For background paper go to ASWIC Activitiesندوة عائشة بنت الشاطئ : خطاب المرأة أم خطاب العصر؟المحور الخامس:" شهادة عصـر "
البحث:عائشة عبد الرحمن شاهدة عصر للباحثة : الأستاذة الدكتورة نادية مصطفى بعد تغطية الندوة للأبعاد المختلفة لفكر وإسهامات بنت الشاطىء ، ما كان للندوة أن تنفض قبل أن تتعرض لجانب من إبداعها خصت به قناة اخرى من قنوات التعبير هو المقال الصحفى الذى اتخذ عنوان "شاهدة عصر". ترى د. نادية مصطفى أن شهادة عالمة التراث بنت الشاطىء على عصرها هى محاولة على طريق عبور الفجوة وإعادة بناء الجسور بين " التراث" و"العصر" .. ذلك الاتجاه ذو المسارين .. أحدهما يسلكه الفقيه بتراث الأمة متجهاً نحو واقع مشكلاتها فى عصرها .. والآخر يسلكه العالم بعلوم العصر متجهاً نحو تحليل تراث الأمة فكراً ونظماً وممارسة. لقد انتهت مراجعة الأستاذة الدكتورة نادية مصطفى لعينة واسعة من مقالات بنت الشاطىء كشاهدة عصر على مدى عقد التسعينيات إلى عدد من الخصائص التى ميزت هذه الشهادة ؛ من أبرز تلك السمات الربط بين الروحى وبين الواقعى ، والربط بين الفتن والنوازل التى تصيب الأمة وبين قضية الأخلاق ، كذلك تميزت مقالات بنت الشاطىء بحضور قوى لمفهوم الأمة التى يربط بين شعوبها ثوابت مستمرة تصمد أمام المحن وتتحدى استلاب الهوية. تميزت تلك الشهادات كذلك بتوظيف ممتد ومتصل للتاريخ الإسلامى واستدعاؤه لبيان معان هامة بعضها سلبى كالسقوط والفتن وكيد العداء ، وبعضها إيجابى كالاستمرارية والجهاد.. وتنتهى د. نادية الى أن بنت الشاطىء كانت شاهدة عصر لا تصف ولا تشخص بالتفصيل ولكن تقيم وتفسر فى ضوء منظومة قيم مستمدة من الذات وفى ضوء تاريخ حضارى غنى بالدلالات .. فمنهجها فى الشهادة على العصر هو منهج الفقيهة المحدثة المؤرخة الأديبة..
سرة ذاتية: أ.د. نادية مصطفى - أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. - دائرة اهتمامها البحثية سياسات العالم الثالث والعالم الإسلامى والنظام الدولى . - المشرف على تنفيذ مشروع العلاقات الدولية فى الإسلام الذى صدر عام 1996 فى إثنى عشر جزءاً. -مشرف مشارك مع د. سيف الدين عبد الفتاح فى إصدار حولية “أمتى فى العالم”. - مدير مركز الحضارة للدراسات السياسية. -لها مجموعة من الدراسات المتخصصة فى العلاقات الدولية منشورة فى الدوريات العلمية.
البحث: شهادة شاهدة من أهلها: التاريخ رجل وامرأة للباحثة : الأستاذة إيمان فريد بمنظور مختلف ينتمى الى الخطاب النسوى - الأنثروبولوجى ما بعد الحداثى لغة وتساؤلاً وطرحاً وإن حفل بروح مسلمة صميمة فى هواجسها وانتماءاتها .. تقدم إيمان فريد ورقتها البحثية المقابلة لشهادة العصر. تصدمنا هذه المعادلة البادية التنافر الكامنة التجانس للباحثة منذ الوهلة الأولى للقراءة عندما تستهل ورقتها باقتباسين معا أحدهما لمحمد عبده والآخر لميرال الطحاوى. تبحث إيمان فريد عن شهادات العصر المقابلة والمعاصرة لإنتاج عائشة عبد الرحمن بمنظور وظيفى لا ينظر للشهادة كعنوان خاص وإنما كتعامل شائع وسار فى شتى نماذج كتابة المرأة من الأدب والنقد وخلافه وحتى السيرة الذاتية يتعلق بموقف الكاتبات من قضايا مجتمعهن وأمتهن . بهذا المسلك البارع تغلبت الباحثة على ندرة النصوص المعنونة بشهادة العصر. تطرح إيمان فريد على تلك النصوص أسئلة بحثية محايدة؛مثل الهموم الأساسية للكاتبة، انعكاس زان ومكان الكتابة، علاقات القوى ، مدى امتزاج الأنا بالنحن ..الخ ولكنها فى المقابل تصرح بوضوح عن هاجسها غير المحايد فى البحث الذى تطرحه على تلك الكتابات : تبحث إيمان كما تقول عن إمكانيات " البديل الثالث " الذى يتيح مساحة لوجود المرأة المسلمة المتموضعة داخل بيئة تفرض عليها ثنائية وتناقضا زائفاً بين مفاهيم دينها وقيم الحقوق والكرامة الإنسانية وكأنهما متضادين . ومن خلال قراءتها لمصادر البحث تسعى لفهم موطن الخلط أو النجاح أو السقوط أو الزيف أو الاستلاب فى طرح هذا الانقسام المصطنع من خلال التمييز الواضح الذى تعيه الباحثة بين عنصرين هامين : الدين كعقيدة من جانب والتوظيف السياسى الأيديولوجى المؤسسى لنصوصه المقدسة من أجل فرض حالة قهر مزدوج على المراة كأنثى ومواطنة من جانب آخر. من هذه المنطلقات تشق إيمان فريد طريقها فى رصد شهادات النساء على عصرهن عبر كتابات عديد من الكاتبات المعاصرات مثل لطيفة الزيات ، وفتحية العسال وأروى صالح وأهداف سويف وليلى أحمد وفريدة النقاش ومنى رجب . ويبقى "الفريد" حقا فى بحث إيمان فريد أنه فى ذاته يعد شهادة من كاتبته على عصرها وعلى قضيتها التى اختارتها منذ البداية قضية محورية للبحث والحياة..
سيرة ذاتية: أ. إيمان فريد *باحثة أنثروبولوجية لها اهتمام أصيل بدراسات الجسد والنوع والجنوسة والعلاقة بين مفاهيم الأنوثة والذكورة * تعمل حالياً زميلة / باحثة بمجلس السكان الدولي /وحدة الصحة الإنجابية وتعكف في الوقت الراهن على التحليل الكيفي لرؤى الأطباء لصحة المرأة ضمن مشروع يهتم بالصحة الإنجابية وتطوير التعليم الطبي بمصر. *لها كتابات عن فلسفات الواقع المعاش لجسد المراة ومفاهيم الجسد الأنثوي نشرت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة والدوريات الأنثروبولوجية المتخصصة كما أجرت بحثا متخصصا عن الفن والإبداع ومجال الأنثروبولوجيا المرئية لم يتم نشره بعد. *لها فيلمان تسجيليان من إخراجها "إزي الصحة "1998 ، " صحتين وعافية "1999 .
د.بنت الشاطئ: شاهدة عصرأ. د.نادية مصطفى مقدمة: المنطلق والمنهج:تعد القراءة في فكر أعلام الأمة ورموزها مهمة ضرورية وحيوية متعددة الأبعاد والغايات. وعلى رأسها تأتي غاية إبراز منهج الاقتراب من قضايا الأمة في عصرها الراهن. وتزيد أعباء المهمة ـ وهي متعددة في الأصل ـ حين يكون العَلَمُ موسوعيا ومتخصصاً فيما قد يبدو للبعض أنه ليس له علاقة بواقع العصر ومشاكله، أي متخصصاً في تراثنا الإسلامي بروافده المتنوعة الثرية: اللغة ، الأدب، الفقه ، التاريخ الإسلامي، السيرة ، الحديث وهذا هو حال الأستاذة الدكتورة بنت الشاطئ- رحمها الله- فهي الفقيهة، المحدثة، الأديبة، اللغوية. وإذا كانت أعمال الندوة غطت هذه الجوانب من إنجاز وإبداع أستاذتنا التي سجلتها في كتبها ودراساتها العلمية، فما كان يمكن أن تنفض الندوة : دون التصدي لجانب من إبداعها تحت عنوان : شاهدة عصر والتي سجلتها في قناة أخرى هي المقال الصحفي. كيف جاءت شهادة هذه العالمة بالتراث الإسلامي على عصرها؟ فإذا كانت الفجوة التي بدأ حفرها منذ قرنين مع بداية تغريب الأمة قد استحكمت الآن بين الفقيه وبين متخصص العلوم الدنيوية الاجتماعية فيها والإنسانية، بل والطبيعية، وهو المتخصص الذي يدرس ظواهر العصر، وإذا كانت أزمة الأمة في فكرها ثم في معاشها قد استحكمت حين تدعمت هذه الفجوة التي قطعت بين علماء الأمة وبين جذورهم وتراثهم، وحيث أن طبائع الأمور ترفض استمرار هذا المنطق، فكان الاتجاه نحو محاولة سد الفجوة وإعادة بناء الجسور بين العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية كسبيل من السبل الأساسية لتجديد فكر الأمة ووعيها بذاتها ووصل ما انقطع مع تراثها. ويعد هذا الطريق طريقاً ذا مسارين: أحدهما يسلكه الفقيه بتراث الأمة متجها نحو واقع مشكلاتها في عصرها، والآخر يسلكه الفقيه بعلوم العصر متجها نحو تراث الأمة فكراً ونظماً وممارسة. وإذا كانت أعمال هذه الندوة تمثل جهداً من الجهود المبذولة على المسار الثاني، فإن هذه الورقة عن الأستاذة بنت الشاطئ "شاهدة عصر" تسلك المسار الأول ولكن من خلال قلم بنت الشاطئ، لنبحث فيما تضمنته مقالاتها في الأهرام من معان. هذا هو إذن منطلق هذه الورقة يتحدد بالتوجه العام الذي تنطلق منه الندوة في مجموعها أي كيفية التلاقح بين العلوم الاجتماعية والإنسانية وبين علوم تراث الإسلام. أما منهج الورقة فيتحدد بتخصص مُعِدَّتها ـ إلا وهو العلاقات الدولية ـ كما يتحدد بإجراءات توثيق المادة العلمية. كيف؟ لقد قرأت لبنت الشاطئ في الأهرام كما قرأ غيري، ولكني لم أقرأ بانتظام شهادتها على العصر أو حديث رمضان. ومن ثم كان إعداد ورقة عن "بنت الشاطئ" شاهدة عصر يستلزم خطوات إجرائية وأخرى منهاجية عديدة. I-الخطوات الإجرائية: تعد الورقة نتاج قراءة في مجموعة من المقالات المنتقاة بواسطة الباحثة المساعدة أ./ عزة جلال التي سجلت ملاحظاتها حول الإشكاليات الإجرائية والمنهاجية التي أحاطت بعملية التوثيق، وهي الإشكاليات المتصلة بالفترة الزمنية محل التوثيق، وبمعايير اختيار المقالات موضع الدراسة من بين مجموعة المقالات المنشورة خلال الفترة الزمنية المحددة، وبمنهج تسجيل بنت الشاطئ لبعض الأحداث والوقائع . فعن الفترة الزمنية كان اختيار الفترة الزمنية موضع التوثيق لتبدأ من التسعينيات مرده الصعوبة التي يتكبدها الباحث ليطلع على ملفات المقالات (شاهدة عصر) في جريدة الأهرام، حيث صعوبة بيروقراطية النظام المتبع، والذي يقضي بعدم تصوير الملفات والاكتفاء بالاطلاع عليها في داخل الأرشيف حيث أن التصوير لا يتم إلا لرؤساء الأقسام، وحيث يصعب الاطلاع على كافة الملفات لأخذ ما يدخل ضمن نطاق البحث موضع الإعداد والاكتفاء بهذا الاطلاع دون تصويره، كان علينا انتقاء فترة زمنية محددة، فقمنا بالتوجه إلى مركز المحروسة لإتمام ذلك حيث تصوير الملفات متاح، وحيث كان من الصعب عملياً أن نطلب الاطلاع على الملفات قبل التسعينيات نظراً لقصر المدة المتاحة لتوثيق المادة قبل كتابة البحث، ونظراً لإمكانات المركز الذي قصدناه، هذا إضافة إلى كون التسعينيات يمكن اعتبارها عينة ممثلة لشهادة بنت الشاطئ بحكم ما شهدته من زخم في الأحداث. وعن معايير اختيار المقالات موضع التحليل من مجموع المقالات المنشورة خلال المدة الزمنية موضع الاهتمام: حيث تشتمل الندوة على محاور عديدة منها ما يدخل لفكر د./عائشة عبد الرحمن كأديبة ومنها ما يدخل لفكرها كمفسرة للقرآن وككاتبة للتراجم..، فكان يراعي ألا يختلط ما نقوم برصده من مقالات مع محاور أخرى، حيث أن ما تحملنا عبئه كان دورها في شهادة العصر فكان التركيز على ما كتبته د./ عائشة عن أحداث آنية معاصرة من منظورها. وعن ملاحظات على منهج تسجيل ببنت الشاطئ لبعض الأحداث والوقائع: كانت د.عائشة تكتب تحت عنوان شهادة العصر مقالات مسلسلة حول بيت النبوة ومواقف الرسول (ص) من أصحابه وزوجاته ومآثر السلف الصالح بما يتعارض مع توقعات دخلنا بها إلى عملية التوثيق، حيث كان الاعتقاد أن ما سيتم كتابته عن الشاهدة سينغلق على الأحداث الجارية ليتناولها بالتحليل والاستعراض أو حتى النقد .. لكن هذا لا يعني أنها لم تكن تتناول الأحداث المحيطة بها فقد كان يأتي الحديث عن تلك الأمور أما في افتتاحية المقال الذي يتحدث عن حدث تاريخي أو الذي يتناول علماً إسلامياً من التاريخ أو يأتي في نهاية المقال (في عدة أسطر). أما إذا كان الحدث أكبر من أن يعبر عنه في سطور قليلة في المقدمة أو الخاتمة كانت تقطع سلسلة المقالات وتخصص مقالاً كاملاً عن الحدث لتعود بعده إلى ما كانت تتحدث فيه في سياق السلسلة. يلاحظ في القراءة السريعة للمقالات أن ما كان يشدها هو الحدث السياسي الآني، وقد تقوم بربطه بحدث تاريخي مشابه من التراث. أما ما كانت تتعرض له بالتفصيل من أحداث ثقافية فكان في الأغلب احتفاليات حضرتها بنفسها يقطع ما تكتبه شهر رمضان الذي تستبدل مقالاتها بعنوان "أنوار رمضان" تتحدث فيه عن فضائل الشهر الكريم لتعود بعده إلى ما كانت تتحدث عنه من موضوع (كسيدات بيت النبوة). ب- الخطوات المنهاجية: حيث أن هذا الانتقاء يحول دون القول إن هذه الورقة هي تحليل تراكمي مكتمل لأعمال بنت الشاطئ كشاهدة عصر، فإن هذه الورقة تقدم نتائج قراءة ذات منهج خاص قاد إلى نتائج ترتبط بالمنهج، بعبارة أخرى طبيعة المادة (جزء من كل) فرضت طبيعة المنهج الذي فرض بدوره شكل النتائج، ويتلخص منهج إعداد الورقة في أمر أساسي وهو القراءة في ضوء مجموعة من الأسئلة الأساسية التي ثارت في ذهني منذ أن أخذت على عاتقي إعداد هذه الورقة، وهي الأسئلة التي تنبثق عن طبيعة التخصص بقدر ما تنبثق عن التوجه العام السابق الإشارة إليه، وتتخلص هذه الأسئلة كالتالي: 1- د./ عائشة عبد الرحمن هذه القمة بين قمم الأدب الإسلامي والفقه الإسلامي والسيرة الإسلامية كيف يمكن أن تقترب من قضايا العصر؟ كيف ينعكس منهجها الإسلامي على شهادتها على عصر؟ كيف ستعكس سطورها ومضامينها خصائص رؤية إسلامية عن العصر؟ 2- د./ بنت الشاطئ هذه القمة الفكرية والفقهية والأدبية واللغوية التي امتد بها العمر ما يزيد عن ثلاثة أرباع القرن كيف ستحدد قضايا "العصر" ذات الأولوية؟ كيف ستنظر إلى وضع الأمة في العالم خلال العقد الأخير من القرن العشرين؟ 3- كيف ستعبر تلك الأديبة الفقيهة عن معاني العصر بلغتها العربية الرفيعة؟ وما هو أولا مفهومها عن "العصر" الذي تشهده؟ 4- وأخيراً، هل كانت مقالاتها تحت عنوان "شاهدة عصر" هي "شهادة على العصر" بالمقارنة بما هو متعارف عليه في هذا المجال؟ ولقد أسفرت القراءة في المقالات التي تم توثيقها عن تحديد مجموعة من المحاور والموضوعات التي تبين طبيعة منهج بنت الشاطئ كشاهدة عصر وخصائصه. وتتخلص هذه الموضوعات وهذه الخصائص على النحو التالي: الربط بين الروحي وبين الواقعي، وخاصة خلال الأعياد والمواسم الدينية، وعلى رأسها رمضان، الربط بين الفتن والنوازل الداخلية والخارجية التي تصيب الأمة وبين قضية الأخلاق، مفهوم الأمة موجود وقائم ويربط بين شعوبها ثوابت مستمرة تصمد أمام المحن وتتحدى الاعتقاد باستلاب هوية الأمة، قضايا الأمة التي تثير الهموم والحزن متنوعة ما بين حروب وديون وبين مفاسد داخلية وأمراض اجتماعية بين استلاب هوية وذاكرة تاريخية في ظل بدع التغريب، التوظيف الممتد والمتصل للتاريخ الإسلامي واستدعاؤه لبيان معاني الجهاد، الاستمرارية ، السقوط، الكيد وغيرها. وقبل الدخول في تفاصيل هذه الموضوعات يجدر التوقف- مبدئيا وحتى نصل إلى الخاتمة- للإشارة إلى سمتين تغلفان ما قرأته لبنت الشاطئ من مقالات: أولاهما أنه لم يمكني أن أفصل بين أنماط القضايا وبين المنهج؛ فإن مضمون القضية المطروحة يتضح بالمنهج، ومن ثم فإن بيان كيفية تقديم المضمون إنما هو بيان للمنهج في الوقت نفسه. أما ثانيتهما فتشير إلى الشعور بذلك التطابق الشديد بين بنت الشاطئ وبين الأمة ولكن في إطار مشاعر حزن طاغية تتلاطم فيها وتتطابق في الوقت نفسه مشاعر حزن شاهدة عصر لمآسي أمتها مع مشاعر حزن الأم الثكلى. هي تقول على سبيل المثال: "سلام على أمتي في شهرها العظيم، ليلة القدر ليلتنا جميعاً، التقط أنفاسي المجهدة لأكون مع أمتي في عيد فطرها". كما أنها تنسج بين حزنها على حال أمتها وبين حزنها على ابنها فتقول "بعد شهور طالت علىّ ركنت خلالها أرجع البصر من أطلال دنياي القفر ووجودي العقيم إلى البقايا الممزقة لعالمنا الإسلامي المنكوب". (8/5/92) كما تعبر في موضع آخر (24/3/94) عما تجده من وحشة الاغتراب في زمن عقيم بليد ينشغل فيه الناس عن مصائب جيرانهم من شعوب شقيقة، ويفتقد قيم التراحم الإسلامية. بعبارة أخرى تقدم بنت الشاطئ نموذجاً حياً زاخراً عن التطابق بين الفرد والأمة. وهي تعبر عن ذلك بوضوح شديد في موضوع من إحدى مقالاتها تحت عنوان "رسالة الإسلام الحضارية: مع المصطفى بشراً رسولاً يوم الرحيل". (24/3/94) فهي تقول: "..وغالباً ما تتجاوب همومنا الفردية مع هجوم الأمة والإنسانية بعموم مطلق ـ تتماحى فيه أبعاد الأمكنة وآماد الأزمنة، وتتوارى فوارق العروق والأجناس والألوان والطبقات وتندمج ذاتيتنا الفردية الجماعية في جوهر ذاتية الإنسان، يأسى لأحزان أخيه الإنسان حيثما كان ..". ولكن من ناحية أخرى كان حزن بنت الشاطئ حزن المؤمن الذي يجد تفسير نوائبه ونوائب أمته في سنة الله، كما يجد السلوى في رحاب الله تعالى ورحمته، فهي تقول: "الأيام تمضي وبنا ما بنا من حزن وقهر، ونحيى مع أمتنا شهر صيامها وعيد فطرها.. لا تنسخها عوادي الزمان وفوادح الكوارث .. فذلك أمر الله تعالى .. فيما يبلو به عباده من الشر والخير فتنةً تمحيصاً لقلوبهم وإلزاما لهم بكلمة التقوى..". (4/4/92) ومن ناحية أخرى نجدها المؤمنة المرابطة التي ترى أن المرابطة واجب على الجميع كل في موقعه كهلاً أو شاباً فيما يسر له، كما تؤمن بتكامل أدوار الأجيال حول خدمة قضايا الأمة. وفيما يلي بعض التفصيل حول نتائج القراءة، فكيف ستقودنا إذن إلى الإجابة على الأسئلة المطروحة حالياً؟ حيث يقع في صميم هذه الإجابة بيان منهج بنت الشاطئ "كشاهدة عصر".
أولاً، من دخول رمضان إلى ليلة القدر إلى عيد الفطر: الرابطة بين العقدي والواقعي:تحتل المناسبات الدينية ـ وعلى رأسها شهر رمضان ـ قيمة متميزة لدى بنت الشاطئ. ولقد كان انفعال بنت الشاطئ بها قرين انفعالها بحال الأمة: كيف؟ فمع رمضان ترى بنت الشاطئ أن الأمة ما زالت قائمة وواحدة بالرغم مما أصابها من نوازل. أ- ففي مقال تحت عنوان "قبس من نوره بين محاق وهلال" (5/3/92) يظهر مدى ربط بنت الشاطئ- بمنهج متميز- بين أيام رمضان وبين واقع حال الأمة، ففي انتظار رمضان ترصد الداء والأسباب (الاستقواء بالغير، الفرقة والتشتت) وتذكِّر بالمحن والحروب، وتنبه وتحذر من خطر إسرائيل أكبر عدو لدود، وتستعجب من سلوكنا المتهالك على اللهو وعدم الخجل مما أصاب مكانتنا، وتسجل اختلال اتزاننا لأننا لم نعد نعرف المسار وأضحينا في غفلة الوعي وقصر البصر والبصيرة. ثم تسجل مجيء هلال رمضان "بازغاً من ظلمات المحاق، فيرى أمته على عهده بها محتشدة لشهوده في مواكب الرؤية، لم تخلفه موعدها معه رغم ما ألم بها من كوارث جائحة وفتن حالقة، ولا حملها بؤس الوقت على أن تتعلل لإخلاف الموعد بمن ثكلت من مئات ألوف أبنائها في (الفتنة الكبرى) وما لقيت من فداحة الوطأة الرهيبة على شعوب منها أهلكها البغي، وديار كانت عامرة من فجر التاريخ فصارت خراباً". بعبارة أخرى فإن بنت الشاطئ تجد في "رمضان" عاملاً موحداً للأمة؛ فهو الثابت المستمر الذي يجمع ويظل شاهداً على حالها، وتأمل بنت الشاطئ أن يكشف نور رمضان الغشاوة عن بصرنا وسمعنا لندرك معنى السنن الثابتة في الكون والحياة. وتظل بنت الشاطئ على الأمل باقية، أمل أن يظل الدين موحداً، فهي تقول: "وفي مجال نوره الرحب، فوق الحدود والسدود نتراءى له (رمضان) أنه واحد.. وتشرئب مآذن.. واصلة بين أرض لنا تئن من وطأة الطاغوت وبين الآفاق العليا للحق والخير، وترجع آذان الصلاة الذي لم يغب قط عن سمع الزمان منذ أذن به للصلاة من المسجد النبوي قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة قمرية". ب- وتتكرر المعاني نفسها ولو بعبارات أخرى في مناسبة ليلة القدر، (20/3/1992) فبعد أن تشخص د./ بنت الشاطئ أنماط قضايا الأمة المختلفة من ديون وحروب وتغريب وفساد، يتبين لنا كيف ترنو إلى البعد الإيماني أملاً في حل وموحد، فتقول: "في ليلتنا، ترنو شعوبنا إلى النور البازغ من الأفق الأعلى، غير محجوب عنها بغواشي الظلمات وعربدة الطاغوت، فترفع الدعاء إلى الخالق عز وجل: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون). كما تقول: "هذه ليلتنا ليلة الملايين من أبناء الأمة" في كل مكان. لأن الجميع، فقراء وأغنياء، في الريف وفي الحضر، في دور العبادة وفي مجالس الأنس فقراء إلى الله تعالى في هذه الليلة التي يتطلعون إلى نورها يقبسون منها نفحة أمل ورجاء، وعلى موعد معها ليرفعوا إلى الله شكواهم ونجواهم. جـ- ومع العيد، وفي مقال تحت عنوان: "عيد فطرنا زكاة ودعاء وصلاة"، (4/4/1992) تجدد د./ بنت الشاطئ طرح نفس المعنى: العيد رابط من روابط الأمة مهما كانت المحن والنوازل، فتقول: "بقية من باقياتنا الصالحات، لم يطمس بهاءها وجلالها مر الأيام والليالي وكسر الغداة العشي لأكثر من أربعة عشر قرناً. وبلاغاً إلى الناس في زمان التصنيف إلى عالم أول وثان وثالث ، بين سادة وعبيد (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخيراً مرداً). نحتفل به تحدياً لمن ظنوا أن جوهر أصالتنا قد أزرى به صدأ العتاقة، وأن ملامح هويتنا قد جارت عليها فتنة الاستهواء بمحدثات البدع وألحت عليها ذرائع المسخ والتشويه والاستلاب فهان علينا أن يجور لطاغوت بغير هوية ولا تاريخ، أن يستعبد آصل الأمم هوية وأعرقها تاريخاً وعلماً وحضارة".
ثانياً، الرابطة بين قضية الأخلاق في الإسلام وبين حال الأمة:اتخذت د./ بنت الشاطئ "الإسلام والمبادئ الكلية للأخلاق" موضوعاً لمقالات "حديث رمضان" 1412هـ . وقبل أن تولج في التفاصيل اللغوية والفقهية في المقالات المتعاقبة، استهلت السلسلة بمقال تبين فيه دواعي اختيارها للموضوع، على نحو يبرز أن هذا الموضوع يقع في صميم شهادتها على العصر التي لا ينفصل فيها القيمي عن الواقعي، كما لم ينفصل فيها العقدي عن الواقعي. أ- ففي هذا المقال تحت عنوان "عبرة الأيام وحديث الموسم" (6/3/1992) تبدأ برصد "قضايا أمتنا" التي تدارستها مع ولدها أكمل أمين الخولي قبل رحيله، والتي امتحنت أمتنا في نفس العام (المقصود بالطبع أزمة الخليج والحرب أساساً)، تقول: "تواجهنا قضية (الأخلاق والإسلام) تستقطب ظواهر الأزمات السياسية والاقتصادية في الصراع المحموم على مراكز السلطة ومناطق النفوذ.. (والحوار) في قضايا أخلاقية شاغلة تنفي الشذوذ عما نحن به من عجائب وغرائب، وترفض مسار الأحداث السائرة بنا على السنن الثابتة، وقد قال الله عز وجل: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً). بعبارة موجزة ترى د./ بنت الشاطئ أن أزمة أخلاق تفسر أزمة الأمة، ولذا فهي تنفي ما قد يعتقده بعض القراء من أن اختيارها "موضوع الأخلاق لحديث الموسم دقة قديمة ونغمة نشاز في إيقاع هذا الزمان، وكأني لم أقرأ البحوث التي اختارها "الأهرام" نماذج لرؤية عالمية لمستقبل الشرق الأوسط..". ومن ثم فهي تسجل متابعتها لأحداث العراق، الجزائر، ليبيا، السودان، إيران، باكستان، الصومال، (مساعي السلام) صفقات السلاح بعد حرب الخليج، واهتمامها بدلالة كل هذه الأحداث بالنسبة لموقع الإسلام في موازين القوى العالمية، وبالنسبة "لحرمة العهود والمواثيق الدولية وأخلاق عالم الكبار في تنمية عالمنا الثالث"، وبعد هذا التسجيل تقول: "لا أرى وجهاً للعدول عن الحديث في قضايا الأخلاق والإسلام، لما أقدر أنها تستقطب غيرها من قضايانا الشاغلة وما يطرأ عليها من تغيرات عصر جديد بدأ بعاصفة الصحراء وحرب الخليج نافذاً إلى أقطار العالم كله، وإن رأى بعض مثقفينا المحدثين أن اختياري موضوع الأخلاق لحديث الموسم، دقة قديمة ونغمة نشاز في إيقاع العصر". إن د./ بنت الشاطئ إنما تطرح في هذه السطور قضية هامة منهجية، وهي المتصلة بقدرة "المنظور القيمي" على تفسير الواقع، ناهيك عن تشخيصه. فإن تصديها على هذا النحو السابق للعلاقة بين قضية الأخلاق في الإسلام وبين حالة الأمة ليضعنا في صميم هذه القضية: المنظور الإسلامي كمنظور قيمي، وقدرته التفسيرية والتقويمية والتغييرية.
