Nadwa Bint al Shati:  Sessions I - V

 

Here's a record of the First Session:  Addressing Bint al Shati's  approach to Qur'anic tafsir against other Methodologies  illuminated by Dr Walid Munir's original foray on more recent contemporary hermeneutics in the field 

Dr. Mostafa Nassef, eminent linguistics professor at Ein Shams University, Cairo,  and author of numerous tracks in linguistics and literary criticism, made an original and thought provoking contribution to this session by way of commentary, as he engages the dialectics of Language and Consciousness - We decided to reverse the order of things and begin our presentation of this session with this commentary. j

 

المحور الأول : عائشة وعلوم القرآن

الوعي وضبط الكلمة

د.مصطفى ناصف

  كان أمين الخولي رائد الدعوة إلى الخبرة النفسية، وكانت الخبرة النفسية وما تزال موضوعاً متعدد الاتجاهات. ولكن أميناً أدرك أن النهضة العربية شديدة الحاجة إلى تفهم ذاتها، ماضيها وحاضرها، وأن هذا التفهم ليس بالأمر اليسير. إنه ينطوي على إعادة قراءة التراث، حيث نستطيع أن نعي أنفسنا وعياً أفضل، وأن ننشط في مواجهة الحياة.

    والنشاط أو الفاعلية موضوع مشترك أهم زملاء أمين كما أهم أميناً. وعبارة دفعة الحياة التي أطلقها الأستاذ العقاد مشهورة. وكذلك أسهم طه حسين وأحمد حسن الزيات والرافعي بطرق مختلفة.

   والمهم أن الخبرة النفسية كانت في نظر أمين عملاً شخصياً لا مجرد قراءة في علم النفس ونقل بعض محتوياته. النهضة نفسها كان منظوراً إليها على أنها فعل نفسي في المقام الأول. النهضة وعي. وقد افترض أمين كما افترض غيره من زملائه أن هذا الوعي  يجب أن يدرس وأن تحشد لدراسته الجهود، وان يتعاون في سبيله مختصون كثيرون. إذا عرفنا أن النهضة هي تكثيف الوعي أدركنا أن مهمة أمين كانت قومية أولاً.

      الخبرة النفسية في عهد الرواد كانت ضرورة اجتماعية، وهذا هو الفرق بين الأجيال. جيل أمين الخولي كان يرى الخبرة النفسية وعي فكرة النهضة نفسها.

     الخبرة النفسية  عند أمين مناطها توضيح الشخصية المصرية والشخصية العربية. ومفهوم الشخصية واضح في كثير من الكتابات، لنقل إذن إن الخبرة النفسية كان منظوراً إليها باعتبارها حاجة عامة لا ترفاً شخصياً أو تعمقاً دراسياً بحتاً. لقد تخلت الأجيال التالية عن هذا الرابط، إن موضوع الخبرة النفسية كان موضوع الحياة العربية نفسها.

    ومن أجل ذلك كان تفسير القرآن الكريم فضلاً على عيون الأدب العربي في خدمة الحياة الحاضرة وخدمة النهضة. تفسير القرآن في نظر أمين عمل قومي مصري عربي. عمل يهم المجتمع كله مسلمين ومسيحيين. تفسير القرآن إذن شحذ للوعي وخطوة مهمة في تفهم الذات العربية، لا سبيل إلى تفهم الذات العربية يفوق القرآن العظيم.

    وفي مقال أمين الخولي عن مادة تفسير في دائرة المعارف الإسلامية ترى  الإشارة الواضحة إلى العقل العربي واعتبار القرآن مصدراً غنياً للتعرف على هذا العقل. وقد اتهم الدكتور طه حسين الشعر واعتبره مزيفاً  للعقل العربي غير أمين في تتبع ملامحه ومشكلاته. وأمين الخولي يقول إن كل شئ في القرآن العظيم نظر إليه من زوايا متعددة، بعضها واقعي وبعضها مثالي. وكلمة الواقعي تطل على كلمة العربي. القرآن أكبر من العقل العربي. هذا واضح، ولكن القرآن جعل نقد العقل العربي مشغلة واضحة. وهنا يلتقي في تفكير أمين اعتبارات: النهضة وتفسير القرآن وخدمة العقل العربي، وهذه جميعاً متفاعلة متداخلة. وفي هذا الإطار الثلاثي تأتي مسألة الخبرة النفسية.

    أمين في ظل عنايته بفكرة النهضة كان يرى المنطق العقلي أو الصوري عاجزاً. وكان يرى البلاغة في طورها الأخير خادمة لهذا المنطق. وتجديد البلاغة عند أمين هو تجديد الخبرة النفسية بالشخصية العربية لكي تأخذ مكان المنطق العقلي.

   كذلك كان أمين يرى تفسير القرآن محتاجاً إلى هذه الخبرة لتوضيح رياضة القرآن للإنسان العربي أولاً. هذه الرياضة الواضحة المتنوعة الأساليب. رياضة التدين أو التدين باعتباره رياضة دائبة أمر أهم أميناً. وقد كان تجديد الإحساس بالتدين مهماً عند أمين باعتباره خادماً للنص القرآني وخادماً لفكرة النهضة أو الوعي الجديد.

    مسألة الخبرة النفسية مجمع اهتمامات أمين باعتباره مفسراً ودارس بلاغة ومشاركاً في الإحياء أو النهضة. ولدينا أمثلة تدل على اجتماع هذه النواحي. فهو يتحدث عن الرسل بوصفهم قادة مجتمع يعرفون الطريق إلى نفسية المجتمع أو يتمتعون بخبرة ذاتية هائلة. المهم أن نفسية الفرد العربي ونفسية المجتمع العربي مناط الدراسة.

   ونستطيع أن نبدل بكلمة النفس كلمة الروح. وهي كلمة تحمل طابعاً معيارياً. فأمين الخولي كان مهموماً بمفهوم معين للنشاط الروحي. هذا النشاط مختلف بداهةً عن النشاط الروحي عند المتصوفيين. المتصوفون لهم تصورات خاصة في العزلة والغيب والتقشف والزهادة وإعلاء صوت الباطن، ولهم ولع باختراق القوانين المادية العملية. ومن هنا نعرف كيف اختلف مفهوم النشاط الروحي في عصر النهضة وعند أمين.

     النهضة قوة وتحد ومواجهة ورياضة ومحاولة بعد محاولة. والنهضة هي دخول الفرد في قلب المجتمع. النهضة وعي بالواقع المتغير- والنهضة تغيير. والنهضة أشبه بالتجربة الحية. ولذلك نرى موقف أمين يشبه موقف محمد عبده من التصوف. كلاهما معني بالخبرة النفسية في هذا الإطار. وموضوع الخبرة النفسية في الحقيقة يعود إلى محمد عبده.

   كتابات محمد عبده حافلة بالتحليل النفسي الاجتماعي الذي اقتفى أثره أمين الخولي.

   عند أمين ومحمد عبده  يرتبط التحليل النفسي الاجتماعي بالكشف اللغوي. وبعبارة أخرى يجب أن تتلاقى الخبرة النفسية وكل خبرة أخرى بمدلول الكلمات.

     الكلمات في نظر أمين نشاط، ولكن النشاط الروحي عند أمين نشاط عملي. فالقرآن يضع النشاط الروحي في قلب الممارسة المادية. والنشاط الروحي متنوع الصور، وهو في المسيحية مختلف عنه في الإسلام. ولذلك يجب أن نحذر الخلط والاستعانة بتصورات غريبة. الكلمات إذن عند أمين نشاط روحي وعملي معاً أو نشاط عملي من ناحية وروحي من ناحية أخرى.

   نص الكلمات عند أمين يجب أن ينهض بعبء النهضة وتجديد الوعي وشحذ القدرات النفسية والعملية. ويمكن أن نذكر هنا موقفه من كلمة الحكمة. لقد رفض أن تربط بالتفلسف والتأمل النظري ومظاهر العكوف على الفروض والاحتمالات، ورفض أن تربط بأي مفهوم صوفي ضيق. ولذلك عمد إلى اعتبار عملي. جعل أمين الحكمة بصيرة عملية لا تضل في الفروض ولا تجعل همها العكوف على داخل النفس. الحكمة عند أمين نوع من الانبساط. والتأملات تأخذ عند أمين أحياناً طابع الانقباض مهما تكن ثرية من بعض النواحي.

   النهضة عند أمين هي تجديد الإحساس باللغة. اللغة هي الرابط القومي، وهي مظهر غنى الجماعة، وهي ميراث دائم التجدد والحياة.

   نحن نتأمل الكلمات لكي ننهض ولكي نعي، ولكي نزيد آفاقنا رحابة وعمقاً.

   والكلمات عن أمين هي الحياة في تغيرها وتجددها، وهي الحياة أيضاً في قوتها وصمودها. الكلمات مثل الأمة يجب ان تظل قوية نامية من ناحية وأن تدرأ عن نفسها العدوان من ناحية أخرى. ومن هنا تأتي ملاحظات أمين عما يمكن أن نسميه عافية اللغة أو ما كان يسميه باسم الإحساس اللغوي. والإحساس اللغوي عبارة تنم عن فكرة الوعي أو تنم عن القصد أو تنم عن درء العدوان.

   الكلمات مثل الأشخاص. الشخصية الإنسانية أياً كان موقعها جذابة مغرية جديرة بالتوقير. ومن هنا كان أمين مولعاً بقراءة الكلمات. الكلمات إذن ليست أدوات. الكلمات غايات من بعض الجهات. الكلمات مكاسب ورؤى وأحلام. الكلمات تتأمل لشحذ الوعي. لقد عدنا مرة أخرى لقضية النهضة.

   حياة الكلمات إذن لا تبتغي لما يشبه العبادة، ولا تبتغى من أجل التنميق أو التزويق. فالتنميق في الحقيقة عدو فكرة النهضة. الكلمات تبتغى لأن الشخصية الإنسانية تكبر فتكون كلمة. تتضح وتتركز وتندمج فتكون كلمة.

   لابد لنا من أخذ هذه الاعتبارات حين نتحدث عن أمين ومدرسته. الكلمات مجامع خبرات. الكلمات ليست تراثاً قديماً، فالقديم عند أمين جديد. من واجبنا إذن على أنفسنا ان نحيا من خلال الكلمات. علينا أن نتحرى علاقة أمين بحياة الكلمات في ضوء أقرب إلى العشق. نحن نتعلم التواصل من خلال الإصغاء إلى مسيرة كلمة أو كلمات. نحن نصغى إلى التاريخ من خلال استعمالات متباينة للكلمات.

    الكلمات هي خلاصة تاريخ الأمة. تاريخ الأمة لا وجود له بمعزل عن الكلمات. الكلمات أهم أحياناً من الأحداث السياسية والعثرات والصعوبات العملية. الكلمات قوى خفية، الكلمات هي الرؤى المختلفة لفكرة النهضة. الكلمات هي تجليات الروح الوثابة. من أجل هذا أو ما يشبه هذا كان حرص أمين على أن يعيش مع الكلمة وقتاً طويلاً. يتأمل قدمها وحداثتها، يتأمل إصرارها وتراجعها، يتأمل صمودها أو ضعفها، يتأمل شبابها وشيخوختها. الكلمات عند أمين مبحث شديد الأهمية لأنه يطوي في داخله صداقة، ويطوي إخلاصاً وإصغاءً نادراً، يطوي التعرف على خلاصة الحياة وتوترها، ويطوي قدرة على مفارقة الواقع والعلو عليه.

    مسيرة الكلمات عند أمين هي مسيرة هذا العلو، الكلمات لا تعكس واقعاً، الكلمات أكبر من أن تكون عاكسة أو واصفة أو مطابقة لأشياء خارجها. الكلمات الأساسية هي رفعة الأمة وجلاء روحها وعزيمتها.

   كيف لا يكون هذا وأمين مشغول أولاً بالكتاب العظيم. إننا نعيش زمناً غير زمن أمين ونعيش حياة غير حياة أمين. وبعبارة أخرى إننا لا نصغي للكلمات، ولا نتبع حياتها ونماءها ولا نبحث عنها. إننا مشغولون فيما نقول بالأخبار.

   وهنا يأتي الكلام على معاقد اهتمام أمين. أمين كان مهموماً بتجديد الثقافة العربية والإسلامية. كان التجديد في نظر أمين هو إعادة النظر في الكلمات الأساسية. إننا نفرق كثيراً بين جانبين. نفرق بين ما نسميه باسم الأفكار وما نسميه باسم الكلمات. الذين يعنون بالأفكار قل أن يعنوا بالكلمات. والذين يعنون بالكلمات قلّ أن يضعوها في قلب المشكلات والتحولات الأساسية للحياة أو الفكر.

     كان أمين يرى أن تشقق الشخصية هو الفصل بين الكلمات والأفكار. النهضة إعادة كشف لتوحد الشخصية لا تفرقها، انسجامها لا تفاوتها. ومن هنا خطر لأمين ان باب النهضة الحقيقي هو إعادة النظر في مفهوم الكلمة أو هو إعادة تقديرها باعتبارها أعلى من الأفكار، وأهم من الأعراض،  وأكثر تركيزاً من أي شئ آخر.

    الكلمات عند أمين هي خلاصة ثقافتنا، وهي أكبر منا. كل شئ زائل وتبقى كلمة صدق. وقد عبر عن هذا المعنى بكلمة الإحساس اللغوي.

    تأمل حياة الكلمة إذن عند أمين هو النجاة من الفردية الضيقة، ومن العكوف على مصالح مؤقتة، واعتبارات هشة. تأمل حياة الكلمات وسيلة لتوسيع النفس وتقويم الخلق. الأفراد زائلون وتبقى بعض الكلمات. لابد لنا إذن من أن نستوضح المعنى الروحي للعكوف على الكلمات عند أمين ومدرسة أمين.

   لقد أنفق أمين أياماً طويلة في التنقيب على حياة الكلمات. الكلمات تعرضت في حياة النهضة لما يشبه التشقق أو الانكسار أو الريب. كانت الأفكار تنهال علينا من الغرب، وكان على اللغة أن تستجيب  لهذه الأفكار أو أن تنوء بها.

    وفي ظروف الميلاد الجديد تهتز صورة الكلمة أو ينشق الفكر عن اللغة أو يحدث صدام في داخل الحياة النفسية ذاتها. لا غرابة إذا اهتدى أمين إلى أسلوب بارع. فقد كان الرجوع المستمر إلى الكلمات وحياتها إعادة تأليف الروح، وكان نوعاً من ممارسة البحث عن التغير وسط اعتقادات  متزايدة بان الثبات كان تهديداً لحياتنا. أعتقد أن التأمل في الكلمات عند أمين كان نوعاً من الخوف على الذات، وكان يطوي في داخله إحساساً بضرورة الحفاظ وضرورة إقامة مراجعة طويلة الأمد. ذلك أنّ تجديد الثقافة الذي أشرنا إليه كان إعادة النظر في مدلول الكلمة. خلاصة النهضة وخلاصة اليقين الجديد أن الكلمة أقوى مما نسميه الفكرة والإحساس، كانت حياة الكلمة بمثابة تجديد الانتماء، وكانت دعوة ظاهرة وباطنة لما ينبغي علينا من إزالة الشقاق بين الحياة الحديثة والتكوين اللغوي. هذا الشقاق الذي يعني أننا لا نعرف من الكلمات إلا أموراً مشوهة.

