: قائمة بأسماء المشايخ والعلماء الذين دَرَسَت تحت توجيههم، ونقلت عنهم مباشرة العلوم والأحاديث، أي كأنها قائمة بالمصادر المرجعية الرئيسة المسلَّم بها والموثوق فيها في الدوائر العلمية، وتمثل للمُحدثة وثيقة لإنجازاتها وتحصيلها الفكري.
طريقة التدريس هناك أربع خطوات أو طرق للتعلم أُتبّعَت داخل مجالس العلم: أولاً ، تقرأ المعلمة أو المعلم على الطلبة كتاباً من النص الأصلي أو من الذاكرة، مصحوباً بتعليقات وشروح من قِبل المُحدثة، ويطلق على ذلك "السماع". ثانياً، يقرأ الطالب النص على أستاذه أو يسمع ما عرفه وحفظه له ليصحح له، وذلك في حضور بقية طلاب المجلس ذاته، وهو ما يطلق عليه "القراءة". ثالثاً، قد يسمح المعلم للطالب أن ينقل منه الكتاب أو النسخة الأصلية. رابعاً ، يمنح المحدث "إجازة" للطالب، وهي بمثابة شهادة علمية موثقة ، أنه قد درس هذه المواد أو الكتب تحت إرشاده وتعليمه ، وهي ـ أيضاً ـ رخصة في الوقت ذاته أو إذن بتدريس هذه العلوم عنه، وذلك لضمان صحة ودقة نقل النصوص([xvi]). ومن الشروط الأساسية لشرعية وصحة هذه "الإجازة" أن يكون مانحها على علم تام بالموضوع، وله سمعة أنه عالم متخصص موثوق به، وتكون "الإجازة" لكتاب واحد بعينه أو عدة كتب تذكر في نص الشهادة، أو لكل أعمال ومسموعات الأستاذ. كما كان يطلق عليها أيضاً "إجازة السماع" فتتكون من اسم "المُسمِع" (وهو مؤلف الكتاب نفسه، أو عالم متخصص فيه ـ مثل المُحدّثة القائمة بالتدريس أو المحدث)، ثم اسم "القارئ" أي الطالب الحاصل على "الإجازة"، وتعطي بحضور بقية السامعين وكذلك كاتب السماع أو المُستملي([xvii]). وما نجد في تراجم المُحدّثين ـ مثل التي ذكرناها والتي تسجل هذه العملية ـ من عبارات مثل "قرأ عليها فلان.." معناها أن يقرأ لها فلان من الذاكرة ما عرفه وحفظه ، فتصححه له ، أو أن يدرس هذه ا لنصوص تحت إشرافها وتلقينها. وجدير بالذكر، أن ابن حجر صاحب "الدرر الكامنة"، قد درس على يد 53 مُحدّثة، وحصل السخاوي كاتب الضوء اللامع" على إجازات علمية من 68 مُحدّثة ضمن اللاتي ذكرهن في التراجم. والواضح مما سلفن أن الذاكرة كانت أساس العملية التعليمية التي قامت ـ بادئ ذي بدء ـ على آلية السمع والتكرار والحفظ؛ لتثبيت المعلومات ونقلها صحيحة. وهذه مرحلة أولى، كانت لها حاجتها وأهميتها، ثم تطور منهج التعليم بعد ذلك، وبدأ يظهر الفرق بين "الرواية" المعتمدة على الذاكرة فقط، و"الدراية"، أي فهم وتحليل الحديث واستخدامه كأساس للأحكام والفقه، ويرى جورج المقدسي أن كلمة "دراية" هي أصل علم أصول الفقه، الذي أطلق عليه في بدايته "علم الدراية". وظهر هذا الفرق، خاصةً في تراجم المُحدثَين والمُحدثّات، فيشار إلى شخص بأن علمه بالحديث يقتصر على الرواية فقط، أو الرواية إلى جانب الدراية([xviii]). إلا أن "جوناثان بركي" في تعرضه لأهمية الذاكرة كوسيلة تعليمية فعالة، في مجال علم الحديث، خاصة عند المُحدّثات افتراض أن النساء اعتمدن على هذه الوسيلة ـ فقط ـ في التدريس، دون استخدام وسائل أو أساليب أخرى مستخدمة في دراسة الفقه والشريعة، مثل "المُناظرة" أو عقد المناقشات الجدلية لتفنيد الآراء والأحكام والفصل في الاختلافات؛ مما وضع قيوداً على ظهور القدرات التحليلية والفكرية للنساء،([xix]) وذلك استناداً إلى أن النساء لم يتبوأن مناصب رسمية في أجهزة الدولة التعليمية ـ مثل المدرسة ـ فاستنتج أن تدريسهن في المجالس التعليمية بالمنازل أو المساجد لم يتسم بأية محاورات أو مناقشات فكرية تستدعي إعمال العقل و"الدراية" إلى جانب دقة "الرواية". وسنرى في الأمثلة التي سنوردها هنا، عدم صحة هذا الفرض، أيضاً عدم جواز استخلاص أن المُحدّثات لم يكون قادرات على المناقشات العلمية داخل حلقات "التحديث"، بل هناك إشارات في التراجم تشير إلى أنهن مارسن ذلك، وقد يكون تم بطريقة أكثر حرية وطبيعة بسبب عدم الارتباط بأغراض أو ضغوط سياسية ومذهبية، التي كما رأينا تحكمت في إنشاء المدارس وتعيين فقهائها وتكوين مناهجها. وأحب أن أذكر هنا، الشيخة شهدة بنت أحمد بن الفرج المعروفة "بفخر النساء" (المتوفية 1178م)، التي كانت تحاضر في جمهور كبير من الطلاب في مسجد بغداد، ويقول عنها ابن خلكان: "كانت شهدة من العلماء وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير، وكان لها السماع العالي، ألحق فيه الأصاغر بالأكابر.. واشتهر صيتها وبَعُد ذكرها".([xx]) أي أن بعض المُحدّثات عملن بالمساجد ودرَّسن لجمهور أكبر ممن كانوا يأتيهن في المنازل، وغير معقول أن يصلن إلى هذه الشهرة ويتوافد "الأصاغر والأكابر" عليهن دون أن يتسمن بتميز فكري وقدرات تحليلية في المواضيع التي يُعلّمنها.
معالم شخصية المُحدثّةوبالنسبة إلى المصادر التاريخية المتاحة لنا ، للتعرف على هذا القطاع من النساء المسلمات فأهمها معاجم السيرة وتراجم الأعلام التي "كانت لها وظائف عملية وتقنية داخل الإطار القانوني والفكري للمجتمع المسلم {الحضري} وكان الهدف الأساسي لكاتب السيرة التقليدي هو توفير المعلومات الضرورية للعلماء بغرض الحفاظ على الاستقامة والأمانة المطلوبة في نقل الأحكام القانونية والتراثية. وحتى يتحقق الهدف المنشود، كان على كاتب السيرة أن يقدم بعض المعلومات عن خاصية وجودة إنجاز المترجَم له العلمي ورحلاته أو رحلاتها في سبيل تحصيل العلم إلى جانب معلومات عن حياته أو حياتها الخاصة وسمات شخصيته أو شخصيتها([xxi]). فعند قراءة هذين المرجعين : "الدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لابن حجر العسقلاني والجزء الثاني عشر من "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" للسخاوي، وهما عبارة عن تسجيل لتراجم الأعيان والعلماء والفقهاء والمحدثين في القرنين الـ 14، والـ 15 م، سنركز على أوصاف المحدّثات والعالمات التي وردت في معرض الترجمة وهي إن كانت مختصرة وسريعة ـ في حالة ابن حجر ـ إلا أن تكرار بعضها يجعلنا نستخلص بعض الملامح الدالة على شخصيات وعمل المحدّثات وصورتهن كما نقلها ودونَّها كل المؤرخَيْن. مثلاً "يتبع السخاوي في الضوء اللامع المنهج النقدي في تحليل الشخصيات ليتسنى وضعهم في مقامهم الصحيح . وهو في ذلك يخطو خطو (أستاذه) ابن حجر .. ويتضمن مجلده عن النساء كما هي الحال في المجلدات عن الرجال قطاع عرضي يؤرخ فيه للطبقات الاجتماعية الوسطى والعليا في أماكن مثل القاهرة ومكة والمدينة وأقاليم الشام وحتى اليمن"([xxii]). وبصفة عامة ، سنجد أن معظم الخصائص المذكورة تدخل في نطاق آداب مهنة التعليم والمفاهيم الخاصة بمكانة المعلم، والعلاقة بينه وبين طلابه، كما مورست في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت. أول ما نلحظه في تعليقات ابن حجر السخاوي المتكررة على المُحدثات اللاتي يمتدحان علمهن وتدريسهن وصف أن فلانة كانت "ذات فهم وعقل" أو كانت "عاقلة" و "مستوية العقل"، "وكانت تدريس الفقه جيداً.. " إلى آخره . في الضوء اللامع نقرأ عن العديد: هناك خديجة ابنه الأشرف شعبان بن حسين (توفيت 1422م)" ، وكانت توصف بعقل ورياسة"([xxiii])، وخديجة ابنة الوجيه عبد الرحمن بن عبد الله بن فهد المكية (1385ـ 1455) التي حدَّثت كثيراً من الفضلاء وكانت ".. ذات معرفة وخبرة ودماثة أخلاق" (ص28)، وزينب ابنة النور على بن الشهاب أحمد بن خلد (ت: 1486م) "كانت عاقلة مدبرة متوددة صابرة قانعة" (ص 43)، ثم زينب ابنة القاضي الكامل أبي الفضل محمد بن عبد العزيز (1363ـ 1420) التي "كانت رئيسة عاقلة تقرأ القرآن وتُذاكر بأخبار وأشعار حسنة.. وكانت ناظرة على أوقاف والدتها" (ص 46). أما سارة ابنة عمر بن عبد العزيز بن علي بن جماعة بن صخر(1358-1451) فقد "حدَّثت بالكثير وسمع عليها الأئمة وحملتُ {السخاوي} عنها ما يفوق الوصف وكانت صالحة.. مع فطنة وذوق.. ونزل أهل مصر بموتها في الرواية درجة" (ص 52)، وكذلك سارة ابنة الشرف محمد بن علي بن يوسف الدمشقية (ت : 1457) التي "كانت من سروات نساء زمانها عقلاً وديناً وأصالة وعراقة" (ص 53)، وهناك صفية ابنة محمد بن علي بن عمر الكيلاني المكي (ت: 1483) "كانت رئيسة مدبرة متمولة مذكورة بالعقل والجمال" (ص 71)، ثم عائشة ابنة علي بن محمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد القاهرية الحنبلية" (1359ـ 1436) وهي خطاطة بارعة ومحدثة معروفة "سمع عليها الأئمة" و"أكثر عنها الطلبة"، "امرأة خيرة صالحة تكتب كتابة حسنة ولها فهم مليح .. فهمة مستحضرة للسيرة النبوية تكاد أن تذكر الغزوة بتمامها ذاكرة لأكثر الغيلانيات وغيرها من الأحاديث حافظة لكثير من الأشعار.. سريعة الحفظ بحيث كانت تقول حفظت خمسة أبيات موالياً بعشرين قرينة من مرة واحدة ..