|
تقرير حول الندوة
Aicha Bint al Shati: Women's Discourse or the Discourse of an Era On the Geneology of Ideas
عقدت جمعية دراسات المرأة والحضارة بمكتبة القاهرة الكبرى ندوة بعنوان "بنت الشاطئ: خطاب المرأة أم خطاب العصر-مدارسة في جينيولجيا النخب الثقافية" وذلك في يومي 22-23 من مارس 2000. وتناولت البحوث المقدمة في الندوة محورين، الأول يتعلق بإسهامات بنت الشاطئ المختلفة في مجالات علوم القرآن والحديث والتراجم والأدب والسيرة الذاتية وشهادة العصر، ويخرج المحور الثاني من الخاص المتعلق ببنت الشاطئ إلى فضاء العام المتعلق بالنخب الثقافية العربية وخطابها المنتج طوال القرن، في الحقول العلمية سالفة الذكر التي أنتجت بنت الشاطئ خطابها من داخلها. وذلك في صورة أوراق متقابلة في خمسة جلسات، تحوي كل جلسة ورقتين تضع إحداهما الخاص في مقابل العام بالأخرى.
لماذا بنت الشاطئ؟!أهمية اختيار بنت الشاطئ كموضوع لهذه الندوة ينبع من كونها تمثل شريحة قد شهدت قرناً بأكمله، وأنتجت طوال هذا القرن خطابها بشكل يتقاطع أحياناً مع، ويختلف أحياناً أخرى عن الخطابات المحيطة لها. قرن يمثل مرحلة حرجة في الفكر العربي، ينتقل فيها الخطاب إثر صدمة حضارية مع الغرب من مرحلة لمرحلة أخرى تماماً، يُطلق عليها المرحلة الحديثة. وتمثل بنت الشاطئ شريحة مجهرية من خطاب هذا القرن، يُلقى عليها الضوء ليكشف من خلال قراءتها عن التنازعات المعرفية التي عاناها الخطاب العربي في مجمله، والنسوي منه على وجه الخصوص.
في جينيولوجيا النخب:وتجد هذه الندوة سبيلها للاختلاف عن غيرها مما يعقد من ندوات علمية في تحديد إطار نظري أو اقتراب تحليلي جامع لمسار الأوراق المقدمة، وانتظامها في خيط متصل، يدفع في النهاية لخروج باستنتاجات نظرية حول جيوب النخب الثقافية وتشكل العقل العربي. وهذا الإطار النظري هو " تحقيق المتون"، أو آلية تتبع "جينيولوجيا Genealogy " الأفكار أو أنسابها. وطبقاً لما ذكرته د.منى أبو الفضل -رئيس مجلس إدارة جمعية دراسات المرأة والحضارة وأستاذ النظرية السياسية- في محاضرتها بالندوة، يعني مفهوم الجينويولوجي بالسعي نحو تشريح أو تفكيك أطروحات فئات معينة من النخب الثقافية المعاصرة، بحثاً عن أنساب تلك الأطروحات، وتسكين الفروع في الأصول وتتبع خيوط الفكرة عبر نسيجها على منوال المنظومة المعرفية القيمية التي تدور معها. سواءً عادت تلك الأنساب لأبعاد متعلقة بالسير الذاتية لأصحابها، أو ارتبطت بمؤثرات فكرية داخلية وخارجية، واعية أو مستبطنة، تنعكس في مـتون النصوص المنتجة. ويتقاطع هذا الإطار النظري مع المفهوم الذي طرحه "نيتشة" في نقد المعرفة الحداثية الغربية من ناحية، ومن ناحية أخرى يمتد بجذره إلى الاقترابات التي وضعها أهل علم الحديث في الموروث الإسلامي، والتي تعمل على التحقق من صحة المتن أو نص الحدث من خلال تتبع نسبه أو سلسلة الرواة. وقد حاولت د.منى أبو الفضل من خلال الورقة الخلفية للندوة التأصيل نظرياً لذلك. وانطلاقاً من ذلك، طرحت الندوة التساؤلات حول العقل العربي الذي اصطرعته توجهات فكرية متنازعة مع احتكاكه وانفعاله بالحداثة الغربية، فتأرجح في موقفه من قضايا الإصلاح والتغيير والتطوير بين الأصالة وبين التحديث والعلمنة. وتمثل بنت الشاطئ نموذجاً لهذا العقل، حيث أنها برغم انحيازها نحو الأصالة والتراث الإسلامي في مناطق معينة من إنتاجها، وفي مراحل فكرية معينة، إلا أنها في مناطق أخرى ومراحل أخرى نجد لديها ذلك الصراع الذي لازم النخب الثقافية للعصر بين التحديث والعلمنة أو الالتزام الحضاري الإسلامي. وذلك نتيجة للمؤثرات المتفاوتة والمختـلطة التي تعرضت لها في تنشئتها التربوية والنفسية والاجتماعية، ثم في بيئتها الفكرية. والمنظور الحاكم للندوة هو منظور حضاري إسلامي، ذو توجه عمراني إنساني. وذلك المنظور هو الذي يؤطر لمشروع المؤسسة التي تستضيف الندوة، مشروع بناء حقل لدراسات المرأة في الداخل الإسلامي يتخذ من البعد الحضاري العمراني ركيزة له، ويتشكل في ظل منظومة معرفية توحيدية. وطرحت الأوراق المقدمة في إطار خمسة جلسات. افتتحت الندوة د.نعمات أحمد فؤاد بكلمة مختصرة حول المرأة ودورها الحضاري. وبالأخص في الحضارتين المصرية القديمة والحضارة الإسلامية، حيث لعبت المرأة والأم دوراً رئيسياً في تأسيسهما، والحفاظ على المضامين القيمية والدينية لكلتاهما. خُصصت الجلسات الثلاثة الأولى للندوة للمراجعات المعرفية، والمرتبطة بعلوم موروثة وهي عوم القرآن والحديث وفن التراجم. في حين خصصت الجلستين الأخيرتين لموضوع أكثر ارتباطاً بالنخب النسوية، وهو المرأة والكتابة. وتناول موضوعات إسهام المرأة الأدب والسيرة الذاتية وشهادة العصر.