    كان أمين مرتاباً فيما صنعته المعاجم، وكان يعتقد ان حياة الكلمات أوسع وأخصب مما تصوره صناع المعاجم.كان أمين حالماً لا تبطل مطالبه. وكان يرى أن لابد من إعادة كشف اللغة العربية من خلال أعمال تعاونية واسعة وتجارب متعددة يشارك فيها ذوو التخصصات المتنوعة. كان هذا كله لباب النهضة. لباب النهضة هو إعادة كشف الكلمات، وربما كان المقصود من هذا الكشف تغيير صورة العقل العربي التي روج لها بعض الناس. لقد زعمنا كثيراً أن الثبات أرهق عقولنا.

     المنهج في رأي أمين الخولي هو مجموع هذه الاعتبارات، وليس طائفة من الخطوات الإجرائية.

   لقد حاولت د.عائشة عبد الرحمن أن تفيد من هذه الأضواء. لا شك أن عائشة كانت ترى في فحص الكلمات ما يغذو إحساسها الأدبي. عائشة أديبة أو صانعة كلمات. لا عجب أن وجدت في أحلام أمين ما يغذو إحساسها الشخصي. عائشة كانت تراودها مخاوف أمين وطموحه. وكانت تحارب الكتابة الصحفية بأساليب مباشرة وأخرى غير مباشرة. تحارب الصحافة بأسلوبها ورصانتها واختيارها للكلمات ونسجها للعبارات، وتحارب الحياة السريعة النسيان من خلال اهتمامها بحياة الكلمات على غرار ما صنع أمين.

    عناية عائشة بتتبع الكلمات يحقق في حياتها أغراضاً متنوعة: أغراضاً دراسية وأغراضاً أخرى أدبية. عائشة عبد الرحمن تنتمي إلى جيل الرواد الأدباء. وقد صنعت بأسلوبها الكثير، وحرصت على محاربة السهولة والتلقائية والتبذل والتشقق والعامية. كان بحث عائشة عن حياة الكلمات جزءاً من رسالتها الأدبية.

     إن ما صنعته عائشة في خدمة الدراسة القرآنية يجب أن يقدر تقديراً حسناً. فقد حاربت مصرة الاتجاهات المتفشية. بعض الناس يقولون إن لكل إنسان الحق في أن يفهم من القرآن ما يشاء. كان هذا يؤرق عائشة. وكتابها عن القرآن والتفسير العصري مهم من هذه الناحية. رأت عائشة حولها من يعيدون قصة الأوجه الكثيرة التي تحدث عنها القدماء.

   القرآن غني ولكن القرآن دقيق. وما ينبغي أن نبحث عن غنى النص بمعزل عن دقته. عائشة مولعة بتقصي دقة العبارة القرآنية وتأليف ما يسمى باسم معجم القرآن. وعبارة التفسير البياني عندها تكاد تعدل شيئاً من هذا القبيل. وهذا عود إلى بعض أحلام أمين.

    عائشة عاصرت تيارات كثيرة تريد أن تقحم نفسها على القرآن. عائشة كانت تتمتع، متأثرة بأمين، برغبة قوية في ضبط معنى الكلمات، ربما يكون هذا الضبط موضوعاً للمناقشة. ولكن ضبط مفهوم الكلمة كان إسهاماً في محاربة الميوعة التي أخذت تجتاح اللغة.

      ما ينبغي لنا أن ننسى هذا الجانب. عائشة أبدت مقاومة عنيدة للرغبات المتزايدة في إهمال حساسية الكلمات. عائشة ورثت عن أمين ما يشبه الدفاع عن إباء الكلمات وعنادها. عائشة آمنت أيضاً مثل أمين بأن الكلمات لا تخضع لنا خضوعاً مطلقاً، الكلمات تناوئنا وتدافع عن نفسها. كان الدفاع عن ضبط الكلمات يقارب  عند عائشة الدفاع عن الأعراض والحرمات. لنقل في التطبيق ما نشاء. ولكن لنذكر الفحوى الأخلاقية لصنيع عائشة. إنها فحوى قومية أيضاً.

    إن ضبط المدلول قرين ضبط السلوك، وضبط الحكم، وضبط القيمة أو المعيار.

    لقد تأثرت عائشة بأمين من نواحٍ أساسية. وكانت ترى أن الناس يخدمون ما يسمونه الدلالة النفسية الاجتماعية دون نظر في الكلمات أحياناً. الكلمات معرضة للتوسع غير الصحي في رأي عائشة.  ولابد أن نذود عن الكلمات لأن الكلمات حدود وقيود. كان إحساس عائشة بالحدود والقيود جديراً بالتقدير.

  كانت عائشة تتحرك في اهتمامها بالكلمات بباعث لا يخلو من الخوف. كانت عائشة تكره المزايدة، وتكره للكلمات أن تبدو ذليلة أمام الأفكار والشهوات. لقد دافعت عن شرف الكلمة، والشرف حدود وقيود.

     عائشة مضت في مهاجمة غير ظاهرة لكثير من التيارات الفكرية من خلال إصرارها على حماية الكلمات. كانت حماية الكلمات في نظرها واجباً. كانت عائشة تؤمن بأن الكلمة لها قوة، وأن القوة معرضة للإهدار معرضة للإسراف أيضاً. هناك إذن باعث أخلاقي يذكرنا ببعض ما أسلفنا عن أمين.

    عائشة مرتابة في مبدأ الوجوه إذا أخذ على علاته. لا ريب أنها قرأت مبادئ التفسير قراءة صابرة متعمقة، ولا ريب أنها كانت خصيمة لما يسميه الفقهاء باسم  الكبر والبدعة والهوى. كانت عائشة  أشبه بما يسميه أهل السياسة باسم المحافظة المستنيرة. لقد مضت عائشة في إثر أمين تنادي حافظوا على الكلمات. احترموها وابحثوا عن عالمها، ولا تنسوا حدودها والتزاماتها وإلزامها لنا أيضاً. عاشت صاحبة أمين في جو لا يخلو من الجرأة والعجب والغرور.وكان إصرارها على متابعة الكلمات ضرباً من السخط على هذا كله: كان نوعاً من الدعاء غير المباشر إلى القصد والتواضع.. كان بحث عائشة عن الكلمات مجمع التواضع والكبرياء. كانت عائشة مرتابة أيضاً في مسيرة الحياة الثقافية والحياة الأدبية. كان مظهر خلل التكوين الاجتماعي والنفسي عندها وعند أمين هو إهمال معاني الكلمات، وأن نقول ما نشاء فيها.

     عائشة تتم دور الرواد. صوت عائشة لا يخلو من نذير. أنا أحترم بواعث عائشة وأحترم ترفعها على كثير مما يسمى التجديد اللغوي والفكري. لقد كانت عائشة أقوى من أن تنبهر بأشياء كثيرة راجت بين الناس.

     لا أشك في أن عائشة شعرت بالاغتراب، فما كان صوتها إلا رفضاً. والناس يقدرون الرفض ويحاربونه. كذلك فعلوا مع عائشة. لقد استقام لعائشة من أساليب البيان ما كان يعز مثله على كثيرين. استقام لها ما استقام بفضل الإحساس المرهف بوطأة الكلمة وثقل أمانتها. لقد كانت تتبع الكلمات لأنها تريد أن ترى كل كلمة صالحة للحياة إذا أحسنا فهمها ومعالجتها. خالفوا عائشة ما شئتم ولكن قدروا البواعث وقدروا وقفاتها ضد التحلل اللغوي والتحلل الفكري. لقد تركت عائشة الأدب. تركت أبا العلاء والشعر والكلام والنقد الأدبي. وتفرغت لخدمة القرآن في وقت صعب خشن يثير الخوف والفزع. لقد حاربت عائشة بعملها هذا كثيراً مما نسيمه النقد الأدبي. وأنا أجلها في هذا الجانب على الخصوص. هل مسألة النقد الأدبي وفّت العناية بأمر الكلمات من ناحية العروبة والإسلام وأسباب البقاء. أم هل ضاع النقد الأدبي في التلقي الشخصي والاستجابة الشخصية ومفهومات النشاط المستقاة من مصادر غير إسلامية.

    من العجلة أن نتحدث عن عائشة بمعزل عن أمين، ومن العجلة أن نسوي تسوية تامة بينهما. ومن الحق علينا الآن أن نعرف ما أداه أمين وما أدته عائشة.

    لقد دافعت عائشة بطريقتها الخاصة في التعبير والبحث عن شموخ الكلمة وعزة الانتماء، والخوف من الذوب ومكافحة الإحساس بالنقص الذي يداوى بطرق مختلفة، طرق النقل أو الهجوم أو اليأس أو فقد الشجاعة.

    لا شك ان عائشة كانت مرتابة في بعض أساليب الدعوة للقرآن. ما أظنها كانت راضية عما يسميه بعض الناس باسم الخطاب الديني. إنها من خلال موضوعية اللغة وقفت من هذا الخطاب توجهه وتستدرك عليه، وتحثه  على أن يسد الهوة المصطنعة بين خبرات اللغة وخبرات الثقافة الإسلامية.

    هذه صخرة الجمع بين رباط الكلمة ورباط القرآن ورباط الحياة. وفي هذا الجو المقاوم ذكرت عائشة الإسرائيليات. لقد كانت هذه الكلمة عندها بمثابة التحذير من التيارات الحديثة والمعاصرة التي تتسرب في كيان الأمة. لقد أنفقت عائشة حياتها الخصبة تحذرنا أن نكون غرباء عن أنفسنا، غرباء عن اللغة غرباء عن فكرة الأمة.

    كانت فكرة الروح أساسية في تراث عائشة.  ليس لدي شك واضح في أن عائشة قاومت المعنى المألوف للتأويل المفرط. ذلك الذي يجعل النص نقطة انطلاق إلى سبحات عالية. النص في التأويل المفرط مثير لا أكثر. وربما يذوب. كانت عائشة عازفة عما يسمونه في النقد الحديث القراءة الخلاقة. وقد لتضح ذلك في تناولها للنص القرآني ونص أبي العلاء.

     ما كانت تستريح لاعتبار رسالة الغفران رمزاً، وما كانت تستريح لاعتبار كلمة الضحى رمزاً للتوسع أو اعتبار الليل رمزاً للتعمق، لو قلت لها إن الضحى والليل هما البعد الرأسي والبعد الفقي للحياة العقلية أو الوجدانية لأصابها التحير. ربما قاومتك.

     مغزى هذا أن عائشة كانت تدافع عن الدلالة الوضعية أو الدلالة التي هي أم الدلالات كلها فيما تعتقد. عائشة مهمومة بفكرة الأصول، ومن الأصول تشتق الفروع. ومن الدلالة الوضعية تشتق الدلالة الالتزامية.

     لا تعترف عائشة بأي تنافس بين مستوى الدلالات، ولا تعترف بالتناول الرمزي. الكلمة في نظر عائشة لها أصل يجب البحث عنه ويجب ألا نماري فيه وألا نضيعه. فإذا كان لك أن تقول شيئاً آخر فلتجعل هذا إضافة لا ثغرة في جسد الدلالة الوضعية.

     هذا ما فهمته من كلام الشيخ. فهمت العلاقة بين الواقعية والمثالية في ضوء ما يسمى في البلاغة باسم الدلالة الوضعية والدلالة الثانية أو الالتزامية. وكلمة الالتزامية واضحة في أن المستوى الثاني للمعنى وثيق الصلة بالمستوى الأول ينتج عنه أو يرتبط به، ولا يوجد مستقلاً بنفسه فضلاً على ان ينافس المستوى الأول.

   ما كانت عائشة تميل إلى تجاهل مفهوم الدلالة الأصلية، ولا أظنها تستريح إلى فلسفة الدلالة التي تتحرك باستمرار. ما أظنها كانت مأخوذة بفكرة الرمز أو ميالة إلى التأملات الذاتية أو مشغوفة بما يسمى بالفلسفة الوجودية.

    لنقل بوضوح إن عائشة ربطت بين فكرة الدلالة الوضعية وفكرة منبت الإنسان. عائشة قضت حياتها في الدعوة لهذا المنبت. وفي ظل اعتزازها بفكرة التراث واعتقادها أن التراث يمكن أن يناوئ بعض التجديدات الطارئة تعلقت عائشة بالدلالة الوضعية أو فكرة الضبط والتحقيق. ومن ثم كانت عائشة تهتاج حقاً إذا أسرف المؤولون أو نسوا الدلالة الأولى. كانت تخشى عواقب ذكاء التأويل أو تناسي فكرة السياج.

    ما من شك في أن عائشة توجست من الرمز واعتصمت بالجسد الأصلي للكلمة توقياً للبراعات الشخصية. الأمة في نظر عائشة لها جسد ثان عام أو مشترك من حقنا أن نحافظ عليه. عائشة إذن مهمومة بمكافحة الناحية الروحية الموغلة الفردية. كانت ترى أن حياة الأمة مقرونة بحرصها على قدر من الظاهر أو المشترك أو العام أو العملي المفيد.

    هذه عقيدة عائشة في مناوأة الذكاء الشخصي والوجودية الفردية ومناوأة التأثيرات المسيحية واليهودية. لنقل صراحةً إذن إن عائشة ما كانت تؤمن بفلسفة كثيرة تقوم على المفارقات. عائشة تعلم فيما يبدو أن المفارقة والتناقض الظاهري وما يسمى في النقد الجديد باسم الالتباس- أن هذا كله شوك. في ظله ينشأ الجمع بين النفي والإثبات في قبضة واحة. بعض الكتابات تبدو في نظر عائشة عاكفة على أساليب مؤداها الشك في الدلالة الجوهرية. هما إذن فلسفتان: إحداهما في نظر عائشة أجنبية والثانية عربية إسلامية قوامها أن لا تداخل بين الإلهي والبشري، ولا تداخل بين الحياة الأولى والحياة الثانية، ولا تداخل بين الرحمة والعذاب. لا تداخل بين الأضداد.

     قاومت عائشة بطريقة غير مباشرة مثل هذا الاعتقاد، فهمت عائشة أن القرآن العظيم يجل الوضوح ولا يجل الالتباس. يجل الوحدانية النقية التي لا يشوبها شئ قط. وعلماء مقارنة الأديان يقولون إن القرآن أكبر الكتب حرصاً على فكرة التوحيد النقية وتجريدها من أي لبس أو اختلاط أو مفارقة أو تناقض ظاهري. 

     هذه أجواء تعلق عائشة بالدلالة الأصلية. تعلقها ليس أمراً لغوياً صرفاً. تعلقها أمر حيوي في نظرها. عائشة كانت تهتز مما تسميه اللمسات الأجنبية عن القرآن.  المفارقات والتناقضات والاختلاط حيرة لا أمن أو ذكاء على حساب المصالح العليا. عائشة مشغوفة بفكرة الأمة والصمود.

   ورثت عائشة من أمين اعتدادها بفكرة القوام والجوهر. ما من شك في أنها لونت عقل أمين كما يفعل كل تلميذ آخر. لقد تعددت صور أمين بتعدد تلاميذه. كان شكري عياد تلميذاً لأمين، وكان محمد خلف الله، وكان مصطفى ناصف. كان كل واحد من هؤلاء مختلفاً عن أصحابه. وكان أمين يفرح بتفاوتهم وتصادمهم. كان كلامه إذن خصباً يمكن أن يؤول تأويلات كثيرة.