وكانت من الذكاء على جانب كبير تطالع كتب الفقه فتفهم"، وقد سافرت إلى فلسطين وحدَّثت هناك ـ أيضاً ـ فأخذ عنها الكثير من الأعيان، (ص78). ووصفت كل من فاطمة ابنة البرهان إبراهيم بن علي بن أبي البركات بن ظهيرة بمكة (1466ـ 1491) وفاطمة ابنة إبراهيم بن عمر بن محمد الزرعي (ت: 1484) بالعقل والبر والتودد (ص 86). وهكذا فإن المُحدثة العالمة الناجحة لم تُعرف ـ فقط ـ بحفظها وروايتها الدقيقة للتراث ولكن عرُفت ـ أيضاً ـ بدرايتها ودرسها بما تنقله من علوم. ونصادف كثيراً من المُحدثّات لقبن "بالشيخة" ـ التي يرى "تريتون" أنه استخدم لمُحدّثة أو عالمة في المذهب الحنبلي خاصةً([xxiv])، كما نجد من كُنيت " بست الوزراء" أو "ست الفقهاء" أو " ست القضاة" إلى آخره. ويرد في الدرر الكامنة ذكر فاطمة بنت عياش بني أبي الفتح البغدادية (ت: 1314) التي "كانت تدريس الفقه جيداً، وكان ابن تيمية يثني عليها ويتعجب من حرصها وذكائها ، انتفع بها نساء أهل دمشق لصدقها في وعظها وقناعتها ، ثم تحولت إلى القاهرة فحصل بها النفع وارتفع قدرها وبعد صيتها، وكانت قد تفقهت عند المقادسة بالشيخ ابن عمر وغيره" ([xxv]) يبدو أن الكثيرات قد تنقلن في الأقطار الإسلامية بسبب سمعتهن العلمية ، مثل زينب بنت أحمد بن عمر بن شكر المقدسية (ت: 1322) التي حدَّثت بدمشق ومصر والقدس (ص1189 وست الوزراء بنت عمر بن المنجا الدمشقية (1226ـ 1316) التي طلبت إلى مصر لتُحدث فيها بسبب شهرتها (ص 129) ، وكانت أم هانئ ابنة العلامة نور الدين أبي الحسن علي بن عبد الملك المصرية الشافعية (136ـ 1466) ذات علم غزير ذكره السخاوي بالتفصيل ، في الضوء اللامع ، وكانت "فصيحة العبارة مجيدة للكتابة ولديها فهم وإجادة لإقامة الشعر بالطبع، حفظت القرآن في صغرها ومختصر أبي شجاع في الفقه والملحة في الإعراب وغيرها، وسمعنا من لفظها وحفظها سورة الصف بفصاحة وحسن تلاوة.." (ص 157). وكذلك نضار بنت محمد بن يوسف أم العز بنت الشيخ أبي حيان (1302ـ 1329) قال ابن حجر في الدرر: إنها تعلمت الحديث والنحو ونظمت الشعر وكانت تعرب جيداً وكان أبوها يقول "ليت أخاها حيان مثلها" وكانت كابتة فصيحة " تفوق كثيراً من الرجال في العبادة والفقه مع الجمال التام والظرف" (ص 395). وكل هذه دلائل تشير إلى الارتباط الوثيق في مجال التدريس بين علم الحديث والفقه أو أصول الدين. كما نستخلص من هذه الأوصاف، أن عمل المُحدثات لم يكون مقتصراً على تحفيظ الطلبة النصوص، ولكن ـ أيضاً ـ تعليمهم فهم العلوم الدينية والتفقه فيها والتعمق في مبادئها. وهذه كلها شروط أساسية في التعليم والتعلُّم دونها برهان الدين الزرنوجي الذي عاش في أواخر القرن ألـ 12م وأوائل القرن 13 وترك أثراً هاماً ـ تعليم المتُعلّم طريق التعلُّم (1203م) ـ وهي وثيقة مشهورة ومن أهم الكتب التي وصلتنا في هذا الشأن أرسى فيها الكاتب مبادئ التعليم والتدريس في الثقافة الإسلامية وآداب التربية الثقافية والعلمية كما طبقها المجتمع المسلم في ذلك الوقت، ومنها نتعرف على صورة المُعلّم المثالي (رجلاً وامرأة) في نظرهم ومكانته وطبيعة العلاقة بينه وبين طلابه. ونستطيع ـ بالتالي ـ أن نستشف تفاصيل عن مقومات شخصية هؤلاء المُحدثات اللاتي ذاع صيتهن وقصدهن جموع الطلبة وجلسوا تحت أيديهن يتلقون العلم. فإذا أكد الزرنوجي عن واجب وضرورة حسن اختيار المتعلم للأستاذ بأن يكون "الأعلم والأورع والألسن"([xxvi])، معنى هذا أن كلها كانت صفات موجودة بالمُحدثات اللاتي تم اختيارهن من قبل الطلبة والأئمة . "الأعم" هنا تشير إلى الذي امتلك ناصية "الفقه" عامة أي "معرفة دقائق العلم" (ص13)، "الألسن" معناها الأبلغ في الشرح والتعليق ، و"الأورع" الأكثر ورعاً وتقوى تعبيراً عن أهمية سمو أخلاقيات المعلم. ومن هنا تظهر دلالة اهتمام السخاوي ـ مثلاً ـ بوصف المُحدثات في تراجمه بالتقوى والفضيلة والإحسان والبر والإيمان، مثلاً" ..كانت خيرة مباركة صالحة كثيرة العبادة والصيام والطواف والاعتمار." (ص40)، أو "كانت رئيسة دَيّنة كريمة راغبة في الخير مجابة الدعاء" (ص11) أو "كانت خَيِّيرة عفيفة محسنة للفقراء والأرامل.." (ص28) ، أو "كانت كاتبة قرأت القرآن ونظرت في كتب العلم وأكثرت من العبادة والخير.." (ص39)، ثم خديجة ابنة علي بن عمر بن أبي الحسن الأنصاري (1386ـ 1486) التي حدَّثت بمعلوماتها كثيراً إلى الفضلاء والشيوخ "وكانت قد قرأت في صغرها اليسير من القرآن ومن العلم وتعلمت الخط مع المداومة على المطالعة والبراعة في استخلاص الخطوط المتنوعة.. (وهي) غاية في الخير والديانة والمحافظة على الصلوات والقيام" (ص39) وغيرهن.. وهكذا تصبح صفات الصلاح والأخلاق عناصر أساسية من ثقة الطلاب في المعّلَمين. وفي تفرقة الزرنوجي بين قيمة الحفظ والفهم إشارة إلى التوقعات المنتظرة من العلم ودوره في الترسيخ والإفهام، وليس فقط التحفيظ :"حفظ حرفين خير سماع وقرين، وفهم حرفين خير من حفظ وَقْرين" (ص36)، "وَقْر" هنا بمعنى حِمْل من الكتب. وقد رأينا في الأمثلة السابقة، التأكيد على مقومات العقل والتدبير والفهم في المحدثات الناجحات، وهي ترتبط في تراجم السخاوي وابن حجر بذيوع الصيت والشهرة، وتكوين سمعة علمية لُمحدثة بعينها، خاصة إن "تفردت" بكتب أو أجزاء أو مسموعات معينة ومعناها أن تصبح المصدر الموثوق الوحيد المتواجد لهذه الكتب أو العلوم كما تلقتها من شيوخ سابقين، مثل عائشة ابنة محمد بن عبد الهادي بن قدامة بن مقدام (1323-1413) بدمشق التي "تفردت عن جل شيوخها بالسماع والإجازة في سائر الآفاق وروت الكثير وأخذ عنها الأئمة سيما الرحالة فأكثروا ..وهي آخر من حَّدث بالبخاري عالياً بالسماع " (السخاوي، ص 81)، وكانت هاجر ابنة محمد بن إبراهيم بن علي بن أبي الطاعة "أَسنَد" أهل مصر وتتكسب من أجر التدريس، (ص131) . كوَّنت المحدثات إذاً سُمعات مستقلة فريدة في الإسناد والنقل والتعليم، بل إنَّ واحدة مثل ألف ابنة القاضي علم الدين صالح بن عمر البلقيني قامت بتنظيم المجالس العلمية المختلفة في بيتها: "رتبت قراء يقرأون عندها الحديث والتفسير وتردد إليها في ذلك إبراهيم الحموي وعقد الميعاد عندها والفخر الديمي .. والبلبيسي وابن خليل الحسيني وآخرون.." (ص8)، إلى جانب إنشاء مدرسة بها قراء كل يوم، والقيام بأمرها وبتفقد الأمراء والأرامل "حتى صارت فريدة في أقربائها وأمثالها." وهناك من النساء من ارتبطت سمعتهن كمصادر علمية أو ثقافية بكتابة كتب أو آثار شعرية ومكاتبات ومراسلات، مثل عائشة القاهرية الحنبلية التي ذكرناها من قبل والتي أخرج لها الشيخ الزيني رضوان كتاباً في موضوعات تخصصها ، وكذلك أخرج السخاوي نفسه لمريم ابنة أحمد بن القاضي شمس الدين القاهرية (1319-1402) "معجماً في مجلد" (ص124)، ثم نضار بنت الشيخ أبي حيان ـ المذكورة سالفاً ـ فقال ابن حجر إنها عالمة بالحديث والنحو "وخرجت لنفسها جزءاً ونظمت شعراً" .