ثالثاً، من أنماط قضايا الأمة: قضية الاستلاب الحضاري واستلاب الذاكرة التاريخية:رصدت د./ بنت الشاطئ في مواضع متفرقة من مقالاتها موضع الورقة أنماطاً مختلفة من قضايا الأمة الداخلية والخارجية، تظهر من طرحها الرابطة بين الداخلي والخارجي، كما تعكس سنن الله في خلقه. وهذه القضايا هي: حروب البغي، الديون، المجاعات والأوبئة، الصناعات الملوثة والأطعمة الفاسدة، مذابح الأقليات المسلمة، اللاجئين المشردين، التغريب وقهر الغربة في الأوطان، والتشويه والاستلاب المتمثل في أفلام الجنس والجريمة وبرامج الإعلام للتثقيف والتسلية المبتذلة، المخدرات، الاغتصاب، المال، الاستثمار، الرشاوى والعمولات والمقامرات والمساومات، أحداث الجزائر وليبيا والسودان وإيران وباكستان والعراق. ولعل من أهم القضايا التي توقفت عندها بقدر من التفصيل قضية التشويه والاستلاب للهوية، وقضية استلاب الذاكرة التاريخية. وقد ضربت مثالاً على قضية التشويه واستلاب الهوية (4/4/92) ما طرأ من بدع على إحياء رمضان والعيد على الطريقة العصرية، وهي الطريقة التي تحول بها الشهر تدريجياً في مصر خلال السنوات الأخيرة، إلى شهر للاحتفالات والليالي الملاح، يتصل مباشرة بالتطور الذي تفرضه الطبقات الجديدة على الحياة في مصر.. يتحول بها الدين على يديها إلى مظهر اجتماعي للرياء والأبهة. أما قضية استلاب الذاكرة التاريخية فلقد طرحتها في منسابة العاشر من رمضان، ففي مقال تحت عنوان "عاشر رمضان وتداعي الذكريات"، (21/2/94) والتي اخترقت سلسلة "المرأة وتاريخ الإسلام الحضاري"، تبدأ د./ عائشة بسؤال: "لم يزل يلح على خاطري في مثل هذا اليوم (العاشر من رمضان) منذ سلبه حقه الشرعي في ذكرى يوم النصر بديله الأصم يوم سادس أكتوبر، من حيث لا ندري ولا نتوقع". ولذا فبعد أن تصف الحال قبل 10 رمضان 1393هـ (6 أكتوبر 1973) ومنذ هزيمة يونية 67، وبعد أن تصف بتعبيرات لغوية فائقة الحس والدلالة معاني وأحداث يوم العاشر من رمضان 1393هـ ، وبعد أن تبين شروط النصر"لله تعالى كانت التلبية، وباسمه جل جلاله كانت التعبئة والاستنفار والاحتشاد، وسعى إلى جبهة القتال جند مشارقة ومغاربة يقاتلون في سبيله صفاً واحداً بلواء واحد، ولتكون كلمة الله هي العليا". وبعد أن تقول: "وفي ضمير الأمة ارتبط النصر بيومه الميمون، العاشر من رمضان" تعود وتتساءل كيف؟ ولم؟ ومتى كان التحول إلى بديله الدَّعِيّ؟ وفي ضوء كل ما سبق حول إسقاط العاشر من رمضان من الذاكرة، واستكمالاً للتأكيد، تظل د./ بنت الشاطئ تُذكِّر كل عام بهذا المعنى وتداعياته. ولهذا ففي مقال تحت عنوان "قراءة في تاريخنا: كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا (1)" (31/3/94) تستنكر د./بنت الشاطئ أسلوب الاحتفال العقيم بأيامنا التاريخية المشهودة- مثل يوم بدر- على الطريقة العصرية، أي بإقامة السرادقات وإعداد الأغاني والمسلسلات، ثم ينفض السامر، وحتى يحل العام التالي، وهكذا، وبحيث يصبح يوم بدر في منطقتنا "مكتوم الصدى، مطموس الأثر، وذلك ما لا يصح في واقع التاريخ وثوابت السنن لطبيعة الأشياء وعواقب الأحداث المؤثرة في موازين القوى ومسار حركة التاريخ ومصائر الجماعات، بل يظل السجل الوثائقي ليوم بدر مفتوحاً في وعي التاريخ وذاكرته، يرصد أصداء اليوم المشهود ويراجع حساب موازين القوى التي تقررت يوم بدر بين قلة مؤمنة صابرة.. وبين كثرة باغية". ولقد أعادت د./ بنت الشاطئ التذكرة بالمعاني نفسها وإن كان بأسلوب مغاير في مقال آخر في رمضان تال تحت عنوان: "أنوار رمضان: البدريون في وجدان الأمة وضميرها". (30/1/1997) فهي تشير إلى أن الاحتفال في بدر جاء مدرجاً في احتفال أجهزة الإعلام العام بالشهر المعظم على الطريقة العصرية: المسلسلات والفوازير وإمتاع نجوم الليل وكواكب السينما في ملاهي العاصمة للصائمين بموائد الإفطار الشهية وإلى السحور الحالم. وفي المقابل تأتي البرامج الدينية وندوات أهل العلم كفواصل تزاحمها فنون الإعلان المختلفة. وحتى تزيد المعنى وضوحاً، فإن د./ بنت الشاطئ تذكر ما كان من تقاليد سباقة لإحياء رمضان، ولإحياء ذكرى الأيام الإسلامية الكبرى في الشهر المعظم، والتي "كان لكل منها عيده الخاص وشعائره المأثورة وفق برنامج معين غير مبهم بالإدراج في غيره، ولا تائه العبرة ملتبس المعالم، كالذي يحدث ي زماننا البائس من استبدال 6 أكتوبر بعاشر رمضان".
رابعاً، استدعاء التاريخ الإسلامي وتوظيفه:توقفت د./ عائشة عند محطات ومفارق طرق هامة في التاريخ الإسلامي لتقدم من خلالها معاني وعبراً ذات دلالة بالنسبة لما تعايشه كشاهدة عصر. فإلى جانب "موقعه بدر" ودلالتها بالنسبة "للجهاد" ولموازين القوى المعتبرة ليس المادية فقط ولكن الإيمانية أيضاً، توقفت د./ عائشة- فيما طالعناه من مقالاتها- عند واقعة وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم - وذكرى سقوط غرناطة والإسرائيليات. وتقدم هذه المشاهد على التوالي- وكما سنرى- معاني الحزن، ولكن مع استمرارية الرسالة العالمية، السقوط بعد الصعود، من الكيد الخفي إلى العداء المعلن. وهي المعاني التي تتولد من التاريخ، ولكن انطلاقاً من تأثير الواقع، وسعياً نحو توضيحه من خلال عبر التاريخ ودروسه. أ-واقعة رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم: معنى الحزن مع الاستمرارية: في مقال تحت عنوان "رسالة الإسلام الحضارية: مع المصطفى بشراً رسولاً يوم الرحيل" (24/3/94) فإن د./ عائشة عبد الرحمن بدأت بالتعبير عن حزنها الخاص لرحيل رمضان، وعن حزنها العام على حال الأمة. وإذ يتوحد الحزنان لديها فتتساءل عما تجده من وحشة الاغتراب في زمن عقيم بليد، نجد أنها تصل إلى استدعاء صورة الحزن الكبير يوم وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم. لقد وصلت إلى الاستدعاء من خلال التأسي على زماننا الذي لم تعد تتجاوب فيه الهموم الفردية مع الهموم الإنسانية لدرجة تجعل د./ عائشة تقول: "ليس من حق مثلي أن تبكي وتستروح أنس المواساة في زمن عقيم بليد .. فتحاملت على شتات نفسي ألم أوراقي المبعثرة". وبذا تصل إلى مشهد وفاة الرسول ورحيله تنقله عن أحد كتبها، كما لو كانت تريد أن تقول هذا هو معنى الحزن الكبير الذي يتصل بالأمة وبالرسالة وبالاستمرارية، والذي يهون معه وأمامه كل حزن. "دفنوا محمد بن عبد الله، وعاش الرسول- صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين الذي اصطفاه الله لختام رسالاته.. معجزة نبي أمي، وكتاب شريعة، ولواء عقيدة وجهت التاريخ، وحررت الإنسان، وهدت مسرى البشرية في ليل جاهليتها، وقاد مسعاها إلى آفاق المثل العليا للحق والخير والجمال". ب-حضارة الإسلام في الأندلس: بين دروس الصعود والرسالة الحضارية وبين دروس السقوط: في مقال تحت عنوان "بعد عام أسبانيا : حضارة ثمانية قرون للإسلام بالأندلس، أهذا ما بقى لنا منها؟" (20/1/1994) نقلت د./ بنت الشاطئ لقرائها، وعلى لسان مؤرخي الحضارة الإسلامية من الأوربيين (جوستاف لوبون)، ما كانت عليه حضارة الإسلام في عصرها الزاهر بالأندلس من سمو ورفعه في مجالات العلوم والعمران: ولكن أضافت د./ بنت الشاطئ أنه أيضاً كان "للمسلمين العرب فيها إمامة الثقافة ورسالة التمدن". ولقد جاءت هذه المقالة- كما يتضح من جزء من عنوانها: "بعد عام أسبانيا"- مع احتفاء أسبانيا بذكرى مرور 500 عام على اكتشاف العالم الجديد، وهي أيضاً- بالنسبة لنا-ذكرى مرور 500 عام على سقوط غرناطة آخر معاقل الإسلام هناك بعد عصر استمر 8 قرون منذ مستهل الفتح الإسلامي (92هـ ـ 897 هـ ، 710م ـ 1492م). ولهذا وجدت د./ بنت الشاطئ المقالة مناسبة لتأكيد معنى رسالة الإسلام الحضارية. ومفهوم هذه الرسالة كما أبرزتها د./ عائشة هو أن "حضارة الإسلام ليست حضارة تمدن وعمران فحسب، بل هي كذلك رسالة روحية خلقية، وشعائر عبادات ومنهاج معاملات وسلوك". ولهذا تصف د./ عائشة كيف بدأ الفاتحون من خلال المساجد الجامعة والمدرسة القيام برسالة الإسلام الحضارية "بمفهومها الرحب ألا تقتصر- كما أشرت آنفاً- على التمدن العمراني والتقدم العلمي فحسب، بل تتجلى كذلك في القيم والأخلاق والسلوك. ويعترف علماء الحضارة بأن الفاتحين العرب المسلمين (هم الذين علموا الشعوب الأوربية، أو حاولوا أن يعلموها، كما قال الأستاذ لوبون والعلامة سبريو التسامح الذي هو أثمن ما تصبو إليه الإنسانية..". ولهذا وبعد التفصيل في إنجاز ملوك الأندلس المروانيين وكيف كان سقوط الدولة الأموية نهاية (قرون ثلاثة لأنضر حضارة عرفها التاريخ) تنبري د./ بنت الشاطئ لبيان الوجه الآخر لمفهومها عن رسالة الإسلام الحضارية. وهو أن هذه الرسالة لا تسقط بسقوط الدول. فهي تقول: "وفي واقع تاريخنا أن البنيان الشامخ لدولة الإسلام الكبرى لم ينقض فجأة، بل حدثت فيه شروخ أخفاها وهج عظمة البنيان وأنذر بها مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حيان القرطبي في مستهل القرن الرابع للهجرة.. ولم تتعطل مسيرة الحضارة الإسلامية بملوك الطرائق، ولا انطفأ منارها في هوج الأعاصير، بل سهر على حراسته أئمة كانوا نجوم الداجية وظل القرآن يهدي مسرى الأمة في داجي الظلمات". كأن بنت الشاطئ تقول إن الأمة باقية ورسالتها الحضارية مستمرة بعلمائها وليس بحكامها فقط. ولهذا فهي تختم المقال بسؤال: "فهل لم يبق لنا من حضارة ثمانية قرون للإسلام في الأندلس سوى بقايا آثار ورؤى أطياف ورجع أذان صلوات وموشحات، وهمس نجوى وأشجان وداع وبكائيات الديار الغاليات"؟ ج-الإسرائيليات: من الكيد الخفي إلى العداء المعلن من جانب العدو اللدود: وفي سلسلة مقالات عن الإسرائيليات تصدت د./ بنت الشاطئ لأمرين أساسيين. بيان التطور في التحدي الذي يمثله العدو اللدود والذي أضحى صريحاً وواضحاً بعد أن كان خفياً، والتأكيد على قاعدة منهاجية أساسية فيما يتصل بدراسة الإسلام. ومما لاشك أن كلا الأمرين في صميم واقع حال الأمة الذي يشهد الصلف الإسرائيلي كما يشهد التعدي على الإسلام. وعن الأمر الأول، فهي تفتتح إحدى مقالاتها تحت عنوان "التقويم الإسلامي بالهجرة ومدخل الإسرائيليات إلى فكرنا الديني (2)" (8/9/1995) بالقول "لبثت زمنا اتهم مدسوس الإسرائيليات إلى فكرنا الديني، بخبث الذرائع ومكر المدخل ودهاء الحيلة، وأراها اليوم قد جاءتنا على المكشوف دون ستار أو قناع، فهل يكون الغزو السافر لأمنع حصوننا إنما هو الدهاء المحصن والإيغال في سوء الظن بوعينا؟" وفي مقالة تالية تحت عنوان "قراءة في ملف الهجرة (3) : مدخل الإسرائيليات إلى فكرنا الإسلامي مرحلة التحضير" (14/9/95) تفتح د./ بنت الشاطئ بالقول: "حركة الإسرائيليات في فكرنا الديني قديمة قدم تاريخنا العريق، على مراحل سايرت حركة التاريخ. ولا أشق على قومي الكرام بالتفات إلى ماض بعيد، تلهينا عنه دواهي الملاهي وضغط النوازل، بل حسبي أن نرجع البصر إلى القرن الماضي قبل أن يغيب عن الرؤية بما شهد من حركة تحول بالغة الخطر، تحركت فيها شحنة الإسرائيليات إلى مرحلة التحضير لما نحن فيه. وعلى العهد بها في واقع التاريخ، ترصد المواقع، وتكشف المداخل، وتجهز البضاعة، وتخطف الإبصار، وتوجه الخطوات لمن يعبرون بها إلى الهدف المقصود". فما أبلغ هاتين الافتتاحيتين في إيجازهما وفي تعبيرهما في الوقت نفسه، عن أكثر معضلات حياتنا الفكرية والسياسية والمعاصرة خطورة، وهي المتصلة بالتحدي الصهيوني والإسرائيلي على صعيد الحركة والفكر. وهو التحدي الذي ترجع جذوره إلى التاريخ. ولقد انبرت د./ بنت الشاطئ للكشف عن تفاصيل وعن دلالات وأبعاد هاتين المقولتين الموجزتين، وذلك عبر خطوتين: بالرجوع أولاً إلى التقويم الإسلامي بالهجرة ومدخل الإسرائيليات إلى فكرنا الديني، ثم بالرجوع ثانياً إلى الدراسات الاستشراقية التي وثقت للإسرائيليات وحركتها من منطقة الظل في كتب السلف وفي منشورات مجهولة إلى مجال الرؤية. وبالتوقف عند هذه الخطوة الثانية نجد د./ عائشة عبد الرحمن وقبل أن تصل إلى دور الاستشراق الحديث في بث الإسرائيليات، تبدأ بالنص على جانب إيجابي في أعمال استشراقية (جوستاف لوبون) وهي الأعمال التي كشفت عن تفسير تاريخنا ومنطقه، والذي لخصته د./ عائشة كما يلي : "الدين سر قوة هذه الأمة، وبالإيمان فتح المسلمون العالم، ويهون عليهم أن يخسروا كل شئ ولا يخسروا دينهم، وقد تُغلَب الأمة الإسلامية، ويبقى دينها لا يقهر، يحمي بقاءها ويحدو مسارها في ظلمات الليل". وكأن د.