    لكن عائشة أوضح التلاميذ حرصاً على فكرة الأصل أو المنشأ أو الجماعة. كانت عائشة نمطاً لا يشبه غيره من الأنماط. وما يسمى باسم المنقول إذن ليس مجرد خطوة في تاريخ التفسير أو أنماطه. المنقول عند عائشة هو استخلاص الواضح من الملتبس، والجوهري من العرضي، والنقي من المختلط. لقد نظرت عائشة إلى براعات التاويل الذاتي وتوتره باعتباره تكاثراً لا يفيد فائدة كبيرة أمة تتعرض في عصرها الحديث لتحديات عملية.

    هذه عائشة التي قاومت ببيانها المفسر والمنشئ معالم من التطور اللغوي، وآثرت نوعاً من جلاله فكرة الأصل. الدلالة الأصلية أكبر من التغير. الدلالة الأصلية بعبارة أخرى فوق التاريخ.

    لابد لنا أن ننسى ميولنا الذاتية وألا نحاكم بها عائشة، كانت عائشة معنية بالضبط والإحكام أو الأصول والمبادئ. ما ينبغي أن نفرق كثيراً  بين اتجاه عائشة في التفسير واتجاهها في الإنشاء. هما متفاعلان في أحدهما صدى الآخر. وفي كليهما نجد الكلمة القديمة والتركيب القديم مزهواً كبيراً.

     عائشة علم في حراسة الكلمة ومهاجمة التأويل الفردي، والتعبد لما يشبه أصالة الكلمة ومنعتها. كلمة المنعة تحمل رنيناً نفسياً وخلقياً واجب الاعتبار في الكلام عن عائشة. أي الناس الآن يستطيع أن يدفع القارئ ويخزيه من المعرفة الضيقة الناقصة بالكلمة. أي الناس أقدر على مقاومة المفهومات الباطلة للتطور والحياة. أي الناس أكثر شجاعة في كشف التعري والوهم والانتحال.

    إنني أشعر الآن أن الشباب لا يؤمن كثيراً بفكرة التأويل الذاتي. ربما كان منهج عائشة أكثر صلاحية لهم. الشباب مرتاب عاكف على كل ما هو عملي قريب محسوس. كأنما تنبأت عائشة بتطورات الزمان. وبعبارة أفصح ربما كنا أكثر استعداداً الآن لتقبل فكرة الأصول والثبات ومقاومة فكرة الاهتزاز. ولكن لكل عصر مفهومه للأصول.

     في إطار عائشة الفكري تأخذ علوم القرآن أهمية كبيرة. كانت عائشة تروع حين ترى نماذج من التفسير لا تعبأ بهذه العلوم أو لا تعرف منها ما ينبغي أن يتزود به المفسر.

    علوم القرآن عبارة واسعة تشمل مبادئ التفسير ومشكلاته وتقويم توجهاته. وهي بمثابة علم النص عند المحدثين. ولكن علوم القرآن هي علوم وحدة لا تفرق أو شقاق مستمر. ومن ثم حفلت بها عائشة. الواقع أن علم النص يجب أن يتصور تصوراً قومياً يغترف من وجودنا الشخصي ومتاعبه.

     وفي إطار عناية عائشة بفكرة الأصول اهتمت بتقليب النظر في التفاسير. كانت عائشة تتجاوز المختصرات إلى المطولات. كانت تسبح في بحار واسعة. لكن قراءة كتب التفسير ما كان يقصد بها ترجيح معنى فحسب، وإنما يقصد بها أيضاً فيما أتوهم إعزاز التراث واختلافه بوجه ما.

   كانت عائشة حريصة على ألا نقول في القرآن بآرائنا وحدها، يجب أن تظل كتب التفسير حية  في النقاش، وان نستمتع بها كما استمتعت عائشة.

    كانت تقاليد التفسير منذ القدم أن آراء الأمة أكثر أهمية من رأي الفرد، وان الانتخاب أو التفضيل لا يقضي تماماً على تنوع وجهات النظر أو الجهد الجماعي. باسم الدفاع عن التراث حرصت عائشة على أن يظل الكتاب القديم حياً في أذهان المسلمين لا يجور عليه انتخاب، ولا يجور عليه الاهتمام بالشعر والنقد  الأدبي.

    خلاصة حياة الرائدة العظيمة أن التعرف على مدلول الكلمة علامة الاستقامة والصلابة والحرص على التقييد.

     كان هذا كله جوهر الثقافة الأدبية والثقافة الإسلامية. كانت الثقافتان معاً كياناً واحداً لا كيانين منفصلين على غرار ما جرى عليه التشقق المعاصر. كم من عالم  لغة الآن لا علاقة له بالثقافة الإسلامية. وكم من عالم بالثقافة الإسلامية لاحظ له واضح من العناية بأمر اللغة.

     عائشة داعية تكامل ثقافي، ولكن هذا التكامل بمعزل في رأيها عن مفهوم غير ناضج لغنى النص القرآني فضلاً على زحام النظرية الأدبية المعاصرة.

  موقف عائشة واضح. عائشة تنكر النزعات الشكلية وتنكر بعض تقاليد الثقافة الغربية أو تصوراتها للحياة الروحية وعلاقة الله بالإنسان، تنكر إدخال النص في عباب الثقافة الغربية دون أن يصمد لها أو يعلو عليها.

   آمنت عائشة على خلاف ذلك كله بأهمية الخوف أمام القرآن، والخوف من الثقة بأننا نعرف كلماته.

     لقد غضبت عائشة حين رأت بعض الباحثين يتحدثون عن القرآن دون خوف أو رهب. كانت عائشة داعية الخوف النبيل في زمن يتسابق نحو الجسارة الفردية وإنكار فكرة التقديس والاحترام.

     كانت عائشة ترى أن الباحث في اللغة باحث في شئون الكتاب العظيم وقائد فكر يجب الاستماع إليه. أدركت عائشة أنها قائدة لا دارسة محترفة بارعة في التخريج. ما كان لي أن أخطئ إحساس عائشة بالزعامة. وهي تتناول مسألة التفسير أو اللغة أو الحياة.

    لقد  ذكرتني عائشة بالتزامات البحث اللغوي وصلتة بالشعور القومي. كان شعار عائشة واضحاً: إذ انفصلت اللغة عن الكيان الروحي كانت طلاء وتمويهاً يهدد الإنسان. كانت دعوتها الأساسية إنقاذ التعرف على اللغة. وهي دعوة ليس لها نصير مسموع. من أجل الدفاع عن دقة الكلمة فسرت وكتبت وناقشت واختصمت.

 إن هذا الدفاع  يثير نوعاً من التداعيات عن طوفان الكلمات الذي يعيشه المجتمع العربي. كان لعائشة أسلوبها الخاص في مواجهة هذا الطوفان.

    والمقصود بعبارة الإحساس اللغوي في تراث أمين وعائشة شئ من قبيل التحكم في الشعارات والعبارات العامة والعناوين الخلابة والبطاقات. الكلمات البراقة تتحلق حولنا، تحاصرنا. ومعنى ذلك أننا لا نسيطر عليها.

     فكرة الوضوح والتميز شديدة الأهمية في تراث عائشة. الوضوح والتميز عندها آثر من الالتباس والتداخل والمعجم الأثير في الدراسات الحديثة. لهذا قلت إن عائشة ناهضت مفاهيم كثيرة.

    إن العناية بفحص الكلمات كانت المعنى الحقيقي لفكرة الحداثة عند أمين وعند مدرسته وعند عائشة بوجه خاص. ربما كان هذا الفحص وقاية من التضاد المستمر الذي يأخذ بعقول كثيرة إذا أخذنا في شؤون التحديث. ربما كان هذا الفحص حماية للتدفق المستمر للحياة. لكن كل حلم أكبر من طريقة واحدة.

      ما كانت عائشة تبتهج بعبارة أو قطعة نفبض عليها مذهباً أو مذاهب حديثة. كان هذا عملاً ضد التفوق الحقيقي للكلمة وضد التماس القوة الحقيقية. كانت عائشة ترى ضبط الكلمة أمارة الصدقِ والتحكمِ وصُنعِ شئ. كانت القوة عند عائشة قوة مادية عينية لا قوة قولية تأويلية.

   ربما كانت هذه الملاحظات ضرورية لإيضاح الأجواء التي تتحرك فيها عائشة.

   الكلمة في المفهوم الإسلامي بلاغ. والبلاغ ليس عكوفاً على الفردية والتخيل الشخصي الذي ينافس الحياة والمجتمع وفكرة المعركة. آمنت عائشة أن السيطرة قرينة الحد من سلطان الكلمات والبحث عما وراءها من واقع نلاحقه بغية إدراكه والتأثير فيه.

    عجباً أن يصدر هذا التوجه عن دائرة التفسير الديني لا عن دوائر المنهج العلمي. ولكن في حياتنا شواذ غير قليلة.

   ومهما يكن فإن مسألة تفسير النصوص في الظروف الحالية المتحدية القاسية هي مسألة البصيرة التي تسهم في تصور مسئوليات عامة في جو مفتوح قاهر لا يسود فيه إلا القادر على وجه جديد من التوازن بين التغير والثبات.

   لكن الدراسات الثقافية المعاصرة تسهم في تيه جذاب يعنون له باسم خداع وهو الحرية أو تداخل النصوص. أمر التفسير إلى حاجتنا لا إلى حاجات الآخرين من التشظي والغموض والتفكك. تلك المعالم التي أرقت عائشة. لا شك كان فحص الكلمات عند عائشة مقروناً بحاسة اجتماعية قومية لا هوى فردي. إن الذين يعترضون على عائشة من حقهم أن يقرأوا النقاش في دوائر التأويل الغربية حول مشروعية ذاتية التأويل أو ناحيته الوجودية. عنيت عائشة بفكرة الضوابط التي لا ريب فيها، ضوابط الاعتقاد وصون الحياة والبحث عن قرار سابق أو مهيمن. لقد قاومت عائشة بطريقة فحصها للكلمات فكرة اشتباه الحياة.

  وأياً كان موقفك من منهج عائشة فإن الاهتمام بفحص الكلمة صحوة حقيقية أو اختبار لمدى التنبه إلى علاقاتنا المتغيرة المتصارعة. الهدف الباطني من فحص الكلمة عند عائشة هو التماس ما يشبه قوة الجماعة. إن مفهوم الدلالة الوضعية أو الأصلية قريب جداً من هذه القوة العامة التي تتنكر لفكرة توتر الوجود الفردي العزيزة في فن التأويل. ما ينبغي أن نحاسب عائشة باسم نظرية في التأويل نبتت ونمت في كنف التأويل المسيحي. كذلك ما ينبغي أن ننسى أننا نتجادل كثيراً دون أن نعبأ بطرقنا المختلفة في التأتي للكلمات. هذا هو الهم الذي أخذه أمين وأخذته عائشة مأخذ الجد والتنبيه. ما ينبغي أن يفتح باب الكلمة على مصراعيه-كما يقال- ليدخل كل طارئ أو غريب أو مقحم. لقد أثارت عائشة بطريقة مباشرة حيناً وطريقة غير مباشرة أحياناً مسألة الفرق بين التفسير المناسب وغير المناسب. ذلك الفرق الذي تجاهله بعض الناس.

     وفي ظل اشتغال عائشة على الدوام بهذا الفرق مضت في إنكار ما يسمونه التفسير العلمي اقتداءً ببعض الباحثين الأوائل واقتداءً بموقف أمين، وفي ظله أيضاً قاومت تناسي الفرق بين القديم والحديث، وقاومت ما كانت تراه إقحاماً وتضخماً. كان لها رأي خاص في الفرق بين النمو والتضخم. بعض التفسير يجعل الكلمات متضخمة، وبعض التفسير يجعل الكلمات نامية. كانت ترى ما يراه أمين: لنا أن نضيف إلى الكلمات ما لا يناقض الإحساس اللغوي. للكلمات عند عائشة وأمين قدرات محددة لا إمكانيات مفتوحة إلى ما لا نهاية. وهذا ضد الرأي الشائع الآن في دوائر الدراسات الأدبية على الخصوص. وكان علماء التفسير في التراث القديم يرون الكلام في القرآن لا يجوز إلا لعالم بالعربية علم تأصيل لا علم تقليد.

     وبعبارة أخرى كانت عائشة كما كان أمين يقدر ضرورة اعتبار تاريخ الكلمات أو تاريخ استعمالاتها.

    وكان الحديث من استعمالات الكلمات لا يؤخذ إلا إذا تجاوب مع القديم. أو تجاوب مع ما كان عائشة وأمين يسميانه باسم الإحساس اللغوي. أكبر الظن أن هذه العبارة كانت تحوم حول فكرة الوحدة التي تقاوم التغيرات. ربما ظن بعض الناس هذه الوحدة أمراً جدلياً، ولكن هذا حديث طويل. والمهم أن فكرة الإحساس اللغوي كانت في خدمة تأصيل التفسير المناسب. لابد من وضع معيار للتفسير، ولابد أن يرتبط هذا المعيار بفقه الكلمة، ولابد أن نختار. والاختيار تفضيل، وقد ظنت عائشة في إثر أمين أن الكلمة لها جذر ولها فروع. وأن جذر الكلمة ينبغي التمسك به في التفسير، وأن هذا الجذر يشتق مما يلائم الاعتبارات الحسية الأولى، وبعبارة أخرى علينا أن نتبع مبدأ الوحدة الاستعمالية للكلمات، علينا في نظر عائشة وأمين أن نبين منطق القرآن في الاستعمال.  هنا المنطق موحد، فما كانت عائشة ولا كان أمين معنياً بأن يرى الكلمة استعمالات كثيرة تختلف فيما بينها اختلاف اليمين عن الشمال. لقد ظلت عائشة تنادي بأن الكلمة لها مفهوم موحد متماسك صلب، وأن هذا المفهوم استنباطي لا سماعي. استنباطي لا يخرج عن اللغة ولكنه يتميز منها. هذا ما فهمته من كلام أمين.

   للقرآن إذن فقه خاص للكلمة في مجالاتها المختلفة، وهذا عمل المفسر الأول. واجبه ان يبحث عن "توحد" أو وجهة خاصة لا شبهة فيها ولا تكاثر.

    هل الكلمة تتغير على الدوام أم أنها إذا تغيرت فتغيرها ذو منطق معين. هل للكلمة وحدة أم الكلمة في قبضة التنوع المستمر. أما عائشة وأمين فيريان الكلمة في ضوء أصل وفروع. والفروع فيها من الأصل نفسه. عائشة وأمين يريان القرآن غنياً ويريان القرآن مع غناه ذا إطار مجدد. من واجبنا أن نلتمسه. مسألة الوجوه إذن ليست تكاثراً لا ينتهي خلافاً لما يراه بعض الباحثين المحدثين. لا أظن موقف عائشة وأمين يناقض ما نجده في علوم القرآن. وأنا أذكر بعض عبارات في الإتقان في علوم القرآن للسيوطي مؤداها أن التفسير أشبه بالغرفات الداخلية للمنزل لابد لمن يدخلها أن يمر بالباب الخارجي أولاً، وبعبارة أخرى لابد أن ينسجم الظاهر والباطن وألا تكون بينهما مفارقة حادة. هذا النوع من الحذر أريد به في الحقيقة مواجهة فكرة المذاهب. مذاهب المتصوفة والشيعة والاعتزال وبعض مذاهب التجديد الحديثة. إن بواعث موقف العلماء المتقدمين والمحدثين هنا واضحة. لابد أن يُحفظ للقرآن وحدته ومنعته، أو لابد أن نفرق بين فكرة الوجوه وفكرة المذاهب. المذاهب إقحام ولكن الوجوه غنى باطني. المذاهب تبيت في الخارج ثم تعزى إلى النص، ولكن الوجوه ثراء أشبه بطلاقة النص.  وحماية العمق من الزلل أو الغلو هي التي جعلت عائشة وأميناً معنيين بفكرة الإحساس اللغوي التي طالت الإشارة إليها. وهي أشبه بضابط الاختيار أو المفاضلة. الواقع أن ملاحظات العلماء المتقدمين من هذه الناحية ليست عملاً قديماً بل هي عمل له نظائر كثيرة في الدراسات الحديثة، ولذلك يجب أن نعتز بها وألا نفرط فيها.