أما حبيبة الله ابنة الصفي عبد الرحمن بن عبد الله (1414-1489)، فكان "لكثيرين فيها اعتقاد ولها أتباع من أقربائها وغيرهم.." (ص19)، أي كأنها كانت مثل مذهباً تعليمياً محدداً. ومن المؤسف أن تلك الآثار المكتوبة التي ورد ذكرها في تراجم بعض المحدثات، لم تصلنا، ولا يزال ـ على حد علمي ـ غير معروف عنها شئ حتى عناوينها. وجدير بالذكر ـ أيضاً ـ هنا أن كثيراً من المحدثات كن خطَّاطات بارعات لهن خط جميل عُرفن به، مثل خديجة ابنة أبي الحسن الأنصاري ـ وذكرناها قبلاً ـ التي يقول السخاوي إنها تخصصت في "استخلاص الخطوط المتنوعة" (ص29)، منهن مَنْ كُنَّ على اتصال مع محُدثي وعلماء عصرهن من خلال المكاتبات والرسائل التي كانت تضم أشعاراً وتبادلاً للمرويات والمعلومات والآراء وطرح أسئلة في شؤون الدين والحياة والإجابة عنها. يقول السخاوي عن إحدى المُحدَثات اللاتي عرفهن معرفة شخصية ، إن مكاتباتها لا تنقطع عنه (ص13)، وأخرى كانت تراسله تطلب منه النصح والدعاء (ص33). أما فاطمة ابنة القاضي كمال الدين محمود القاهرية (ولدت 1451)، فقد كانت مُحدّثَة وعالمة متميزة، نشأت بينها وبين السخاوي علاقة زمالة فريدة، وتبادلا العديد من الرسائل وبها قطع شعرية طويلة لها تسأل السخاوي فيها عن أمور في الأحكام والحديث ويرد عليها أو تبعث إليه بآرائها وتعليقاتها على أحداث معينة. وقد توسع السخاوي في ترجمتها حتى أفرد لها حوالي ست صفحات من كتابه (107-112) حيث ضَمَّن أبياتاً كثيرة من شعرها تخاطبه شخصياً فيها (وإن كان اكتفى في بعض الأحيان بذكر أول بيتين فقط من فصائد لها لا نعرف مكانها). أثنى السخاوي على "براعتها في النظم وسحن فهمها وقوة جنانها حتى كانت فريدة فيما اشتملت عليه.." بعثت إليه مرة تواسيه وترثيه في وفاة أخوين له في قصيدة من 31 بيتاً، بها بيتان تمتدح فيهما شرف مهنة "التحديث" والمكانة الخاصة للمُحدَث:
ومن الواضح أنها كانت تتمتع بشخصية قوية وثقة في النفس، فكتبت إلى السخاوي مرة تعبر عن رأيها في شأن ما بلغها، فيما يبدو عن بعض الناس في الكلام في حقها أو حقه: ماضر بحر الفرات يوماً لو خاض بعض الكلاب فيهوعندما فقدت هي ابنة لها، وبعث لها السخاوي كتاب رثاء له عنوانه "ارتياح الأكباد"، أرسلت إليه قصيدة أخرى تعلق فيها على كتابه وتشكره عليه، وإن أبدت رأياً آخر في مسألة الحزن على الرزايا ، وقدرة احتمال النفس البشرية نوائب الأقدار، وفي مفهوم الصبر، وتسأله عن رأيه في أبيات شعر قرأتها لشاعر آخر عن الصبر على المكاره فيرد السخاوي عليها بشرح وتعليق ويقدم تقييمه ونقده الشخصي لهذا الشعر من منظور ديني إيماني، مستخدماً علمه بتراث الحديث، خاصة في تحليله النص التي بعثت به إليه. ثم تراسله فاطمة بقصيدة أخرى من 19 بيتاً تسأله عن فتوى في أمر يخص أداء العمرة، ومنها:
وتمتدحه بأنه كان "حافظاً نيل حديث قديم"، وأنه يروي "صحيحاً نقله لا سقيم". مرة أخرى، نلمس في كلامها الاحترام الكبير الذي كان يناله من يشتغل بعلوم الحديث خاصة، والمسئولية العظيمة التي افترض الناس أنها على عاتقه. ويرد عليها السخاوي فعلاً بفتواه، مفصلة ومدعمة بنصوص الأحاديث. كما كان من عادتها أن تنظم ألغازاً شعرية تبعث بها إلى السخاوي، أو إلى شيوخ آخرين ليحلّوها، مثل الشهاب أحمد بن صحصاح الفيومي الخانكي الذي كان يجيبها عن هذه الألغاز من خلال الشعر أيضاً. ويذكر السخاوي أنها "طارحت" الشهاب الحرفوش الخاني وعلى بن ناصر وغيرهما، وسوف نوضح معنى ودلالة "المطارحة" بعد قليل. ومن السمات الهامة ـ أيضاً ـ للمحُدثة كما نجدها عند ابن حجر والسخاوي: قوة شخصيتها وحضورها وجلالها ووقارها ن كما هو واضح من الإشارات المتكررة، إلى أن فلانة مثلاً كانت "رئيسة" و"مدبّرة" و"جيهة" أو "ذات رياسة" و "ذات وجاهة".. وخلافه، وتتعدد أسماء اللاتي وُصفن بهذه المقومات بالذات حتى يتعذر حصرهن جميعاً هنا، ولكن ما يعنينا هو دلالة هذه الصفات التبشير إلى حُسن تدبير حلقة الدرس أو المجلس واليقظة وفرض الاحترام والإجلال على الطلاب. ويبين جورج المقدسي أن مفهوم "الرياسة" معناه تحقيق العالم أو العالمة الامتياز والتفرد في مجال التخصص والوصول إلى منزلة "الرياسة" العلمية، وعادة ما يكون ذلك عن طريق خلو الساحة من أي منافس آخر، أو أن يفوز المُحدث أو المُحدّثة في مناظرة مع علماء آخرين([xxvii]). وقد أكد الزرنوجي ـ أيضاً ـ على هذه الصفات النموذجية كدواعٍ لتعظيم أهل العلم : "على المتعلم أن يستمع العلم والحكمة والتعظيم والحرمة وإن سمع المسألة الواحدة أو الكلمة الواحدة ألف مرة" .(ص25)، ومن توقير المُعلم "ألا يمشي المتعلم أمامه ولا يجلس مكانه ولا يبتدئ بالكلام إلا بإذنه، ولا يكثر الكلام عنده إلا بإذنه، ولا يسأل شيئاً عند ملالته، ويراعي الوقت، ولا يدق الباب بل يصبر حتى يخرج" (ص22). وطبيعي إذاً أن تحظى المُحدثات بهذا النوع من الاحترام والتوقير ويُعامَلن بالطريقة ذاتها: "ينبغي لطالب العلم ألا يجلس قريباً من الأستاذ عند السبق (الحفظ) بغير ضرورة بل يبغي أن يكون بينه وبين الأستاذ قدر القوس، فإنه أقرب إلى التعظيم" (ص26). أي أن بعد المسافة المكانية هذه كانت للأستاذ أو الأستاذة على حد السواء. فالمُحدثة نشوان ابنة الجمال عبد الله بن العلاء مثلاً (توفيت: 1475) في القاهرة كانت ذات مكانه عالية ولها عند "غيرها من الرؤساء وجاهة لما اشتملت عليه من الدين والتدبير والعقل وعلو الهمة والكرم والمحاسن الجمة.. قاضي الحنابلة العز الكناني لم يكن يقوم لمن يدخل عليه بيته من النساء غيرها، وحمد الطلبة محبتها فيهم وصبرها عليهم.." (السخاوي، ص 130). ويعلق "جوناثان بركي" على ندرة ورود عوامل "الصحُبة" و"المُلازمة" في تراجم النساء المُحدّثات كأساس للعلاقة التربوية الوثيقة التي كانت سائدة بين الطالب والأستاذ كدليل على اختلاف طبيعة العملية التعليمية عند المُعلّمات النساء وربما ضعف مستواها بسبب ذلك([xxviii]). وإذا كان النسق الأخلاقي والاجتماعي الإسلامي لا يتيح مثل هذه "الملازمة" المستديمة بين النساء والرجال، فإنه ـ أيضاً ـ لم يعرقل التبادل التعليمي ولم يؤدِّ إلى غياب عنصر "الرياسة" مقترناً بالنساء، ومن ثَمَّ "علاقة القوة" المفترضة بين الأستاذ والطالب والتي يرى "بركي" أنها كانت تمثل مشكلة في مجال التعليم؛ لأن الميزان سيختل بوضع امرأة ـ من الناحية الفكرية ـ في مركز أعلى من الرجل، ظلت علاقة مُعلم وطالب علم في حلقات المنزل والمسجد، ولم يكن هناك حرج في تراجم ابن حجر أو السخاوي من الإشارة إلى عنصر "المُجاوَزَة" أحياناً؛ عندما يشير السخاوي أكثر من مرة إلى أنه قد "جاوَز" فلانة عندما حجَّت أو اعتمرت أو نزلت بمكة في رباط أو زاوية. وترتبط صفات " الوجاهة" و"التدبير" عند ابن حجر والسخاوي بظاهرة إدارة الربط (مساكن خاصة للأرامل والأيتام أو الصوفية) والإحسان بالمال الخاص لبناء المساجد والمدارس والزوايا.. إلى آخره. والأمثلة كثيرة سوف أذكر منها بعضهن فقط : عائشة ابنة علي بن عبد الله الرفاعي (السخاوي، ص77)، التي أنشأت رباطاً بمكة عُرِف بها، ووقفت عليه داراً مطلة على المسجد، وعقدت حلقات التسبيح والأوراد كل أسبوع، وشيرين أم الناصر فرج بن برقوق (ص70) التي جدَّدت رباط الخوزي بمكة أيضاً وأصلحت ما تهدم منه، وفاطمة ابنة المال يوسف بن سنقر (ص113) التي أحسنت إلى الأرامل ونحوهن فاتخذت لها زاوية لإقامتهن، وصارت تلقب بالشيخة، ولها صيت بذلك ، ثم فائدة "الملقبة بالشيخة (أيضاً) لكونها كانت شيخة رباط الظاهرية بأسف مكة" (ص114)، وغيرهن الكثير ممن تطرق نشاطهن إلى نواحي الخدمة الاجتماعية. وكان على المُحدثّة المجيدة في تعليمها، أن تكون حليمة صبورة على الطلبة حتى يحفظوا، ثم يفهموا ويعوا جيداً ما نقلته إليهم، مع ما في هذه العملية من دواعي التكرار في الشرح والتسميع والصبر على الأخطاء. من هنا نالت بعض المحدثات ا لجيدات في هذا المضمار خبرة وشهرة ن فهذه واحدة "حمد الطلبة محبتها في الطلبة وصبر على الإسماع"(ص25). كما نقرأ عن كثيرات "تزاحم" عليهن الطلبة بسبب سمعتهن الحسنة. ويحدثنا ابن حجر عن زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية (1248-1339) المحدثة الجليلة التي "تفردت بقدر وقر بعير من الأجزاء بالإجازة.. روت الكثير وتزاحم عليها الطلبة .. وكانت لطيفة الأخلاق طويلة الروح ربما سمَّعوا عليها أكثر النهار.. كانت قانعة متعففة كريمة النفس طيبة الخلق.. ولم تتزوج قط ..