عائشة بهذه البداية (في مقال: مدخل الإسرائيليات إلى فكرنا الإسلامي- مرحلة التحضير) تريد أن تبين وتؤكد على أن هذا غرض الإسرائيليات، وهو النيل من دين هذه الأمة حتى يمكن النيل منها، ولهذا فهى تنتقل إلى استشراق القرن 19، والذي ضربت له مثلا بأعمال المستشرق اليهودي المجري جولد تسيهر (كتاب العقدية والشريعة والإسلام) وتسجل د./ بنت الشاطئ قبل أن تشرع في نقد بعض مقولاته أن هذه الأعمال قد "عبئت كتائب من يهود القرن 19 ورثة تأثر يهود الحجاز عصر المبعث.. مهمتها في مرحلة التحضير لمملكة بني إسرائيل، تحريك الإسرائيليات إلى موضع جديد .. انطلاقاً إلى مقولتهم الجريئة الفاحشة: الإسلام كله بضاعة إسرائيلية تلقاها محمد عليه السلام ـ من أساتذته يهود يثرب بعد هجرته إليها! وينشر جديد الإسرائيليات في الغرب الأمريكي الأوربي، لتسيطر على الفكر الغربي الحديث، في انتظار تحريكها إلى الشرق الإسلامي، مع رسل الثقافة العصرية..". الأمر الثاني الذي أبرزته د./ بنت الشاطئ خلال قراءتها في ملف الإسٍرائيليات هو الذي يتصل بالشق المنهاجي في دراسة الإسلام. وكانت د./ عائشة قد أحالت في المقال السابق إلى مقدمة المترجمين لكتاب جولد تسهير التي تشير إلى الأخطاء غير اليسيرة التي يقع فيها المؤلف بسبب عوامل قد يكون منها "أنه لم يتأت له أن ينفذ تماماً إلى روح الإسلام ومبادئه وأصوله، وقد يكون منها ما هو طبيعي في كل ذي دين وثقافة خاصة من العصبية لدينه وثقافته الخاصة. ومن أجل ذلك كان نقله فرضاً على القادرين من أبنائها ، وبخاصة إذا كان ممن تخصص في الشئون الإسلامية"!! ولكنها وفي مقدمة مقالة تالية في السلسلة نفسها تحت عنوان" قراءة في ملف الإسرائيليات والتأريخ للإسلام بالهجرة(5) (28/9/1995) توضح التزامها بقاعدة المنهجية الأصولية في مناقشة مقولات جولد تسهير. وفي هذا تقول “حين أنبه على أن الاعتراف بالقرآن الكريم وحياً إلهياً إلزام علمي منهجي لكل من يتصدى لدرس القرآن والإسلام ، مسلماً كان أو غير مسلم، فذلك لا يفرض بحال ما، شرط إيمان الدارس غير المسلم بالدين الإسلامي، كما لا يعني إطلاقاً جواز خوض المسلم في القرآن وعلوم الإسلام بغير علم، فذلك محظور علمياً مثلما هو محظور في الدين، مع التمييز بين غيب استأثر الله بعلمه، ومجهول يظل الإنسان كادحاً لاكتشافه، فيسقط عنه الحظر الديني والعلمي معاً.. وكما لا يحل لعلمائنا الأئمة أن يقولوا في نصوص اللاهوت بغير علم سوى مطالعات ساعات بين كتبهم، لا يحل لعلماء اللاهوت أن يقولوا في القرآن أو الإسلام رجما بالظن". وإذا كانت هذه القاعدة المنهاجية التي نبهت د./ بنت الشاطئ إلى ضرورة احترامها قد تعكس في نظر البعض تقييداً لحرية الفكر والرأي فإن د./ بنت الشاطئ كانت الأكثر حرصاً على ضوابط العمل البحثي في مجال علوم الإسلام، كما كانت الأكثر حرصاً أيضاً على هذه الحرية انطلاقاً من فهمها فطرة دين الإسلام. ففي مقال تحت عنوان: "حرية العقل والرأي (2)" (27/1/1997)، تتحدث عن أحد أهم أبعاد حرية الرأي، ألا وهو الجدال في الأمور الدينية وما يتصل بها من مسائل عملية. وتوضح د./ عائشة من المعنى اللغوي للجدل ومن وروده في القرآن أن "..كثرة الجدل ظاهرة إنسانية من تلك الخواص التي تميزه عن غيره من الكائنات، ومن هنا قدر الإسلام ـ وهو دين الفطرة ـ طبيعة هذا الإنسان.. فلم ينكر عليه الجدال إلا أن يكون مماراة فاحشة في الحق الجلي والآيات البينات، عن عناد ومكابرة ، أو عن إصرار على الجهل والضلال.. وأما حين يكون جدال الإنسان عن حاجة إلى الاقتناع، فمن حقه أن يُصغَى إليه ويجادل بالتي هي أحسن. إن الإسلام أفسح للإنسان وجه العذر حين يكون جداله عن رأي حر وفكر حر ونية خالصة، لأن مثل هذا الجدال من إنسانيته التي حمل أمانتها". د - الخطر الإسرائيلي المعاصر في ظل قراءة التاريخ: إذا كانت إعادة قراءة د./ عائشة لملف الإسرائيليات قد قدم لنا جذور الخطر الإسرائيلي المعاصر في مراحل البداية والتحضير، فإن التحذير من الخطر الإسرائيلي المعاصر قد شغل حيزاً أساسياً من خطاب د./ عائشة في مقالاتها. ولقد توقفت دائماً ـ أيا ما كان موضوع المقالةـ عند الأشكال المختلفة لهذا الخطر؛ العسكري منه وغير العسكري (كما سبق ورأينا في البنود السابقة). ومن خلال استدعاء التاريخ، لم تفقد د./ عائشة الفرصة لتقديم ، صورة أخرى عن هذا الخطر. وتزيد د./ عائشة الصورة وضوحاً من خلال استدعاء مشهد تاريخي ممتد، يعكس هذا المشهد الفارق بين رسالة الإسلام وبين رسالة إسرائيل إلى عالم اليوم. ففي نطاق مجموعة مقالات تحت عنوان "قراءة في تاريخنا" وفي مقالة تحت عنوان "الإسلام في طريقة من الحديبية وخيبر إلى كسرى وقيصر ومصر" (25/4/96)، تعترف د./ بنت الشاطئ ـ اعترافاً صريحاً بهدف استدعائها لهذا التاريخ ودلالته، وهو المقارنة بين رسالة الإسلام ورسالة إسرائيل. فإذا كانت قد بدأت المقال بالنص على أن "رسالة إسرائيل إلى عالم اليوم وصلت إلى أقصاه طولاً وعرضاً وإلى جنوب وشمال.. قد أسمعت من به صمم”، فهي تتساءل: “هل يبلغ من قومي مسمعاً، ما أحدثهم به عن "رسالة الإسلام في طريقه من ..؟" ثم تقرر بحزم: "فليكن حديثي عن رسالة النبي الأمي يتجه بالتاريخ من الحديبية إلى كل من كسرى وقيصر ومصر.. رسالة إلى زمان تمثل بعصير عناقيد دماء الأطفال الرضع على إيقاع وطء الدبابات وجماجم أسرى حروب التصفية الدينية وضحايا التمييز العنصري، ودك المساجد والمستشفيات والملاجئ على المصلين والمرضى والتلاميذ، ويفيق إنذار مئات الألوف من الضحايا البشر ليخرجوا من دورهم إلى العراء المكشوف لحصد الضحايا قرباناً لطاغوت الزمان، ووليمة لأعداء البشر". ويبين العرض التاريخي الذي تلا هذه المقدمة قواعد وضوابط تعامل الرسول- عليه الصلاة والسلام- مع يهود خيبر ومع مسيحيي مصر "وكان يهود خيبر هم من فروا إلى شمال الحجاز من وطأة الرومان الساحقة". وعلى هذا النحو تتضح ملامح الصورة المقارنة التي أرادت د./ عائشة رسمها من خلال استدعاء التاريخ، أي لتوضيح الفارق الشاسع مع رسالة إسرائيل في العالم المعاصر. ولعل مغزى المقال يزداد وضوحاً إذا تذكرنا أن تاريخ نشره كان يتزامن مع “مذبحة قانا” في ظل ما عرف بعملية "عناقيد الغضب" التي نفذتها إسرائيل ضد لبنان بعد مقتل رابين وقبيل انتخابات رئاسة الوزراء الإسرائيلية التي جاءت بنتانياهو وليس بيريز إلى السلطة في إسرائيل. ولهذا لا عجب أيضاً أن تنتهز د./ عائشة مناسبات دينية أخرى لتلقي بدلوها في تسجيل الممارسات الإسرائيلية؛ فنجدها- في نطاق مجموعة مقالات تحت عنوان: "مع المصطفى من مولده إلى مبعثه"، وفي المقالة الأولى تحت عنوان “اليتيم الهاشمي الرضيع” (31/7/1997) تبدأ المقال بالتذكرة بأن الاحتفال بعيد المولد النبوي قد مر "وعالم اليوم يستجدي إسرائيل أن تمن عليه بالعودة إلى مفاوضات السلام والمساومة عليه كيف شاءت ومتى شاءت، وهي تأبى إلا أن تواجه العالم كله بتهويد ما اغتالت من أقطار الشرق الأوسط موغلة في صميمه بما يحقق مآرب الصهيونية العالمية، ومعربدة على أعز حمانا بوطأة طاغوت وخيلاء مستعمر، وتضغط على وعينا الخاص والعام بتلاحق الأحداث وألاعيب السحرة ومكائد التضليل والتخدير”. ثم تشرع د./ عائشة في جزء كبير من المقال باستعراض أحداث مستعمرة جبل "أبو غينم" بالقدس الشرقية، ثم مشروع "رأس العامود" التي شغلت الساحة العربية خلال العام الأول من حكم نتيناهو ، وكذلك سابقة موافقة الكنيست على تهويد الجولان، والتي تناقلتها وكالات الأنباء في 12 ربيع الأول 1418هـ. خامساً، من الارتحال إلى الموطن (دمياط) إلى الارتحال إلى الجبهة المغربية: معاني ودلالات ما قبل رحيل بنت الشاطئ: وطأة التغريب ومعنى الدين ووطأة التجزئة ومعنى الوحدة:تنامى خلال العام الأخير من حياة د./ بنت الشاطئ إحساسها بالحزن الدفين على ما طال أمتها من كروب ومحن. وكانت زيارتها إلى دمياط “بعد سنين من بعد الملتقى" مناسبة جددت د./ عائشة عبر وصفها لوقائع هذه الزيارة ما تراه تفسيراً لما آل إليه حال أمتها. فإذا كان الارتحال السابق في ملف الإسٍرائيليات قد قالت د./ عائشة لنا من خلاله إن الدين هو سر قوة هذه الأمة ولذا أراد اليهود وتريد إسرائيل وحلفاؤها النيل منه، فلقد كان ارتحالها إلى موطنها يجدد لنا المعنى نفسه. كيف؟ ولعل عنوان المقال ذاته خير تعبير عن خلاصتي السابقة، فتحت عنوان "مراجعات للرؤية التاريخية.. من الموقع الديني بثغر دمياط” (21/8/1997)، سجلت د./ عائشة في بدايتها شعورها عن "ظلمة التغريب في عالم مأخوذ بما يستطل علينا ليل نهار من جرعات تخدير لمناعتنا المعنوية والروحية المكتسبة من وعينا لعز أصالتنا وعراقة تاريخنا، وجاز عليها أن ينمينا عالم اليوم إلى دول متخلفة نامية تستجدي الطاغوت حق وجود ومصير، وتستنفر الأمم المتحدة لتكفل لها حقوق إنسانيتها في عصر الفيتو. ولا أكتم قومي أنني إذ أطل على وجود أمتنا بين ماض وحاضر، يساورني بين حين وآخر هاجس ارتياب فيما أرصد من نوازل الوقت وتحديات العصر، أراني معها لازلت واقعة تحت الإحساس الباهظ بوطأة الكابوس الجاثم على وجودنا، يطاردني كالشبح فأرى كل الطرق موصلة إلى تل أبيب فالقدس”. ولا عجب بعد هذه المقدمة أن يدور تسجيلها للزيارة التي جمعت- كما تقول- شتات كيانها وهي في طريقها إليها من خلال "الموقع الديني" ترصد ما مرت به وما جال بخاطرها، في ظل عبارة ذات دلالة قوية جاءت بين سطور نهاية المقالة، وهي: “وعصرنا مأخوذ بالعامل الاقتصادي، يراه العامل المسيطر على حركة التاريخ بمعزل عن الدين"، وكذلك في ظل فقرة كاملة تزيد الدلالة السابقة وضوحاً وجاءت في بداية وصف الزيارة، حيث تقول: "دخلتها هذه المرة على استحياء، وفى ظنى أن ألتمس في خلوتى بها ما ساورنى من هاجس ارتياب فى إدراكى منطق الحتمية التاريخية لوجود أمتى بين ماض وحاضر، ولعلى فى هذا المناخ أجد نفسى فأراجع ما سبق لى من رؤية مسار تاريخنا من عصور العزة و المنعة، وحضارة قائدة رائدة، إلى ما نحن فيه من هوان موضعنا في المصنف الدولي، وهل زاغ بصري في رؤيتي للعامل الديني في وجودنا يستقطب سائر العوالم الأخرى اقتصادية واجتماعية ومذهبية، متأثراً بها ومؤثراً فيها، ليعطي تاريخنا كله تفسيره ومغزاه ومنطقه؟" ولذا لا عجب أن ما سجلته من لمحات الزيارة ينضح بهذا المعنى: العمل التطوعي والبذل لوجه الله، الخصائص المميزة لشخصية أبناء دمياط، التساؤل عن مدى استمرارها وخاصة استقبال باكورة كل صباح بقارئ يبارك الدار ثم ينشط صاحبه من بعده، أدلة تجليل العلم والدين من مساجد الأولياء، التفسير الديني للمنطقة تمثلاً بتماثيل ومناطق ذات دلالة. وأخيراً، وبعد هذه البداية للمقالة، وبعد محطات الزيارة التي سجلتها، تصل في النهاية وهي تصف طول طريق الإياب، إلى تسجيل ما سمعته عن غارة إسرائيلية على جنوب لبنان وعن ما نشرته "الأهرام" في بيان عنوانه "واشنطن تتفهم الإجراءات الإسرائيلية العقابية لفلسطين وتطالب عرفات بالتعاون الكامل مع تل أبيب". وتختم د./ بنت الشاطئ المقالة بالآيات البينات التالية (هذا نذير من النذر الأولى، أزفت الآزفة ، ليس لها من دون الله كاشفة ، أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون ، فاسجدوا لله واعبدوا). إن د.