   ما ينبغي أن نهمل صوت عائشة وأمين في التنبيه مراراً إلى أهمية المبادئ التي تحكم التفسير، التفسير ليس عملاً اعتباطياً، التفسير عمل تحدوه روح القانون أو الالتزام أو المبدأ. هذه الروح قوام التماسك القومي والتماسك العقدي المبين. لقد آثرت أن أتحدث هنا بلسان عائشة وأمين. وأنا أعرف شيئاً عن آراء أخرى معارضة ومزاعم أخذت تنتشر بين الناس. تنادي بحق كل إنسان في النقد والرؤية والتفسير ولو على حساب النص نفسه. هذا واضح فيما يسمونه حركة ما بعد الحداثة. أو حركة التشيع للاختلاف والنقد أو حركة التهكم من فكرة الحرم المصون ومستودع القيم التي تتحدى الزمان والتغيير. هؤلاء يشيدون بما يسمونه الاشتباك مع النصوص، أو الصراع المتوتر أو المشروع النقدي الجريء أو إنكار مفهوم الثوابت جملةً.

   لهؤلاء جميعاً تقول عائشة "لكم دينكم ولي دين". صدق الله العظيم. وأحب  أن أذكر هؤلاء السادة أن فلاسفة ذوي شأن من أمثال هيدجر وجادمر حاربوا هذه النزعة حرباً واضحاً قائلين إن منطلق التفسير إنما يكون من داخل سياق ثقافي معين محمل بالعقائد والقيم والاهتمامات المعرفية التي يستحيل التعبير الكامل عنها لأنها تعتمد على خصوصيات كامنة فيها تجعل من الصعب التفاعل معها إلا على أساس من الفهم المشترك. هناك فلاسفة يتحدثون عن مشروع شائع بين الناس  للفهم وللإدراك، ويتحدثون عن ضرورة التواصل والاستمرار.

   لقد فقد المجتمع العربي استقراره النسبي وأخذ يموج الآن بأفكار غريبة أدل على اليأس وما يشبه الانتحار. لاشك كانت أفكار عائشة وأمين تلقى عند بعض  الناس إعراضاً ومقاومة. وباسم حق الاختلاف يمكن أن نرتكب الكثير. ويمكن أيضاً أن يشرع للعنف غير المنظور الذي لا يعاقب عليه القانون.

    وخلاصة ما يعن لي في هذا المقام أن مشكلة التفسير المناسب قد أهمت أستاذنا أميناً، وأهمت من بعده تلاميذ آخرين، وأهمت بداهة عائشة عبد الرحمن. وأخص ما تمتاز به حركة الثقافة العربية المعاصرة محاولة التوفيق بين النصوص القديمة أو النصوص العربية والنصوص الحديثة أو النصوص الغربية. وكل توفيق عمل لا يخلو من الصعوبة لأنه ينطوي على قدر من الحذف والتغيير وإعادة التشكل. ومع ذلك فنحن نكاد نغفل البحث في مسألة التوفيق أو مسألة التفسير المناسب. لقد اصطرع المجموع الثقافي اصطراعاً عنيفاً في بعض الأحيان مرده الخلاف حول هذه المسألة. ولكن المسألة لم تظفر بعناية أصلية نظرية، وهذا عجيب.

    إن طيفاً متلاحقاً من الريب يلاحق نفوساً غير قليلة في تقرير المناسب وغير المناسب، إن انفصالاً يشوب علاقتنا الفعلية والنفسية من جراء بعض عمليات التوفيق المشار إليها. ولكننا مع تزايد القلق لا نفرغ لتمحيص صحة التفسير أو ملاءمته. إننا في الحقيقة لا نكاد نفرغ لمشكلة الدلالة. نحن نترجم كل يوم، ولا نتجادل جدالاً مفيداً حول أسس الاستنباط، أو أسس حمل المعنى على عبارة أو عبارات. أكاد أزعم أن الحركة الثقافية الحديثة والمعاصرة لا تخلو من الاضطراب لهذا السبب نفسه. إننا- وهذا عجيب أيضاً- لا نعرف النقاش الغربي المثمر المطول المتشعب حول معضلة التفسير ومعضلة الموازنة بين القراءات، إننا كدنا نهمل تراثنا الغني في هذا الجانب أيضاً.

   أحرى بنا أن نعكف على العمليات الفعلية التي نقوم بها على الدوام. أحرى بنا أن ندرس درساً مستفيضاً وسائلنا في التوفيق وإدراك معاني الكلمات. إننا لا نعي تماماً طبيعة الإشكال. إننا نعاني من تشتت غريب في طرائق إدراك المعنى، أو نعاني من التشتت في علاقاتنا اللغوية.  وقد كان لهذا كله أثر كبير يحتاج درسه إلى الصبر والشجاعة والأدوات.لنقل إذن إن ثقافتنا الحديثة والمعاصرة تحتاج إلى وعي ذاتي أفضل من خلال إثارة مسألة التفسير المناسب  في أبعادها الصعبة.

 



 

 

النقل والعقل، التقليد والتجديد

في

التفسير البياني لعائشة عبد الرحمن

أ.شهرزاد العربي

 

         يهتم هذا البحث بتناول قضايا رئيسية ثلاث، الأولى : تتعلق بالإطار النظري من خلال دراسة التفسير البياني للباحثة "عائشة عبد الرحمن" والثانية : تركز على التوظيف المنهجي الذي لا يكتفي بالدراسات السابقة، وإنما يدخل في حوار منهجي وفكري معها بغية التأصيل تارة والمرجعية تارة أخرى ، والتجاوز والنقد مرات عديدة ، والثالثة: تتناول النتيجة التي توصلت إليها من خلال مناقشة ما ورد في القرآن اعتماداً على النص القرآني نفسه ، وهذه القضايا في مجموعها ستبين مسألتين جوهريتين ، الأولى خاصة بالتقليد والتجديد، والثانية بالنقل والعقل ، وما يعتري الاثنتين من اختلاف أو تضاد أو رفض أو قبول ، ما يعني في نهاية المطاف أن القضايا الثلاثة السابقة تشكل في مجموعها إشكالية بحثية ، تبدو فيها الباحثة متأثرة بالنص القرآني ومستوعبة له، وكيف لا وهي تتعامل مع كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!

الإشكالية المتعلقة بهذا البحث تتركز حول القضايا الكبرى التي تناولتها الدراسة والتي تبينها جملة من الأسئلة أهمها : ما القضايا الكبرى التي تناولتها الباحثة من خلال التفسير البياني؟ وما هي حدود العقل ؟ وكيف استعملت النقل في دراستها ؟ وما موقفها من التفاسير السباقة على مستوى النص والتأويل؟ وما الجديد الذي قدمته على اعتبار تميزها في هذه الدراسة مقارنة مع غيرها؟ هذه التساؤلات وغيرها هي التي تعطينا مداخل لهذا الموضوع يمكن لنا من خلالها معرفة التعامل مع التفاسير السابقة والحوار الخاص بالباحثة، واستحضار القرآن من خلال إعجازه البياني.

 

*حوار مع المنبع:

         بالنسبة للإطار النظري الذي يرتبط بشكل مباشر بالمنهج الذي اعتمدت عليه الباحثة ، فإنه يكشف عن متابعة متأنية ودقيقة ، سواء من ناحية استبعاد الإسرائيليات من التفسير، على اعتبار أن الدراسات القرآنية بنيت إلى أي مدى حشيت كتب التفسير بتطعيم فهم المسلمين لكتابهم الديني بعناصر إسرائيلية ، أو من ناحية تباين أذواق المفسرين وعقلياتهم وبيئاتهم وأنماط شخصياتهم[i]، وكلا الأمرين قد أثّر سلباً على فهم القرآن ، وأحسب أن هناك ما يضاف لتباين أراء المفسرين وهو عنصر الزمن، فإذا كانت المرجعية واحدة ولا يمكن الاستغناء عليها خصوصاً حين يتعلق الأمر بأسباب النزول ، فإن فهم آيات القرآن سيختلف بالضرورة إلا ما هو قطعي الدّلالة والثبوت.

         ومع أن المؤلفة قد دخلت في حوار مباشر مع عدد من كتب التفاسير[ii]، وبينت تأثر المفسرين بالبيئة واختلاف العقليات والقوى ، إلا أنه بالنسبة للإسرائيليات ـ الذي ذكرها بعض المفسرين ولم يستطع التخلص منها ـ لا نجدها واضحة ومعلنة إلا أن حين بدأت في تفسير سورة "القلم" ، ذاكرة اختلاف المفسرين حول المعنى للفظ "ن" ومن بين ما ذكرته "..أنها من حساب الجمل ، وهذا من إسرائيليات" حُييّ بن أخطب اليهودي.."[iii] وسردت الرواية كما هي ف يكتب التفاسير القديمة ، ويبدو إن إعادة الرواية هدفها "العلم" فقط ، وليس لزيادة الشرح.

         وفي الإطار النظري دائماً نجد الباحثة تتسم بنوع من الحوار الهادئ، لذا أنها في كثير من المواقف ، وعندما تنتهي إلى رفض أدلة السابقين أو شططهم وأطنابهم، فإنها لا تعبر عن ذلك بشكل جازم ، مع أنها ـ وحسب ما تأتي به من أدلة ـ بيَّن حقيقة ما تذهب إليه ـ والعبارات التي استعملتها في مؤلفها (الجزءان) تكشف عن مستوى عال من الإقناع للآخر ، وعن وعي وتمكن من اللغة ، وهي في ذلك ـ كما أعتقد ـ لا تنتظر شهادة منا، وإنما تعلمنا أسلوباً جديداً للتعامل، إذ في الوقت الذي تكشف فيه عن منهجها وتلتزم بذلك ، تتوخّى الحذر والحيطة من الجزْم بما تقول أو تنتهي إليه ، وهذا يبعدنا عن أمرين:

الأول : القول بأن ما تم تناوله في التفسير البياني "لعائشة عبد الرحمن" خلاصة القول والبحث ، وإلا كان من غير المنطقي أو الموضوعي دخولها في حوار السابقين.

الثاني: الاعتقاد بأن معظم المسائل المطروحة على مستوى الدرس البياني واللغوي وإلا عرابي ـ وكلما يتعلق بفقه اللغة ـ بعيدة عن البحث والمتابعة.

 

 

 

*البيان الأعلى وقواعد النحويين:

 

         يلاحظ أن العبارات التي استعملتها ، وهي تعيد تجسيد أفكار "الزمخشري" و"الطبري" و"الرازي" و"النيسابوري" ، وكثير من علماء اللغة والتفسير والإعراب، تبين الموضوعية في التناول والبحث، فالنقل هنا موجود ، متراكم يتحرك ضمن دائرة معرفية ، وجوانبه القيمية والأخلاقية وحتى البيانية حاضرة بيننا ، وهذا يعني الابتعاد عن نيران الأحداث والنصوص، ولذلك حين تناول المفردة أو اللفظ تطوف به آيات الله باحثة عن التكرار والتواجد في أكثر من موقع، ونجدها هنا تدخل في حوار مباشر ، فتشدنا أكثر لكتاب الله ، لذا فإن القارئ ، وبعيداً ـ عن الباحث المتخصص ـ يخرج من قراءة مؤلفها وهو أكثر تأثراً به ، وتفاعلاً معه ، وتثويراً له من أنها في كثير من الأحيان لا تنتهي إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها من سبقها.

         لننظر إلى العبارات التي استعملتها للتدليل على صحة أفكارها واستنتاجاتها سنجدها بقدر ما تعطي المحصلة وتنتهي إلى الحقائق وتبعدنا عن الوهم والسراب ، بقدر ما تذكر أسلوب البحث العلمي، ضمن المنهج الذي إلتزمت به ، لننظر مثلاً إلى صياغة العبارات في قولها : "ما نطمئن إليه ، الأولى عندنا ، يقتضي هذا عندنا ، قريب ، أقرب منه ، الأرجح أن المراد ، والذي نراه ، لا حاجة بنا إلى هذا الوقوف ، نستبعد هذا التأويل ، وما بنا حاجة إلى مثل هذا ، فيما قرأت هذا تأويل بعيد ، يبدو لي ، أثرنا مع . يعفينا من الوقوف..".

         للعلم فإن أغلب العبارات السباقة ، قد ألحقت أو سبقت ـ بعابرة أخرى هامة بالنسبة للباحثة ولنا أيضاً هي "الله أعلم" ، وربما الحالة الواحدة التي استعملت فيها "بشكل مباشر الجزم هي قولها في الصفحة 56 ـ الجزء الثاني ـ "وقد قلت وأقول ، لكن لماذا جاءت هذه العبارة على النحو السابق؟ الإجابة نجدها فيما ذكر بعدها، حين واصلت قائلة : "ما يحوز أن يعرض البيان الأعلى على قواعد النحاة وأنه الأصل والحجة.." وهي بذلك ترفض الصنعة الإعرابية.

         أي حوار هذا أو أي نقاش ؟! أنه حديث بعيد عن الجدل ، واللهو اللغوي أو الاستعراض والترف الفكري، فالحوار هنا تراكم للمعرفة وتبيان لأوجهها المتعددة. ولهذا تتم الإحاطة بأبعاد الكلمة ومعانيها ودلالاتها في كتاب الله أولاً ، ثم عند المفسرين بعد ذلك ، وكان منتظراً أن تدلّل الكاتبة على معاني الآيات التي اختلف حولها المفسرون بالشعر العربي القديم ـ الجاهلي على وجه الخصوص ـ لكن هذا لم يرد إلا في بعض الحالات القليلة ، وغالباً ما كان هدفها توضح ما اعتمد عليه المفسرون أي أنها تنقل آراء الأقدمين ، لكن لم تتبّعَ معاني الكلمات في الشعر إلا قليلاً. فهي تعود بنا إلى أقوال الأقدمين، تستحضرهم لتعطينا جملة الآراء حول الكلمة والواحدة ، فمثلاً لتبين معنى كلمة "ما ودَعك" في سورة الضحى ، جاءت بما ذكره الزمخشري شاهداً عن قول أبي الأسود الدؤلي:

ليت شعري عن خليل ما الذي                         غاله في الحب حتى ودَعَه

         وتضيف بيتاً آخر، لكنها لا تذكر إن كان منقولاً عن استشهاد الزمخشري أم هو من عندها ، كما لا تذكر صاحبه ، إنما تكتفي بالإشارة ، وقال آخر: "

وثم ودعنا آل عمرو وعامر                            فرائس أطراف المثقَّفة السُّمْرِ

         وللتدليل عن معنى الكلمة تذكر لنا بيتاً لـ : "خفاف بن ندبه " كما جاء به "الجوهري" في "الصحاح" :

إذا ما استحَمّت أرضه بسمائه                         جرى وهو مودوع وواعد مصدق

         هذه إذن حالة أولى للتدليل عن كلمة واحدة هي "وَدَع" ، وتبدو ـ في الغالب ـ مأخوذة من الكتب السابقة ، أي أن الباحثة لم تحاول معرفة معنى الكلمة القرآنية في الشعر العربي القديم، وربما يعود ذلك لكونها اتخذت سبيلها منذ البداية نحو الاعتماد على تفسير القرآن بيانياً بالقرآن ذاته.