أولاً: المراجعات المعرفية:
(1) تفسير القرآن بين العقل والشعور:في الجلسة الأولى والخاصة بعلوم القرآن، قدمت الباحثة الجزائرية شهرزاد العربي ورقتها في الجانب الخاص المتعلق ببنت الشاطئ وإسهامها في علوم القرآن بعنوان "النقل والعقل..التجديد والتقليد في التفسير البياني للقرآن للباحثة عائشة عبد الرحمن". ورأت الباحثة أن أهم ما يميز عمل بنت الشاطىء هو مزاوجتها ببراعة بين العقل والنقل فى تفسيرها البيانى؛ وقد تجلى ذلك فى تعاملها مع تفسيرات السلف. فهى لم تنظر لتفسيراتهم من خلال التقديس باعتبارها تقدم امتداداً للنص القرآنى، كما لم تنظر بعين الكراهية والرفض المسبق لعملهم. هى فى توظيف ما ذهب إليه الأقدمون تثبت مسألة النقل وتمد جسوراً بينه العقل لتكون المحصلة النهائية " التجديد" لا التقليد. كان ذلك من خلال تعامل بنت الشاطىء النقدى مع كتب السلف، فقد فندت بعض آرائهم وقبلت البعض الآخر. وكان هذا هو منهجها الذى مهد لتقديم إضافتها الخاصة فى تطوير بعض التفاسير. وقد لزمت حدوداً في تبني أي منهج، مؤداها أن الأولوية هى للنص القرآنى لا للمنهج الذى من أجله الذي يمكن أن يدفع تبنيه للي عنق النص. وكانت الورقة المقابلة لأستاذ النقد الأدبي والألسنيات والشاعر د.وليد منير بعنوان "لغة البيان: بين حركة الشعور وحركة المعنى..موازنة بين نماذج التفسير القرآني". وتناول فيها مدرسة أخرى للتفسير تقابل المدرسة " الموضوعية" التى تمثلها عائشة عبد الرحمن والمنتمية بدورها لمدرسة أمين الخولي. وهي المدرسة النفسية -الفلسفية- الوجدانية للتفسير التى يرى أنها تقوم على معرفة شمولية -أو كما يقول- "تضفيرية "، وعملية التفسير البيانى وفق هذه المدرسة تصبح أبعد ما تكون عن العملية الإجرائية وفق قواعد جامدة أو حرفية متصنعة، بل هى أقرب ما تكون إلى تجربة شعورية كاملة للاندماج والتفاعل بين المفسر والنص. أو كما يقول الباحث: " إن لغة البيان بين حركة الشعور وحركة المعنى تتولد هنا عبر شكل من أشكال الإصغاء العميق إلى نبض الكلمات ورصد ظلالها والحوار معها، واستلهام العنصر الثابت والمتكرر فى تجربة الحياة الإنسانية من خلالها، وتفسيره وربطه بغيره من عناصر الواقع الحى المتجدد".وهذا الطرح من جانب الباحث ليدفع بقوة إلى الذاكرة بنموذج التأويلات الصوفية للنص القرآنى إلى الظهور بكل ما تحمله من انفتاح على الاحتمالات الباطنية. حاول د.مصطفى ناصف في تعقيبه أن يرجع بنسب أفكار ومنهج عائشة عبد الرحمن في قراءتها للقرآن الكريم إلى منهج أستاذها وزوجها أمين الخولي. ونظر د.ناصف لمناطق التمايز التي تفصل بين منهج بنت الشاطئ عن المناهج الأخرى لتفسير القرآن التي عملت بها النخب الثقافية في القرن العشرين، وبالأخص أصحاب المناهج النفسية والتفكيكية وما بعد الحداثية. حيث أن منهجها قد اعتمد بصفة أساسية على العلوم الأصلية في الموروث الإسلامي وتجلياتها في التفسير، وبالأخص علم اللغة والبيان. وكانت رافضة للاقترابات الحديثة في التفسير، بحثاً عن التأكيد على الأصلي الموروث ورفض الوافد الذي كانت تتوجس منه. حيث أنها لم تكن مأخوذة بآليات التناول الرمزي أو التأملات الذاتية أو التأويل المفرط للنصوص والمرتبط بفلسفات بعينها، بل ناوأت الفلسفات الوجودية الفردية، وتمسكت باللغة وعلوم البيان كمدخل أصيل للتفسير. اهتمت مثلها مثل أمين بالكلمات، كانت تعتبر أن الكلمة حياة متدفقة. ويرى د.ناصف أن عمل بنت الشاطئ في التفسير مثلها مثل الخولي كان عملاً ذو أهداف نهضوية قومية وليس مجرد عمل علمي، حيث أنه كان جزءاً من مشروعها في إعادة بناء الشخصية القومية العربية والمصرية. ورأت د.أماني صالح -مقررة الندوة، دكتوراة في العلوم السياسية- في تعليقها على ورقة د.وليد منير أن الورقة منحازة للرؤية الصوفية في التفسير، مما قد يعيد فتح الباب واسعاً أمام التأويلات الباطنية للصوفية، دون ضوابط محددة لعملية التفسير في مقابل ما قد ينحو إليه الصوفية من شطط. وعقب د.محمد عمارة –رئيس الجلسة، المفكر الإسلامي الكبير- على ذلك بأن الفكرة المحورية في ورقة د. منير هي عدم وجود منهج واحد ينفرد بذاته في تفسير القرآن دون غيره من المناهج، فلو أن القرآن يفسر بالعقل وحده لكان مخاطباً للعقل فقط في الإنسان، ولو كان يفسر بالقلب والإشارات الصوفية وحدها لكان مخاطبا للقلب وحده، ومن هنا لا يمكن أن يفسر باللغة وحدها أو بالفقه وحده لأنه لا يتوجه إلى ملكة واحدة من ملكات الإنسان دون غيرها من الملكات بل لابد من استخدام كل الملكات في تفسير القرآن لأنه كتاب هداية الإنسان في كل زمان ومكان، ومن هنا فهو يخاطب كل ملكات الإنسان ليحييها وليحيي العمران الإنساني في كل مجالات هذا العمران. وأكد د.عمارة على ذات الرؤية، ولكن اتفق مع د.أماني صالح على ضرورة وجود ضوابط، تتكئ هذه الضوابط على قواعد التأويل في الفكر الفلسفي الإسلامي الأصولي، حيث أن التأويل له قواعد نظرية ضبطها ضبطاً محكماً أبو حامد الغزالي في كتابه المنهجي النفيس " فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" وابن رشد فيما كتب عن التأويل وهو تلميذ للغزالي. وأيضاً بالوعي بما قد يكون هناك من شطط في تأويلات الفرق الإسماعيلية والباطنية وغيرها للقرآن حيث الاستغراق والمبالغة في التأويل، وبالوعي بالأيديولوجيات المادية الكامنة خلف ما تقدمه الاقترابات التاريخانية في التفسير، والتي تنحو ربط النص بواقعه المنزل فيه بما يفصمه عن أسبابه الإلهية، مثل التفسيرات التي قدمها نصر أبو زيد.