بنت الشاطئ- وهي تختم المقال على هذا النحو-كما لو كانت تصرخ: إن "الرجوع عن الدين هو سبب ما وصلنا إليه". فما أجملها من رابطة بين بداية ونهاية. وبعد الارتحال إلى الموطن وموقع الديني منه كما رأينا تستدعي د./ بنت الشاطئ من الارتحال إلى المغرب أبعاداً دينية أخرى ذات صلة بواقع الأمة المجزأ وكيف تتغلب الروابط الدينية عليه. أحدها يتصل بالرابطة الوجدانية والروحية بين مصر والمغرب، وهي الرابطة التي تتسم بالثبات والديمومة، ومن ثم فهي تتخطى كل الروابط والعلائق الرسمية التي تتعرض للتغيير والإلغاء. وتنبع هذه الرابطة من رحاب القرآن الكريم وعلمائه والشيوخ الفقهاء، لما لهم من نفوذ جماعي واتصال مباشر بالجماهير: "اليوم أتجه إلى ما كان من تواصل حميم بين مصر والمغرب في رحاب القرآن الكريم، ومعلوم بالضرورة أن رحابه ملتقى الأمة كلها على مر الأعصار واختلاف الأمصار". هكذا تقول فى مقال لها تحت عنوان "التواصل بين المغرب ومصر : فى رحاب القرآن الكريم" (12/3/1998) . وتأتى هذه الأبعاد لما يمثله رمضان المعظم - كعادته لدى د./ بنت الشاطئ من قبس نور يجمع شتاتنا على ترامى الأبعاد وتنائي الديار، يجلو عن وعينا وقلوبنا بلادة الحس وصدأ الوجدان والضمير، ويسرى بنا من ليلنا البهيم إلي مجال نوره...” هكذا تقول د./ عائشة "لقاء مع تاريخ الإسلام في الجهة المغربية" (5/1/98) . كانت تستقبل رمضان وهي تسجل "ظاهرة التآكل لأطراف العالم الإسلامي الكبير.. وحروب حاصدة غشوم، بعضنا فيها لبعض عدو”، وتربط بين أنباء مؤتمر القمة الإسلامي بطهران الذي هو “رسالة إلى عالم اليوم عن وحدة أمتنا تحت لواء الإسلام"، وبين إعلان نتانياهو التهويد الأبدي للقدس، ومن ثم وكما تقول د./ عائشة، فلقد أجهدها "تلاحق الأحداث وتراكم النوازل.. فالتمست مخرج صدق، فجمعت شتات ذاتي واتجهت تلقائيا إلى الجهة المغربية التي انتهى إليها مد الفتوح الإسلامية الكبرى بلواء الإسلام قبل نهاية القرن الهجري الأول، فلما كانت محنة ضياع الأندلس استقبلت الجهة المغربية هجرة الإسلام إليها دينا ودولة ولسانا وعلماً وحضارة وتراثاً". خلاصة:كانت د./ عائشة "شاهدة عصر" من نوع خاص تعيش وقائعه وأحداثه واتجاهاته بعقل وقلب الفقيهة المسلمة التي ينقطع واقعها عن جذورها وعن تراثها: قيما وسلوكاً وروحاً، ولا تنبت مقاييسها ومعاييرها عن أسس وقواعد ومبادئ عقيدتها وحضارتها. ومن ثم فهي كانت شاهدة عصر لا تصف ولا تشخص بالتفصيل، ولكن تقيم وتفسر في ضوء منظومة قيم مستمدة من "الذات"، وفي ضوء تاريخ حضاري غني بالدلالات، ولهذا فإن المقالات التي رجعنا إليها كانت تبدأ بمقولة أو منطوق رئيسي يطرح هما من هموم العصر (التي لخصناها في مجموعات النتائج) ثم تبدأ المقالة بعد ذلك في تناول موضوع ذي دلالة تاريخية أو فقهية بالنسبة لهذا المنطوق. ودون أن تغرق في تفاصيل ودقائق القضية أو الحدث- وهو الأمر الذي تأخذه عن غيرها- كانت تنبري مباشرة إلى طرح هموم وأوجاع ما تعايشه، وذلك بأسلوب متميز وهو الأسلوب الذي يجد في الحدث الديني أو المناسبة الدينية أو الواقعة التاريخية الدلالة والمغزى، سواء من أجل التذكرة أو التخدير، أو التنبيه أو المقارنة. بعبارة أخرى لم تكن د./ بنت الشاطئ تكتب في التاريخ أو التفسير أو غيرهما كغاية، ولكن كانت تستدعي التاريخ أو التفسير أو الحدث أو السيرة أو الفقه (وهي المجالات التي أبدعت حولها واجتهدت بشأنها في مخرجات أخرى ـ غير المقال الصحفي) لمنهجها: كشاهدة عصر. نعم .. منهجها في الشهادة على العصر هو منهج الفقيهة، المحدثة، المؤرخة، الأديبة. ومن هنا تميزه. فلم يكن استدعاء التاريخ لدى د./ بنت الشاطئ هروبا إلى ماضٍ أو مثل سابق، ولكن كان استدعاءً ينطلق من "أثقال” الواقع وهمومه، التي أوجعتها، ويرتبط بأحداث هذا الواقع وبتياراته: رصداً وتشخيصاً وتفسيراً وتقويماً. كما لم يكن استدعاء د./ بنت الشاطئ لآيات القرآن الكريم إلا استدعاءً لجوهر القيم الإسلامية والسنن الإسلامية في الحياة والكون والعمران والبشر، والتي تحكم المسار، ومن ثم فإن الابتعاد عنها يفسر ما أضحى عليه واقع الأمة وحالها، فلقد كان الدين سر قوة هذه الأمة. وليس أدل على رؤيتي هذه عن منهج د./ عائشة كشاهدة عصر من كلمات د./ عائشة ذاتها. فإذا كنت قد طرحت في بداية قراءاتي في المقالات "العينة" أسئلة لترشيد منهج التعليق، وإذا كنت قد سجلت على التوالي النتائج من واقع القراءة المتسلسلة في المقالات المتتالية زمنياً، وإذا كانت الصورة عن منهج د./ عائشة قد قاربت على التبلور مع اقتراب نفاد المقالات، إذا بي ومع المقالين الأخيرين كأني كنت على موعد مع أستاذتنا. كأنها أرادت أن تقدم لي بنفسها إجابة الأسئلة التي انطلقت منها قراءتي والتي سجلتها في المقدمة، والتي قدمت في ضوئها مجموعة النتائج السابقة. وجاءت إجابتها على خطوتين: فمن ناحية، وفي مقال تحت عنوان “لقاء مع التاريخ في الجهة المغربية” (6/1/98) وعلى هامش تسجيل انطباعاتها عن رحلتها إلى المغرب (خلال العام الأخير من حياتها) وصفت تلاميذها بأنهم "أساتذة لجيل خلق لزمان غير زماننا، فنحن الذين ننتمي إلى المدرسة الإسلامية السلفية منهجاً وسلوكاً في زمان شائه يرجم الأصولية المتشددة في الدين ويصمها بتطرف في الإسلام" وبعد توقف عند قمة طهران وجولات أولبرايت لاحتوائها استأنفت د./ عائشة قائلة: "..ويجهدني التفكير في موضع أبنائنا شباب علماء القرويين وموقفهم من تلاميذهم وقد خلقوا لزمان غير زماننا.. في زمان يلغو بفرية الدين أفيون الشعوب.. في زمان يلهج باستنساخ النعاج.. في عصر السيدة الأميرة ديانا وجالكين أوناسيس..". ولذا تصل إلى التساؤل: "ماذا عسى أن يكون موضع المدرسة الإسلامية ومن ينتمون إليها في زمان بليد يلقي بتبعات ما نحن فيه على مقولة التطرف في الدين الإسلامي"؟ ومن ناحية أخرى، وفي واحدة من آخر مقالات لها والتي أعادت نشرها "الأهرام" في بابها الرمضاني عقب وفاتها، والتي كانت قد وضعت عنواناً لها: "قراءة جديدة في الإسلام وقضايا الإنسان" (الأهرام 19/12/1998)، تقدم د./ عائشة مفهومها عن العصر وموضعها منه (وهي تلميذة المدرسة الإسلامية ولاءً ومنهجاً وانتماءً). ولا يسعني هنا أن أنقل عدة سطور أو ألخص بعض التفصيل. ولذا أرفق النص الكامل لهذا المقال، فهو خير خاتمة وخير معبر عن منهج بنت الشاطئ "شاهدة عصر" . رحم الله بنت الشاطئ المكلومة المحزونة على حال أمتها. مصادر بحث الدكتورة ناديــة مصطفى
قائمة المقالات (العينة):التقويم الإسلامي بالهجرة ومدخل الإسرائيليات إلى فكرنا الديني (2)، الأهرام، 8/9/1990. قبس من نوره بين محاق وهلال، الأهرام، 5/3/1992. الإسلام والمبادئ الكلية للأخلاق- عبرة الأيام وحديث المواسم، الأهرام، 6/3/1992. الإسلام والمبادئ الكلية للأخلاق- الآداب والأخلاق في الإسلام (2)، الأهرام، 8/3/1992. عيد فطرنا زكاة ودعاء وصلاة، الأهرام، 4/4/1992. أهكذا نحن، الأهرام، 8/5/1992. بعد عام إسبانيا- حضارة ثمانية قرون للإسلام بالأندلس أهذا ما بقي لنا منها، الأهرام، 20/1/1994. المرأة وتاريخ الإسلام الحضاري- عاشر رمضان وتداعي الذكريات، الأهرام، 28/2/1994. قراءة في تاريخنا- كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا، الأهرام، 31/3/1994. رسالة الإسلام الحضارية- مع المصطفى بشرا ورسولا يوم الرحيل، الأهرام، 24/3/1994. قراءة في ملف الهجرة (3) مدخل الإسرائيليات إلى فكرنا الإسلامي- مرحلة التحضير، الأهرام، 14/9/1995. قراءة في ملف الإسرائيليات والتأريخ للإسلام بالهجرة (5)، الأهرام، 28/9/1995. قراءة في تاريخنا: الإسلام في طريقه من الحديبية وخيبر إلى كسرى وقيصر ومصر، الأهرام، 25/4/1996. حرية العقل والرأي (2)، الأهرام 27/1/1997. البدريون في وجدان الأمة وضميرها، الأهرام، 30/1/1997. مع المصطفى من مولده إلى مبعثه- (1) اليتيم الهاشمي الرضيع، الأهرام، 31/7/1997. مراجعات للرؤية التاريخية من الموقع الديني بثغر دمياط، الأهرام، 21/ 8/1997. لقاء مع تاريخ الإسلام في الجبهة المغربية، الأهرام، 5/1/1998. لقاء مع تاريخ الإسلام في الجبهة المغربية، الأهرام، 6/1/1998. المصحف الشريف لواء المسيرة، الأهرام، 12/1/1998. التواصل بين المغرب ومصر، الأهرام، 12/3/1998. قراءة جديدة في قضايا الإنسان، الأهرام، 19/12/1998.
شهادة شاهدة من أهلها : التاريخ رجل وامرأةإيمان فريد - باحثة أنثروبولوجية
"الفكر إنما يكون فكراً له وجود صحيح إذا كان مطلقاً مستقلاً، يجري في مجراه الطبيعي الذي وضعه الله تعالى إلى أن يصل إلى غايته" إمام محمد عبده (المنار، ج3، 303 في {الإمام محمد عبده؛ رائد الفكر المصري ـ عثمان أمين ، المجلس الأعلى للثقافة ، 1996ص 79) "الاستمرار في التساؤل يشعرني بغنائية ميلودرامية تتفاقم دون إرادتي"(ميرال الطحاوي، 1997: 145) تساؤلات منطقية: التحقيق في الشهادة على العصريثير تعريف "المرأة المسلمة" في مجال الكتابة الإبداعية والدراسات التاريخية وانثربولوجية حيرتي وارتباكي، بوصفي باحثة مسلمة عربية تنطلق كتاباتي من مناطق ذاتية، تعبر عن نوعي وانتماءاتي واتجاهاتي الفكرية والاجتماعية، وحيث يختلط تعريف الكتابات التي تدور حول العالم العربي والإسلامي ويحررها أو تقدمها كاتبات ينتمين بأصولهن إلى هذا العالم بمفهوم "خطاب المرأة المسلمة". لذا، أسعى في تحليلي لأعمال منتقاة من أطروحات النخب الثقافية النسوية المعاصرة، كتوجه فكري ناشط، إلى كشف وفهم المنظومة المعرفية المحركة لتلك العمال، والمنظمة لروابطها بالفكر العربي والإسلامي، أو كيفية طرحها كأيديولوجيا بديلة لانتمائها إليها أو العمل تحت جناحيها. وبما أن مجالي هنا ليس متسعاً لتتبع جذور خطاب المرأة المسلمة حول المرأة أو الفكر النسوي المعاصر باتجاهاته المتعددة، فمحور اهتمامنا هنا هو تقاطع خيوط السيرة الذاتية (الخاص) ومعالم الشهادة على العصر (العام)، وبالتالي تعضيد مفهوم الشخصي/السياسي لدى النسويات الغربيات والعربيات على حد السواء. أما انتقاء المنتج الثقافي لنسويات مصريات وعربيات كانت إصداراتهن متاحة في المقام الأول، فليس بأي حال عينة تمثيلية لأي من موضوعات المقال بقدر ما هي معبرة عن إشكاليات وجدتها متأصلة ومشتركة في كتاباتهن، ولا شك نتاجاً لأهوائي واختياراتي الشخصية. ويأتي هذا المقال ضمن جهود متنامية ومتضافرة تسعى إلى بناء وعي إسلامي عربي جمعي، من خلال العمل في رحاب مشروع تأسيسي لرؤى حضارية ذات أبعاد معرفية منهجية نعي من خلالها علاقات الجزء والكل. ومن هنا نستشعر الحاجة إلى فهم أعمق للواقع والماضي والمستقبل. فمن واقع اهتمامي بكتابة الثقافة، أو الكتابة الإثنوجرافية، أسعى إلى تجاوز الاحتفاء بالكتابات التي ساهمت بها أديبات ومفكرات عربيات- بدون تنميط اتجاهاتهن العقائدية والثقافية- لفهم عناصر تشكيل الفكر المعاصر والخطاب النسائي والنسوي لواقعنا وتراثنا والتراكم المعرفي إلى ننهل منه رؤانا لذواتنا وللآخرين وللعالم بأسره. فما لم نتمكن من تشكيل رؤانا الحضارية الأصيلة سيظل وعينا غائباً، مغيباً أو زائفاً في ظل الاحتكاك السطحي والانفعال المضل ومن ثم الخنوع المطلق أو الرفض المتعنت للآخر وتعددية اتجاهاته الفكرية والعلمية. وينصب تركيزي على السير الذاتية وعلاقتها بالشهادة على العصر لسببين، ينبني ثانيهما على أولهما في سياق منطقي: 1- أن حياة المرأة في السيرة الذاتية تثير ذاكرة ووعي مجتمع 2- ان الكتابة في عالم استبدادي شرقي يحتم إزالة آثار وتطهير الساحة من إنجازات التاريخ السابق ومحو صوت وذاكرة المجتمع بعملية إحلالية مع كل "عهد" يشهده المجتمع ذاته ويعايشه. وطرحي لمفهوم "الشهادة على العصر" هو حتماً ليس بالمستحدث على أي حال. فتعدد الأدبيات المطروحة في حياتنا اليومية سواء كانت إبداعات أدبية أو إرهاصات فنية أو كتابات في