         وعن معنى كلمة "الصدر" في العربية ، تبين إيحاء الكلمة في حسّ اللغة التي استعملت الصدر مقابلاً للورد ، وتذكر أن العرب قد ألفوا استعماله كذلك ، وجرت أمثالهم بان الوارد يجب أن يعرف كيف يصدر وإلا ضاع ، وتذكر قول الشاعر دون ذكر إسمه:

وأَحْرمَ الناس من لومات من ظمأ           لا يَقرب الوردْ حتى يعرف الصدّرْا

         وفي مرة ثالثة تذكر الشعر للتدليل عن معنى لفظ آخر هو "أقسم " كما جاء في سورة البلد ، حين تقول : طوفي لفظ أقسم " هنا ملحظ ذو بال، فقد يبدو من السهل هنا أن نفسر "أقسم" بلفظ "أحلف" ، وليس في استعمال العرب لهما ما يمنع من تفسير أحدهما بالآخر ، "فالنابغة" في اعتذاره "للنعمان" يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ،  وقال الأعشى:

حلفت برب الراقصات إلى منى

وقال شاس بن عبده:

حلفت بما ضم الحجيج إلى منى[iv]

         وفي نفس السباق نجدها تستشهد بالشعر اعتماد على تفسير "الطبري" كما هو في تفسر آية " حتى زرتم المقابر، سورة "التكاثر" حيث تذكر قول "جرير" :

زار القبور أبو مالك                      فأصبح ألاَّم زْوَّارِها[v]

         تلك نماذج تبين طريقة المؤلفة في توظيفها للشعر للتدليل عن معنى لفظ أو عبارة ولها مثيلاتها في الجزء الثاني ـ من التفسير البياني للقرآن الكريم ـ أحياناً بشكل غير مباشر كما هو في تفسير كلمة الأكرم بمعنى التفضل ، معتمداً على بيت شعري جاء به الفخر الرازي في تفسيره ، نصه:

متى زدتُ تقصيراً تزد لي تفضلا            كأني بالتقصير أستوجب الفضلاَ

         وأحياناً بشكل مباشر كما هو في شرح كلمة "السفع" في سورة "العقل" في صفحة 31 حين جاءت ببيت للشاعر "عمرو بن معد يكرب" يقول فيه :

قوم إذا كثر الصياح رأيتهم               من بين مُلْجَم مْهْرَة أو سافع

         وأيضاً في تفسير كلمة "زبانية" من نفس السورة ، في الصفحة 33 إذ ذكرت بيتاً شعرياً ، وإن كانت ـ كعادتها في الغالب ـ لم تذكر صاحبه ـ ونجد هذا أيضاً في متابعتها بالبحث والدراسة لكلمة "زنيم" في سورة "القلم" ، حيث ذكرت ثلاثة آيات من الشعر إحداها "لحسان " في الصفحة 59، وكذلك في شرحها لكلمة "ساق" إذ جاءت بأربع أبيات في ص 68 منها واحدة للشاعر : "ابن قيس الرقيات" يقول فيها:

تُذهٍل الشيخ عن بنيه وتُبْدي              عن خدام العَقلية العذراء[vi]

         والبيت الشعري السابق ـ كما نلاحظ ـ يأتي بمرادف كلمة "ساق" ، وهي "خدمة" ، التي اشتقت منها عبارة "خدام" كما هو في البيت السابق[vii]، وعلى العموم فإن عائشة استعملت الشعر للتدليل أو لنفي معانٍ أو لترجيح إحداها دون الأخرى ، وكان ينتظر منها الدخول في حوار أوسع من خلال الاعتماد على الشعر ، خاصة وهي تركز على التفسير البياني ، وبيان اللغة العربية في شعرها أيضاً.

 

 

 

*الحوار مع الأقدمين:

         يلاحظ أن "عائشة عبد الرحمن" قد اعتمدت بشكل مباشر على كتاب الله ، لتفسير السور، غير أنها في الوقت ذاته دخلت في حوار مع الأقدمين، حيث بينت ي تسيرها لبعض آيات سورة "الضحى" أنهم خلطوا بين الأعظام والحكمة في خلق المفسر به ، في قوله تعالى "والضحى والليل إذا سجى" مثلما رفضت تفسير المعاصرين مثل الشيخ "محمد عبده" ، خصوصاً حين تعلق القسم بالليل، وبيّن في الأخير ما تطمئن إليه في التفسير البياني للقسم بالضحى ، بل أنها رأت عدم التفات أحد خمن المفسرين ـ فيما قرأت ـ إلى هذا الملحظ الفتاتاً واضحاً متميزاً ، وإن كان بعضهم قد استشرف له من بعيد ، غير أن ذلك جاء حشدُ من تأويلات شتى لا تخلو من تكلف وإغراب[viii].

         من ناحية أخرى فإن هناك نفحات إيمانية نابعة من نور القرآن وروح العلم نلحظها حين تذكر أن مادة "سجا" لم تأت في القرآن كله إلا في هذا الموضوع، وأن مقابلتها بالضحى تجعلنا نطمئن ـ على حد قولها ـ إلى "أن سَجْوا الليل هو فترة هدوئه وسكونه على ما تعرف العربية في استعمالها لطرف ساج وبجرساج ، والسجواء هي الناقة إذا حلبت سكنت" ، وما عدا ذلك فهي التأويلات الإشارة التي لا موضع لها في تفسير بياني للنص الكريم، مثلما بينت أنه لم يجئ من المادة في القرآن بصيغة الفعل الماضي ، إلا آية "الضحى".

وقد واصلت تفسيرها في الأربعة عشرة سورة لتبين جملة من المسائل مثل : الحساسية المعنوية المرهفة ، واعتماد في التفسير على آيات أخرى مقاربة أو وردت بها نفس الكلمة بصيغ مختلفة ، رفض الصفة النحوية والاكتفاء بالقرآن كما هو على حاله ، وأيضاً رفض إثارة المسائل ـ في التفسير ـ وتكلف الجواب، الاحتكام إلى القرآن والإعفاء من التزام بالمصطلح كما في لفظ "الضلال" والتأييد لجزء من تفسير العلماء الأقدمين أو المحدثين والرفض للجزء الآخر، ولك طلاسم بعض الكلمات قليلة الاستعمال، وتفنيد بعض آراء الزمخشري والرازي، و"محمد عبده" ، وتأييد ملاحظاتهم أحياناً ، وإضافة الجديد لها أحياناً أخرى ، ورفض القول بالزيادة أو الإقحام في القرآن ، والتركيز على الظواهر الأسلوبية ، التأكيد على الظواهر البيانية في القرآن مثل "عدم إسناد الحدث إلى فاعله" .. إلخ.

         ويعد ما جاء في التفسير البياني للقرآن بمثابة نتائج علمية. ذلك لأن المر لم يكن متعلقاً بخواطر إيمانية ـ دون نفي وجودها ـ ولا بإجادة الصنعة الإعرابية، ولقد تم الرجوع إليها ، ولا معرفة أسبابا النزول فقط ـ وإن كانت جاءت مفصلة أحياناً في كل سورة ـ وإنما لهذه الأمور جميعاً ، وبذلك يمكن اعتباره إثراء للمكتبة العربية ، حيث لن يكون في مقدور أحد من الباحثين ، أنه يظل مركّزاً على تناول النصوص الأدبية ، مبتعداً عن القرآن لخوفه من قدسيته ، أو لعدم وجود مرجعية يمكن الاعتماد عليها في قراءته بوعي وتبصر.

ولم تكن محاولة "عائشة عبد الرحمن" خصوصاً في جانبها المتعلق برفض بعض الأقوال والتأويلات والاتجاهات لكونها بعدية عن روح العربية الأصلية وبما فيه نصاً ودرساً لبيان القرآن المحكم على حد قول الكاتبة ـ هدفها إلغاء الجانب المضيء في التراث ، ولا حتى اختصاره ، وإنما الاعتماد عليه لصياغة أفكار جديدة تتجاوز الطائفية والمذهبية ، وتجعل أجنحة الأمة تلتقي عند كتاب العربية الأول "القرآن الكريم" .. إنها دعوة للاستئناس ، وربما لهذا السبب أو لأسباب أخرى أجهلها ، ذكرت العديد من المؤلفات المختصة بالدراسات القرآنية منذ القديم بأنواعها المختلفة ، واستعانت ببعضها عند التفسير، وهذا عمل تأصيلي بالدرجة الأولى، "وهذا يعني محاولتها تصويب الاهتمام البحثي على مستويين : الأول : يتعلق بالمنهج كما سنرى لاحقاً، والثاني: طبيعة الموضوعات ، وأعتقد أن تلك المحاولة البحثية قد أفقدت التيارات الأخرى أهدافها، من حيث جعل القرآن كتاباً تراثياً له حضور في حياتنا المعاصرة"[ix] والسؤال الآن : كيف تعاملت مع تلك النصوص؟

 

*البناء الفكري الجديد في التفسير البياني:

         ضروري التوضيح هنا ، أن الحيدث عن تفسير عائشة عبد الرحمن في هذا البحث هو تلخيص للأفكار أولاً ، ومتابعة ثانياً، وتبدو ـ مقارنة بالتفاسير الأخرى ـ أنها استندت إلى العقل خصوصاً في تعاملها مع الأحداث والوقائع المرتبطة بأسباب النزل ، أو تلك الأخرى التي بنى عليها الأقدمون مواقف صاغوها على أساس المعلومات ـ التي تداخلت فيها الأساطير والإسرائيليات ـ وبنوا عليها تأولاتهم لكثير من الآيات، إضافة إلى ذلك فإنها تأخذ من الأقدمين أنفسهم ما يدعم رفضها واستعمالها للعقل، وهي لا تنفي النقل أو تبعده ، بدليل اعتمادها عليها ، وحزي القول بنا هنا ك أن الاعتماد قد يكون رفضاً كما هو في حالات كثيرة واجهناها ، ويمكن لنا العودة إليها للتدليل على ثلاث ملاحظات أساسية:

الملاحظة الأولى : أن تحاورها مع تفسيرات وتأويلات الأقدمين لا يتم على أساس الرفض المطلق، أو القبول المطلق، وهذا ينفي النظر إلى أعمال الأقدمين من خلال التقديس على اعتبار أنها تمثل فهماً آخر ممتداً للنص القرآني، وبالطبع هم لم يقولوا بذلك في كل كتاباتهم ، مثلما لم تنظر إليها بعين الكراهية من منطلق الرفض والقول بالتجديد ، وهي هنا تعلمنا كيفية التحاور مع التفاسير السباقة وتزرع فينا محبة الأقدمين ، شريطة أن يكون هذا مرتبطاً بإقامة بناء فكري جديد يضيف ، يثري، يساهم في البناء الحضاري للأمة ، وقد لا أكون مخطئة إذا ما اعتبرت أن هذا أحد الأهداف الكبرى "لعائشة عبد الرحمن".

الملاحظة الثانية: أنه وبالرغم من دقة البحث، فإنها لم تجزم في كل ما ذهبت إليه بالقول الفصل في التفسير البياني للقرآن الكريم، وهذا موقف عقلاني بالدرجة الأولى ، وليس تواضعاً فقط ، أي أن موقفها يتجاوز البعد الأخلاق إلى التذكير بالجانب العقائدي أولاً ، من حيث أن التطور الذي يصادفنا أو نخضع إليه يظل ـ مهما حدث من تغيرات ـ داخل النص القرآني ، وليس بعيداً عنه أو متجاوزاً له ، وهي في توظيف لما ذهب إليه الأقدمون تثبت مسألة النقل، وتمد جسوراً بينها وبين العقل ، لتكون المحصلة النهائية التجديد لا التقليد ، التجديد منهجاً وتناولاً وهدفاً أيضاً.

الملاحظة الثالثة : أن التأثر والتفاعل مع القرآن حالة إيمانية بالدرجة الأولى ، ولا أعتقد أن هذا هو الهدف الوحيد للعالمة الراحلة، ولكن يتجاوز ذلك إلى تثوير القرآن ، نرى هذا جلياً ، حين تخرج بعيداً عن التفسير البياني ، وتبحث في مسائل أخرى كما هو في سورة "البلد" ، حيث يمكن اعتبار تفسيرها للآيات الأخيرة من السورة السابقة تفسير اجتماعياً للقرآن ، أو لنقل توضيحاً للمجتمع الإسلامية المطلوب على أساس عمل الأفراد والطبقات والجماعات والعلاقات المشتركة بينها.

         إن الملاحظات الثلاث السابقة ـ البناء الفكري الجديد ، وعدم الجزم بصحة النتائج ، وتثوير القرآن ـ تبين ـ في اعتقادي ـ تعاملها نظرياً ومنهجياً مع كتاب الله أولاً، ومع أراء العلماء السابقين بعد ذلك ، حتى أنها ـ أحياناً ـ تتجاوز الاختلاف الحاصل بينهم ، للنظر إليها في قولها : "إن ما اختلف فيه العلماء لا نقف عنده ، لأن أسبابا النزول لا تعدو أن تكون قرائن مما حول النص. وهي باعتراف الأقدمين أنفسهم لا تخلو من وهم ، والاختلاف فيها قديم.." ، وهكذا نتفادى نقل الاختلاف في الماضي إلى الحاضر مع أنه يتعلق بالروايات الخاصة بأسباب النزول.

         يلاحظ أن الكاتبة ـ عائشة عبد الرحمن ـ لا تقيم خطراً على تفاسير الأقدمين ، وإنما تذكرها بنصها ، ثم تحشد الأدلة والآراء المخالفة ، بناء على البحث والاستيعاب والتعامل مع مفردات اللغة وألفاظها ، معتمداً على العقل حينا ، واستحضار التاريخ حيناً آخر، حتى أن ذهبت إلى رفض بعض القصص المتعلقة بأسباب النزول ، لأنها مرفوضة عقلاً وتاريخاً ، ذلك لكونها التي ارتبطت بأشخاص معروف تاريخ ميلادهم ، من بين تلك الروايات قول المفسرين ، أن جّرواً للحسن والحسين ـ رضي الله عنهما. كان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، تسبب في تأخر نزول الوحي ، ويذكرون قول جبريل ـ عليه السلام ـ "أما عملت أنا لا تدخل بيتاً فيه كلب وصورة".

         وفي هذه القصة ـ تحديداً ترى ـ "عائشة عبد الرحمن" أن حكاية الجرْو هذه وردت في البحر المحيط لأبي حيان، غير أنها تتساءل : لا أدري كيف فاته أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ولدا بعد الهجرة بثلاث سنوات[x]، وسورة الضحى من أوائل الوحي نزلت مكة قبل الهجرة بسنين ، وترد على ما ذكره العلماء بقولها : "أن الذي يعطيه ظاهر النص ، أن فتور الوحي ظاهرة طبيعية شأنها شأن سجو الليل بعد إشراق الضحى، وهذا يغنينا عن تقديم أسباب التماس علل للإبطاء في الوحي ، لم يتعلق القرآن بذكرها.."