، ونزل النسا بموتها درجة في شئ كثير من الحديث" (ص 177). يبقى لنا الحديث عن المطارحة والمذاكرة والمناظرة، وهذه ممارسات تعارف الناس عليها في مجال العلم وذكرها الزرنوجي في كتابه كعناصر أساسية لا يستغني عنها طالب العالم أثناء تلقيه الدروس. والمطارحة معناها إلقاء الدارسين المشاكل والمساءَلات على بعضهم في صورة محاورة ومبادلة للرأي من خلال طرح أسئلة وإجاباتها. والمذاكرة عبارة عن مناقشة وتفنيد الموضوعات في إطار الجدل المدعم بالبراهين والحجج العلمية للدفاع عن أو دحض تفسير معين؛ ثم المناظرة وهي ـ أيضاً ـ نوع من المجادلة أو المناقشة التي تتم بين طرفين لتقييم وتفضيل الآراء المختلفة. ويقول الزرنوجي في تعليم المتعلم "فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة، والمشاورة تكون لاستخراج الصواب، وذلك إنما يحصل بالتأمل والتأني من المباحثة والإنصاف ولا يحصل ذلك بالشغب والغضب، فإن كانت نيته إلزام الخصم وقهره لا يحل ذلك، وإنما يحل ذلك لإظهار الحق" (ص37). كما أثنى على أسلوب المطارحة: "مطارحة ساعة خير من تكرار شهر" (ص 38). وقد مرت عليها زينب ابنة الكمال أبي الفضل التي قيل إنها "تُذاكر" بأخبار وأشعار..، وفاطمة ابنة كمال الدين محمود القاهرية التي "طارحت" الشيوخ وناقشتهم. وهكذا اتسم النشاط العلمي للمحدثات بكل سمات وأساليب التعليم المتعارف عليها في ذلك الوقت، سواء بالمعاهد التعليمية الرسمية أو في الدوائر الخاصة بالمنازل أو المساجد. وصحيح أن النساء لم يتولين مناصب تعليمية أو قضائية داخل "المدرسة" مثلاً، ونعزو ذلك كما رأينا إلى عوامل القوى السياسية والمذهبية السائدة والمسيطرة على نواحي المجتمع المختلفة، فليس معناه ألا نرى في ا لتعليم الخاص الذي مارسته النساء المسلمات بحرية أكثر داخل المنازل نمطاً آخر مغايراً للتعليم الرسمي، نمطاً له قيمته وأهميته وبيئته الخاصة. فالمهم هو استكشاف هذا التاريخ المهمش ـ إلى جانب التأريخ لقضاة وفقهاء "المدارس" ـ للتعرف عليه وإظهاره.
طرحت هذه المداخلات بعد تقديم البحثين السابقين و قد طرح د.علي جمعة بوصفة رئيس الجلسة و المعقب مداخلة رئيسية و أسئلة تبادلتها المنصة و القاعة: كتاب الإصلاح لابن الصلاح كتاب غاية في الأهمية، درسناه كلمة كلمة وقرأناه من نسخة بنت الشاطئ في حلقات في الأزهر الشريف استمرت نحو العام. وقارناه مع الطبعات الأخرى، وكل من حضر الحلقة واغلبهم من العلماء أو الخريجين الناضجين يمسك نسخة وطبعة ونقارن وأصل القراءة. وكان نسخة بنت الشاطئ التي صدرت عن درا المعارف قد خرجت محرفة على غير مرادها وهواها وحزنت لذلك، وهذا يمثل أزمة العصر الذي نعيش فيه والأزمة التي يعيشها العلماء عندما لا يصل صوتهم كما أرادوا نتيجة جهل الجامع المطبعي وفقر المصحح فإلى الخمسينيات من هذا القرن كان يوجد المصحح وفي مدرسة أبي زعبل الطبية كان يوجد الشيخ محمد محرم وآخرون يصححون. وكان لا يخرج كتاب من مدرسة الطب باللغة العربية إلا إذا كان محرراً على قوانينها وما تقتضيه بلاغة تلك اللغة -في سنة 1311هـ- وحدثت معجزة في الطباعة وخرج صحيح البخاري بالنسخة اليونينية، أخرجها مصحح المطبعة الأميرية، والنسخة اليونينية نسخة قرأها الشيخ محمد اليونيني المحدث على جمال الدين مالك صاحب الألفية المشهورة في 70 مجلس بحضور علماء دمشق في القرن السابع الهجري، قرأوها كلمة كلمة وأثبتوا الروايات المختلفة والضبط المختلف عليها وفي الهامش، فأخرجها علماء الأزهر الشريف وبمعونة علماء المطابع الأميرية المصرية كما هي، وسميت بالنسخة السلطانية لأن السلطان عبد الحميد هو الذي أمر بها، وقد صدرت غاية في الإبداع ونهاية في العلم والضبط إلى أن صارت حجة، وعلى الرغم من ذلك فقد اعترض عليها الشيخ مكاوي في بعض هنات تركوها، فأتعترض عليهم في 6 صفحات، وأرسلها إلى الخليفة يشكو ان الطبعة فيها أخطاء وهي تسع مجلدات. والأخطاء في الست صفحات أغلبها في الهمزات هل هي وصل أم قطع، المصروف هل هو مصروف أم غير مصروف، والأخطاء المحضة لا تتعدى 7 أو 8 أخطاء. وقامت الدنيا ولم تقعد على هذه الأخطاء السبعة، واشتكى إلى السلطان وأمر السلطان أن تطبع هذه الملاحظات وتوزع مع النسخ وأمر علماء المطابع الأميرية أن يراجعوها، فراجعوها مرة ثانية وطبعوا البخاري سنة 1314 بما يسمى النسخة الفكهانية حتى تتميز عن نسخة 1311 التي سميت بالسلطانية، ساروا حذوه القذى بالقذى وكأنها تصوير، إلا أنهم قد صححوا ما استدركه عليهم هذا وغيره من علماء الأزهر وهم 16 شخصاً، هذه النسخة نقرأها كل يوم في الأزهر في الصباح، وكل منا ممسك بنسخة طبعت في الهند أو الشرق أو الغرب، نراجع كلمة كلمة. هذا هو الذي دفعنا إلى بنت الشاطئ، وقد عاشت مثل هذا التحقيق والتدقيق إلى أن تعيد مقدمة ابن الصلاح، وقد طبعت مرات كثيرة قبل هذا وبعدها، ولم ترتضِ أن يكون بها أخطاء، قرأناها والخطأ فيها قليل جداً لأنه لا يخلو كتاب من خطأ، إلا أنها شعرت رحمها الله بهذا، ونقل لنا الأستاذ جمال البنا عنها أمور تبين أن بنت الشاطئ تريد تحرير منهج في التوثيق، وعلماً لقوانين التحقيق. هذا كلام نقله الأستاذ جمال البنا من مقدمتها ويظل المجال مفتوحاً لما بها من خطأ يستدركه من يسره الله تعالى لخدمة الحديث الشريف وعلومه، وإن شاء الله نكون منهم. وقد استشعرت أن شيئاً فات وأنها لم تخدم كلمة كلمة كمرادها ورغبتها، وعللت بذلك بأنها خشيت أن ينتهي الأجل المقدور لها- كما تقول- قبل إخراج هذه الطبعة الجديدة، خافت الوفاة فتعجلت في إخراجها- رضي الله عنها، وهي تشرح أيضاً أزمة العصر فتقول عن عصرنا البائس، وهي تستشعر وقد رأت المصححين الأوائل وقد ماتوا، وأولئك المصححين الذين يطلق عليه وصف والتصحيف والتحريف قبل التصحيح. بنت الشاطئ، لماذا فعلت هذا، ولماذا اهتمت بمنهج التوثيق؟ منهج التوثيق جزء لا يتجزأ من عقل المسلم عبر العصور، إذا أردنا ان نرحل داخل عقل المجتهد حتى نتلمس نسب الأفكار الذي تتكلم عنه د.منى ابو الفضل، فإننا نرى المجتهد أول ما يريد ان يضع يده على الحجة، ما الحجة؟ بعد أبحاث وعلوم مستفيضة ومرتبة ترتيباً منطقياً وصلوا إلى ان الحجة هي الكتاب والسنة. فيسأل المجتهد نفسه السؤال الثاني: وكيف أتوثق من نسب الكتاب والسنة لمصدريهما، فنشأت علوم التوثيق لتبين كيف انتقل إلينا القرآن وليس على مستوى الحرف بل على مستوى الحركة والأداء ، وإلى هذه الدرجة ليس على مستوى الجملة أو الكلمة أو الحرف، بل على مستوى طريقة نطق الحرف وأدائه. كذلك في علم الحديث هناك قواعد وضوابط حتى نتأكد من صحة هذا الحديث من عدمه ثم إذا كان صحيحاً فهل هو قطعي أم ظني؟ والظني له طريق في التعامل، والقطعي له طريقته في التعامل أيضاً. هكذا جاءت الحجية ثم التوثيق، ثم بعد التوثيق كيف يفهم، وهنا قامت علوم حول كيفية الفهم. ثم وجد بعد ذلك أن النصوص غير كافية لإدراك الحوادث الكثيرة، فأوجد آلية للقياس والإلحاق بكيفية معينة، يختلف فيها المختلفون اتساعاً وتضييقاً. بعضهم يجعل المبادئ العامة كافية وبعضهم ينفي هذا الجانب ويجعل جريان النص على أفراده كافياً عن القياس. ثم بعد ذلك ينشئ سقفاً للفتوى، وبعد ذلك يبين شروط الباحث ويكون عقلية المجتهد. هذا الكلام أدركته بنت الشاطئ فأمسكت في شئ معين بعدما تبحرت في كيفية الفهم بأدوات اللغة والبلاغة وغيرها، أرادت أن تأخذ بنصيبها في قضية التوثيق، كيف يكون؟ والتوثيق متشعب الجوانب. هناك منهج آخر سلكه المسلمون عبر التاريخ، هذا المنهج يقول إننا نبدأ من النهايات لا من البدايات، فنظرت بنت الشاطئ على ما تولد عندها من منهج المسلمين عبر القرون. ما نهاية ما كتب في علم الحديث؟ كتب فيه الخطيب البغدادي، كتب فيه غير واحد سابق ولاحق لابن الصلاح. فما القمة التي نبدأ منها؟ ابن الصلاح قطعاً باتفاق هو الكتاب الذي انتهي لبلورة علوم الحديث بالرغم أن هناك كتباً أكثر منه تشعباً وأكثر منه فوائد وسعة إلا أنه هو القمة. هذا المنهج منهج الانطلاق من القمة هو الذي جعل ابن مقلة ينشئ الخط العربي، هو الذي جعل أولئك المحدثين ينطلقون من البخاري فنجد عليه 56 شرحاً كبيراً، ولا نجد علي بن ماجة عليه هذه الشروح، لماذا؟ لأنهم كانوا ينطلقون من القمم، من النهايات، فاختيار بنت الشاطئ بنت الشاطئ لابن الصلاح في حد ذاته دليل على مدى تأثرها بالمنهج المسلم الموروث ودليل على أصالتها. والكلام لا ينتهي في مثل هذا.