السياسة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، كلها تعكس بشكل أو بآخر الواقع الحضاري لجماعات الإنسانية والحالة الثقافية التي يعيشها الأفراد فتشكل أبعادهم الاجتماعية وتثري وجدانهم وتحي وعيهم. ويعيد المنتج المعرفي إنتاج واقع معايش جديدين يعبر عن سياقاته التاريخية والثقافية التي يقوم الإنسان ومجتمعه ببنائها وإثرائها بعلاقات قوى وأبنية ثقافية وتنظيمات متشابكة تقوده إما إلى الارتقاء بالتراث الإنساني أو بالتقهقر إلى الوراء. وتبرز السير الذاتية قدر تقاطع السياقية التاريخية (contextuality) وأبعادها المختلفة مع الكتابة والنصية (textuality) متغيراتها باعتبار الذاتية المتأصلة في إنتاجها وتفكيكها. وتأتي ضمن تلك التساؤلات عدة موضوعات منها: الهموم الأساسية المثارة في تلك الكتابات، عمق تلك الكتابات وتقييمها بمثابة الطفرة الإبداعية على مستوى الشكل والمضمونن نوعية التجارب الإنسانية والحياتية التي تستقي منها مادتها وثراءها، الزمكانية في تلك الأعمال، سلطة الكلام وقوة الكتابة، استخدام القيم الثنائية المتضادة كأسلوب "ذكوري" مقابل "الكتابة الأنثوية" التي تزخم بتفاصيل الحياة اليومية وضجتها، نضوج الأفكار ومنطقيتها، "ذاتيتها وموضوعيتها"، هل هي انطباعية انفعالية أم وصفية نقدية، البعد الفلسفي والعمق الفكري، امتزاج الكتابة بعالم الآخر وثقافاته المختلفة ونظرياته في التاريخ والكتابة وإشكالية النوع، تعبيرها أو انعكاسها لعلاقات القوى وإشكالية القهر المتعدد، اختلاط الشخصي أو الخاص بالعام بكسر تابو الدور التاريخي وثورة على كتابة التاريخ من وجهة نظر أحادية، "السياسة" كمدخل ذكوري/أبوي للكتابة، إشكاليات الكتابة والوعي كعنصر أساسي، استشراف المستقبل، الكتابة كأداة لبناء العالم وإعادة تشكيله، التجديد والإصلاح ومعاني الثورية والتقدمية بشأن اهتمامات تلك الكتابة، سواء قضايا وطنية أو فردية البعد الطبقي المتمثل في استبعاد القارئ العادي والتوجه قاطبة إلى النخب الثقافية، الكتابة كمشاهدة ومراقبة أو انخراط وفعل، الدور الأوروبي مابعد-الكولونيالي في مغازلة قضايا المرأة والكتابة والتاريخ والأدوات التوفيقية المتلائم مع الأنماط الفكرية السائدة في المؤسسات الثقافية المانحة والتسويقية (قضايا النشر وإنتاج المعرفة)، مدى التأثر بالكتابات التنظيرية الغربية عن المرأة والإسلام، امتزاج الفرد بالمجتمع من خلال الثقافة لتختلط "الأنا" بال"نحن"، الكتابة كمحاولة لتحقيق الذات، ذاتية الكتابة ومدى تحقيق الخاص في العام حيث تنبع هموم الذات من هموم الوطن. ويبقى طرح التجارب الشخصية كتعبير زمكاني عن الواقع العام المعاش كمصدر متجدد للملابسات القائمة بين الإبداعات الأدبية وكتابة التاريخ ووجود تشابه في الظروف التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية الداعية للكتابة عن ذواتهن ومجتمعاتهن وأوطانهن. يبحث مقالي في إمكانيات البديل الثالث(هدى الصدة، 1996،18) الذي يتيح مساحة جديدة لوجود المرأة المسلمة المتموضعة داخل مجتمعات إسلامية تدعي أن في أيديولوجياتها وممارساتها استمداداً من وامتداداً للعقيدة بينما تتناثر حولها مفاهيم الحقوق الإنسانية والكرامة مطالبة إياها رأب الصدع بين الاتجاهين وكأنهما متضادين، يحتم انحيازها لأحدهما أن تتبرأ من تراثها بل أحياناً من دينها إذا أرادت أن تنال حقوقها وكرامتها(نفس المصدر السابق). وأسعى هنا لبحث فهم أو ربط بعض الكتابات أو ابتعادها عن محاولة الفهم الصحيح للإسلام والمسلمين والحضارة الإسلامية. وذلك في مواجهة لادعاءات الانقسام بين الخطاب الديني والعلماني عن حقوق المرأة ووضعيتها وإيضاح الخلط بين الدين كعقيدة والتوظيف السياسي الأيديولوجي للمؤسسة الدينية لتفرض على المرأة العربية والمسلمة حالة قهر مزدوج على مستوى النوع كأنثى/امرأة وكمواطنة في مجتمع عربي مسلم يغذي فيه الحكم الاستبدادي مصالح غربية متأصلة في المنطقة (ماهناز أفخامي،1995) فتتفق الصور المرئية مع والأصوات المسموعة والتي تم قصها ولصقها في مطابخ الغرب السياسي إلى ترسيخ فكرة واحدة دامغة عن استحالة تغيير أوضاع المرأة في المجتمعات الإسلامية في ذات الوقت الذي تمثل فيه المفاهيم والممارسات الأبوية التي تتشكل وتستمر لتسيطر على أوضاع المرأة وعلاقتها بالرجل والمجتمع داخل المنزل وخارجه، عناصر التقاء بين المجتمعات الإسلامية والغربية. (Bassuony,1996) وبما أن مجالنا هنا ليس طرح مسألة خصوصية الكتابة النسائية في مجتمعاتنا العربية/الإسلامية وإثارة الجدل حول قبول أو دحض المصطلح على المستوى النظري أو التطبيقي، فإن تركيزنا يتمحور حول ظاهرة "الكتابة" وثورتها في العقدين الأخيرين مما يعكس بالضرورة تلاحم وحدات مترابط وسمات مشتركة تنفي عنها تهمة التقوقع حول الذات والعزلة والإغراق في النرجسية. ولدفع الشكوك عن وجود تناقض داخلي في منطقي، أود الإشارة إلى أن ضآلة وغياب البحث في "الكتابة" كإحدى مكونات التاريخ والحديث عنه، يصير "السكوت علامة الرضا" فيتحول معه الصمت إلى تاريخ رسمي مكتوب و متفق عليه. ومع هذا، فإن مراجعتي للخيوط الرئيسية التي تربط العمال المنتقاة، أجد أن الاتجاه النقدي في الكتابة يفرض الاهتمام بمستوى إدراك الوعي بالبنيات والمنظومات الموجهة والمقننة لثقافاتنا اليومية بقواعد صريحة مباشرة، أو بأخرى مستترة (Foucault,1990:25-6) فتحاول التقريب بين مناهج نظم التفكير العلمي حيث نضحد كل ادعاءات "الموضوعية" وانتماءاتنا الروحانية والفلسفية ومرجعياتها (بغض الطرف مؤقتاً عن علاقاتها ببعضها البعض) (See Akbar Ahmed, 1988) . هذا إضافة إلى أن تلك الحالة الجمعية تعمل بشكل براجماتي على اقتفاء روح التضامن المعنوي وكانت لا تتشدق أو تتحلق حول "الفضيلة" و"المكروه" والمستحب.(أنظر: زينب الغزالي:1990، 1992 Sherifa Zuhur ) تتناول هذه المقالة بعضاً من التساؤلات التي تتعلق بشهادة المرأة على العصر وأشرف بمحاولة الإسهام في إبراز التجربة الثرية لبنت الشاطئ من خلال استعراض مقتطفات من الخارطة الفكرية التي تشارك فيها المرأة الباحثة والكاتبة والمبدعة بالتعبير عن واقعها الاجتماعي بتنوعاته وتعدد اتجاهاته. وبتقديم تيار فكري معاصر أسعى إلى البحث عن دلالات إسهامهن في حقل دراسات المرأة أو النوع مما يشكل نموذجاً معرفياً أصيلاً أو بديلاً للمتداول المتاح أو التمثيلي على الساحة الفكرية العربية ، لعل تحليل تلك التوجهات تمضي بنا إلى جمع شتات معرفية يحق علينا توطينها وتأصيلها في اتساق فلسفي قائم بذاته. وقد يرى بعض النقاد ثراء المادة المنشورة في صيغة شهادات على تجاربنا اليومية وواقعنا الحضاري والإنسانية ما هي إلا نهضة نخبوية تنتمي أو تميل إلى الفكر النسوي الغربي وهي سرعان ما تخبو وتزول ولا يجوز اكتسابها شرعية التمثيلية لحالة الوعي في أغلبية مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، نساءً أو رجالاً. والطريف أن الجدل الدائر حول تمثيلية كتابة المرأة للنساء أو للواقع المعاش لا يتعرض البتة لكتابة "الرجل"، إذا تجازونا باستخدام التعبير. وليس هنا مجالنا الكتابة عن قيمة تلك الإبداعات في رسم الخارطة الثقافية أو الخوص في الدفاع عن أو الهجوم على مسألة "الكتابة النسائية" Ecriture feminine والرد على كل ما يشي بقيمتها الحضارية بالإشارة إلى محدودية تجاربها ، وانغلاقها على الذاتية والنرجسية وحدود "الأنا". وأخشى أن ينجرف قلمي إلى تسطيح الرد على محاولة تهميش دور المرأة في تدوين التاريخ الاجتماعي للنساء والرجال والأطفال ، والذي يم يكن أبداً سوى رفاهية متاحة ومقتصرة على نخب المثقفين وإنتاجهم المعرفي بتعدد أيديولوجياته واهتماماته. فسرعان ما تتحول الإبداعات إلى "محاولات تعبيرية " وتشكيل الخطاب إلى عبث أنثوي أو كتابة نسائية بعيدة كل البعد عن الأدب الرجالي أو الذكوري. لذا أفضل أن أنحو بمقالي عن مثل تلك المهاترات الشوفينية التي تنأى بنا عن رصد القضايا الثقافية الهامة والتي تؤثر بشكل مباشر على واقعنا الحضاري والإنساني. ومن واقع كوني باحثة أنثروبولجية ، أنثى ، وأعايش قضايا معرفية يومية تسهم في تكوين بنائي المعرفي لذاتي والآخرين وبالتالي لي مواقف اجتماعية محددة تجعلني أمعن في دراسة الخطاب الأنثروبولوجي النسوي، فإن تركيزي هنا ينصب على البناء المعرفي القيم والزاخم بالأصوات التي تكشف عن إشكاليات الذات والهوية وتنقب عن خلفيات الصراع المفتعل بين الأصالة والمعاصرة، والشرق والغرب، والرجل والمرأة، والأدب والكتابة. ومن التحديات التي قابلتها إمكانية قراءة كل تعقيدات الحداثة ومقولاتها حول الإسلام وتحويل تلك المقولات إلى "واقع معرفي" عن قضايا المرأة والرجل وكتابة تاريخهما الاجتماعي والثقافي وإرساء مفاهيم إنسانية الحقوق والواجبات تقوم على أساس العدل والمساواة في القيمة والكرامة الإنسانية. ومحاولتي الكتابة تمثل جهداً متواضعا يسهم في تشكيل قوة موازية تنأى عن اختزالي إلى بعد واحد كامرأة، أو كعربية أو كمسلمة أو كباحثة أنثربولوجية مطلعة على بعض جوانب الثقافة الغربية. وكانت محاولات تهميش الكل في سبيل إبراز الجزء عثرة تحيل دون اكتشافي لذاتي وللآخر بهدف حصري في أطر معرفية ومجتمعية يصعب تجاوزها. فمن ناحية تتعلق الكتابة بمحاولات تجديد الأنثربولوجيا كمشروع كولونيالي يهدف إلى الهيمنة على الآخر سواء كان واقعاً تحت الاستعمار الثقافي أو التبعية الاقتصادية أو الاختلافية (غير المألوف) ومن ثم استقدام كتابة المرأة كمبحوثة وباحثة كمدخل تفكيكي وتفتيتي للمجتمعات "التقليدية" حيث تصير الثقافة الأصلية ساحة للصراع بين أيديولوجيات القوة والهيمنة وإشكاليات ومضامين وطبيعة المعرفة التي تنتجها تلك الظروف الصراعية. ومن ناحية أخرى توجب على البدء من قيمة نظرية ومنهج العلم متجاوزة الحدود الاستعمارية وزمانها في محاولة لحل إشكاليات تشكيل المعرفة من موقع داخلي (أو "جواني") كما يحلو للبعض أن يسميه تتعلق أيضاً بطبيعة تلك المعرفة. فقد ساهمت المدارس العربية الأنثربولوجية بباع عظيم في مجال البحوث الإثنوجرافية التي تتيح وصول أصوات المبحوثين والمبحوثات كذات فاعلة ومشاركة وليس كموضوع مما يسمح بالحصول على نصوص كتبها باحثوها عن ثقافتهم وأهلهم. (See Altorki & El-solh,1989) هذا إضافة إلى أن تناول رؤى الآخر للإسلام والمسلمين (نصر،1995) ما يزال يرسم حدوداً لعلاقة الذات والآخر حيث تصبح الصور ونصوصها قضباناً نطل منها- نحن باحثو وباحثات العالم الإسلامي- نتطلع من ورائها لإيجاد حلول وسط أو خطاب تلفيقي يتأرجح بين الشعور المتنامي بالتبعية والدونية وازدراء أنفسنا وحضارتنا ومحاولة اللحاق بدعوى "التمدن" و"الحداثة" يستدعي "صورة نمطية للمرأة المسلمة باعتبارها سجينة ومستضعفة بانتمائها لدينها" (هدى الصدة،1996،ص20). وتطول الإثنوجرافيا كل صوت يروي وكل نبض يعايش الثقافات السائدة والفرعية المحيطة بالتجارب الحياتية وعلاقاتها المتشابكة في ظل متغيرات وثوابت تؤثر في زمان ومكان محددين. وتحكم زاوية الرؤية والتموقع داخ الثقافة أو عبرها كيفية نقد الذات وإعادة إنتاج خصوصياتنا الفردية وتجاربنا وهوياتنا واتجاهاتنا ونتماءاتنا وبالتالي منظورنا الحضاري إلى ذات وموضوع البحث وفعل الكتابة. وتمثل كتابة الثقافة ربطاً بين الذات وذات الآخر، في إطار البحث عن رؤى للعالم وتحسس لخصوصيات الأفراد والمجتمعات مما يتطلب وعياً ناضجاً بالذات الباحثة وموضعيتها وزاوية رؤيتها. وتحيد الإثنوجرافيا الواعية عن التفتيت الانتقائي في نقلها لملامح الثقافات والمنظومات الفكرية مما يمس بترابطها وتماسكها وذلك بتقديم صورة جامعة شاملة لاختلاف زوايا الرؤية لحضارة التي قد تنمو في رحمها ثقافات متعددة، ويبعد المشروع التجميعي عن الانتقائية المتعمدة لخلق خطاب يكون سنده ودلائله وقرائنه تسجيلاً لأصوات حية.
