الجلسة الثالثة:

محور التراجم

إسم البحث: تراجم سيدات بيت النبوة بين الإبداع والتاريخ

للباحثة : أمينة محمود

    ينصرف البحث الذى قدمته الأستاذة أمينة محمود الى تحليل أهم أعمال الراحلة بنت الشاطىء فى مجال الترجمات - وأشهر أعمالها لدى العامة على الإطلاق - وهو " تراجم سيدات بيت النبوة ".

    تستهل الباحثة عملها بتقديم مدخل تمهيدى ترصد فيه خصائص فن الترجمة خاصة فى التراث العربى والإسلامى وما أدخلته عليه المناهج الغربية الحديثة من تعديلات انتهت بهذا الفن لأن يصبح جسرا يربط بين الأدب والتاريخ

من جانب والإبداع والعلم من جانب آخر. كما ترصد الباحثة فى تمهيدها حقلين من التراجم الإسلامية وثيقى الصلة بتراجم سيدات بيت النبوة هما السيرة النبوية  وتراجم النساء لتخرج من هذا العرض الى طرح قضايا وإشكاليات ذات أهمية فى منهج عائشة عبد الرحمن فى الترجمة لسيدات بيت النبوة أهمها قضية المراوحة بين نماذج الترجمة فى إبراز أو تخفيف الملامح البشرية عن خبرة الرسول صلى الله عليه وسلم الحياتية. وعبر نهج مقارنى تعرض فيه الباحثة لترجمتين معاصرتين لتراجم سيدات بيت النبوة ( لكاتبين هما العقاد ووداد سكاكينى) تواصل أمينة استخلاص الإشكاليات التى ستطرحها على بنت الشاطىء وترجمتها. لتثبت أمينة عددا من القضايا الهامة منها: تعدد الفلسفات التى يتبناها كاتبو التراجم ولعل أشهرها فلسفة " الإنسان العظيم" أو الإنسان النموذج، ومنها كون الترجمة مرآة تعكس شخصية وانحيازات وأغراض وقيم وأدوات ومناهج " كاتب الترجمة" قبل "صاحب الترجمة" مما جعل الترجمة فى النهاية أقرب الى الإبداع والفن منها للتاريخ.

  تنطلق الباحثة بعد ذلك الى تحليل "تراجم سيدات بيت النبوة" لبنت الشاطىء من زوايا عدة منها ما يتعلق بالجانب البحثى والتاريخى ، ومنها ما يمس الجانب التأويلى والدلالبى ، ومنها ما يرصد البعد الفنى فى هذه الترجمات. وقد عكست هذه المعالجة الشمولية فى النقد والتحليل شمولية العمل نفسه الذى جسد الجوانب المتعددة لبنت الشاطىء كعالمة وباحثة وأديبة . كما رجح فى الوقت نفسه رأى بنت الشاطىء المنحاز الى الكتابة النسائيةخاصة فيما يتعلق بسيرة وتاريخ النساء والذى عبرت عنه بمقولتها " الأنثى أفهم للأنثى".

سيرة ذاتية:

أ.أمينة محمود

حاصلة على ليسانس الآداب قسم الفلسفة عام 1989. عملت كباحثة بمركز الدراسات العربية والافريقية وكذلك باحدى المراكز الخاصة لتحقيق التراث. يتوزع اهتمامها البحثي بين الفلسفة والأدب العربي الحديث والدراسات الإسلامية، فضلا عن دراسات المرأة .



 

إسم البحث : التراجم أنساق معرفية متباينة.. بماذا تخبر عائشة ؟!

الباحثة :أ. زينب أبو المجد

   تتناول الأستاذة زينب أبو المجد التراجم والسير كأعرق الفنون حضوراً فى عمليات التدوين التقليدية والحديثة للتاريخ الإسلامى ممثلا فى كتب الطبقات والأعلام حيث تقدم ورقة تحليلية نقدية للخطاب العربى العام والنسوى حول " الترجمة".

   ترى زينب أبو المجد أن التراجم كشكل شائع من أشكال الكتابة إنما تعكس الأنساق المعرفية التى تحتضنها وهذا ما ينعكس على سبيل المثال فى المفارقة بين فن التراجم فى التراث الإسلامى ، وفن الترجمة فى المفهوم الغربى من حيث هدف ووظيفة الترجمة . كما تطرح زينب كذلك المفارقة بين المناهج والاقترابات المختلفة لكتابة التراجم خاصة بين الاقترابات التقليدية التى تمحورت حول مفهوم " الموضوعية" والاقترابات الحديثة التى عنيت بالذاتية والتحليل النفسى .