مطارحات من القاعة: سؤالان للأستاذ جمال البنا: الأول عن تحقيق التراث، وهل الأفضل أن يترك تحقيق التراث لجهود فردية لعلماء أفاضل أو أصحاب نوايا حسنة سواءً اخطئوا أو أصابوا، أم يعطى لمتخصصين في تحقيق التراث ويتم في الأزهر الشريف أو دار العلوم أو غيرها. السؤال الثاني حول حديث ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة و مدى صحته وحجيته - إجابة الأستاذ جمال البنا :بالنسبة للسؤال الأول المبدأ العام هو الاختصاص، كل المختصين أولى بمعالجة موضوع اختصاصهم، فالمفروض في هذا ان يترك للذين تخصصوا في هذا المجال، فغير معقول ان يحقق التراث رجل ليس له أي علاقة بالتراث، لكن في نفس الوقت لا نريد أن يكون أي شئ يتعلق بالفكر أو الكتابة حكراً وأن يوجد حظر على آخرين دون أن يدخلوا. لكن المفروض ان يتولى أهل الاختصاص اختصاصهم. أما فيما يتصل بالسؤال الثاني مستوحى من ملاحظاتي على الحديث الشريف "ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة"،فإن لي على هذا الحديث تعقيب على المتن والسند. على المتن فيفترض ألا يؤخذ هذا الحديث باعتباره مبدأ عاماً لأن الملابسة أن أهل فارس بعد أن مات ملكهم تنازعوا فولوا أمرهم بنت ذلك الملك، ونما ذلك إلى الرسول فقال: "لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وكان ذلك رداً على حادثة معينة وأثبتت الوقائع صحتها، إنهم تنازعوا وفشلوا ولكن ليس معناه أن يؤخذ كمبدا لأن هذا يخالف القرآن نفسه الذي أثنى على ملكة سبأ وشهد بحكمتها وتصرفها الحسن، كما يخالف وقائع التاريخ أيضاً. أما من ناحية السند، فراوي هذا الحديث هو أحد الصحابة يطلق عليه أبو بكرة، اسمه مسروع أونفيع، اختلفوا على اسمه، كان عبداً عندما حاصر المسلمون الطائف، وكان من المبادئ المعروفة أن الرسول يحذر العبيد ويطلق سراحهم إذا أعلنوا إسلامهم، فتدلى هذا الرجل ببكرة ونزل من الحصن وأعلن إسلامه، وأصبح بفضل سماحة الإسلام من ثراة البصرة والشخصيات المشهورة فيها. وعندما قامت السيدة عائشة بحملة الجمل دعته للمشاركة فقال لها إنني سمعت الرسول يقول هذا الحديث، هذا الصحابي تورط في عهد عمر بن الخطاب في شهادة على المغيرة بن شعبة بالزنا، والمفروض ان يشهد أربعة برؤيتهم هذا الفعل تماماً، شهد ثلاثة ولم يشهد الرابع، فاعتبر عمر بن الخطاب أن هذا قذفاً من الذين شهدوا على المغيرة لأنه لم تتم الشهادة، وأوقع عليهم الحد وهو ثمانين جلدة، ثم سألهم التوبة لأن الآية تقول "إلا الذين تابوا" فتابوا جميعاً إلا هذا الصحابي رفض التوبة، فكان المفروض ألا تسمع له شهادة أبداً، فهذا يعد نوعاً من القدح في حديثه أو شهادته. لكن هناك مبدأ أخذ به المحدثون جميعاً أن الصحابة كل الصحابة عدول، كائناً من كان، وبالتالي لا يرقى إليهم أي جرح. فعلى هذا الأساس اعتبر الحديث صحيحاً، وجاء في البخاري، ولكن حتى لو سلمنا بمبدأ أن الصحابة جميعهم عدول مع تعريفات مختلفة للصحابة،فهناك من يقول أن الصحابي هو كل من رأى الرسول مؤمناً ولو للحظة واحدة، وفيهم من يقول بصغار الصحابة والأطفال وفيهم من يقول بالجن، حتى لو أخذنا بهذا كله فيفترض أن من يختلف من هؤلاء الصحابة فيما يخل بعدالته لا يعتبر عدلاً. تعقيب د.على جمعة على رد جمال البنا: لقد خالف جمهور الصحابة عمر بن الخطاب في رد الشهادة في مجلس القضاء، وعدوا ذلك من عمر مخالفة، وعليه مذهب الأئمة الربعة. وما حدث أن عمر رد شهادة أبي بكرة بناءً على نكوص الرابع، وقد رأى عمر –رضي الله عنه- أن يرد الرابع لمقام أصحاب محمد عند الناس، فقال له: أرى وجهك لا يأتي منك على صحابي من صحابة الرسول إلا الخير، فنكص زياد. فزياد جاء يشهد على المغيرة، ولكنه نكص عن فعل ذلك فاستأثم عمر ما فعل، وحاك في صدره أنه قد ظلم أبا بكرة، فكان كلما يلتقي به في الطريق يقول له : تب أقبل شهادتك، فيقول أبو بكرة: وهل أذنبت حتى أتوب، فيبكي عمر. وهكذا. فهذه هي الحالة التي حدثت فيها الواقعة، ونحن لا نريد في نهاية الأمر أن نحول أبو بكرة إلى فاسق، ولذلك اقر علماء الحديث في التفرقة بين شهادة الرواية وشهادة القضاء فقالوا حتى مع هذا ترد شهادة القضاء دون شهادة الرواي. والرواية يكتفي فيها بواحد، ولا يكتفى في شهادة القضاء إلا باثنين أو أكثر. وفي هذا تفصيل واسع، هذا لحرمة أصحاب رسول الله. أما الحديث فحتى مع ثبوته فلنا مندوحة أن نجعله واقعة حال، وإذا جعلناه واقعة حال استطعنا أن نقول أنه لا يؤخذ منه مبدا عام يطبق عبر الزمان والمكان. وهذا كلام معقول. لكن الصحابة الكرام على ما هم عليه كانوا أفاضل ملئوا الأرض هدى. والحمد لله رب العالمين. تعقيب د.علي جمعة على ورقة د.أميمة أبو بكر: القضية في الحقيقة قضية أتمنى لو د.أميمة تعالجها من مدخل آخر، لأن ما كتب في الورقة إنما هو وصف ونحن نريد ما وراء الوصف. توجد مشكلة تحتاج إلى درسها ودراستها. لابد أن نعرف ان هناك فارقاً بين النظام والواقع، من ناحية نظام التعليم الإسلامي لم يمنع المرأة قط من أن تتعلم، ولم يمنع المرأة من أن تكون محدثة، وكانت فقيهة، وكانت مجتهدة، من لدن الصحابيات وإلى يومنا هذا، ولكن الواقع أن النساء لا يردن أن يتعلمن، لماذا؟ ما الذي حدث؟ إذا دخلنا من هذا المدخل قد نحل المشكلة. لم يكن هناك أية ضغوط لا اقتصادية ولا اجتماعية ولا سياسية تمنع المرأة من أن تتعلم، لكنها كانت هي الأقل في التعليم. عندنا الصحابة الذين شاهدوا الرسو (ص) في حجة الوداع 114 ألف صحابي، الذين وصلوا إلى مرتبة الرواية والعلم ممن عرفنا أسماءهم من الرجال والنساء تسعة آلاف وخمسمائة صحابي، بما فيهم النساء. ابن الأثير في "أسد الغابة" أورد ثمانية آلاف صحابي وألف وخمسمائة صحابية.من ضمن هؤلاء 9500 صحابي نجد أن الرواة منهم الذين نقلوا ولو حديثاً واحداً عن رسول الله 1800 صحابي، مسند الإمام أحمد 30 مجلد روى عن ألف إلا واحد من الصحابة رجال ونساء. البخاري لا يزيد من فيه عن خمسمائة إلا بعدد قليل. لكن كم صحابية من 1800 روت عن رسول الله لا يزيد عددهن عن 20 أو 30 صحابية والباقي رجال، إذن النظام لا يمنع فلما لم تروي، لما لم تتصدر، لما لم تتعلم؟ والنظام لا يمنع. عائشة وصلت إلى مرتبة الاجتهاد، وإلى مرتبة التحديث وردت على الرجال. عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا قبر رجل يعذب ببكاء أهله عليه"، قالت عائشة لا اتهم أبا عبد الرحمن بالكذب ولكن السمع يخطئ، إنما قال رسول الله "هذا قبر رجل يعذب أهله يبكون عليه"، أين هو من قوله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى" كيف يكون بكاء الأهل سبباً للعذاب. وهكذا قدحت في رواية عبد الله بن عمر ونسبته إلى الوهم والخطأ، وقالت انه مخطئ وليس كذاب، ولكن السمع يخطئ.إذن هذا تحديث وهذه رواية، وهذا فقه وعدت عائشة من الفقهاء، وهناك رسالة علمية نشأت في فقه عائشة، وكتب موجودة في الأسواق تجمع ما نسب إلى عائشة. نعم الرواة قليل، 1800 راوي من 114 ألف صحابي، لأن العلماء قليل، النخبة قليلة، هكذا النخبة، ولكن لماذا لم تحتل المرأة في النخبة نسبتها الطبيعية، 50% مقابل 50% للرجل. المشكلة أكبر من هذا، النظام الأمريكي يتيح للمرأة أن تتولى رئاسة الجمهورية فلم لم تتولاها. نريد ان نتكلم من غير حساسية ونريد ان نتكلم من غير تابو نقف عنده، ومحرم نقف عنده، لم لم تصل النساء في العالم كله وإلى يومنا هذا وفي أشد النظم التي أتاحت لها من 200 سنة أن تفعل هذا؟ لابد ان هناك شئ يرجع إلى طبيعتها، وشئ يرجع إلى ما يحيط بها، وشئ يرجع إلى ذكورية الرجال. وهكذا قد يكون السبب مركباً وليس سبباً مفرداً، ولكن الذي نستنبطه ونستشفه من النظام الإسلامي في التعليم هو أنه يسمح للمرأة كما يسمح للرجل بكل شئ، النظام في الإسلام ليس فيه ما يحكر على الرجال أو يحرم على المرأة أن تتعلم لا يعاملها على أنها مخلوق أدنى ولا يعاملها على أنها لها حد ينبغي أن تقف عنده في العلم. النظام هكذا. الدخول من هذا الجانب قد يصل بنا إلى مقترح نستطيع به أن نغير الواقع، لا أن نشكو دائماً ونحن لا نفعل شيئاً فهذا مهم أن ندرك أن النظام ليس فيه أية إعاقة للمرأة أن تصل فلم تصل؟ فلنبحث. النظام معناه الأوامر والنواهي، معناه الشرع ليس هناك نص واحد لأي فقيه ولا حاكم منع المرأة من الخروج والتعلم والتحصيل، كما ان المرأة إذا وصلت إلى مرحلة الاجتهاد فإنها قادرة على أن تغير الحاكم نفسه. مداخلة من د.أميمة أبو بكر موجهة إلى د.علي جمعة: د.علي أعتقد أن الالتباس الذي حدث في استخدام كلمة النظام، هل المقصود به هو المصادر الرئيسية المرجعية للإسلام، القرآن والسنة؟ وهذه كلها أشياء مرجعية لا يختلف عليها أحد، طبعاً الإسلام لم يمنع المرأة من التعليم أو العمل، وهذا كله نتفق عليه. أ.د. علي جمعة: أنا أقصد النظام بكل معانيه، النظام من الكتاب والسنة، والنظام السياسي والنظام الاجتماعي، نعم ليس هناك في التاريخ الإسلامي من منع المرأة من الخروج، لا في النظام الاجتماعي ولا غيره. وكل ما أتت به د.أميمة يثبت ذلك. المرأة خرجت وجلست في المسجد، هل الرجل قال :جلست في المسجد والعياذ بالله؟ (اعتراض من القاعة وذكر للفقيه المتعصب ابن الحاج ضد المرأة) د.علي جمعة: ابن الحاج هذا عندنا في الأزهر مبتدع. النظام لم يشتمل أبداً بمعناه المقنن منع المرأة من الخروج. مكن يكون الباراديم ممكن يكون التيار الشائع، لكنه ليس أبداً النظام. الذي أعترض عليه في هذه الورقة هو فهم د.أميمة من المصادر أن مستوى الحفظ والرواية كان موجوداً ثم انتقل إلى مستوى الدراسة، وهذا لم يحدث، مستوى الحفظ والرواية والدراسة والكتابة كان موجوداً من أول يوم في الرواية، ولم يحدث ثمة هذا التدريج الواضح في أن التعليم الإسلامي بدا في أوله شفاهة، هذا لم يحدث، التعليم الإسلامي بدأ من أوله على نظام متكامل، صحيفة وهب بن منبه، وصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص وصحيفة همام، كلها موجودة ودخلت في البخاري وكلها مكتوبة. ولم يكن الأمر على هذا النهج أبداً. ثانياً: الحلقات كانت في المسجد منذ البداية، قضية أخرى وهذه القضية تركز عيها د.أميمة جداً، وهي أن الذاكرة هي التي كانت غائبة لا الذاكرة كانت موجودة مع وسائل العلم الأخرى وهذا يتعلق بالمنهج في عمقه. القضية الثانية قضية فهم النص، وهذا كثير، ولكن نضرب مثلاً، كلام بن خلكان "كانت شهدة من العلماء وكتبت الخط الجيد" فشهده ما زالت في سند خطنا إلى اليوم، وليس لنا سند خالي من شهده. إذن المرأة موجودة، وموجودة بحيث أنه لا يمكن الاستغناء عنها، سند الخط العربي الذي تلقيناه عن مشايخنا موجود فيه شهده في كل أسانيد الأرض، وليس هناك سند اليوم حتى بن مقلة يخلو من شهده. " وكتبت الخط الجيد وسمع لها خلق كثير، وكان لها السماع العالي"، أي أنها أدركت كبار السن بحيث أنها أدركت هذا الكبير، تلامذة تلامذته موجودين، كنها أدركته بدلاً من أن تذهب إلى الآباء ذهبت إلى الأجداد، وهم أحياء. "واشتهر صيتها وبعد ذكرها، غير معقول أن يصلن إلى هذه الشهره ويتوافد الأصاغر والأكابر عليهن دون أن يتسمن بتميز فكري". ماذا فهمنا؟ فهمنا من القول "الحق فيه الأصاغر والأكابر" ان الأصاغر والأكابر كانوا يترددون عليها، وهذا ليس مقصوداً، وإنما المقصود أنها ألحقت الأصاغر بالأكابر المقصود به علو الإسناد، إي أنها وفرت في السلسلة، فبدلاً من رواية الحديث نزولاً ترويه صعوداً، فهذا مصطلح لا نفهمه باللغة، إنما نفهمه في سياق الاصطلاح في الحديث. فأنا رويت عن الشيخ عبد الله الغماري، روى عن الشيخ التلاوي كان معمراً، روى عن الشيخ الباجوري، فبيني وبين الشيخ الباجوري اثنان. ثم رويت عن الشيخ محمد حافظ التيجاني فروى عن الشيخ الكتاني فروى عن الشيخ الفاسي، فروى عن الشيخ الإمبابي، فروى عن الشيخ الصفتي، فروى عن الشيخ الباجوري. فبيني وبين الشيخ الباجوري اثنان لما تتلمذت على الغماري، وبيني وبينه خمسة لما تتلمذت على التيجاني. شهدة فعلت هذا، ألحقت الأصاغر(اللي هو أنا) بالأكابر (اللي هو الشيخ الباجوري) ووفرت في السند كذا واحد. إذن فليس المقصود انه حضر مجلسها الأصاغر والأكابر، وهذا مهم جداً، مرحلة فهم التراث، إذا لم نفهم التراث لم نستطع أن ننتقده و لا نستطيع أن نرد عليه، ولا أن نختار منه، ولا ان نفعل أي شئ، لأننا نرد على أوهام ونبني على أوهام. لا أطيل عليكم، إنما أردت أن أقول إنما ينبغي علينا أن ندرس الأمر بواقعية أكثر وأن نعلم أن النظام الإسلامي بكل معانيه لم يمنع المرأة في عصر من العصور وإلى عصرنا هذا من التعلم والوصول إلى العلوم. ابن سعد ذكر في طبقاته 700 امرأة راوية، في كل طبقات الرواة وليس الصحابة فقط. أنا في سندي هناك امرأة واحدة فقط. لماذا كل عصر تضيق المسألة ؟ ابن حنبل تعلم على 53 أو 56 محدثة، أنا لم أرى ولا محدثة، مشيخي شاهد أمة الله الدهلوية، فأنا أروى عن مشايخي عن أمة الله الدهلوية في الهند، وهي واحدة فقط، في كل أسانيدي التي تبلغ أكثر من مائة امرأة واحدة فقط. وابن حجر العسقلاني منذ خمسة قرون كان عنده 53 امرأة محدثة. ما الذي حدث، لماذا حدث هذا التدهور؟ أنا أبحث عن امرأة آخذ عنها الحديث ولكني لا أجد. هذا الوضع لابد ان نبحث فيه بعقلانية ومن غير حساسية حساسية رجل أو امرأة ..الخ. نريد أن نبحث عن لماذا؟ هذا هو الواقع، المسألة في القلة، والقرنين التاسع والعاشر الهجريين كانا أحسن من الحاضر بكثير. تعقيب د.أميمة أبو بكر على د.علي جمعة وتعقيبها على أسئلة القاعة:
أنا أختلف ع د.علي في هذه الجزئية، وأعتقد ان السؤال الذي نكرره جميعاً بطريقة أو بأخرى سواء د.علي وأنا أو بعض الحضور والحاضرات هو ماذا حدث؟ وهذا هو تقريباً ملخص معظم الأسئلة التي وصلتني، إذا كانت هذه هي الصورة حتى القرن الرابع عشر أو الخامس عشر الميلادي، فماذا حدث بعد ذلك؟ وبعض الأسئلة تسألني لماذا لا نسمع عن فقيهات أو مفتيات؟ لماذا لا يوجد مخطوطة عن فقيهة أو شروح نصوص هؤلاء المفتيات والفقيهات والعالمات؟ كلنا نسأل هذا السؤال، أختلف مع د.علي فيما افترض في إجابته من عزوف النساء عن العلم. هذا سؤال معقد جداً لا نستطيع أن نجيب عليه في جملة أو في جلستنا هذه، لا يمكن أن نفترض مثلما فعل د.علي أن الواقع أن النساء لا يردن أن يتعلمن ، أنا لا أعرف يا د.علي من أين بنيت هذه الافتراض. د.علي : أنا لم أفترض هذا أصلاً، أنا قلت النظام يسمح والواقع مختلف،لماذا؟ ولم أجب. د.أميمة: أنا مصممة أنه افتراض، لأنك ذكرته متسرعاً العملية معقدة وهناك دراسات تاريخية عديدة في هذه الفترة وخاصة ما يسمى فترة الفجوة، ماذا حدث بعد القرن 15 حتى وصلنا للعصور العثمانية أو العصر الحديث؟ ولماذا الآن اختفت هذه الطوائف من النساء التي كنا نتحدث عنها؟ وهناك دراسات تاريخية عديدة تحلل الظروف الاجتماعية والسياسية التي يرفضها د.علي جمعة كعامل مفسر اختفاء النساء من هذا المجال. ونحن لا نجد النساء في المؤسسات الرسمية في المدرسة، في دار القضاء، نجدهن فقط في المنازل والمساجد، لم يعترض أحد بالطبع لأنه كما تقول النظام والعقيدة ومنظومة القيم الإسلامية لم تمنع ولن تمنع النساء مطلقاً من تحصيل العلم بأي وسيلة، ولكن نعود لنكرر السؤال لماذا؟ ليس هو سبب واحد أو اثنين : هو مجموعة أسباب ونحن نحاول أن نفهم هذه الأسباب ،لكن أن أعزل كل هذه الأسباب إلى إلقاء اللوم على الضحية هل هي تعيش في فراغ، بل عاشت في سياق سياسي واجتماعي معقد جداً، ومجموعة عوامل قد تكون ساعدت في بعض الأحيان في النخب الثقافية على ان تصل المرأة إلى مراحل متقدمة من العلم، وقد تكون أعاقت في أحيان أخرى. مثلاً السؤال عن أين الفقيهات وأين المفتيات وأين العالمات؟ أنا أجد مثلاً ذكراً كثيراً في قواميس الأعلام وبعض كتب التواريخ لنساء عالمات، مثلاً فلانة أجيزت بالإفتاء، وفلانة كتبت كتاب عن كذا، لكن ماذا نفعل، المخطوطات إما ضائعة أو غير محققة أو موجودة في بعض مكتبات أوروبا والأقطار الإسلامية القديمة ولا نعرف عنها شيئاً. لكن هناك ذكر أن فلانة كان لها كتاب كذا وفلانة كان لها شرح كذا وفلانة أجيزت بالإفتاء، فلانة اعتنقت مذهب معين وخالفت أبيها وأخيها لأنها تغيرت في المذهب من الحنفية إلى الشافعية مثلاً، إذن هي فقيهة، إذا كان هناك وصف أنها غيرت المذهب أو وصفت بأنها حنفية أو شافعية. إذن هناك مشكلتين، مشكلة الظروف التاريخية الحقيقة ومشكلة التأريخ نفسه. نحن نحاول أن نجيب على سؤال ليس ملكنا: لماذا لم يؤرخ للنساء، نسأل المؤرخين في العصور السابقة لماذا لم تؤرخوا للنساء كما يجب؟ نحن نحاول، وما نفعله الآن هو أن ننبش في هذه الكتب والمصادر القديمة لأنه حتى هذا القليل الذي يحكي عنه د.علي غير معروف، كان غير معروف لدي أنا أول ما بدأت، هي عملية تاريخية بحثية أكثر منها عملية تحيز أو عملية عراك بين فئات في المجتمع. د.علي جمعة: د.أميمة ردت على ما تصورته ، وليس على أنا لأنني لم أقل كل هذا. مداخلة من القاعة د.عزة وهبي: في الواقع أعتقد أولاً أن قلة عدد العالمات يجب أن يرتبط بالظروف التي ذكرتموها من مشقة البحث والدراسة في العصور الإسلامية الأولى، وكيف كان يسافر العلماء إلى الصين أو الهند بحثاً وراء حديث. كانت هذه ظروف قاسية لا تستطيع المرأة تحمل أعباءها. وهذا أحد التفسيرات التي يمكن أن تبرز قلة العالمات المتفقهات. النقطة الثانية أحاول أن طرحها رداً على ما طرحته سيادتك من تساؤل هو مسألة مشكلة المرأة العربية المسلمة هي مشكلة الفجوة بين النص والواقع، هذه الفجوة قائمة منذ العصور الإسلامية الأولى لأنه لا يوجد من هو أسمح من الديانة الإسلامية وما أتاحته للمرأة، لكن هل الأمر مجرد نص ام إعمال هذا النص في الواقع.إن د.أميمة تتكلم عن هؤلاء العالمات الفقيهات، وهل كن يجلسن وراء حجاب؟ أم كن يجلسن كجلسة زملائهن العلماء الرجال؟ أعتقد أنهن كن يجلسن نفس جلسة الفقيه المعلم مع تلامذته بماذا تفسر سيادتك أن يصبح صوت المرأة الآن عورة فكيف تتحدث المرأة في العلم والفقه؟ بعض الآراء تقول إنها عورة ويجب أن تحجب وتحصر ولا تتعلم. حتى على المستوى الوضعي هناك في الدول العربية والإسلامية وقوانين وضعية ودساتير غاية من التقدم والسمو لكن الفجوة هائلة بين النص والواقع.حتى في الدول المتقدمة مؤخراً جداً صدر قانون في الجمعية الوطنية يقضي بوجوب المساواة بين المرأة والرجل. فرنسا حاملة مبادئ المساواة ومبادئ الثورة الفرنسية لا تزال المرأة فيها حتى الآن لا تتمتع بالمساواة إلا في قانون صدر منذ أيام.إذن المسألة ليست معضلة لأن الذين يطبقون النصوص هم الذين يحرفونها ويجعلون الفجوة قائمة.نقطة أخيرة أنا اوافق ان بعض النساء يتحملن مسئولية حجب دورهن لكن لا يمكن أن نلقي بالمسؤلية كلها على المرأة. سؤال من القاعةأ.أمل حمادة:السؤال حول نسبة النساء الرواة إلى الرجال الرواة يمكن أن نطرح في مقابله سؤال قد يكون أجدى، ما روين، وكم روين، فلا نأخذ في الاعتبار عددهن فقط. وكما رأينا أن السيدة عائشة لأم المؤمنين ردت واستدركت على عبد الله بن عمرالنقطة الثانية حول فرضية أن النساء عندهن عزوف عن التعليم.هل يمكن أن نقول أن النساء عزفن عن التعليم كحجب لثقتهن عن نظام التعليم الإسلامي من الأساس. نتيجة ارتباط بعض العلماء برجال السلطان وبالتالي النساء كان عندهن فكرة أنه ليس هناك فائدة من التعليم. وكما قالت د.عزة المشكلة ليست في النظام، لا أحد من الجالسين يشكك في النظام، إنما نشكك في القائم على تفسير النظام بمعنى أن حضرتك تقول إن النظام والتاريخ الإسلامي ليس فيهما ما يجبر المرأة على عدم التعلم، هذا صحيح، لكن الأكثر تداولاً هو الذي يمنع و يقمع فالأشهر تداولاً هو القائل: عن النساء أن صوتهن عورة وأن النساء ناقصات عقل ودين، هذا الأشهر د.علي: إجابةعلى سؤال أ.أمل ،المروي عن النساء في حدود 6 آلاف حديث والمروي في كل السنة في حدود 80 ألف حديث، فتكون النسبة 1:11 أو 1:12، اما الراوايات فعددهن 30 من ألف وثلثمائة رواي وتكون النسبة 1:60. سؤال من القاعةأ.آمال ثابت: أنا سعيدة إني أسمع أ.دعلي جمعة يقول إنه في الإسلام ليس هناك شيئاً ضد المرأة، ونحن محتاجين جداً ان نسمع هذا الكلام، لأنه للأسف الشديد المفهوم عن الإسلام عموماً أنه لا يكرم المرأة، فالإسلام شيء والمسلمين شيء ثاني للأسف، فبينما الإسلام كرم ويكرم المرأة باستمرار إلا أن المذاع والمفهوم عادة عكس هذا. فللأسف حتى في البلاد التي تعتبر نفسها بلاد إسلامية محضة مثل السعودية وبلاد أخرى كانت إلى عهد قريب جداً تقول باسم الإسلام أن تعليم البنات حرام. أنا نفسي كنت في السعودية ودرست في أول مدرسة تتعلم فيها البنت السعودية مدرسة السكة الحديد وكانت مختلطة وهي في الدمام، حيث هناك ناس كثيرون يعترضوا على تعليم بنات سعوديات مسلمات في مدرسة ، كذلك الحال حيث في أفغانستان كان أيضاً تعليم البنت ممنوعاً بحيث أن أول طبيبة تخرجت أظن أنها كانت في سنة 1968. نقطة أخرى عن الاختلاط، المرأة التي تقول إنه ليس هناك ما يمنعها من أن تصل إلى منصب رئيس الجمهورية لا كيف يمكن أن تختلط بالناس وتعرفهم بمنهجها وسياساتها وطريقة تفكيرها حيث الاختلاط ممنوع عليها أو تواجه عند الاختلاط إشاعات كثيرة تسيء لسمعتها و كرامتها د.علي جمعة: المشكلة أن هذه المرأة مع أجواء أخرى لم تصل أيضاً لرئاسة الجمهورية، لماذا؟ المسألة معقدة جداً ونحن متفقون أنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة ومزيد من التأني مزيد من انظر الهادئ. مداخلة من القاعة د.محمد فريد الصادق: حضرت من قبل في هذه القاعة في أكتوبر 1997 كانت جمعية تضامن المرأة العربية تعقد مؤتمر هنا، وكان هناك حديث دائم عن الفهم الخاطئ لدى البعض عن وضعية المرأة في الإسلام وقد وقفت في نفس المكان وعلقت وقلت أنني أنجزت رسالة دكتوراه عن الحقوق السياسية للمرأة، وهي رسالة ناقشها علماء كبار مثل د.أحمد كمال أبو المجد، وقد انتهيت فيها إلى ان الإسلام لا يحول دون تولي المرأة أي نصب، وأنا اتفق مع أستاذنا د.علي جمعه فيما قاله تماماً. وسأذكر أربعة كتب أرجو من النساء اللاتي يرين أن الإسلام حط من مكانة المرأة الرجوع إليها وهي:السنة بين أهل الفقه والحديث للشيخ محمد الغزالي، الإسلام هو الحل. لماذا وكيف للأستاذ الدكتور محمد عمارة، تحرير المرأة في عصر الرسالة للمرحوم عبد الحليم أبو شقة الفقه الإسلامي على طريق التجديد للدكتور محمد سليم العوا. وللدكتور العوا تفسير جميل فابن حزم يقول إن للمرأة أن تتولى جميع المناصب حاشا الخلافة. د.العوا يقول إنه حتى للمرأة أن تتولى رئاسة الدولة مفرقا في ذلك بين الخلافة ورئاسة الدولة. مداخلة من القاعة أ.عبد المنعم عباس موجه متقاعد بالتربية والتعليم -كلمتان أريد أن أقولهما. الأولى قصة إجارة لسيدة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجها (أبو العاص بن الربيع) الذي كان مشركاً وقد استجار بزوجته وكان الإسلام قد فرق بينهما بسبب شركه- خوفاً من الوقوع في أيدي المسلمين فذهبت السيدة زينب إلى المسجد وفيه الرسول والصحابة وصاحت بصوت مرتفع إنها أجارت أبا العاص بن الربيع.