المقدمة: وأين تكون البداية؟ من واقع حاجتنا إلى قراءة وتحليل الخطاب النسوي قراءة معرفية من منظور حضاري نستدل منها على الأفكار الثقافية في عالمنا العربي والإسلامي (حيث أن الكتابة تثمل أحد الفصول الهامة الفكر النسوي)، تثير تلك الورقة أسئلة عدة حول التشكيل المعرفي للشهادة النسوية على العصر وخاصة المكتوبة في سياق سير الذاتية والتي تستوحي فكر وثقافة متغيرات وثوابت ثقافية من خلال رؤية أو رواية حياة المرأة اليومية التي تشهد بدورها تتالي حقب وسنون تمر بها أحداث ومؤثرات تعبر عن حال حضاري قائم. يهمنا في المقام الأول من طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليه طرح وتفسير الإطار المرجعي لتلك الشهادات وتعدد وتلون الخطاب الكامن وراءها حتى يتيسر لنا فهم تموقعنا من ذلك الفكر كما تفسر لنا تعدد رؤى العالم لدى المرأة المسلمة ـ بدون فرض الرؤية الذاتية للكتابات النسويات بمختلف توجهاتهن إزاء وضعية المرأة العربية والمسلمة. كما يثمر انفتاحنا على ما يكشفه المنتج المعرفي عن تشكيل الوعي والذاتي في حالة تفاعل حضاري ديناميكي وديالكتيكي مع "الآخر" سواء كان ذلك الآخر اتجاهاً أيديولوجيا أو تشكيلاً ثقافيا أو جيلاً سابقاً أو لاحقاً أو معاصراً. وإن كان الوقت والمساحة المتاحة لا يسمحان بمراجعة دقيقة لأعمال نسوية قيمة ـ لأهداف سويف وليلى أحمد ونوال السعداوي ودرية شفيق، فعسى أن يكون التقصير في إعطاء كل ذي حق حقه بداية لأبحاث جادة تثير تساؤلات وتطرح تفسيراتها ومن ذلك المنطلق. فإن كل إنتاج فني وأدبي هو عنصر مكون للعصر الذي يشهد مولده وتكوينه وخروجه إلى الحضارة . كما أنه وليد ذلك العصر فهو شاهد عليه من أهله . فنجد مثلاً العديد من الأعمال الدرامية التلفزيونية التي استفزت مؤخراً مشاعرنا الوطنية وألبت أوجاعنا وضمائرنا من خلال كشفها لحياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية وأحوال البلاد واقتصاد في الدولة الحديثة مثل "ليالي الحلمية" وأجزائها الملحمية الخمس و"أرابيسك" و"أم كلثوم" التي تمحورت حول شخصية نسائية عبقرية فذة دارت حولها أحداث وشخصيات أخرى شكلت وجداننا الجماعي ورؤانا للعالم (See Laila Abu Lughod, 1997) . وأهمية الخطاب النسوي المعاصر تكمن في أنه يطرح بديلاً للخطاب السائد من خلال تجارب مجتمعية وسير ثقافية في فترة زمانية محددة وهي "العصر" الذي تشوبه وصمة الاستلاب الحضاري وتعبر عن عمق التأثر بالاحتكاك بين الغرب والإسلام، المقاومة والاستسلام والذي غالبا ما ترمز إليه قضايا النوع والجنوسة. دورنا هنا هو تفسير التفسير أو تأويله مما يمكننا من وضع أيدينا على محاور تشكيلاتنا الحضارية ومواجهتها برؤية نقدية أكثر عمقاً وثراءاً عن مرحلة "الأمة" التي قتلتها أوساط النخب الثقافية والسياسية بحثاً ثم "خطاب الأزمة " والذي تلته صرعة فكرية أخرى لم يسلم منها قلم وهي أزمة الهوية ومحاولات البحث عنها. وفي خضم حالة الالتباس العامة نجد أن نموذج الأدب والكتابات النسوية أيضاً تناول مسألة صراع الهويات داخله فيعرض للجذور النفسية والبيئية والثقافية التي أثرت على قارئها وكاتبها ورؤيتهما لذواتهما وجدير بالذكر أننا إذا تتبعنا الدوافع إلى كتابة السير الذاتية نجد أنها ذاتها هي الدوافع التي حثتنا على قراءة نصوصها ومن ثم التأثر بها والتفاعل معها وتحليلها والغوص في أغوارها كمرآة نرى فيها تجاربنا وأعماق فكرنا وكنه ثقافتنا. فسواء كانت سيرة الشاهدة هي توكيداً لدورها وبزوغ نسويتها من خلالها عملها "العام" أو همها "الخاص" في هيئة مذكرات "شخصية" أو كانت رحلة تعبر فيها حدوداً تنقلها من واقع حضاري لآخر متفاعل معه أو مقابل له ـ وليس بالضرورة متصارع مع في ثنائية ساذجة ـ فهي تحاول الإلتحام بالزمان والمكان ويجدر بنا الإشارة إلى حضور تيار الوعي والتأمل الداخلي حيث تختمر عصارة التجارب النسائية في مجتمع أبوي ذكوري يضمن على صوتها الجميل بالغناء (أنظر: سلوى بكر، 1994) ، فتحولت إلى نواة لفلسفة تكشف معها تلاحم تجاربها وقضاياها وانفعالاتها التي تعايشها فتصارعها تارة وتهادنها تارة أخرى.
النسوية تصريح وتضمين : إعادة كتابة التاريخ: نلحظ في كتابات ليلى أحمد وأهداف سويف أساليب التصريح والتورية كنسويات عربيات مسلمات، مما يكشف عن محاولات لفهم هوياتهن الإسلامية والنسوية والعبور من هوية إلى أخرى. والكتابة هي منتهى للصراع بين بعض مكونات الأيديولوجيتين، آخذين في الاعتبار خصوصيات الحركة النسوية العربية وتطور مراحلها والخلفية الثقافية العربية لأولئك الكاتبات اللاتي ينتمين بحكم النشأة والتعليم والانتماءات الأكاديمية إلى نخب طبقية وثقافية مما يثير مسالة "ازدواجية" المثقفين أو الانقسام النفسي الذي تعانيه مجتمعاتنا المتطلعة إلى استعادة صوتها بين التأثر بالنمط الغربي ومرجعياته الثقافية سواء انتقائية أو استشراقية والتي غالباً ما تسطح أو تخلط بين الفكر الإسلامي وفلسفة وتاريخ المسلمين . وإذا تناولنا القاسم المشترك بين تلك الكتابات فهو لا شك التمرد أو النقد الإصلاحي لمظاهر التمييز ضد المرأة أو وضعها الاجتماعي. ومع هذا لا تستغرق في الوجدانيات الذاتية فهي حالة مصالحة مع الذات وقدرة على التواصل معها وانفتاح على الآخر ليرى ذاته من خلالها. في محاولة إبداعية واعدة يقدم منتدى المرأة والذاكرة "حكايات" من وجهة نظر المرأة من وحي نصوص شعبية عربية وفي إحدى أمسيات الحكي تكتب هالة كمال: "قالت شهرزاد : أن سعادتها بالغة لعدم تدوين حكاياتها، لأنها بذلك تتحرر من الحدود والقيود وتظل مصدر خيال ووحي لكل فكر لماح وروح حاسمة تتحدى الإطار وتنفذ إلى الأعماق فتتحول حكاية شهرزاد التي تعبرعن كل امرأة وفتاة"[1] (ملتقى المرأة والذاكرة ، 2000). مما يؤكد أن هناك نقلة حضارية لكتابة وتدوين "الأساطير" التي لا تزال تشكل بناء "المرأة" في حياتنا اليومية بفضل سلطة تداولها وترسيخها في ثقافتنا. وكما أثار قانون الأحوال الشخصية لغطاً بالحق والباطل حول مكانة النساء وحول تراث لصق بدور المرأة على مد عصور تمتد إلى تاريخ سحيق، استمر فيها بناء صورة المرأة التي يزخر بها فكرنا الاجتماعي تجاه المرأة مما "يعكس نزعة عميقة لرسوخ لافتة تستهدف تأثيم المرأة، وذلك بتغذية تطورات مغلوطة عن طبيعة وجودها والنيل من شرطها الإنساني وإمكاناتها القصوى ، لتبرير فجاجة ما تطرحه هذه النزعة من قيم اجتماعية تؤكد استمرار سيطرة الرجل وهيمنته والتي تجسد ما يختبئ في زوايا التقليد الاجتماعي تجاه المرأة ، وتشكل خطاباً سائداً في شأن حياتها وواقعها بما يجافي معطي الوحي .. فالعقاب أن تهمش المرأة في بعدها الإنساني من كل مسئولية ويتم الاحتراز منها .. خاصة عندما يتدافع هذا التأثير نحو الواقع عبر تأكيد هذه الصورة التي تسجن المرأة في هذا الإطار "الأسطوري"[2] ، يمضي فوزي فهمي في كشف اللعبة التاريخية التي أسرت المرأة لتكون امرأة واحدة … (Spelman, 19-) حواء وشهرزاد أوزليخة كما يؤكد أن إعادة النشر المكثفة لنوعية تلك الأدبيات يلقي غمامة على أي صورة بديلة (المصدر السابق). لذا ألحت الحاجة إلى كتابة تأتي بصور جديدة للمرأة الفاعلة، غير المفعول بها، تكشف عن معاني جديدة وتاريخ قديم شاركت السناء فيه بنصيب طالب تهميشه ونفيه. والحقيقة أن الكاتبات يسهمن بشهادات محايدة أو نقل ساذج لما يرزحن تحت سطوته من تاريخ وأدبيات وإنما يخلقن عالماً جديداً يشاركن فيه بفعالية مع فكر قارئها بدون أن ينسحبن من أحداثها وعباراتها. فكما يستفدن من تجاربهن الشخصية ، تتناثر تجارب النساء في أنحاء شتى ووجهات نظر ورؤى للعالم متعددة ومتنوعة، وكما بدأ أدب المنفى يكشف عن غلالات ظلت تواري الرؤى غير التقليدية أو البديلة وخاصة التي تسع زوايا جديدة للمشاهدة والإنفعال مع ضفتي النهر[3]. وهذا التحول هو ذاته الدور الذي حققته شهادة المرأة وكأنها بزغت من منفاها تتطلع إلى الزمان والمكان وكأنها غائبة عنها أو بحق مغيبة عنها ، فعادت بكل قوتها وزخمها تنقب عن حاضرها وماضيها حيث "الناس جميعاً متشابهون بقدر ما هم مختلفون". المرأة والذاكرة1يجدر بنا بحث ظاهرة "النشر"[4] للكابتات العربيات سواء كانت أدبية أو علمية متخصصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، تبلور معظمها تجارب النساء في مجتمعاتنا. تؤكد الكتابة ـ قوة المرأة على الإمساك بزمام التاريخ والمجتمع من حولها كما تشير إلى عزم المرأة العربية ورغبتها في إعلاء صوتها بالكشف عن تاريخها (أنظر مرنية الأزرق 1994 ولصديقة العربي)، ولا أود أن أطرح هنا سؤالاً لا يجوز تخصيصه للمنتج المعرفي الذي تصدره المرأة وهو سؤال خطابي لا نجد له جواباً وهو "لمن تكتب الأدبيات؟ ، حيث أن تخصيصه لا يخلو من نبرة استخفافية أو تنميطية. ومن الكتابات التي تبحث في إعادة قراءة نصوص كلاسيكية أدبية مثل (ألف ليلة وليلة) فهي تمثل مشروعاً لا غنى لنا عنه من حيث تفكيك الخطاب الذي هيمن على تاريخ مجتمعاتنا من وجهة نظر أحادية فعلى سبيل المثال تكتب مرنية الأزرق عن فصاحة الصمت في شأن المرأة الجزائرية (1994) في متابعة للتاريخ الجزائري ما قبل النظام الاستعماري حتى ما بعد الاستقلال ونهوض الحركة الإسلامية وحركة المرأة وتطور الدراسات النسوية . غير أن مرنية الأزرق تقع في مأزقين أولهما أنها تفرض فصلاً بين زمان المرأة وزمان الرجل" لتمهد طرحاً عن الاستقلالية الذاتية الثقافية للمرأة". وثانيها الذي لا يقل خطورة عن سابقه، هو أن تغطيتها لتاريخ مائتي عام من التاريخ الجزائري تختزل كل النساء الجزائريات بتمايزهن واختلافاتهن في وصفها "للمرأة الجزائرية" على مدى قرنين من الزمان . كما خلا بحثها من القراءة النقدية للتحليلات الاستشراقية والخطاب الاستعماري وغيرها من وجهات النظر الأنثروبولوجية ودراسات النوع حول علاقة المرأة والرجل في المجتمعات العربية وهو قصور نظري لولاه لكنا حصلنا على دراسة قيمة أو على الأقل بداية مبشرة لكتابة المرأة العربية لتاريخها لولا أنها اكتفت بالهجوم عبر التعميم على التنظير الغربي بأجمعه ثم سكتت عن الكلام المباح. فتجهض مرنية الأزرق مشروعها الواعد من خلال تصورها "لتعدد الأزمنة" بدلاً من تعدد الرؤى وهو مفهوم فلسفي لا يتساوى في عمقه مع قيمة بحثها. كما أن اتجاهها النقدي والتنظيري للفكر النسوي الغربي[5] يخلق موقفاً يفتقد إلى الترابط والوحدة لا يقل حدة عن تفسيرها للتاريخ تبعاً لتقسيم ثنائي لتاريخ النساء المستقل عن تاريخ الرجال مما أضعف من جهدها في القيام بمبادرة نقدية لحركة التاريخ تعد بقدرتها على خلق الوعي بتشكيل قضايا الواقع وعلاقتها برؤية المستقبل وهو ليس بالضرورة خطاباً مضاداً ومغايراً للخطاب السائد وإنما هو بالضرورة يسعى إلى اختيار موقع من الفكر ومن هنا يمكن إعادة كتابة التاريخ. فكما تضع أمينة رشيد النقاط على الحروف: "فإذا حدد الخطاب النسائي العربي موقع الصراع من أجل المساواة بين الرجل والمرأة فموقع صراع المرأة العربية يتحدد في صلب التاريخ العربي القديم والحديث، في إعادة كتابة وفهمه المتجدد لرموز شهرزاد وزرقاء اليمامة وبلقيس وفي رفض الخطاب الأيديولوجي للسلطة والمفهوم العربي للحقوق والواجبات" (أمينة رشيد 1995: 2-12) ومحاولة أخرى تعبر عن موقف متميز من النموذج الغربي، غير تابع له (المصدر السابق) تقوم بها صديقة لعربي عبر التحليل الأنثروبولوجي للخطاب الأدبي والسلطة حيث تهتم بكتابة التاريخ حسب القيود التي تفرضها الدولة والأعراف التي تجمدها السلطة الدينية لذا فهي تأتي بخطاب مغُاير من خلال الكتابات الأدبية المختلفة ما بين رواية ومقال تاريخي أو فكري فلسفي، مصاحبة لسير كاتبات سعوديات. تحاول لعربي التواصل وتحقيق الذات لجزء من كل حيث لا ينفصل الخاص عن العام في القراءة النقدية التحليلية للسياق المنتج لتلك الكتابة ولكيفية تشكيل الوعي والتاريخ.
السيرة الذاتية : السيرة الذاتية: هي رحلة بحث عن الذات من خلال استدعاء الزمان والمكان بآلية السرد التي تتناول المكان ، الوطن ، التغيرات المجتمعية ، الاغتراب بينما يظل التاريخ يشغل حيزاً محورياً في علاقته بالمكان. وتسعى السير الذاتية لاستكشاف الذات والخوض في عمق تجاربها في سياق تجارب أشمل منها، كالتغيرات التي قد تطرأ على الوطن على سبيل المثال وهكذا تقارب كتابة التاريخ ـ أو الشهادة على عصر مع كتابة السير الذاتية سواء كان كاتبها وهو صاحب التجربة أو ناقل لها في أحد التراجم وبالتالي منتقي لبعض جوانبها من وجهة نظر محددة وفي كلتا الحالتين يجري البحث عن أوجه لحقائق ووقائع شكلت تراكم معرفي استغرقت فيه الذات فتصير الكتابة إعادة إنتاج لها والتعرف عليها من جديد لفهم البنيات الاجتماعية والثقافية ومكونات الواقع المعاش بأبعاده المختلفة. والسير الذاتية تضيف إلى ما سبق مزج الخاص بالعام من خلال معايشه شديدة الحساسية للأبعاد المطروحة مما يضيف إلى قيمتها بعداً نقدياً ذا أركان فلسفية وثقافية متنوعة تمثل يقظة حضارية تتميز بالأصالة والإتساق. هذا إلى جانب إنها تعي التعددية في المجتمعات العربية والإسلامية حيث لا يجوز تنميطها كمجتمعات شرق أوسطية خليجية أو آسيوية باعتبار تمايز الشرائح الاجتماعية والثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد لتنوع ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الممارسة والفكر والتأويل متباينة إلى حد كبير. فتثري السير الذاتية مخزوننا الأدبي والتاريخي والثقافي والسياسي بفهمها الأدق والأعمق للسياق الذي يجري في إطاره قراءة وتركب وخلق وتداول النص. ولا جدال أن تلك الأهمية ترتفع أسهمها في مجتمعات تتميز بالاستبدادية السياسية والتي تتميز بمحو صوت وذاكرة الأجيال من خلال عمليات إحلال دورية تعصف بتاريخ مجتمعها مع كل عهد جديد يكون قدومه علامة تحتم إزالة وتطهير التاريخ من إنجازات وخصائص مما سبق ليدون خطايا فحسب. وفي رأيي أن الذاتية التي يحتمها أي عمل إبداعي أو معرفي يمر بطبيعة الحال بصراع وحبكة وعقدة وحل حتى يتسنى في النهاية تحقيق توازن ووضوح رؤية لذات الكاتب أو المشاهد أو الأديب وبينه والآخر (سوءا كان منتمياً لذات الثقافة أو غيرها) وبينة وعصره حين تتكيف وجهة نظره وزاوية رؤاه مع قسمات تلك الحقبة وعبق ذلك المكان.