   بعد عرض نماذج للمناهج المختلفة للترجمات تقدم الباحثة لتراجم النساء المسلمات القديمة والحديثة مع التركيز على "تراجم النساء للنساء " وأغراضها سواء منها الترجمات الرائدة كـ"الدر المنثور" لزينب العاملى و " شهيرات النساء" لقدرية حسين ، أو التراجم النسوية الحديثة التى احتلت وظيفيا أهمية كبيرة فى الخطاب النسوى ومراجعاته التاريخية والقيمية .

   وأخيراً تخيرت الباحثة نموذجا لشخصية حظيت بنصيب وافر فى الترجمات من مختلف الاتجاهات هى أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها. تختبر زينب أبو المجد فى تحليلها كيف صارت سيرة وترجمة هذه السيدة الجليلة بمثابة مادة سعى المترجمون والمترجمات على اختلاف مشاربهم الى صبها فى قوالبهم وأنساقهم المعرفية لخدمة أغراض خطابهم السياسى والأيديولوجى حيث اتسع تاريخ السيدة عائشة وتجربتها الخصبة ذات الأبعاد المتعددة ( الزوجة ، العالمة الفقيهة  المحدثة ، السياسية ) لأغراض وتوجهات وأنساق هؤلاء المترجمين.

 سيرة ذاتية:

زينب علي أبو المجد

-حاصلة على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية، شعبة العلوم السياسية.

-تعد لنيل درجة الماجستير حول مفهوم السلطة في الخطاب النسوي الغربي.

-باحثة متفرغة بجمعية دراسات المرأة والحضارة.


 

 

تراجم سيدات بيت النبوة بين الإبداع والتأريخ

أمينة محمود

 

    تقديــم

      تتناول هذه الورقة البحثية  إسهام بنت الشاطئ في الترجمة عن سيدات بيت النبوة، وخبرتها الذاتية في تلك التراجم ، والجديد الذي أتت به في هذا المجال.

        وإذا كان محور بحثنا هو "محور تراجم سيدات بيت النبوة" إلا أن هذا لا ينفي إسهام بنت الشاطئ عامة في فن الترجمة، فقد ترجمت لشخصيات أخرى كما سنرى فيما بعد ، لكن يظل عملها الأكبر في فن الترجمة هو تراجمها لسيدات بيت النبوة، وذلك سيكون مناط بحثنا على الأخص.

   "تراجم سيدات بيت النبوة" نص تتقاطعه عدة دوائر معرفية، لذلك فإن البحث في تلك الدوائر يكون مقدمات منطقية لنقد وتحليل النص نفسه. وستكون مقدماتنا سريعة ، فهي غير مطلوبة لذاتها، بل ستمثل لنا أساساً للحكم على "إسهام وخبرة وجديد" بنت الشاطئ في هذا المجال.

  تتكون هذه الدراسة من مبحثين؛ الأول تمهيدي وهو مدخل نظري مقارن لأعمال بنت الشاطئ ويتشمل على ثلاثة مطالب هي التعريف بفن الترجمة وتاريخه في الحضارة الإسلامية وصورته الحالية كفن حديث. المطلب الثاني يتناول البحث في "السير النبوية" ، و"تراجم النساء" ، بحكم أن النص عن شخصيات تنتمي للبيت النبوي، وفي نفس الوقت هي شخصيات نسائية .

والمطلب الثالث يعرض بصورة مقارنة  نموذجين للتراجم عن سيدات البيت النبوي ، الأول للعقاد ، والثاني لوداد سكاكيني. وعموما لعل هذا المبحث بمطالبه الثلاثة يوفر لنا المعايير والأصول التي سنحكم بها على نص بنت الشاطئ وهو ما سيختص به المبحث الثاني تحت عنوان :رؤية تحليلية لنص تراجم سيدات بيت النبوة لبنت الشاطئ.

 

المبحث الأول

مدخل نظري ومقارني إلى ترجمات بنت الشاطئ

بنت الشاطئ عالمة شيخة إسلامية ملكت ناصية العلوم التراثية كما أنها أستاذة أكاديمية متخصصة في علوم اللغة والأدب، وبحكم تلمذتها على أمين الخولي، وبحكم موقعها الأكاديمي استخدمت المناهج الحديثة في دراسة القديم.