         تلك وغيرها كانت كيفيات للتعامل مع القرآن وتفسيره بيانياً، دون رفض أو قبول للآراء السابقة ، مع أنها كانت السباقة لتطبيق المنهج الجديد ، والتجارب السابقة عنها ركزت على جوانب أخرى كشفت عن توسيع المعرفة  رغم الشطط والتأويلات غير الموفقة من طرف مفسرين كثيرين إما لاختلاف الثقافات والبيئات وما تبعها من اختلاف في فهم القرآن ، أو الاعتماد على روايات إسرائيلية ، مثلما أشارت إلى ذلك "عائشة عبد الرحمن" ، وبذلك بدت متسقة مع المنهج الذي التزمت به ، فحدد لها الطريق ، وجعلها تتعامل بوعي مع القرآن معتمداً عليه في تفسير آياته ، فمنه وإليه وبه تتحرك ، وصدق الآراء والأفكار ، وصوابها من عدمه تعتمد عليه بشكل مباشر ، لكن ترى ما هو هذا المنهج الذي كثر الحديث عنه ؟

 

 

 

*وراثة المنهج :

         لاشك أن التفسير البياني للقرآن ، الذي قدمته الدكتورة "عائشة عبد الرحمن" في

جزءين ، خصص الأول للسور التالية "الضحى، الشرح ، الزلزلة ، العاديات، النازعات، البلد ، التكاثر ، وخصص الثاني لسور: العلق ، القلم ، العصر، الليل ، الفجر ، الهمزة ، الماعون ، أي ما مجموعه أربعة عشرة سورة ، يعد جديداً من ناحية التناول أولاً، ومن ناحية المنهج ثانياً ، وهو الأهم ، وقد أعلنت الكاتبة من البادية ، أنها تتم مشروعاً عملياً للأستاذ "الإمام أمين الخولي" ، حتى أنها ذكرت ضوابط المنهج الذي اتبعه إمامها وواصلت عليه الطريق كما جاء في مقدمة الجزء الأول ـ الطبعة الخامسة ـ مركزة على استعمالات هذا المنهج ومحاولاته الخاصة للفهم ، سواء لفهم ما ول النص القرآني ، أو فهم دلالات الألفاظ أو فهم أسرار التعبير ، ناهيك عن التناول الموضوعي لما يراد فهمه من كتاب الإسلام.

         لقد أشارت "عائشة عبد الرحمن" ، في مقدمة الجزء الأول، إلى أن المنهج المراد الاعتماد عليه في التفسير البياني للقرآن قد شرحه الإمام "أمين الخولي" في كتابه الجليل "مناهج تجديد" ، وبين ضوابطه الأربعة التي هي : التناول الموضوعي لما يراد فهمه من القرآن ، وترتيب الآيات على حسب نزولها لمعرفة ظروف الزمان والمكان وذلك لفهم ما حول النص، تلمس الدلالة اللغوية لفهم دلالات الألفاظ ، الاحتكام إلى سياق النص في الكتاب المحكم ، وأعراض أقوال المفسرين عليه ، بهدف فهم أسرار التعبير ، وقد التزمت بهذه الضوابط وطبقتها ، غير أنه علينا الوقوف كثيراً أمام الضابط الأول ، والمتعلق بالأصل في منهج التفسير ، الذي هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه ، فيجمع كل ما في القرآن منه ويهتد بمألوف استعماله الألفاظ والأساليب بعد تحديد الدلالات اللغوية لكل ذلك.

وقوفنا هنا يقتضيه ما ذكرته الكاتبة هو أن المنهج السابق يختلف والطريقة المعروفة في تفسير القرآن سورة ن سورة ، يؤخذ اللفظ أو الآية فيه ، متقطعاً من سياقه العام في القرآن كله مما لا سبيل معه إلى الاهتداء إلى الدلالة القرآنية لألفاظه أو لمح ظواهره الأسلوبية وخصائصه البيانية ، ومع أن هذه طبيعة المنهج التي تفرض نفسها على الباحث، إلا أن علينا أن نرجح هذا المنهج على الطرق الأخرى التي اتبعت ، ذلك لأن اعتباره القرآن سياقاً واحداً ، لا يلغي أهمية دراسة كل سورة على حدة ، ثم دراسة السورة ليست كدراسة الآية ، وإذا أخذنا بأسباب النزول ، وخصوصيات الأسباب والأحداث ، فإن ذلك لا يعني التخلي على الدلالات القرآنية لألفاظه.

         والواضح أن "عائشة عبد الرحمن" قد عملت على تتبع دراسة كل لفظ لمعرفة دلالاته ، وتجنبت اقتطاعه من السياق العام ، لكن وهي تقوم بذلك جاءت بمعاني المفردات كما ذكرها العرب، وانطبعت في حياتهم ، وبينت تعدد المعاني، وهي بذلك بذلت جهداً واضحاً للالتزام بالمنهج، حتى غدا هذا الأخير هو المتحكم في وعي ومتابعة وشرح الكتابة ، وهذا شئ جميل ما دام الأمر خاضعاً لضوابط المنهج ، إلا أن التعابير الحسية المرهفة ، وبعيداً عن التأويلات ، تكشف عن اللفظ الواحد ، أو الكلمة الواحدة لها أكثر من معنى ولمعرفة ذلك باتساع هنا مطالعة معاجم اللغة[xi]، إضافة إلى هذا كله فإن عدم الإدراك أو الاهتمام بإعجاز الآية الواحدة والسورة الواحدة حتى لو حذفناها من النص الكلي ـ أي القرآن ـ يجعلنا مطالبين بعدم تجاوز الآية الواحدة أو السورة الواحدة إلى أخرى ، وهذا الأسلوب يهم الباحثين دون غيرهم ، مما سيقلل من فائدة قراءة مثل هذه التفاسير.

         والواقع أن العودة إلى كتب التفاسير على ما فيها من نقائص وتأويلات وأحياناً تكلف وشطط ـ كما ذكرت الكاتبة ـ تغنينا عن الخوض في المنهج ، خصوصاً إذا كان الهدف من التفسير تعميم الفائدة للمطالعين . لذلك فإن أسلوب ومنهج عائشة عبد الرحمن حديداً ، وقد التزمت ، غيرها وهي تقوم بذلك قد اعتمدت ـ رفضاً أو قبولاًـ على تفسير الإمام الفخر الرازي ، وهذا يراه البعض أقرب إلى علم الكلام[xii]، كما أنه أيضاً ـ وفي الغالب ـ ما كان يعيد تكرار تفسير الآية ـ أي أن العابرة في اتصالها المباشر مع الآية تذكرة مرة واحدة ، ، وبغض النظر عن قبول تفسيره أو رفضه ، فقد شمل كثيراً من المعلومات ، وأورد حتى الآراء المتناقضة أو التي كان رافضاً لها، وباختصار فقد كان يلقي بالمعلومات والآراء ، ويترك الاختيار للقارئ دون توجيه وإن كان في الوقت ذاته يعلن مواقفه، وفي كل هذا لم يبتعد عن الظواهر الأسلوبية والبلاغية[xiii]، بمعناها العصري، لكن الطابع العام لكتاباته هو علم التوحيد[xiv] ، وتلك يرى كثير من المقربين ميزة، وربما يكون الخوف من عدم إعطاء التفسير حقه هو الدافع إلى ذكر كلما سمع وقرأ حول.

         وإذا كانت عائشة عبد الرحمن ترى ـ كما جاء في مقدمة الجزء الثاني ـ ترى أن التفسير ليس إلا محاولة للفهم على وجه الشرح والتقريب بالكلمات المفسرة لا على أنها والكلمات القرآنية سواء ، ولعل هذا ما حمل المفسرين على الإطالة في الشرح والتكثر في وجه التأويل للكلمة أو الآية القرآنية ، فإنها نسيت أن ترجيح رأي دون آخر يخضع للملاحظة السابقة نفسها، رغم تأكيدها مرة أخرى ـ وبعد خمس سنوات من نشر الجزء الأول ـ على أن هناك مسألتين في المنهج يجب إقرارها:

أولاهما : أن المرويات في أسباب النزول موضع اعتبار ف فهم الظروف التي لابست نزول الآية ، مع تقدير أن الصحابة الذين عاصروا نزولها ورُويت عنهم أقوال فيهما ، ربط كل منهم بما وهم أو فهم أنه السبب في نزولها، وهذا هو معنى قول علماء القرآن : إن المرويات في أسباب النزول يكثر فيها الوهم.

ثانيهما : إن ترتيب النزول موضع اعتبار كذلك لفهم السياق العام لم تدبّر من آيات القرآن ، ودلالات ألفاظه ، وخصائص بيانه في المصحف كله.

يلاحظ أن ما ذكر آنفاً هو إعادة تكرار لمتطلبات المنهج ، لكن بالنسبة لعصرنا يتعذر ـ في نظري ـ الترجيح أو الميل لسبب دون آخر ، لأن الأمد طال بنا ، معتمدين في ذلك على النصوص التاريخية ، وإنما يمكن فعل ذلك بناء على استعمال العقل ، والتقريب بين حياتنا والماضي على اعتبار أه منذ نزول القرآن لم يعد في مقدور المؤمنين ـ على الأقل ـ التخلي عن الأسباب والمرويات ، وأن القراءات المتعددة تدفعنا إلى العودة مرة أخرى إلى المشاركة في بناء حضارتنا من منظور إيماني بخطاب عصري متميز ، يتجاوز الاختلافات المنهجية أو الطائفية أو حتى الفروق بين الذكر والأنثى.

وقد لا يعني كلامنا السابق ، عائشة عبد الرحمن ، لو كانت على قيد الحياة مثلما قد لا يؤثر على كتابها الحالي ـ قيد البحث ـ ذلك لأنها لم تتخوف من ذلك الكم المعرفي لدى العلماء ، ومن أولئك الذي اعتبروا مراجع لا غنى عنهما للكثيرين ، فقد فندت بعض آراءهم وقبلت بعضها الآخر، خصوصاً في سياق تفاعلها مع تفسير "الزمخشري " والرازي ومحمد عبده.

إضافة إلى ذلك فقد اعترضت على آراء بعينها ن وطوّرت من بعض التفاسير بما أضافته لها من جديد ، ليس هذا فقط بل رفض تأيولات بعينها خصوصاً تلك القائمة على لي آيات القرآن لتصبح معانيا مناسبة للتفسير ، ومن خلال تفسيرها عرفنا شرح الكلمات على مستوييها المادي والمعنوي مثل كلمة "الصدر" ، ووضاح أنها تميزت بقفزة نوعية على مستوى التفسير ، كثيراً ما غابت عند السابقين واللاحقين ، تجلى ذلك في عدم قبولها بوجود زيادة ولا إقحام لحروف بعينها ، حاول العلماء القول بها طبقاً للمنهج المتبع.

 

*إنجاز "عائشة عبد الرحمن"

         من كل ما سبق يمكن القول أن القضايا الكبرى التي تناولتها من خلال التفسير البياني تجسدت في عدم القبول أو التسليم دون استعمال العقل، بما جاء به المفسرون السابقون، وميزت بوضوح وبوعي بين حدود العقل وقدسية النص نفسه[xv]، ومتى يتم استعمال النقل ، وتبع ذلك موقفها من التفاسير السباقة خصوصاً ما سبق لها من أدلة أثرت سلباً على النتائج التي توصلت إليها.

         ويبقى السؤال المطروح ما الجديد الذي قدمته على اعتبار تميزها في هذه الدراسة مقارنة مع غيرها؟

         عبد عرض أهم الأفكار ومتابعة ما جاء في كتابها التفسير البياني للقرآن ، يتجسد أمامنا الجديد الذي قدمته في المنهج المتبع ، فقد طبقته تطبيقاً وافياً ، لكنها ظلت مع ذلك كله محافظة على أهمية سور القرآن ، وليس أهمية المنهج، فهذا الأخير خاضع لكاب الله وليس العكس، إضافة إلى ذلك فإن ذكرها لمختلف الأحداث من خلال شرحها للأبيات الشعرية بينت ثراء العربية وروحانيتها باعتبارها تشكل وحدة وجدانية ونصية ليس للعرب فقط وإنما لكل الذين يتعاملون معها على أساس ثرائها وديمومتها ، وهي بذلك تدعو إلى وحدة من خلال النص تتجاوز ما يدعو إليه كثير من السَّاسة والمنظرين ، وأخيراً فقد بينت ـ بلا ريب ـ ذلك الدور الحضاري الذي يمكن أن تقوم به المرأة المسلمة العالمة مساهمة إيماناً وإبداعاً وتفاعلاً مع القرآن الكريم ، وربما يعد ذلك أكبر الإنجازات ، "وهي قد تمكنت ـ على حد قول الأستاذ الراحل "محمود الطناحي" ـ بجرأة عالية وهمة صبورة من البحث لها عن مكان بين الرجال الأفذاذ في ذلك الزمان.."[xvi]

 



 

 

 

 

لغة البيان

بين حركة الشعور وحركة المعنى

موازنة بين نماذج التفسير القرآني

 د. وليد منير

لعلنا نتفق جميعاً على أن النص القرآني نص لغوي يتميز بالأدبية poetic التي تعني ـ أساساً ـ بلاغة أسلوبية خاصة تكشف عن إمكاناتها المتفردة في التعبير والتصوير والتوصيل مما يعني أن ثمة مظهراً جمالياً ومظهراً دلاليّاً للنص، وأنه ينطوي على عدد من المستويات البيانية والسياقية التي لا ينفصل بعضها عن بعض بقدر ما يتمايز بعضها عن بعض وفقاً لطبيعة العلاقة بين المقال والمقام بتعبير الأقدمين.

         وتناول هذا النص الكريم بدءاً من طبيعة المادة التي تشكَّل من خلالها (وهي اللغة) يعني ، في جوهره، كشفاً عن أسرار هذه اللغة ، دقائقها، خصائص تعبيرها، حسيتها ومجازيتها ، ظلالها وإيحاءاتها، كما يعني الكشف، في الوقت نفسه، عن خصوصية اللغة القرآنية داخل اللغة الأم: أبعاد تكوينها الجمالي والإبداعي، مقارباتها وانزياحاتها طريقة إنتاجها للدلالة ، وطبقات هذه الدلالة وتنويعاتها.

         والباحث المعنيُّ بلغة البيان هو الباحث المعنيُّ بحراك اللغة من حياد المعجم إلى انحياز التركيب؛ أي هو المتأمل المهموم بتحليل حياة الكلمات، وتفسير طرائق هذه الحياة، والنفاذ إلى ما تحويه من أثر.

         ولأن اللغة لا تنفصل عن الشعور (بل وعن اللاشعور كذلك) ، فإن البيانيَّ المشغول بالبيان منهمك، بالضرورة، في اكتشاف الرابطة بين حركة الشعور وحركة المعنى، حتى ولو لم يفطن إلى ذلك بصورةِ مباشرة. إنه مسترسل في توليد العلاقة بين دائرة الانفعالات ودائرة المعاني بما يمنح خطابه قدرةً على إضاءة الفاعلية الوجدانية للخطاب الأساسي (أي الخطاب موضوع التحليل)، وتثوير معطياته في اتجاه تشكيل النموذج المفترض للمعنى، والتدليل على كفاءة تأثيره في المُخَاطَبين (بفتح طاء المخاطبين).

         وقد يختلف المحللون النصيون في خطة عملهم ، في نزوعاتهم أو تكوينات فكرهم أو لآليات توجهاتهم، وفي رؤاهم ومواقفهم الإجرائية كذلك، ولكنهم يسعون جميعاً ـ بدرجات متراوحةـ إلى أفق واحد؛ هو ذلك الأفق الذي يهجس بالحقيقة عن طريق استكناه الوشيجة المتينة بين استراتيجية اللغة واستراتيجية التلقَّي.