(2) المرأة وبناء المعرفة الإسلامية: علم الحديث نموذجاً:في الجلسة الثانية والخاصة بعلم الحديث، كانت الورقة الخاصة بإسهام عائشة في هذا العلم مقدمة من المفكر الإسلامي جمال البنا بعنوان " عمل الأستاذة بنت الشاطىء فى تحقيق ونشر كتاب مقدمة بن الصلاح ومحاسن الاصطلاح". وأوضح فيها أهمية هذه المقدمة التى يترتب عليها بيان أهمية عمل صاحبة الندوة. فمقدمة بن الصلاح فى عالم الحديث هي واسطة عقد شأنها كمقدمة بن خلدون فى علم الاجتماع والعمران ورسالة الشافعى فى أصول الفقه. وقد شمل عمل بنت الشاطىء كذلك تحقيقا للـ "محاسن الاصطلاح" للسراج البلقينى الذى عقب به على المقدمة. وكشف البنا عن المعاناة العلمية التى لقيتها السيدة فى إخراج هذا الكتاب الذى استغرق منها عشر سنوات ما بين توثيق المتن، والمقارنة بين النسخ الخطية وما حوت من تصحيف أو سهو، وجمع تراجم كاتبيها ..الخ. وشرح ما قدمته بنت الشاطىء من إضافات إلى تحقيق النص والتدقيق فيه، خاصة جهدها فى جمع الفهارس. وقد حاول د.علي جمعه -أستاذ أصول الفقه بالأزهر الشريف- في تعقيبه على الورقة تتبع أصول منهج التحقيق الذي حاولت بنت الشاطئ. فمن خلال القراءة المتعمقة لمنهجها نجد أنها كانت قد حاولت من خلال كتابها إرساء منهجاً في التحقيق، وعملت جاهدة على مد الأواصر بين منهاجها وبين موروث مناهج المسلمين عبر قرون في التعامل مع علم الحديث، أي أنها تعود في عملها في هذا الكتاب بجذورها المعرفية للنسق المعرفي الحضاري الإسلامي . وذلك بما يتوافق جزئياً مع منهجها في علوم القرآن. والورقة الأخرى العامة المقابلة قدمتها د.أميمة أبو بكر – -أستاذة الأدب الإنجليزي- بعنوان " المحدثات فى التاريخ الإسلامي (القرن ال14، وال 15م)"، وحاولت فيها تنسيب جهد عائشة في علم الحديث إلى منظومة معرفية في الموروث الإسلامي لا تعزل المرأة عن إنشاء وتطوير العلوم الدينية وعلى رأسها علم الحديث، بل وتجعلها جزء رئيسي في بناء المعرفة. وذلك من خلال تتبع موروث إسهام المرأة المسلمة في علم الحديث. بحثاً عن دور النساء كمحدثات وعالمات . عنيت د. أميمة أبو بكر بالمحدثات فى قرنين هما الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، حيث تجاوز علم الحديث مجرد الرواية وصار علماً يتجشم طالبه عناء تحصيله وطلبه من مصادره من جانب وتتضاعف أعباءه لدى المرأة الممنوعة آنذاك من الاختلاط، والمقيدة حريتها فى السفر وطلب العلم وحضور مجالسه. ومع ذلك كان هناك من النساء من ولجت هذا المسلك الصعب بحثا عن العلم وإسهاماً فى نقله وتعليمه. المحدثات كما تم رصدهم في الورقة هن أولئك المتخصصات فى دراسة علم الحديث بطريقة الرواية والدراية والعلم بأسماء الرواة وطرق الأحاديث والإسناد، بينما " التحديث" هو تدريس فقه وعلوم الحديث الذى ارتبط غالبا بالتشريع وفقه الأحكام. وشرحت الورقة المسالك التى اتخذتها النساء المسلمات فى سياق العملية التعليمية بدءاً من التعليم المنزلى والإفادة من البيئة والنشأة الدينية فى التحصيل، وصولاً إلى المشيخة. وأوردت عديداً من النماذج للشيخات المحدثات الاتي اتسع نطاق إسهامهن إلى مختلف علوم الدين واللغة فضلا عما قدمنه من نماذج أخلاقية رفيعة للتقوى والحكمة. وفي تعقيبه على الورقة الثانية، أكد د.على جمعة على أن المرأة لم تكن يوماً سوى مسهم رئيسي في سلاسل رواة الحديث، وأن أمهات كتب الطبقات قد ذكرت المئات من الراويات من الصحابيات ومن القرون التالية، وكبار الأمة قد تعلموا على يد محدثات، فمثلاً ذكر ابن سعد في طبقاته 700 امرأة راوية، وتعلم ابن حنبل على 53 أو 56 محدثة. ولكن طرح د.جمعة تساؤلين، أولهما حول تناقص عدد المحدثات من عصر للآخر وصولاً للعصر الحديث، فهو شخصياً توجد في سلسلة سنده امرأة واحدة فقط في مقابل 53 امرأة في سند ابن حجر العسقلاني من خمسة قرون، فما السبب وراء ذلك. والتساؤل الثاني حول النسبة الضئيلة لعدد المحدثات بالرغم من أن النظام الإسلامي قد فتح الباب واسعاً أمام مشاركة المرأة في علم الحديث والعلوم الأخرى، إضافة لوقوف المرأة في العلم عند مرحلة الرواية وعدم وصولها لمرحلة الاجتهاد. ويرى أن الأسباب خلف ذلك لا تعود فقط لهيمنة ذكورية أو عدم إتاحة النظام لذلك، ولكن الأسباب مركبة وفي جزء كبير منها يرجع ذلك لطبيعة المرأة نفسها وعدم قدرتها أو رغبتها في الانخراط في العلم والاجتهاد فيه. ورفضت د.أميمة الرؤية التي طرحها د.جمعة، حيث رفضت اختزال الأسباب التي حالت بعد القرن التاسع الهجري دون بروز المرأة كمحدثة إلى أسباب تعود لطبيعة المرأة نفسها، فرفضت إلقاء اللوم على الضحية فقد عاشت المرأة في سياقات سياسية واجتماعي غاية في التعقيد، وقد تكون هناك عوامل بعينها ساعدت في بعض الفترات التاريخية في النخب الثقافية على أن تصل المرأة إلى مراحل متقدمة من العلم، وقد تكون هناك عوامل مختلفة قد أعاقت في فترات تاريخية أخرى. ولم تبرز أسماء النساء التي حفظها التاريخ من خلال ممارستهن لنقل العلم في المؤسسات الرسمية كالمدرسة أو دار القضاء، ولكن مارسن ذلك فقط في المنازل والمساجد، مما يدلل على وجود هيمنة من قبل فئات عينها على المؤسسات الرسمية للعلم وتهميش المرأة فيها، مما أعاق الكثير من النساء عن ممارسة نقل العلم وأثبط عزائمهن عن ذلك. إضافة إلى أن المرأة بالفعل قد تخطت في نقل العلم مرحلة الرواية إلى مراحل أكثر تقدماً في الإفتاء، فقد ذكرت في كتب الطبقات أسماء النساء الفقيهات وآلاتي أُجزن بالإفتاء ونساء اعتنقن مذهباً معيناً في الفتوى مخالفات مذاهب آبائهن أو أخواتهن من العلماء الذكور…الخ. إذن، لا نستطيع القول أن المرأة غير مؤهلة فطرياً للاطلاع بالمهام العلمية، أو أنها قد وقفت عن مراحل أولية فيه. وطرحت د.