وهذا ما يدفعنا ـ كما ذكرت في التقديم ـ إلى استعراض سريع لفن الترجمة ونشأته قديماً في الحضارة الإسلامية، ثم التعرف بعد ذلك على أصول فن الترجمة الحديث. واستخدام تلك المعرفة كمقدمة ضرورية لتناول إسهام بنت الشاطئ في فن الترجمة من خلال نصها عن سيدات بيت النبوة.

 

المطلب الأول

 أ- فن الترجمة :     

  هو فن من فنون الأدب ،  يتناول التعريف بحياة شخص ما تعريفاً يطول أو يقصر ، ويتعمق أو يبدو على السطح تبعاً لحالة العصر الذي كُتبت فيه الترجمة، وتبعاً لثقافة كاتب الترجمة، ومدى قدرته على رسم صورة كاملة واضحة دقيقة من مجموع المعارف والمعلومات التي تجمعت لديه عن المترجم له[1].

        والترجمة للأشخاص قديمة قدم الإنسان نفسه، ويمكن اعتبار الترجمة تاريخية من حيث النشأة ، فقد نشأت موازية للتاريخ[2] لكن لا يمكن اعتبارها جزءاً من علم التاريخ ، فهي وإن كانت تقوم على استيحاء أصل تاريخي من شخصيات وأحداث ، إلا أن حدودها تختلف عن حدود علم التاريخ، فحدود الترجمة هي الأحداث البيولوجية الواقعة بين ولادة شخص وموته من طفولة ونضج وأمراض وموت وعواطف ومشاعر، وكل هذا ليس تاريخاً[3].

الترجمة هي فن من فنون الأدب يقوم على أصل تاريخي ، هذا الأصل يقيد الترجمة بحدود معينة ، وتلك الحدود هي الفاصلة بين الترجمة وفنون الأدب الأخرى مثل القصة والرواية والمسرحية. ب- الترجمة في الأدب العربي القديم:

        يدين فن الترجمة ـ عند المسلمين ـ بنشأته إلى علم الحديث، فمع الاهتمام بتدوين الحديث ـ الذي لم يُدون في عهد الرسول ـ كان الاهتمام أيضاً بالبحث والكلام في "رواة" الحديث، فتُرجم عن هؤلاء تراجم وجيزة لم يكن القصد منها إلا بيان قيمة المحدث ومكانته من الإسناد ، وجرهم ذلك إلى وضع كتب في نقد الرجال المحدثين وهي تلك الكتب الخاصة بعلم "الجرح والتعديل".

استخدم هذا المنهج بعد ذلك في وضع تراجم أخرى لطبقات من الرجال تتفق في لون واحد من العلم أو الفن أو الصناعة[4].

        لكن التراجم خضعت لأحكام الإسناد خضوعاً دقيقاً، ولم تكن رواية منطلقة مسترسلة ، بل روايات متفرقة مقيدة يجمعها موضوع واحد، ويعوق الإسناد رواتها عن التفسير والتحليل لأن جهد كاتبيها ينصرف إلى الصدق في الخبر.[5]

        وظلت أكثر التراجم في العالم الإسلامي مجموعة من المرويات والأخبار المأثورة ، وليس فيها وحدة البناء ، ولا الإحساس بالتطور الزمني ولا تتبع مراحل النمو والتغير في الشخصية المترجمة، وبالاختصار ظلت الترجمة دون شكل تام ، ودون محتوى واف[6].

        لكن كل ذلك لم يمنع من ازدهار هذا الفن ازدهاراً كبيراً وبلغت التراجم العربية الإسلامية ـ من حيث كثرتها وتنوعها وافتنانها في ترتيب الأعلام المترجمة، وافتنانها من حيث تبويب موضوعات التراجم، حتى في كتب التاريخ العام، وكتب الشروح اللغوية والترجمة لأعيان كل بلد أو مدينة في كتاب واحد، والترجمة للنساء بجانب الرجال، وتحقيق الوفيات والمواليد، والاستشهاد بآثار المترجم لهم في النثر والشعر ، وضبط الأعلام وتحقيق المتشابه منها ـ بلغت في كل ذلك مبلغاً عظيماً[7].

          وكانت التراجم التاريخية هي أقوى أنواع التراجم العربية الإسلامية، وذلك لأن الإسلاميين كانوا يرون الترجمة جزءاً من التاريخ، أما الترجمة ذات الطابع الأدبي فقد بقيت مهملة لم تعالجها الأقلام. وقد نلتمسها عند "أبي حيان التوحيدي" الذي اكتفى "بالرسائل الصغيرة" في ترجمة الأشخاص منتحياً أسلوباً فنياً حيوياً عامراً باللفتات الدقيقة[8].