         ولابد أن صاحب منهج التفسير يُمَثِّلُ، بتعبير "فيش"، القارئ المؤهل informed reader الذي يمتلك بفضل تخصصه نوعاً من الحساسية العالية للتلقي، ومن الثقافة المتميزة، ومن القدرة على التفاعل الفكري مع النص.

         ولقد كان عبد القاهر الجرجاني، رحمه الله، مثالاً بارزاً، في تراثنا القديم، على ذلك القارئ النموذجي الذي يتمتع بسعة الثقافة، ودقة الملاحظة، ونفاذ البصيرة، والقدرة على الإمساك بشبكة العلاقات الفاعلة من جميع اتجاهاتها.

         ولقد كان عمل الجرجاني في (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة) تأسيساً عريضاً للنظر البياني إلى النص، وتقعيداً لوسائل هذا النظر، وتوطئة لدروبه ومسالكه. وهنا لابد أن أسوق هذه الملاحظة الباهرة التي لاحظها مصطفى ناصف حين قال "كان عبد القاهر يعلم أن المفسر يعطي النص من ثقافته، ولكن لابد أن يأخذ العطاء شكل الكشف أو أن نشعر بوطأة الكلمات() كان يشعر رغم كل الجهد المتطاول أن اللغة تناوئ التفسير، وأن التفسير لابد أن ينحني في النهاية لهذه اللغة"([xvii]).

         أظن أن منبع فكرة التأويل يأتي ـ غالباً ـ من هذه الثنائية: المناوءة/ الانحناء أو بتعبير آخر : الحرية /الحدود. لذلك نلاحظ أن عنصر الضبط أو التوازن في التفسير (وهو ما يقوم بالتوفيق بين طرفي الثنائية) يستند ، دائما، إلى تَبَنِّي ما يمكن أن يُسمى بـ " الخاصية الموجِّهة" في خطاب المُفَسِّر.

         يبدو واضحاً أن خاصية "النَظْم" كانت هي الخاصية الموجِّهة في مشروع عبد القاهر كله، وكانت أسبقية المعنى على اللفظ، وخدمة الألفاظ للصرح النحوي الذي تدل استقامة تركيبه على تبلور فاعلية المعنى ، هما مناط نشاط اللغة والبيان.

         تميز مشروع عبد القاهر بغير قليل من الصرامة البنيوية التي قلَّ أن نجد لها مثيلاً إلا في أعمال تأسيسية نادرة لها صفة الشمول والاستقصاء والإحاطة ، وكان البحث عن النظام ، وعن البناء، وعن قوانين التوليد، هو الباعث الأعظم وراء جهد عبد القاهر المضني.

         كانت حركة الشعور عند عبد القاهر، وبحكم أشعريته ، تجعل من حركة المعنى في لغة البيان توازناً محسوباً ومتصلاً بين منطق ا لوحي ومنطق العقل المجرَّد، بما يواجه عدداً من المزالق الحرجة التي قادت إليها بعض أفكار منظري المعتزلة في محاولة تأسيسها لأبنية مفهومية لها تقاطعاتها الجارحة أحيانا مع أدبيات الاتباع. وهنا "يجب أن نذكر علاقة الملاحظة اللغوية في التراث بما نسميه الإحساس الروحي"([xviii])، فاللغة، دائماً، لا تنفصل عن هذا الإحساس بل إن نشاطها الفكري المبدع ينبثق ، في الغالب، عنه ليؤكد باعثه، ويشير إلى ما يقف ورائه من كوامن عميقة تتصل ، في جوهرها ، ببعد المطلق.

         كان سؤال : كلام الله حادث أم قديم ؟ وهل معناه يسبق لفظة أم يزامنه ويرافقه؟ وما علاقة ذلك كله بإثبات صفاته تعالى أو نفيها؟ هو حجر الرحى في أزمة الصراع العقلي المبكر الذي أثار غباراً كثيراً ينمُّ ـ في مظهره الحقيقي ـ عن شكلانية الوعي العربي في تعامله مع مسألة "الزمنية" . وفي رأيي الخاص أن "الزمنية" قد عانت ، في الوعي العربي، من مفارقة واضحة نتجت عن خلل في القياس الإنساني بين النسبي والمطلق. ولم يجاوز هذه المفارقة، أحياناً ، سوى بعض من المتصوفة المسلمين الذين أدركوا ، منذ البداية ، عنصر الوهم في القياس ذاته، فالتجزؤ الموجود في الزمان هو تجزؤ ظاهريٌ لازمٌ فقط ، لتَجَسُّدِ الوقائع الجزئية في عالم التاريخ، ولكن الأمر ـ على حقيقته ـ ليس على ذلك النحو في سياق الديمومة الإلهية التي تمثل جوهر الحقيقة المتصلة الثابتة.

         وهكذا كانت "الخاصية الإشارية" هي الخاصية الموجهة في خطاب المفسر الصوفي ، فالإشارة تلميح أو إيماء إلى شئ بعيد قد يحتوي الشئ القريب ويجازوه معاً في المعنى أو القصد؛ أي أنها ، في واقع الأمر، نفي للمسافة التي تصنع الاختلاف أو التجزؤ ، وإثبات لاندياح اللحظة الروحية في سواها، وهو ما يعيد للزمنية مفهومها الدائري الأصيل.

         يقول الإمام القشيري في تفسيره الأدبي لقوله تعالى : "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم" : "ويقال: إن المؤمن وثق بحسن إفضاله، فاغتر بطول إمهاله، فلم يرتكب الزلة لاستحلاله، ولكن طول حلمه عنه حمله على سوء خصاله، وكما قلت:

 

             يقول: مولاي أما تستحي      مما أرى من سـوء

             فقلت يا مولاي رفقاً فقد       جرأني كثرة أفضالك  

                                                (اللطائف)[xix]

     عمل الخطاب الأدبي الصوفي في التفسير على تهميش القضايا الكلامية التي حجبت عن الحساسية التفسيرية أسراراً ودقائق مهمة وشفافة في النص القرآني إذ استبدل بمهادها مهاداً ذوقيّاً وحسيّاً فريداً من ناحية، كما أنه عمل على الإعلاء من شأن الرؤية التأملية العميقة بما تنطوي عليه من استبطانٍ مدهش. وفتح هذا النوع من التأمل الثري باباً واسعاً جديداً أمام فكرة الربط بين عمل الدلالة والتجربة الإنسانية الحية في بعدها الشخصي الذي لا ينفصل بالضرورة، عن البعد النفسي للغة.

         وربما ترجع أصول هذه النزعة التأملية إلى الصحابي الكبير عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، حيث اشتهر عنه قوله: "إذا أردتم علم الأولين والآخرين فتدبروا القرآن". والتدبر هو الاستبطان والتأمل والتفكر. وقد صرف الإمام أبو حامد الغزالي، رحمه الله، شطراً كبيراً من جهده في تمهيد الطريق وتوطئتها لمثل هذا النوع من الفهم والتأويل، وتبعة كثير من الصوفية الذين كانوا يستدلون بآيات القرآن الكريم، دوماً ، في الكلام على علومهم الأثيرة كالإخلاص، والمحبة، والمجاهدة، والغيبة والصحو، والفناء والبقاء، والمقام والحال، والغربة، والشهود ، والقبض والبسط، والصبر والرضا، والحيرة ، واليقين ... الخ.

         وفي العصر الحديث ظهرت مدرسة نفسية موضوعية في التفسير، اهتمت في ملمحها الأساسي بفكرة الحقائق النفسية في القرآن : كيف تتجلى ؟ وما دلالتها؟ وما تأثيرها في ا لكشف عن خبايا النفس الإنسانية؟ أي أنها ركزت على قراءة الشخصية الإنسانية العامة من خلال إضاءة النص القرآني لأبعادها. وهكذا كانت الخاصية النفسية هي الخاصية الموجهة في خطاب المفسر الذي ربط بين بلاغة الوصف القرآني وإضاءة الدوافع السلوكية كالعقاد ، وعبد الوهاب حمودة ، وسيد قطب. ولعل سيد قطب هو الأكثر شفافيةً ونباهةً بين أبناء هذه المدرسة ، بحسه المرهف ، وبصيرته الأخاذة ، وقدرته على النفاذ المستمر إلى لباب المواقف والمشاعر.

يقول سيد قطب:

من النماذج الإنسانية التي تصور الجنس كله:

"وإذا مس الإنسان الضر، دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه"

تجتمع لهذا النموذج السريع كل عناصر الصدق النفسي. والتناسق الفني. فالإنسان هكذا حقاً : حين يمسه الضر، وتتعطل فهي دفعة الحياة، يتلفت إلى الخلف، ويتذكر القوة الكبرى، ويلجأ عندئذٍ إليها؛ فإذا انكشف الضر، وزالت عوائق الحياة، انطلقت الحيوية الدافعة في كيانه، وهاجت دواعي الحياة فيه ، فلبى دعائها المستجاب، "ومر" كأن لم يكن بالأمس شئ! إن الحياة قوة دافعة إلى الأمام ، ولا تلتفت أبداً إلى الوراء، إلا حين يعوقها حاجز عن الجريان.

وأما التناسق الفني فيها فهو في تلك الإطالة في صورة الدعوة عند الضر" دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً" ثم في ذلك الإسراع عند كشف الضر" مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه" . إن هاتين الصورتين تمثلان بالضبط وقوف التيار عن الجريان أمام الحاجز القوي ، فقد يطول هذا الوقوف ويطول ، فإذا فتح الحاجز تدفق التيار في سرعة، و"مر" كأن لم يقف قبل أصلاً.([xx])

         إن لغة البيان بين حركة الشعور وحركة المعنى تتولد ، هنا ، عبر شكل من أشكال الإصغاء العميق إلى نبض الكلمات، ورصد ظلالها، والحوار معها، واستلهام العنصر الثابت المتكرر في تجربة الحياة الإنسانية من خلالها، وتفسيره ، وربطه بغيره من عناصر الواقع الحي المتغير.

ويبدو أن تعزيز الاستجابة الانفعالية للمثيرات البلاغية في اللغة (ومن أهمها الصورة التمثيلية في النص القرآني) ، وتنظيم التعبير عن هذه الاستجابة، وشحذ هذا التعبير بمخزون الخبرة الوجدانية ، والبرهنة على فاعلية هذه الخبرة في تفسير الواقع، هي مجموعة من الوسائل الإجرائية المؤكَّدة في التناول الأدبي للنص من وجهة نظرٍ نفسيةٍ؛ وهي وسائل تمزج بين الذاتي والموضوعي وتتردد بينهما جيئةً وذهاباً لتبرز ارتباط الخاص بالعام، وتمعن في اكتشاف العلاقة بين ضعف الإنسان بذاته وقوته بالله تعالى عبر مواقف الحياة كلها.

وعندما تصبح المنهجية النفسية، في مظهرها الأعمق، تفاعلاً بين موضوع النص والوعي أو الشعور الفردي، يتاح للمفسر أن يقوم بعملية الدمج النفسي التي تجعل من خياله وخيال النص شيئاً واحداً، وهو ما يسميه "سايمون" (خلق القياس)، وقد عبر "انجاردن" عن ذلك بقوله: "حين ندرك الأشياء في الحياة، نضفي عليها الخبرة و البنية النفسية الموجودة عندنا قبل ذلك، ونفعل الشئ نفسه حين ندرك الأدب"([xxi]).

بيد أن ذلك يستوجب نوعاً عميقاً من التَمَثُّل، وهو ما لا نجده بسهولة في محاولات مبكرة تكابد قدراً من السذاجة والسطحية، ولكننا نجده في لمحات ثرية لبعض المتصوفة الكبار، ولدى عدد من الباحثين المعاصرين الذي يهتمون بآلية العلاقة بين النص وفاعلية القراءة أو دينامية الاستجابة كسيد قطب ومصطفى ناصف وعز الدين إسماعيل.

إن القراءة التي تستند إلى الفاعلية النفسية أبعد جداً ، في الحقيقة، من مجرد ردِّ بعض الصور والمشاهد إلى ظواهر علم النفس ومصطلحاته. إنها إعادة خلق الذات عن طريق التردد الدائب بين حركة الشعور وحركة المعنى على نحوٍ يكشف عن إمكانات اللغة وإمكانات الحياة في الوقت نفسه، وبدون انفصال يذكر بين خيال النص وخيال مفسره.

إن النفاذ من البنية السطحية لنموذج التصوير النفسي في نصٍّ ما إلى البنية العميقة لذلك النموذج يعتمد على مجاوزة المفهومات الاصطلاحية الأولية إلى تَمَثُل هذه المفهومات في نسيج التجربة المركَّبة التي يُعَبِّر عنهاَ النص في سلسلةٍ من الصور والعلامات.وقد كان للحارث بن أسد المحاسبي، رحمه الله، مقاربةٌ رائدة لنموذج (البحث والحساب) في القرآن ضَمنَّها كتابه النفيس (كتاب التوهم) منذ ما ينيف على أحد عشر قرناً من الزمان، فكان مما قاله:

...وكذلك يقول الله عز وجل : "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها" فلم (يحاسّ) من الخلائق أحداً.

فتوهمْ أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم ، منفرد كل واحد منهم بنفسه ينادي: نفسي نفسي ، فلا تسمع إلا قول نفسي نفسي. فيا هول ذلك وأنت تنادي معهم بالغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه، فما ظنك بيوم ينادي فيه المصطفى آدم ، والخليل إبراهيم، والكليم موسى، والروح والكلمة عيسى مع كرامتهم على اله عز وجل وعظم قدر منازلهم عند اله عز وجل، كل ينادي : نفسي نفسي، شفقاً من شدة غضب ربه ، فأين أنت منهم في إشفاقك في ذلك اليوم واشتغالك بذلك اليوم ، وبحزنك، وبخوفك؟([xxii])

يقوم الخطاب هنا ، على تمثُّل شخصي لمفهومي (الوعد والوعيد) أو مفهومي (الخوف والرجاء) وفقاً لما يسميه الصوفية (حضرة الخيال)؛ وهي حضرة تتوسط بين عالم الإمكان وعالم الفعل.

وفي عصرنا الحديث ، قدم د.عز الدين إسماعيل خطاباً مهمّاً في كتابه (نصوص قرآنية في النفس الإنسانية) يقوم على تَمَثُّل منهجيٍّ لمفهوم (النزوع) وفقاً للمنظور القرآني. وقد اعتمد موضوع (النفس) محوراً للبحث والدراسة، في مقارنة شائقة أولاً بين الطبري والزمخشري والرازي، ثم في مبحث مستقل ، ثانياً ، بعنوان " في ظلم النفس وتزكيتها" فكان مما قاله:

وفي الهوى القرآني أن الكذب على النفس ظلم لها. وهذا الكذب متعلق بالإيمان والشرك. لقد رأينا أن الغرور بالحياة الدنيا يؤدي بالإنسان إلى الكفر بنعم الله تعالى والشرك به. والغرور خداع للنفس ومثله الكذب عليها. والفرق بينهما ربما طمس العقل وران على النفس حتى جعلهما لا يريان الحق فلا يقران به. أما الكذب على النفس فهو خداع متعمد من الإنسان لنفسه ، ما يلبث أن ينقلب إلى غرور حين يتحور الكذب ـ مع التشبث به والإلحاح عليه إلى ما يشبه الحقيقة([xxiii]).