أميمة ثلاثة خلاصات في نهاية النقاش، الخلاصة الأولى هي أن الظروف الاجتماعية والسياسية وهيمنة الرجال على مؤسسات العلم دون النساء قد حالت دون كثافة إسهامهن، والثانية أن قلة نسبة تمثيل النساء في كتب الطبقات مقابل الرجال تعود لعدم التأريخ للنساء كما يجب وتهميش أدوارهن عند تدوين التاريخ، والخلاصة الثالثة أن هناك فجوة ما في تاريخ إسهام النساء في العلم منذ القرن التاسع الهجري حيث بدأ أفول النساء عن هذا المجال، وعلينا أن نبحث في الأسباب. وعلينا النبش في المصادر القديمة لاستخراج موروث النساء المجهول والذي يجب علينا الكشف عنه وحتى وإن كان قليل. (3)تراجم سيدات بيت النبوة: أنساق معرفية متباينة: أما الجلسة الثالثة والخاصة بمحور تراجم سيدات بيت النبوة، فقد قدمت فيها ورقتين، الأولى للباحثة أمينة محمود –باحثة في الفسلفة- بعنوان"تراجم سيدات بيت النبوة بين الإبداع والتأريخ". انصرفت الورقة لتحليل أهم أعمال الراحلة بنت الشاطىء فى مجال الترجمات - وأشهر أعمالها لدى العامة على الإطلاق - وهو "تراجم سيدات بيت النبوة ".استهلت الباحثة عملها بتقديم مدخل تمهيدى ترصد فيه خصائص فن الترجمة خاصة فى التراث العربى والإسلامى وما أدخلته عليه المناهج الغربية الحديثة من تعديلات انتهت بهذا الفن لأن يصبح جسرا يربط بين الأدب والتاريخ من جانب والإبداع والعلم من جانب آخر. كما رصدت الباحثة فى تمهيدها حقلين من التراجم الإسلامية وثيقى الصلة بتراجم سيدات بيت النبوة، هما السيرة النبوية وتراجم النساء. لتخرج من هذا العرض إلى طرح قضايا وإشكاليات ذات أهمية فى منهج عائشة عبد الرحمن فى الترجمة لسيدات بيت النبوة، أهمها قضية المراوحة بين نماذج الترجمة فى إبراز أو تخفيف الملامح البشرية عن خبرة الرسول صلى الله عليه وسلم الحياتية. ولجأت الباحثة لآلية المقارنة للكشف عن منهج بنت الشاطئ في الترجمة، حيث قارنت عملها بترجمتين معاصرتين لتراجم سيدات بيت النبوة للعقاد ووداد سكاكيني. وخرجت الباحثة من ذلك بوجود فلسفات متعددة للترجمة ولعل أشهرها فلسفة " الإنسان العظيم" أو الإنسان النموذج، وكذلك بأن الترجمة مرآة تعكس شخصية وانحيازات وأغراض وقيم وأدوات ومناهج " كاتب الترجمة" قبل "صاحب الترجمة" مما جعل الترجمة فى النهاية أقرب إلى الإبداع والفن منها للتاريخ. وحللت الباحثة "تراجم سيدات بيت النبوة" لبنت الشاطىء من زوايا عدة، منها ما يتعلق بالجانب البحثى والتاريخى، ومنها ما يمس الجانب التأويلى والدلالبى ، ومنها ما يرصد البعد الفنى فى هذه الترجمات. أما الورقة المقابلة والخاصة بفن الترجمة بوجه عام، وموروث تراجم سيدات النبوة في فن الترجمة قديماً وحديثاً قدمتها الباحثة زينب أبو المجد –باحثة في العلوم السياسية ودراسات المرأة- بعنوان" التراجم: أنساق معرفية متباينة- بماذا تخبر عائشة أم المؤمنين؟". وقدمت الورقة نقداً ما بعد بنيوياً للاقترابات التي تبناها الخطاب العربى للترجمة في جذوره الحديثة وتجلياته المعاصرة في الترجمة، وركزت بوجه خاص على الاقترابات النسوية في تناول تراجم المرأة وسيدات بيت النبوة. رأت أن التراجم في واقعها ليست نصوصاً مصمتة من السيرة، إنما تعكس في واقعها الأنساق المعرفية التي تعمل من داخلها. ويتجلى ذلك في اقترابات ومضامين الترجمة في الموروث الإسلامي وما يقابلها من اقترابات حديثة modern biography. وبعد عرض نماذج للمناهج المختلفة للترجمات قدمت الباحثة لتراجم النساء المسلمات القديمة والحديثة مع التركيز على التراجم النسوية أو التي قدمته نساء. لتثبت من خلال المنهج الجينولوجي أو تتبع أنساب الأفكار أن كتابة الترجمة لم تكن قط عملاً بريئاً، بل يحمل داخله تحيزات معرفية ونوعية أيضاً. فتتدخل عوامل التنشـئة والانتماءات المعرفية المتنازعة بين التقليدي والحديث والنسوي في تحديد محتوى نص الترجمة وتحيزاته. وعالجت الباحثة بالنقد والتحليل في هذا السياق نماذج عديدة تقليدية وحديثة ونسوية، بدءاً من طبقات ابن سعد ومروراً بالدر المنثور لزينب فواز، ووصولاً للسلطانات المنسيات لفاطمة المرنيسي. وأخيراً تخيرت الباحثة نموذجا لشخصية حظيت بنصيب وافر في الترجمة لها من مختلف التوجهات التقليدية والحديثة والنسوية، وهى أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها. اختبرت الورقة كيف صارت سيرة وترجمة عائشة بنت أبي بكر نص رمزي يتجاوز الحدود الزمانية والمكانية، وتوظفه الاقترابات المختلفة لأغراض إيمانية وأيديولوجية وسياسية ونسوية وذكورية أيضاً. وأيضاً اختبرت في ذلك الصدد نماذج لنصوص عديدة للترجمة لعائشة، منها لابن تيمية وسعيد الأفغاني وبنت الشاطئ ونبية أبوت ودينيز سبيلبرج وغيرهم. أثار المعقب د.