الشهادة : بناؤها وقسماتها: الشهادة هي ذاكرة المكان والزمان وهي خليط من السيرة الذاتية والجماعية ومزيج من الماضي والحاضر (انظر: سنثيا نلسون ، 1999) كما تستدعي أدوات سردية ونقدية عديدة. وتتوحد أحياناً رؤى الفرد مع رؤى جماعة ينتم إليها الشاهد أيديولوجيا أو ثقافيا وهي حالة من الوعي المتنامي للفرد ولجماعة بحركة المجتمع والتاريخ وعلاقتها بالسلطة وأشكال القهر المعوق لحركة التقدم، مما يستدعي يف الأصل كتابة الشهادة على العصر بمنعطفاته وتحولاته التاريخية الهامة. ومن منظور مثالي ، توجه الشهادة للسعي إلى حقائق ولترسيخ لقواعد بناء الواقع ولتحقيق تواصل بين الأجيال. وتتميز قيمة الشهادة بقدرتها على تحدي الجمود والانغلاق والانكفاء على حيز ضيق في التوصيف والاستشراق ففي تعامل الشهادة مع أدوات وتقنيات ومنهجيات ونظم ومستويات متعددة للخطاب الواحد أو لأكثر من خطاب ينتج جسوراً للتواصل والخروج من عزلة انكماش القدرات الاجتهادية والمنهجية وعقم المناقشة والمساءلة . ولعل أبرز ما يفسر اهتمامنا بالشهادة على العصر بشكل فلسفي عام وشهادات السناء على التاريخ وهو القدرة ‘لى التوصيف والاستشراق والتفنيد والتفكيك للقضايا الفكرية الهامة وأنواع الاصطدام بين المنظومات الفكرية المختلفة والمتنازعة في رؤيتها الاجتماعية والقافية والسياسية ، وفي مقدمتها قضايا النوع في الحياة الخاصة والعامة وكل ما يتداخل معها في أنماط العلاقات المتشابكة ومن ثم الاصطدامات بين منظومات الفكر الإسلامي والمنظومات الفكرية المختلفة . ومن ثم فالشهادة إعادة النظر وإمعاناً فيه ورؤية جديدة لتاريخنا وواقعنا وعلاقتهما بالعالم من حولنا . وتأتي شهادات النساء المبدعات في الوقت الذي تخبو فيه رؤية المنظومات الإسلامية لوضعية المرأة في مجتمعانا وخاصة يما يتعلق قضايا حيوية وتنويرية مثل التعلم والعم والعيش بكرامة داخل مؤسسة الأسرة والمشاركة السياسية الفاعلة في شئون الدولة ومن ثم الأمة من منظور إسلامي ولا شك أن النموذج الغربي لتجارب النساء في الغرب ومن ثم شهاداتهن عليها داخل الخطاب البنيوي الغربي وجدت مناخاً خصباً للإلتقاء والانطلاق. ثم تزاملت شهادتنا وأدبياته الثقافية والإبداعية مع التنظير الغربي للنهضة التأسلمية (Saad Ibrahim ,Aly Helal) ودلائل ورموز التطرف وربطها بمسألة الهوية وظاهرة الحجاب داخل سياق الثقافة والسياسة العامة. ولا جدال أن المؤتمرات العالمية للمرأة ، وآخرها المنعقد في بكين 1995، قد أبرز نقاط الالتقاء بين الرؤى والثقافات والمنظومات الفكرية فيما يختص بقضايا المرأة وحقوقها ، وما صاحب تلك المنتديات من وعي متزايد في العالم الإسلامي بتلك القضايا وظروفها الخاصة في مجتمعاتنا من حيث التصاق قضايا المرأة داخل الأسرة والتغيرات المجتمعية المؤثرة في كليهما. ومع تنامي الأدبيات التي تتناول المرأة والإسلام أو المرأة في المجتمعات الإسلامية وظهور كتابات لنساء من الداخل تناولت المنحى المقارن بين المنظورين الإسلامي والغربي الذي يستند في مرجعتيه للفكر الأوربي أو الفكر النسوي في النظر لعلاقات النوع ومن ثم قضايا المرأة في المجال العام، ظهر اتجاهاً يرنو نحو اكتشاف ومن ثم كشف الذات بدلاً من الاحتماء داخلها، الدفاع عنها أو التستر وراء ديماجوجيات رنانة فتعددت آليات الكتابة وطرائقها وأدواتها ومناهجها. وقد أكسب ذلك الاتجاه الثقافي زخماً حيوياً في مجالات العلوم الإنسانية والثقافية والحضارية فصارت ملهمة لحركة نقدية ذاتية شهدت حضوراً خاصاً للمرأة تجاوزت فيها بأبحاثها وإبداعاتها عالم النساء ، لتنفتح على كل جوانب واقعها بحسية مرهفة ودقة متناهية في التوصيف والاستشراف والتكامل في علاقة التجارب المعاشة بالأفكار والذهنيات الإسلامية. وتشكل تلك الكتابات تراكماً معرفياً كيفياً وكمياً في المجال الثقافي ونقطة إنطلاق لتطور وتجديد منظومات الفكر الإسلامي وأدبياته والتي لا شك أن افتقاد الأخير للوضوح والحساسية لديناميكيات العلاقات والإشكاليات قد دفعت شهادات النساء إلى الظهور دفعاً وسعياً لاتجاه فكري وواقع معاش أكثر قبولاً وارتقاءاً بواقع الرجل والمرأة في المجمعات الإسلامية والعربية وصونا لكرامتهما الإنسانية. كما أن ثراء التجربة السياسية والاجتماعية في إيران في مقابل التراجع الحضاري في أفغانستان مع حركة طالبان قد صاحبهما انكماشاً في الاجتهاد استلزم معه وقفه تأملية بحثاً عن شتات المخاوف والآمال حتى أن أدبيات المرأة لاقت قبولاً ورواجاً ملحوظاً يرجع إلى محاكاتها لوطأة خصوصيات واقعنا، بكل ثناياه وطياته وانعكاس الحركة الثقافية والمجمعية على موضوعاته ونظم التفكير على اهتماماته النقدية بشكل تراكمي متصاعد. وتسقط شهادات المرأة الخاص على العام والعكس صحيح. والاستعراض العابر لتلك الأبحاث المتميزة والأدبيات القيمة يؤكد أنها لا تدور في فراغ مطلق إنما تتفنن في كشف تموقعها من المفاهيم والذهنيات في الواقع الحضاري والتراث الثقافي والتفسيرات "القبلية" للشريعة الإسلامية ومظاهر التمييز على مستوى التشريع المنظم لأدوار المرأة والرجل داخل الأسرة وخارجها وعلى مستوى الممارسة والتطبيق. فغالباً ما تنطلق من قلب أحداث اجتماعية أو حركات ثقافية؛ نسوية وسياسية مثل الحركات الطلابية أو الوطنية المعارضة لسياسات الدولة الاقتصادية أو الخارجية أو التشريعية، وكلها ذات أبعاد اجتماعية أصيلة. ويشد انتباهنا هو عدم مباشرة درء الاتهامات الموجهة لدور الإسلام في تخلفنا الحضاري أو تمحور المؤسسة الدينية في منظومة "القهر". وتفتيت تلك البنيات مع هذا لا يصل بنا بالضرورة إلى إمكانية إعادة تأسيس منظومات بديلة. وأظن أن تتالي ظهور وتكامل تلك الشهادات وتتابعها على النهج الموسيقي هو ما نسعى إليه نساءاً ورجالاً، وذلك من خلال ما هو واقع وموجود بالفعل في اتجاه تحديد ما يجب أن يكون. ويجدر بي الإشارة إن جوهر المشروع يتضامن مع روح علم الأنثروبولوجيا وإن كان شرط تحقيق ذلك البعد الثقافي الإنساني هو خلق وعي صالح لفهم وتفسير مفردات الواقع المعاش والتجارب الحياتية ومن ثم الخروج منها برؤى للعالم تكون في حد ذاتها، فتحاً جديداً لبوابات حضارية ظلت موصدة لعصور أمام إمكانيات نقد الذات الإيجابي والبناء. وتمتاز الشهادة على العصر بقدرتها على الاحتفاظ بجذورها في الثقافة التي تنبع منها واحترام الثقافات الأخرى (وأحياناً تكون ثقافة فرعية) والنأي عن الحكم عليها في ضوء الثقافة التي ينتمي إليها الشاهد. فتسعى دوماً إلى فهم وتفسير السياق والأوضاع التي أنتجت تلك الثقافة ، من وجهة نظر المعايشين لذلك العالم الذي تناوله في عمله. مما يستلزم تداخل صوت المشاهد مع أصوات أولئك المشاركين كما تمتزج رؤاهم وتتشابك مفاهيمهم وفكرهم وممارساتهم للأبنية الفكرية والثقافية التي تكمن وراء الظواهر والأحداث والكلمات ومعانيها. أما الكتابة عن عصر عب ثقافتين فغالباً ما تكون نقلاً لحالة استغراق ـ وليس بالضرورة ذوباناً أو خضوعاً في الثقافة المنقول إلها أو انحيازاً أعمى للمنقول منها . ويهيئ الإستغراق ويستفز استكشافهن لذواتهن وواقعهن عبر فهم الثقافة الأخرى. وأن كان شرط ذلك "الصعود" (See Iman Farid,2000 ) تيسر الفهم العميق للثقافة الأصلية مما يسمح بالغوص في أعماق الآخر حتى لا تجهض تلك المحاولة عند حدود الاقتراب منها أو النظر الساذج إلى بعض جوانبها. كما تشترط رؤية العالم عمقاً تاريخياً يفسر كيفية تشكيل واسمرار صعود وانهيار أوضاع اجتماعية أو نظم سياسية أو اتجاهات حضارية بعينها. وتثبت كتابات متنوعة في مجالاتها مهارة فائقة في رصد إنتاج المعرفة التنظيرية للفكر والأيديولوجيا في المجتمع العربي، وانعكاس التيارات الغربية على تشكيله وصداها فيه، بفضل الوعي بإشكاليات وتناقضات واقع الفكر العربي. فتصف فهيمة شرف الدين (1993) في كتابه "الثقافة والأيديولوجيا في العالم العربي 1960-1990" الأنظمة الفكرية التي ظهرت على الساحة العربية خلال ثلاثة عقود، لتصل في تحليلها إلى نتائج غاية في الأهمية، أولها أن صعود وهبوط التيارات الرئيسية في الوطن العربي في تلك الفترة قد اختزلت الإطار الفكري بين رحى التحديثية والتقليدية، وثانيها أن أزمة الهوية ليست سوى تجليات لأزمة التكيف الاجتماعي (ص48) بعدما شهد الواقع السياسي الاجتماعي الثقافي حالة تفتيت وتفكيك في السبعينيات في تناقض حاد مع عملية "التجميع والتركيب" التي شهدتها الستينيات قبل هزيمة 1967. ولعل السياق الفكري العام الذي خطته شرف الدين يحيك الأطر التي تشكلت بداخلها الكتابة عن العصر والشهادة عليه. وعلى الجانب الآخر، تشير فريال غزول (1995) إلى فصل الدراسات والعلوم العربية/الشرقية والإسلامية عن مجالاتها المعرفية المتخصصة لتعزل الإنجاز المعرفي في الحضارة الإسلامية العربية عن الثقافات الأخرى ووقوفها على قدم المساواة وفي "موقع مجاور"، وذلك بتقديمها عبر أقسام أو مراكز يطلق عليها "الدراسات الاستشراقية" أو "الإسلامية" أو "الشرق أوسطية" لنصطبغ بلون جيو-ثقافي في معزل عن دورها الحضاري في تراث الإنسانية واعتبارها "ظاهرة" قدر عليها مواجهة الثقافات الأخرى (غزول، 1995:ص5) مما ينتج عنه عرقلة محاولات دفع حركة المثاقفة في الاتجاه المقابل ليمكننا من التأثير في مقابل التأثر والاستغراب في مواجهة الاستشراق.
إشكالية الهوية: يشكل اعتناق النسوية كأيديولوجيا بديلة أو عملية إحلالية بعد حضاري غائب دق يكون ذلك البعد ذاته مبعثاً لأزمة صراعية مع الذات فتسارع بخلق صمام أمان وهو إشكالية "الهوية" تنطوي تحته مواجهات أو تأملات مؤجلة يكون ملاذاً تتاح في حمايته توظيف القدرات الإبداعية الخالية من قيود معايير منور حضاري أصيل. فتصير الرغبة في تحقيق الذات مما يتجاوز استحضارها واستكشافها دافعاً للانشغال بالمنظومة النسوية كمصدر قيمي راسخ يقارن به أي منظور بديل.
بناء الشهادة : كتابة الثقافة والإبداع الأدبيوينفتح علم الثقافة أو الأنثروبولوجيا على كافة الفروع المعرفية سواء كانت علوماً إنسانية واجتماعية أو علوماً طبيعية ليشترك تحديداً مع فكرة الإبداع في إعادة بناء العالم الإنساني الذي يدور حوله كل من هذين النشاطين على الغرم من اختلافهما في أساليب فهم ذلك العالم وطرائق التعبير عن ذلك الفهم[6] إذ يستقيان عناصر كتابتهما من الواقع المعاش وتفاصيله وسرده وتحليله باستخدام القص والسرد والحكي مع الأخذ في الاعتبار أن تفاصيل وأحداث البحث الميداني الذي يركز على مجتمع محدد لفترة زمنية محددة يثير بدوره قضايا منهجية عدة عن الموضوعية و"الذاتية" و"الوضعية" (See Dorothy Smith, ) وحيث أن السرد الأثنوجرافي والسير الذاتية تشترك في بعض قسماتها فتصير الأثنوجرافيا عملاً أدبياً يشهد على سياقات تاريخية فعلية ـ على عكس المتصورة في العمل الأدبي ـ لتنطق منها أصوات متداخلة تعبر عن وجهات نظر ومواقف متعددة وأيديولوجيات متعارضة مثلها مثل توازي أو صراع الشخصيات في العمل الروائي. وتعتمد تلك المشاهدة على ذاتية الباحث الأنثروبولوجي الذي لا يقوى على تجاهل أو تهميش الأزمات التي يتعرض لها يعرض في شكل "بوليفوني" “Polyphonic” متداخل الأصوات. كما أن الأديب يندفع إلى البحث في أغوار المجتمع الإنساني متأملاً في قسمات الأفكار المحركة للثقافة المحيطة بالأحداث والشخصيات فتختلط المكونات والبنيات الثقافية والسياسية بعضها البعض لتتفاعل أو تتصارع أو تتواءم. ويمثل المعبر النسوي طريقاً مميزاً وقيماً في الكتابة كأسلوب وسلاح ضد القهر الأبوي والسلطة والقوى التي تقف عقبة في سبيل إرساء أوضاع إنسانية أفضل. وعلى ذات النهج، تستهدف الشهادات أوضاعاً تبدو ثابتة ـ حيث أن بعضها أو غالبها قد وقع بالفعل ـ بأحداث متحركة حيث أن ديناميكيتها تكمن في قدرتها على التبديل والتغيير. وتسعى معظم الكتابات النسوية ، والتي نادراً ما يكتبها رجال، إلى إحلال أو |