إن تفسير الغرور بأنه تحوُّر الكذب حدَّ تحوله إلى ما يشبه الحقوق هو إحدى اللمحات الذكية في تأويل مفهوم (الأهواء) بما يجعل من الهوى آلية نفسية لخلق التماهي بين ما هو واقعي وما هو وهمي في مجال الذات. فالهوى ، كما يقول "جيروم انطوان رومي" هو ، في النهاية، أنانية بتركيزه الشديد على الأنا. وهذا هو ما يصل إليه بالتحديد د.عز الدين إسماعيل على أساس من نظرة في الوصف القرآني المدقق لأحوال النفس الإنسانية.

والأنانية، في مفهومها الأوسع، عجز عن التواصل ، وفشل في نمو الدافعية إلى المشاركة ، وانسحاب من دائرة التوازن الكوني الذي يؤسس لفاعلية الموقف الإنساني بكل أبعاده. ولعل هذه الفاعلية التي تنشأ بدءاً من الحرص على معنى التكامل هي محطّ اهتمام د/مصطفى ناصف حين أشار ، ببصيرة لافتة، إلى حديث المفسرين عن قوله تعالى:

"والضحى. والليل إذا سجى" فقال:

وفي قوله تعالى (والضحى. والليل إذا سجى ..الآيات) وجدنا المفسرين يتحدثون عن خلق الليل واعتباره لباساً وسكناً وتحدث بعضهم عن معنى الوحشة، وربما تأولوا الليل بسكون الموت والظلمة والقبور، لكن بعضهم ذهب إلى فكرة الجلال الإلهي ، والمهم أن المفسرين عقدوا نوعاً من العلاقة الاستعارية بين العبارات. واختلف المفسرون، على نحو ما نرى ، كثيراً في تأويل الضحى أيضاً. وهكذا بحث كل واحد عن إطار. وكان من الطبيعي أن يحدث قدر من الترجيح بين التأويلات المتباينة. وإذا كان بعض المفسرين لجأ إلى فكرة القلق فإن بعضهم الآخر استبعد هذا القلق أو نظر إليه بارتياب. ويمكن أن نذكر بوجه خاص بعض ما قاله الشيخ محمد عبده، فقد رأى في تراث التفسير البحث عن التكامل بين الليل والضحى ، ورأى كذلك ما يشبه السهو عن هذا الجانب، والتمس وحدة بين الكلمتين تتمثل في موقف قوة الحياة ونمو الكائنات في مقابل راحة القوى واستعدادها لما يستقبلها من عمل ، وبذلك خرج خروجاً واضحاً إلى مفهوم النشاط الروحي ودعمه وبناء فعاليته ونموه([xxiv]).

هنا نرى التفسير والتأويل وقد أصبح نوعاً من التمثل المعرفي المتصل بالخبرة الوجودية في تطورها وتبلورها. لقد خرج عن كونه توصيفاً لمعطيات النص، وبسطاً لدلالتها ، وتصويراً لأسبابها وغاياتها، إلى كونه انفتاحاً، فيها وبها ومن خلالها، على أعماق الحياة الخارجية والباطنية للإنسان ، والكشف عن علاقات الإنسان بالكون، وتحليل الشفرات التي تربط ، في حساسية معناها، بين مستويات مختلفة من القيم والحقائق.

ومن اللافت في الخطاب المعرفي المعاصر تداخل عدد من الحقول العلمية والفكرية التي يخدم بعضها بعضها برغم وجود قيمة مهيمنة أصلية تحكم مسار الخطاب. وفي ذلك إثراء عميق لمستوى التفسير، وتطوير داخلي لآلياته. ولعلني أذكر هنا ، عبارة الإمام النفريّ: "الكون كالكرة والعلم كالميدان" فأستبدل بكلمة الكون كلمة النص، فإذا بعبارة الإمام العظيم تتجاوب في أصدائها مع توجهات الفكر النقدي الحديث الذي يطمح إلى أن يكون التحليل أو التفسير كُلاّباً جامعاً يحيط بظواهر النص من كل اتجاه وعلى عدة مستويات ويولد منها نماذج تفتح حركة النص على حركة الحياة ومن هنا يصبح النص كوناً ويصبح الكون نصاً تتقاطع في كليهما العلاقات والإشارات والمعاني. لعلنا نستطيع استعارة إحدى العبارات الحديثة من فلسفة العلوم: "إن المقصود ، بالإجمال ، هو تحقيق كل تجربة جديدة ، تحقيقاً عميقاً ، فلسفياً . وليس بالمقدور بلوغ هذا التجديد في العمق ، بدون قابلية من قبل العقل الفلسفي، قابلية هي بحاجة إلى تعدد فلسفي بَيِّنٍ نوعاً ما" (جاستون باشلار)([xxv]).

من المنطلق نفسه رأى "رولان بارت" ، في حقل الأدب مثلاً ، أن الناقد الحديث لابد أن يجمع في إهابه الفيلسوف والأنثروبولوجي وعالم النفس وعالم اللغة.

سوف تلوح لنا هذه النزعة التضفيرية واضحةً كلما اتخذت تفسيرات وتأويلات النصوص منحى ثقافياً أو حضاريّاً. ومن الواضح أن المثاقفة نفسها هي أحد العوامل الأساسية في نشأة هذا الاتجاه الحديث داخل تيارات الثقافة العربية. بيد أن حركة التجديد في مبدأها كانت منقسمة بشدة إزاء هذه النزعة، ولعل إحدى مدارس التجديد كانت ترى في نزعة التضفير أو التعدد المرجعي خطراً على قيمة "الموضوعية" إذ كانت تنظر إلى الموضوعية بوصفها حقلاً نقيّاً يعتمد على شواهد مصدر واحد لا مصادر مختلفة ، وإنما تكمن تنويعاته في الترابطات المفترضة بين روافد من طبيعة واحدة. وهكذا كانت الخاصية التناسبية الداخلية هي الخاصية الموجهة في خطاب التفسير البياني عند عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) حيث اعتمدت ـ تبعاً لمنهج أمين الخولي ـ على التناسب بين ما حول النص (السياق التاريخي)، ودلالات الألفاظ، وأسرار التعبير (السياق النصي) ، ومرويات التفسير الملائمة.

ويأتي كتاب "بنت الشاطئ" (التفسير البياني للقرآن الكريم) مصداقاً لذلك المنهج الذي يحاول تأسيس مفهومه الخاص للموضوعية داخل إطار علم اللغة وعلم البلاغة أساساً دون أن يشير، إلا عرضاً ، إلى بعض الدلالات النفسية أو الفلسفية.

والتعميق الأحدث لهذا المنهج يأتي في سياق البنيوية الأسلوبية التي نجد أبرز ملامحها في خطاب التفسير عند تمام حسان الذي أصدر كتابه اللافت (البيان في روائع القرآن /دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني) فتحدث عن القرائن اللفظية، ونماذج التركيب والإعراب، وأثر السياق في تحديد بعض الظواهر ، والقيم الصوتية وأثرها في المعنى، والمقاصد الأسلوبية..الخ.

هنا عمل هاجس النظام (كما عند عبد القاهر قديماً) على تقنين عنصر الحوار الوجداني مع النص، سعياً إلى إنشاء موضوعية عملية منضبطة، فلا تتوسع حركة الشعور إلا بمعنى كونها حركة للغة النص ذاته، ولا تنتج حركة المعنى من إعادة خلق الذات بقدر ما تنتج من تفسير تنظيمات الروابط وأنماطها.

إن حركة الشعور هي حركة اكتشاف هذه التنظيمات والأنماط بمزيد من تغليب التحليل على حرية الاستجابة.

والحاجة إلى النظام والبناء واكتشاف القوانين هي حاجة إلى انتظام الموجات التوافقية للغة ، للحياة ، للعلاقات، وللفكر في ذاته. وهي ، أيضاً ، حاجة إلى استمرار التوازن؛ إلى تأكيد قيمة الامتداد وقيمة الائتلاف على حد سواء . إنها في الأصل، حاجة نفسية كذلك، ذات نبع فلسفي ومقصد اجتماعي، ولكنها ـ فيما يبدو ـ حاجة تصب في غائية جمعية أكثر مما تصب في غائية فردية.

إن خطاب التفسير من هذا النوع يحمل أيديولوجية المعلم (بل ويحمل نسقه النفسيَّ في التوجيه) بينما تحمل خطابات التفسير الأخرى من النوع المفتوح (كالخطاب النفسي والخطاب الصوفي مثلاً) أيديولوجية الفنان أو المبدع بما ينطوي عليه الفنان أو المبدع من نسق نفسيٍّ ينزع إلى استلهام التجربة وتشكيلها. وفي الحقيقة أن الأيديولوجيتين ضرورتين معا لجدلية الإنسان والوجود من خلال النص ، بل ربما كانتا متكاملتين في صياغة الحاجة إلى الفهم والحاجة إلى التأويل على المستوى الأعمق للإدراك الفكري والروحي معاً.

والآن : ما أفق العلاقة بين الفكر اللغوي والبلاغي والنقدي من ناحية، والنص القرآني من ناحية ثانية؟ كيف يتم تجديد خطاب التفسير؟ وما الآليات المفترضة لتطوير النظر الأدبي إلى هذا النص الكريم؟ ما حدود اندماج الحقول المعرفية في إطار نشاطي الفهم والتأويل؟ وما مدى قابلية الجهاز المعرفي لاستيعاب التلاقح بين الوعي التراثي والوعي الحداثي؟

تتوقف الإجابة عن هذه الأسئلة ـ في رأيي ـ على شيئين أساسيين هما :

         1-مدى دينامية القراءة.

         2-مدى حساسية القائم بالقراءة.

ولكن ، هناك ، شيئاً ثالثاً يربط الشيئين معاً هو : مدى سعة الفضاء المعرفي والثقافي الذي يتحرك فيه القارئ والقراءة.

         إن العوامل الموضوعية الخارجية لا تلعب دورها المؤثر، أبداً، بدون استعداداٍ ذاتيٍ عظيم يشكل أنساق تركيبها المتعددة وفقاً لطاقة إبداعية منِّظمة (بكسر الظاء) تحتوي داخلها إمكانات خلق الرؤية الأعمق في بعدين جدليين : التاريخي، والترانسندنتالي (المتعالي).

         ويؤدي حصر الرؤية في البعد التاريخي وحده إلى معالجة ثقافية مادية للظاهرة بينما يؤدي حصر الرؤية في البعد الترانسندنتالي وحده إلى معالجة عرفانية محضة للظاهرة.

         بيد أن تعدد العلاقات ـ بتعبير باشلار ـ يضاعف البداهة بصورة من الصور ، وذلك لأن القيمة اليقينية تتكشَّف، حسب قوله، بالأحرى لدى التوسيع، لا عند الاختزال.([xxvi])

         إن التمثُّلَ الواسع للعلاقات كالمختلفة على نحو متواصل من أجل اكتشاف إمكانات جديدة لتشكيلاتها المعرفية هو الأساس الأكثر صدقاً لنمو الفهم واندفاع نشاط التفسير قُدُماً. ولكن على هذا التمُّثل أن يحتفظ طيه، دوماً، بروح التساؤل، وروح التعلُّم، وروح المراجعة. يعني ذلك، ببساطة، أن يُصفِّي التمُّثلُ أبعاده كلها من تأثير القصديات المؤدلجة، فثمة تمثُّلُ موضوعي وإن لم يكن ثمة تمثُّلُ محايد. والتمثُّلُ الموضوعي يقع في صميم مفهوم الممارسة العلمية لأنه يتخلى مقدَّماً عن معطيات الوعي الزائف التي تقوم بترسيبها كل أيديولوجيا.

وفي نشاط عملية التمثل الواسع المتصل للعلاقات المختلفة بين المستويات والأبعاد والقيم تذوب، حثيثاً، تناقضات، لها صفة التمظهر السطحي، من قبيل : تراثي/حداثي، ذاتي/موضوعي، بلاغي/فلسفي، ثابت/متحول، قيمي/واقعي، محايثة/تأويل. وهنا يمكن القول إن خطاب المفسِّر يمتص التعارضات الأولية لينفي، بعد ذلك، تركيباً بينما يحتفظ بها، فقط ، بوصفها اختلافاتٍ تُعبّرُ عن تَعَدُّدِ صفائح الفكر، وتَدَرُّجها، وتحولاتها ، داخل بنية واحدة شاملة، متوازنة، ومنسجمة في كليتها الأخيرة. يقول "بارت" : أن يكتب الإنسان (على امتداد الزمن) يعني أن يبحث عن الكلام الأكبر، الذي هو بمثابة شكل كل الكلام الآخر([xxvii]). أظن أن هذا التعريف الضافي يفجر الإحساس بالمدى الذي أقصده ؛ مدى تترامى حدوده وينتظم أفلاكه المتعددة فلك وساع كبير؛ عالم ذو مستويات أو عوالم متقاطعة ومتداخلة؛ إمكانات مفتوحة، دوماً، للزيادة، ولا ينقص منها ـ أبداً ـ أنها لا تغلق الأقواس. إنها تعبر عن احتمالاتٍ متجددة، وأرجحياتٍ متجددة، وتكتسب مصداقها ومشروعيتها من حيوية التوليدات والاختيارات.

أين، إذن يمكن البحث عن الحقيقة؟ في تجليات الحقيقة نفسها عبر مرايا التفسير التي تحتل أوضاعاً مختلفة، وزوايا متنوعة. إن ما يمكن الحصول عليه هو تجليات الحقيقة؛ فالحقيقة في كنه ذاتها المحض تقع من وراء التفسيرات. إننا نستخدم اللغة أساساً، فلا معنى لزعمنا أننا بمنأى عن المفارقات (وكيف يكون ذلك ما دامت المفارقة نواةً قارّةً في طبيعة اللغة والوجود معاً؟) ، ولكن هذه المفارقات نفسها توضح لنا الرمزية الماثلة بين بنية التصور وبنية الواقع، وتهبنا طريقة للبيان الذي ينبثق أثناء مشوار التردد بين حركة الشعور وحركة المعنى. وسوف تساعدنا التوازنات الكثيرة بين قيم خطابنا البلاغي أن نرسم دوائر للإحاطة بالنص: كلمات ثيمات - كلمات مفاتيح ـ علامات ـ شفرات سردية ـ أنماط الصور ـ رمزيات الأصوات ـ توزيعات سياقية ـ تكرارات وظيفية ـ توازي الصيغ التركيبية أو النحوية ـ سيكولوجية اللون ـ انتقالات مفاجئة في إيقاع الحركة ـ نموذج الضمائر ـ التضاد ..وهكذا.

ولابد أن يكون ثمة تناظر ما بين بنية التشكيل وبنية الدلالة، وبين بنية الدلالة وبنيات دلالية أخرى داخل الفكر أو داخل الوجود. وعلى خطاب التفسير أن ينهض بتأويل التناظرات المتعددة التي تكشف، في جوهرها، عن فاعلية العلاقة الثلاثية بين : الله ـ العالم ـ الإنسان، على نحو متبادل:

  
 

يلوح لي أن (علم النص) هو العلم المؤهل لهذه المهمة بامتياز . وعلمُ النص علمٌ عبر التخصصات. وهو كما يقول "تون فان ديك" ـ يقوم بعزل بعض الجوانب المحددة في التخصصات العلمية المختلفة، أي الأبنية واستعمال أشكال الاتصال النصي، وتحليل ذلك ضمن إطار شامل وعبر تخصصي.([xxviii]) ويمكن لعلم النص ـ كما يقول ديك أيضاً ـ أن يُقارن باللسانيات عبر التخصصية التي تدرس استعمال اللغة بوصفها كذلك ، على سبيل المثال ، في سياقات اجتماعية مختلفة.(