عماد بدر الدين أبو غازي إشكالية منهجية في تعقيبه على الورقة الثانية، حيث رفض التركيز على البعد الديني كبعد رئيسي من أبعاد البحث والتحليل، وقد ظهر ذلك في تتبع العوامل الدينية في تنشأة كاتب الترجمة العربية وانعكاسات ذلك على النص. واعترضت زينب أبو المجد على ذلك بأن الورقة قد اتخذت من آليات تحليل الخطاب اقتراباً لها، ومن أسس تحليل النص في المدرسة ما بعد البنيوية وأيضاً طبقاً لآلية تتبع أنساب الأفكار أو الجينويوجي- دراسة السياقات غير النصية للخطاب، ويتضمن ذلك تتبع والكشف عن جذور الأفكار المطروحة في النص في السيرة الذاتية للمؤلف. وبما أن الخطاب الذي تناولته الورقة في فن الترجمة يقع في دائرة مؤلفين نشأوا في بيئة "مسلمة" وتلقوا في طفولتهم وعياً مشبعاً بمعطيات ثقافة تستمد جل قيمها من الموروث الديني، ولذلك كان لابد من أخذ هذا البعد في الاعتبار عند التحليل وإلا عد ناقصاً مختزلاً فاشل في تطبيق الاقتراب. خاصة وأن الورقة في جزء كبير منها تتناول تراجم سيدات بيت النبوة وهي شخصيات تمثل رموزاً دينية بالأساس. ثانيـاً: المـرأة والكتابـة:أدب المرأة وسيرتها الذاتية في الجلسة الرابعة والخاصة بمحور الأدب والسيرة الذايتة، دلفت الباحثة عزة جلال – باحثة في العلوم السياسية- في ورقتها "الأدب الإسلامى.. مدخل لقراءة أدب عائشة" إلى أدب بنت الشاطئ من مدخل الأدب الإسلامي، حيث صنفته تحت واحد من اتجاهات هذا الأدب. طرحت الباحثة فى البداية إشكاليات مفهوم الأدب الإسلامى والسجالات الدائرة حوله والتى أبرزت عدم الاتفاق حول المفهوم وما يدخل فى نطاقه. وأشارت الورقة إلى أن أهم ما أسفر عنه الجدل حول المفهوم هو التنازع بين اتجاهى الإلزام والالتزام؛ فالأول يلتزم التضييق فى تعريف الأدب ويعمد إلى " التدخل" وإملاء كل عناصر العملية الإبداعية بدءاً من الموضوع والمنهج وأسلوب المعالجة الفنية بدعوى ضمان موافقتها الضوابط الإسلامية. أما الاتجاه الثانى فيتسم بالمرونة والاتساع الشديد حيث يرى الأدب الإسلامى هو كل ما يخدم فى النهاية روح الدين وقيمه العليا وأخلاقياته تاركا للكاتب حرية الإبداع فى الموضوع والمعالجة. ورأت أن أدب بنت الشاطىء يصنف داخل الاتجاه الثانى بل يعد أحد النماذج الممثلة لهذا الأدب الذى يجسد مفهوم الالتزام التلقائى للكاتب الذى ينبع من تشربه الطبيعى بالثقافة الإسلامية العامة التى ينشأ من داخلها. وقد تجلت تلك الآثار فى أدب عائشة فى لغتها المتأثرة بلغة القرآن، وفى الفلسفة التى عالجت بها مأساة أبطالها- يلاحظ أن بطلاتها كلهن من النساء- حيث نزعت إلى عذرهن وعدم إدانتهن، والنظر إليهن كبشر خطائين ضعفاء النفس يزل كثيرون منهم عن جهل بالحقيقة لا عن شر بالسليقة. وتدفعهم الأوضاع الاجتماعية الظالمة لظلم أنفسهم. والورقة المقابلة كانت للباحثة هند مصطفى –باحثة في العلوم السياسية- بعنوان "الرمز الدينى فى نماذج الرواية النسائية المعاصرة" وانصب اهتمامها حول تكييف وعى المرأة/الكاتبة الدينى فى جنس أدبى بعينه هو "الرواية" باعتبار الأخيرة ملحمة ذاتية تتيح للمؤلف أن يلتمس من خلالها معالجة الكون بطريقته الخاصة (حسب تعبير جوته). رصدت الباحثة بين مطلع الرواية النسائية ( قبل ما يزيد عن مائة عام ) وبين حاضرها هوة كبيرة ترتبط بنضج أكبر للتجربة الإبداعية النسائية وتبلور علاقتها وإحساسها بالوجود. ويشمل هذا النضج علاقة الكاتبات بالدين بمعانيه الأوسع؛ تلك الأفكار العليا التى تشكل عناصر وعى الفرد بذاته فى علاقته بخالقه ومفهوماته حول الخالق والحياة الأخرى، وتعريفاته لمفاهيم الغيب والإيمان والكفر والثواب والعقاب. حيث الدين بهذا المعنى بعد حاضر فى العمل الإبداعى حضوره فى ذات المبدع. وانطلاقاً من ذلك، رصدت الباحثة الموقع الذى احتله الدين ومفرداته المختلفة فى أعمال العديد من الكاتبات والأديبات المعاصرات مثل نوال السعداوى وسلوى بكر وميرال الطحاوى واحلام مستغانمى وفاطمة المرنيسي، وتحليل علاقته برموز أخرى كالوطن، الهوية، الانتماء، الجسد، المؤسسات، الجدود والضوابط الاجتماعية. وحول السيرة الذاتية النسائية، قدمت الباحثة أ.أمل حمادة –باحثة في العلوم السياسية- ورقتها بعنوان "السيرة الذاتية لعائشة عبد الرحمن : البحث عن إجابات". " نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر".. بهذه الكلمات لنيتشة استهلت الباحثة ورقتها، وقدمت في البداية محاولة لفهم المنطلقات النظرية للسيرة الذاتية كجنس أدبى بما يعين القارىء على قراءة هذا اللون. انطلقت هذه المحاولة من الجهد الذى قدمه د. جابر عصفور فى كتابه زمن الرواية عن أدب السيرة الذاتية. وبهذا تكون قد اختارت " مدخل الذاتية" الذى انطلق منه د. عصفور فى تأصيل هذا اللون من الأدب، ذلك المدخل الذى ينظر لوظيفة أدب السيرة الذاتية من منظور وحيد هو " أنا " كاتبها حيث السيرة هى " لحظة فاصلة دالة فى حياة الأنا.. لتجتلى فيها لحظة ما فى حياتها الماضية لها صلة بالأزمة المعاصرة التى تواجهها الأنا". من هذا المنطلق قامت الباحثة بقراءة وتحليل "على الجسر" السيرة الذاتية لعائشة عبد الرحمن، كسيرة كتبتها إمرأة فى حالة أزمة بعد فقد زوجها ومعلمها ورفيق دربها أمين الخولى. ومضت في تحليل محاور سيرة عائشة الذاتية وهى : علاقتها بأمين الخولى، علاقتها بالعقل والمعرفة. ومن نفس المنطلق اتجهت الباحثة لإجراء مقارنة بين سيرة عائشة عبد الرحمن وسير بعض الكاتبات النسويات المعاصرات، مثل نوال السعداوى ، وفاطمة المرنيسى، وإنجى أفلاطون، وفدوى طوقان عبر محاور أخرى شديدة الصلة بالذات والأنا في تجربتهن، مثل الأم، الجسد، الرجل. وفي تعقيب د.