والرسول لم يكن يعلم بأمرهما، لكنه وافق على تلك الإجارة ولم يرد إجارة السيدة زينب.فالنظام إذن وافق على إجارة إمرأة لرجل. الثانية أني سمعت من أستاذنا الإمام الشهيد حسن البنا وهو يتكلم عن الجهاد قال إن الجهاد فرض كفاية على المسلمين، ويتحول إلى فرض عين إذا ديست أرض الوطن، وفيه تخرج المرأة من غير إذن زوجها، والعبد من غير إذن سيده. مداخلة من القاعة د.حسن جبر: أتكلم بصفتين الأولى صلة الرحم التي تربطني بالدكتورة عائشة عبد الرحمن، وأنا باسمها واسم الأسرة نقدم اشكر للجمعية ولكل السادة الذين شاركوا وأمتعونا في جلستين متتابعتين، الثانية انني أيضاً أحد تلاميذها، وإن كنت قد قضيت وحتى الآن أكثر أيامي خارج مصر. وحديث د.أميمة جذب الحديث إلى قضايا أخرى، فاسمحوا إلى ان أعيد الحديث إلى موضوع الندوة، ألا وهو د.عائشة عبد الرحمن، إذا أردنا أن نتحدث عن اشتغال د.عائشة بعلوم القرآن وعلوم السنة وهما محور الجلستين الأولى والثانية- فينبغي ألا نغفل من وجهة نظري المرحلة العمرية التي اشتغلت فيها بهذه القضايا. لقد كانت د.عائشة أسوة تبحث عن أسوة.أما أنها تبحث عن أسوة فاشتغالها بسيدات بيت النبوة والخنساء والمرأة في القرآن، إنما لأنها أرادت لأن تقدم لجيلها وللأجيال القادمة نموذجاً عربياً إسلامياً يحتذى. وأعتقد ان هذه الجمعية الكريمة خير من يرعى هذه الدراسات وينميها وينشرها ويوجد الأسوة الموجودة من البيئة. أما أنها أسوة فهذا مرتبط بمحورين:لقد جاء اشتغالها بالعلوم القرآنية في بداية حياتها، إذا قسمنا حياتها إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى عايشت فيها الكتاب والسنة وتقول إلى آخر لحظة في حياتها إنها عاشت بالقرآن وحياتها ارتبطت بالقرآن وأرزاقها ارتبطت بالقرآن.هذه نقطة منهجية، هي دخلت الجامعة متسلحة بالكتاب والسنة، فيها شئ من التحديات، صدمت بمناهج جديدة، بدأت تتحول كي تفهم وتعي وتعطي، لابد وان تعود إلى اللغة، إلى الأم، فتأتي دراستها في الماجستير والدكتوراة وفي ترقياتها في الأدب والنحو، ثم تعود مرة ثانية إلى الأصل فتشتغل بالكتاب والسنة وبعد أن تحدثت في اللغة أنا أقول إنها هنا أسوة فنحن إذا أردنا ان ندرس الكتاب والسنة فعلينا أن نتسلح باللغة لأن القرآن الكريم رسالة والرسالة نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، فهمه الرسول وفهمه الصحابة وطبقوه. وأنا أعتقد أن التفسير البياني لابد أن يعالج من الإعجاز البياني لقد كانت عائشة تستحضر جهود السابقين، تتكلم عن أساتذتها المعاصرين وفي مقدمتهم شيخها وزوجها أمين الخولي وبجانبه- بنفس التقدير ولكن ليس بنفس المساحة- مصطفى عبد الرازق ومصطفى لطفي السيد وغيرهم.فهي شديدة التقدير لكل جهود السابقين لم تحجر على أحد، وكما سمعنا في الجلسة الأولى هي تناقش أهل العقل، وتناقش اللغة في أحرف زيادة أو دلالات مختلفة، فهي لا تحط من قدر أحد، وهي لم تدعي إطلاقاً إنها قالت الكلمة الخيرة، وهذا ما يفسر الآن عطاءها الكثير ومؤلفاتها الكثيرة. وهذه الندوة هي ثمرة عطاءها وأعتقد أنها تفتح مجال كبير جداً.كانت د. عائشة تقول ان الزمن كله معاصر، فكانت شديدة التقدير للسابقين، كما كانت شديدة التقدير لتلاميذها الذين عقبوا على التفسير البياني أو مقدمة ابن الصلاح. وهكذا فإن هناك أجيال تأتي من بعدها لاستلام الراية.أما القضية الشائكة الأخيرة والتي أثارت جدلاً، فنحن يمكن ان نتغاضى عن القول بان المرأة لا تريد أن تتعلم؟ لكن التساؤلات التي ألقاها د.علي كل تساؤل منها يمكن أن يتحول إلى دراسة، ونحن لا نصنع التاريخ، إنما نكتشف ما في التاريخ. فإذا كان عدد النساء المتعلمات قليل، وعدد من اشتغلن بالعلم والسنة قليل، فيجب أن تدرس هذه الظاهرة دون انفعال أو تأثير. مداخلة من أ.د.محمد عمارة: د.علي كعادته أثار قضية، هي تحتاج إلى مائدة حوار، وأنا رأيي أن هذا التساؤل شديد الأهمية، والحوار حوله يستطيع أن يقدم القضية خطوات إلى الأمام. أنا مع طرح د.علي تماماً في أن النظام الإسلامي لا يمنع المرأة من أن تجيد وتتقدم وتقود كل الميادين، لكن الواقع هو الذي أعاق، والمطلوب الحوار حول ما هي عوامل الواقع لأن الواقع عنوان عام وفيه تفاصيل كثيرة. أنا أقول النظام عادة هو المثال ودائماً في كل المجتمعات وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيظل دائماً فارق بين المثال والواقع، لأنه إذا تحقق المثال انتهى جدول أعمال الإنسانية ويصبح هناك إحباطاً، أنا لو حققت كل ما أريد سأصاب بإحباط، ومجتمعات الوفرة في اسكندنافيا عندهم أكبر نسبة من القلق والانتحار في العالم، إذن حكمة الله سبحانه وتعالى أن يظل هناك دائماً فارق بين الواقع والمثال، حتى في العلوم الكونية كلما زادت مساحة المعلوم من الكون يكتشف الإنسان زيادة مساحة المجهول، لكي يظل هناك دائماً تطلع إلى المثال. ولقد جاء الإسلام بمثال، بنظام لتحرير المرأة، لكن المرأة كانت تحمل من القيود إبان ظهور الإسلام أكثر مما يحمل الرجل، وبالتالي كان الجهد المطلوب لمساواتها وتحريرها أكبر من الذي حرر الرجل. وأنا أقول أيضاً إن المثال الإسلامي تراجع، النظام الإسلامي تراجع انظروا كيف تعامل الإسلام مع مشكلة الرقيق، وأساليبه في التحرير التدريجي للرقيق لإلغاء هذا النظام، لكن الذي حدث بعد الفتوحات أن عدد الرقيق زاد، وزادت السبايا وأصبحت القصور تعج بهن كما نعرف من التاريخ، إذن المثال تراجع.ونحن لا نريد للنزعة الذكورية والنزعة الأنثوية أن تسود لأنها نزعة خاطئة.لكن نزعة الرجل للاختصاص بالمرأة ولن أقول الامتلاك- وأن تكون له عوناً ويكون في الصدارة، هذه النزعة عند الرجل هي جزء من الواقع الذي منع النساء من ميادين معينة، وليس كل الميادين. مثلاً تأملوا النظام الإسلامي لا يمنع المرأة من المسجد وان تصلي فيه الصلوات الخمسة بما فيها العشاء والفجر، لكن عمر- وهو من هو عمر- غيرة منه على زوجته عاتكة يطلب منها ألا تصلي في المسجد وبيتها ملاصق للمسجد، فتقول له أتنهاني؟ فيقول لا أنهاك فتقول إذن سأذهب.نزعته في الاختصاص بها تجعله يغير عليها ويريد أن يمنعها أو يطلب إليها ألا تصلي في المسجد.صحابي آخر يطلب من زوجته ألا تصلي في المسجد فتقول له الرسول قال لا تمنعوا إماء الله بيوت الله. فيختبئ زوجها في الطريق ويغمزها وهي راجعة من صلاة العشاء، فتقرر هي أن تمتنع عن الذهاب إلى المسجد لأن هناك سفهاء ولم تعلم أن زوجها هو الذي فعل هذا. بهذه الأمور كان الرجل جزءاً من الواقع الذي لا يحقق المثال. نعم تأملوا معى هذه السيدة العظيمة التي نجتمع في رحاب ندوتها وكيف كان موقف والدها من تعليمها، وكيف كان قيداً وعقبة، يريد أن يمنعها من أن تتعلم وتذهب إلى المدارس والجامعة. النقطة الأخيرة هي هل مقياس تقدم المرأة وتحرر المرأة لابد لأن يكون فقط في نطاق الفقيهات والمحدثات والعالمات؟ لا، فالمرأة لها وظيفة أساسية هي أمومتها وتربيتها للنشء، هي المدرس الذي يعلم كبار العلماء هم ثمرة للمدرس الذي هو ليس من كبار العلماء. أضرب لكم مثلاً، أنا واحد من الناس عزفت عن الوظائف وتفرغت منذ أكثر من ثلث قرن للتأليف والكتابة، زوجتي ضحت بدارساتها العليا، ضحت بأن تكون أستاذة كبيرة ومديرة كبيرة..الخ، لكي توفر لي الوقت كي أنجز المشروع الفكري وتربي الأولاد. هل هذا الإنجاز وهذه الريادة والقيادة أقل مما أصنعه أنا؟ قول لا.إذن المرأة تستطيع ان تكون قائدة ورائدة ومبدعة في كل الميادين، لكن وظيفتها الفطرية تجعلها تعطي في مجال، لكي يعطي غيرها في مجال آخر. مداخلة من د.من |