هدى الصدة – أستاذة الأدب الإنجليزي- على الورقة الأولى، توقفت أمام مفهوم الأدب الإسلامي الذي تبنته الورقة، حيث رأت أن أدب بنت الشاطئ لم ينفرد وحده بإثارة قضايا ازدواجية المعايير الأخلاقية في التعامل مع الرجال والنساء في المجتمع الحديث وبمحاولة فك الاشتباك بين الأخلاق والعرف أو الدين والعرف، بل أثارت نفس القضايا كاتبات معاصرات لها اتسم أدبهن بسمات مشابهة لأدب عائشة، وقد يصنفن على أنهن "علمانيات" مثل لطيفة الزيات وأمينة السعيد ونوال السعداوي، مقابل بنت الشاطئ "الإسلامية". وهذا يجعلنا نتشكك في أو نتحفظ على مفهوم الأدب الإسلامي، ومعايير تطبيقه على نصوص أدبية دون الأخرى. وفي تعقيبها على الورقة الثانية، رأت أن الورقة ضمناً ظلت تبحث عن "الثقافة الإسلامية" ومدى تجسدها في الأدب النسائي أو نماذج بعينها فيه. ورأت د.هدى أن أبعاد الثقافة الإسلامية حاضرة في نشأتنا جميعاً، وليست حكراً على من كان أبيه شيخاً أو يكون قد درس علوم القرآن. ثم عقبت على المدخل المنهجي للورقة الثالثة، فبرغم أن الباحثة في مدخل البحث نقدت المنهج النقدي الذي يتم به الدخول غالباً لقراءة السيرة الذاتية من حيث إسقاط افتراضات مسبقة على السيرة معبرة عن انحيازات الباحث، ولكن كان هذا هو نفس ما سقطت فيه الباحثة عندما تحيزت لنموذج بنت الشاطئ وأعلنت أن بنت الشاطئ في سيرتها الذاتية كانت الأكثر وعياً واتساقاً مع نفسها كعالمة وشيخة تعي دورها، وذلك في مقابل نماذج نسوية أخرى ربما تكون خارج نطاق تحيز الباحثة مثل إنجي افلاطون. ورأت د.الصدة أن الورقة الأخيرة نزعت ضمناً نحو تنميط النماذج النسائية إلى فئات معينة، تمثل بنت الشاطئ نمطاً أقرب للمثالي فيها في حين نوال السعداوي وإنجي أفلاطون تبتعدان عن المثالية وتمثلان نمطاً آخر مقابل. ورأت د.الصدة أنه من الضروري لنا مقاومة التصورات السائدة أو الفئات الجاهزة التي تصنف عليها النساء، وعلينا أن نشارك في إنتاج تصورات ثقافية مغايرة عن النساء دون الانزلاق في فخ النموذج الواحد، أو وضع المعايير الصارمة للنموذج المثالي، ونعي أننا نتحدث في جانب وباسم جميع النساء العربيات والمسلمات على تعدد نماذجهن وتجنب تكريس الثنائيات الحادة في فكرنا المعاصر. لفتت د.منى أبو الفضل في مداخلتها حول السيرة الذاتية أهمية هذا الفن منهاجياً أو فيما يتعلق بمفهوم جينيولوجيا الأفكار. حيث رأت أن السيرة الذاتية تعد مدخلاً هاماً من مداخل تتبع أنساب الأفكار، فهي مفتاح لتحليل النص للتعرف على مصادر ومنابع تشكل وتكون فكر ما يطرحه صاحب النص، أو تكشف عن انتماءات أيديولوجية معينة قد ينحاز لها، أو منهج تحليلي كامن أو ظاهر في الخطاب..الخ. وبذلك فهي مدخل لدراسة الفئات أو النخبات الثقافية على مدار قرن أو ما يزيد، تمنح القدرة على إزالة النقاب عن أبعاد المواجهة الحضارية الكامنة في منابع تشكل الفكر. لقد عانت النخبات الثقافية العربية والمسلمة من فراغات مرجعية، بدأت مع سفر الأجيال الأولى منها في بعثات دراسية لأوروبا والانبهار بالحضارة الغربية. واللقاء مع الآخر من موقع الضعف ولّد أنماط متفاوتة الاستلاب من المثقفين. وكان التعبير عن ذلك لدى كل مثقف حسب بيئته، والتحليل النفسي لشرائح ثقافية بأكملها أصيبت بذلك الاستلاب هو أول الخطوات نحو تفكيك وإعادة بناء reconstructing الهوية الممزقة. المرأة وشهادة العصر:في الجلسة الخامسة والخاصة بموضوع شهادة العصر، قدمت د.نادية مصطفى- أستاذ العلوم السياسة-ورقة بعنوان "عائشة عبد الرحمن شاهدة عصر". رأت الورقة أن شهادة عالمة التراث بنت الشاطىء على عصرها هى محاولة على طريق عبور الفجوة وإعادة بناء الجسور بين " التراث" و"العصر". وبنت الشاطىء كشاهدة عصر لم تكن تصف ولا تشخص بالتفصيل، ولكن تقيم وتفسر فى ضوء منظومة قيم مستمدة من الذات، وفى ضوء تاريخ حضارى غنى بالدلالات. انتهت مراجعة الورقة لعينة واسعة من مقالات بنت الشاطىء كشاهدة عصر على مدى عقد التسعينيات إلى عدد من الخصائص التى ميزت هذه الشهادة؛ من أبرز تلك السمات الربط بين الروحى وبين الواقعى، والربط بين الفتن والنوازل التى تصيب الأمة وبين قضية الأخلاق، كذلك تميزت مقالات بنت الشاطىء بحضور قوى لمفهوم الأمة التى يربط بين شعوبها ثوابت مستمرة تصمد أمام المحن وتتحدى استلاب الهوية. تميزت تلك الشهادات كذلك بتوظيف ممتد ومتصل للتاريخ الإسلامى واستدعاؤه لبيان معان هامة بعضها سلبى كالسقوط والفتن وكيد العداء، وبعضها إيجابى كالاستمرارية والجهاد. وقدمت إيمان فريد –باحثة أنثربولوجية- الورقة المقابلة بعنوان "شهادة شاهدة من أهلها: التاريخ رجل وامرأة". مستخدمةً الاقترابات الأنثربولوجية وبرؤية نسوية، نظرت الباحثة للشهادة على العصر في مفهومها الأوسع، على اعتبار أن كل ما تكتبه المرأة العربية سواءً كان في صورة أدب أو سيرة ذاتية أو بحث ما هو إلا شهادة منها على العصر، تحمل موقف المرأة/الكاتبة من قضاياها كامرأة ومن قضايا المجتمع وما يحمه من زخم ويتعرض له من تأثيرات داخلية وخارجية. في ثنايا الورقة عبرت الباحثة على نماذج كثيرة لكتابة المرأة، مثل لطيفة الزيات وفتحية العسال وأروى صالح وأهداف سويف وليلى أحمد وفريدة النقاش ومنى رجب. ومن خلال قراءتها لمصادر البحث تسعى لفهم موطن الخلط أو النجاح أو السقوط أو الزيف أو الاستلاب فى النص من خلال التمييز الواضح الذى تعيه الباحثة بين عنصرين هامين: الدين كعقيدة من جانب والتوظيف السياسى الأيديولوجى المؤسسى لنصوصه المقدسة من أجل فرض حالة قهر مزدوج على المراة كأنثى ومواطنة من جانب آخر. وطرحت على تلك النصوص أسئلة بحثية تتعلق بهموم الكاتبة، انعكاس زات ومكان الكتابة، علاقات القوى كما تبدو في النص، مدى امتزاج الأنا بالنحن ..الخ. وتساءلت الباحثة عن إمكانيات وجود " البديل الثالث " الذى يتيح مساحة لوجود المرأة المسلمة المتموضعة داخل بيئة تفرض عليها ثنائية وتناقضاً زائفاً بين مفاهيم دينها وقيم الحقوق والكرامة الإنسانية وكأنهما متضادين. في تعقيب المستشار طارق البشري على ورقتي محور الشهادة على العصر، انتقل من شهادة المرأة إلى الشهادة بوجه عام في خطاب النخب الثقافية، ودورها الوظيفي ارتباطاً بمفهوم الهوية. حيث أن الشهادة تلعب دوراً رئيسياً في التأكيد على الهوية الوطنية بأبعادها المختلفة، وفي الدفاع عن حضارة وطن. فالشهادة مرتبطة بواقع الحياة ومجرياتها اليومية في هذا الوطن وهذه الأمة، وبالتالي هي من أكثر الفنون التي تستطيع حمل أمانة التأكيد على أبعاد الهوية الوطنية. وقد وظفت بنت الشاطئ شهادة العصر في مشروعها الفكري الأشمل والمرتبط باستعادة جذور الهوية العربية الإسلامية والحفاظ عليها. والملفت للنظر في شهادة بنت الشاطئ أنها لم تكن تعبر مطلقاً عن هويتها كامرأة، وإنما ننسى ذلك ونحن نقرأ لها، بعكس ما قد يتجسد في شهادات الكاتبات الأخريات، وذلك حيث أنها كرست جهودها الفكرية للذود عن هويتها الحضارية الإسلامية. وفي النهاية، عقدت على هامش الندوة حلقتين نقاشيتين، تتكاملان ومحاور الندوة، أعدت د.أماني صالح الورقتين الخلفيتين لهما. ودارتا حول: (1) الأكاديميا الحديثة ودراسات المرأة:
كان محور المائدة المستديرة الأولى "مسـتقبل دراســات المرأة في الجامعـات العربيـة والإسلامية". وسارت المناقشات فيها على مستويين، المستوى الأول حول تشكيل وبناء حقل دراسات المرأة في الداخل الأكاديمي العربي والإسلامي، من خلال طرح منظور جديد لبناء البرامج والدراسية والمناهج العلمية مقابل نموذج الجامعة الحديثة. ومستوى خاص بالموضوعات أو أجندة القضايا التي تقوم عليها مناهج دراسات المرأة وما قد تعانيه من تحيزات وأبعاد سياسية مفروضة تهيمن عليها. على المستوى الأول تحدثت د.منى أبو الفضل عن حقل دراسات المرأة كحقل جديد في الأكايميا الغربية، لم يتم تأصيله بعد في الأكاديميا العربية. وجعلت من مناقشة حقل دراسات المرأة مدعاة لفتح ملف أكثر اتساعاً، وهو مراجعة أصول تأسيس العلم وبناء وتشكل الأكاديميا الحديثة في القرن العشرين، وما عانته من أخطاء الاستعارة والمحاكاة من جانب، وفصل الموروث عن الحديث من جانب آخر من خلال عزل التعليم الديني عن الجامعة الحديثة. وطرحت فكرة تأسيس الحقل لدينا في الأكاديميا العربية بمنهاجية بديلة، تجعله نموذجاً جديداً لكيفية بناء حقل أكاديمي من الداخل الحضاري. فيستند لتقاليد البحث العلمي في خبرتنا التراثية في الحضارة الإسلامية، وفي ذات الوقت نفيد فيه من الأعمال التي قُدمت فعلاً في هذا المجال في حقل دراسات المرأة في الغرب. وبالأخص تلك الدراسات التي قامت حول المرأة المسلمة والمرأة في العالم الإسلامي والشرق الوسط. هذا النوع من الدراسات بدأ بكثافة منذ منتصف السبعينيات، وقدم فيها إنتاج علمي غزير ورصين، علينا الإفادة منه وتطوير رؤانا المتمايزة بالاستعانة بالاقترابات النقدية المستحدثة التي يطرحها. وقدمت د.دلال البذري أستاذة علم الاجتماع نقدها لواقع حقل دراسات المرأة الآن في الغرب. حيث رأت أن الدراسات في الواقع تعاني أزمة معرفية، حيث تستبطن الدراسات النسوية في الغرب منظوراً صراعياً للعلاقة بين الرجل والمرأة، مما أثار رد فعل لدى دراسات مقابلة تطلق على نفسها "دراسات النوع Gender Studies " تحاول أن تدرس المرأة ليس كفرد منعزل ولكن في إطار علاقتها بالرجل كعلاقة تفاعل وتكامل وليس صراع، ولذلك فقد رفضت قيام حقل لدراسات المرأة لما يعانيه من هذه التحيزات المعرفية. وعلى العكس من ذلك، رأت د. منى أبو الفضل أن دراسات المرأة قد استطاعت تطوير نفسها نظرياً في السنوات الأخيرة بالقدر الكافي، حيث انفصلت عن جذورها السياسية التي نشأت مع حركات تحرير المرأة، شكلاً أكثر رصانة وتنظيماً في إثارة قضايا المرأة باقترابات أكاديمية نقدية مستحدثة وناضجة، اتجهت حتى لنقد المنظومة المعرفية الحداثية في مجملها، وفي تعاملها مع قضايا المرأة المسلمة نزعت لتجاوز الخطاب الاستشراقي وطرح خطاب أقل تحيزاً للحداثي ضد التقليدي. إضافة إلى أن مشروع جمعية دراسات المرأة والحضارة يطرح منظوراً مغايراً للمنظور النسوي الصراعي، وذلك من داخل نسق معرفي بديل للنسق المعرفي الحداثي الذي قامت عليه المعرفة النسوية. فلم ينطلق من المرأة كفرد، ولا ينظر للرجال والنساء فرادى، بل ينظر للمرأة داخل نسق حضاري، من خلال خبرتنا التراثية ومصادرنا الحضارية، وربط قضايا أو دراسات المرأة بقضايا الأمة. واتفقت د.ثريا التركي أستاذة الأنثربولوجي مع رؤية د.أبو الفضل حول تطور الحقل ونضجه منفصلاً عن جذوره السياسية. إضافة لذلك، رأت أنه يجب علينا أولاً تعريف الحقل، فالباحث الأكاديمي ينظر لدراسات المرأة ولمفهوم المرأة نفسه كمدخل منهاجي وليس هدفاً حركياً أو سياسياً أو صراعياً. حيث أن دراسات المرأة هي ما تعني بالمرأة كظاهرة مجتمعية لها علاقة بال stratifications في المجتمع عموماً، بشكل له علاقة بفهم فاعليات هذا المجتمع ككل، بما يعني أن المرأة مفهوم concept لا نستطيع فهم المجتمع بدونه، مثله مثل مفهوم الطبقة أو الجماعة الإثنية..الخ، وفي إطار هذا المفهوم تتم دراسة حركة المجتمع وتوزيعات السلطة فيه وعلاقة الرجل بالمرأة بما تحويه أبعاد للقوة. وقد أسهمت الدراسات النسوية انطلاقاً من ذلك التعريف إسهامات كبيرة في العلم نفسه، وفي بناء مفاهيم جديدة، وتطوير مفاهيم قائمة، وقدمت نظرة مختلفة تماماً للمجتمعات. على المستوى الثاني،أثار د.محمد عمارة المفكر الإسلامي قضية النسق المعرفي الذي توضع من داخله أجندة القضايا داخل حقل دراسات المرأة، حيث أن أجندة دراسات المرأة مرتبطة بنموذج قيمي يطرحه الغرب، وإذا أردنا أن نقيمها بشكل يتم قبوله في مجتمعاتنا لابد من وضعها من داخل نسق المعرفي الحضاري الإسلامي. وأثارت د.سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف مسألة دعم الدراسات التي يمكن أن تسهم في منح المرأة حقوقاً يقرها لها الشرع. حيث أن المرأة اليوم في جامعة الأزهر وصلت لأن تكون متخصصة في مختلف العلوم الشرعية، مما يؤهلها لإجراء البحوث والدراسات من داخل تخصصات الفقه والتفسير والحديث، والتي تعيد قراءة التراث وتراجع الأدوار المسندة المرأة والممنوعة عنها، مثل ممارسة الإفتاء والقضاء. وقد قدمت هي شخصياً بحثاً حول تولي المرأة لمنصب الإفتاء وذلك من خلال عملها بمركز دراسات المرأة بجامعة صنعاء. ورأت د.عزة وهبي –وكيلة وزارة بمجلس الشعب- أن هناك خللاً منهجياً في الدراسات حول المرأة ومشكلاتها، يكمن في عدم مواءمة المصطلحات المستخدمة على النطاق الدولي والتي يتم تطبيقها تطبيقاً ميكانيكياً لواقع المرأة العربية. فيجب أن نكون على وعي بالأبعاد السياسية خلف الأجندة الدولية والمشروعات والبرامج التي تطبق في معالجة مشكلات المرأة لدينا. ويجب أن يدخل الموروث كبعد أساسي في النظر لهذه القضايا.
(2) المرأة وقضايا الاجتهاد والإصلاح الفقهي:دارت المائدة الثانية حول جملة العوائق والعقبـات التراثية والتقاليدية والمجتمعية التي تعيق فعالية المرأة. وفيها أثارت د.أماني صالح قضية الإصلاح أو التجديد أو الاجتهاد الفقهي في الفكر الإسلامي بوجه عام، وأولويتها بالنسبة للمرأة المسلمة بوجه خاص. حيث أن الفكر الإسلامي في أمس الحاجة للمراجعة والإصلاح بعد مرور أكثر من قرن على إثارة قضايا الإصلاح الديني على يد الإمام محمد عبده وتلامذته، ولكن لم تتشكل مدارس تجديدية اجتهادية حقيقة. وطرحت تساؤلاً حول الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة المسلمة في إقامة خطاب تجديدي يعمل لصالحها متجاوزاً قرون الركود في الخطاب الديني. ولفتت د.عزة وهبي النظر لوجود مساحات شاسعة للتقاطع بين مشكلات المرأة في الدول العربية والإسلامية المختلفة، مما يدلل على وجود جذور واحدة لهذه المشكلات، ترتبط بشكل أساسي بالثقافة القائمة ومرجعيتها في الموروث الديني غير المتجدد. وفي هذا الإطار أكدت د.منى أبو الفضل على ضرورة المراجعة الشاملة للتراث بوجه عام، وفيما يخص المرأة بوجه خاص. فالتراث الإسلامي والمنتوج الفقهي له هو إنتاج فكري إنساني، في ضوء المرجعية القرآنية والسنة النبوية. وقد حدث تفاعل عبر الأزمان في مواطن الأمة مع هذه المرجعية في ظل ظروف الزمان والمكان، وحاجات المجتمعات المختلفة وأفهام العصور المختلفة. ولذلك فالفقه ليس بالشريعة، بل هو قواعد وأصول وعلوم من اجتهاد علماء المسلمين في ضوء فهمهم للقرآن الكريم في ضوء حاجاتهم الزمكانية ترتبط بعادات وتقاليد ترسبت، فنجد الإمام الشافعي مثلاً قد أعطى فتوى معينة وهو في بغداد وغيرها عندما جاء للقاهرة. أما الشريعة فهي المنظومة القيمية المرتبطة بالقرآن، والنسق القرآني نسق مفتوح للاجتهاد فيه ومراجعة الموروث على أساس منه، لأنه خطاب مطلق وليس بشري نسبي.
|
|
Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment -
M.A.F.]. All rights reserved.
|