جـ –فن الترجمة الحديث:

          إذا كان فن الترجمة له تاريخ طويل في الحضارة العربية الإسلامية، إلا أن أصوله ومناهجه كفن حديث ترجع لجذور حضارية غربية.

          ارتبط التطور الحاسم في هذا الفن بتطورات اجتماعية وسياسة واقتصادية حدثت في الغرب في القرن الثامن عشر، واسُتحدثت أساليب جديدة في التراجم توائم روح العصر الديمقراطية ، فسوت الديمقراطية بين الناس في الواقع ، وسوت بينهم في الترجمة عنهم في الأدب، واختفت النظرة المقدسة للملوك حين يُترجم لهم ، وساعد نمو الحاسة التاريخية والنقدية على أن تكون الترجمة صورة صادقة للمترجم له تعتمد على أعماله وأقواله التي يكون مجموعها تاريخ حياته.[9]

وشهدت الترجمة عناية من الكتاب والنقاد لوضع المبادئ اللازمة لبنائها ، وتقرير أصول معينة لابد من أن تُراعى بدقة.[10]

          وأصبحت التراجم تُكتب بدقة وعناية وذكر للتفاصيل الحياتية ، وابتعاد عن التجريد والتعميم، وبأسلوب حيوي يبعث الحرارة في الترجمة، ويقوم على عاطفة محايدة من كاتب الترجمة تجاه المترجم، كما يقوم على فهم عميق للنفس الإنسانية وخصائصها المتناقضة وأن للإنسان رذائله كما له سجاياه.

د-الترجمة في الأدب العربي الحديث :

          نحت التراجم العربية في القرن العشرين منحى التجديد ، ونزعت عنها أثواب القدم ، وتخلصت من النهج الرتيب الذي سارت عليه خلال عصور التاريخ الإسلامي، وتبنت المناهج الغربية الحديثة وتأثرت بالدراسات النقدية للنصوص والنظريات النفسية والبيولوجية.

وأصبح للترجمة بناء كامل وشكل واف ولم تعد مجرد جمع لطائفة من المعارف والأخبار في غير تبويب ولا تحليل ولا تركيب[11].

          ويمكن تمييز ثلاث مدارس في التراجم العربية الحديثة:

*مدرسة ذات طابع أكاديمي تقوم دراساتها على التشريح والتحليل والتدقيق في الاستنتاج. وتحتاج هذه الدراسة لكي تنجح إلى قوة خارقة من النقد.[12]

*مدرسة ذات طابع قديم ، لا تؤمن بالدراسة النقدية قدر إيمانها بما قاله القدماء ، وهي تقوم على إعادة ما كتب من قبل في بيان إنشائي مفكك وحماسة مفتعلة.[13]

*مدرسة ذات طابع أدبي ، وهي تعني بالفرد وإنسانيته على أساس من الجو التاريخي في تطور حياته وشخصيته وتكاملها[14].

ومن أمثلة هذه السيرة الأدبية "حياة الرافعي " للعريان ، و"سيرة جبران" لميخائيل نعيمة، و"مالك بن أنس" لأمين الخولي.

ولابد أن تكون لنا وقفه هنا مع "أمين الخولي" لأنه يعنينا من عدة أوجه، فأولاً ترجمته عن "مالك بن أنس" تعتبر ممثلة للترجمة الأدبية الحديثة، كما أنه يعني في ثنايا تلك الترجمة بالكتابة عن مناهج وأصول فن الترجمة الحديث ، فهو لا يكتفي بالكتابة الإبداعية في الترجمة عن شخص مالك بن أنس ، بل يبرز ويوضح الخصائص النظرية للفن ذاته ، وثانيا هو يهمنا لموقعه الفكري بالنسبة لبنت الشاطئ، حيث يقف موقف الأستاذية الفكرية والريادة الأدبية بالنسبة لها.

وثالثاً: تاريخ إصدار ترجمته الضخمة عن "مالك بن أنس" كان عام 1951 بعد أن قضى في البحث والإعداد لها مدة عشر سنوات ـ كما يقول هو ـ وهو نفس التاريخ الذي بدأت فيه بنت الشاطئ إصدار الجزء الأول من عملها والإعداد للأجزاء الأخرى.

هـ-الترجمة عند أمين الخولي:

          الترجمة عند الخولي تنتمي إلى العلم وتنتمي إلى الفن، فهي صنف من صنوف التاريخ إلا أنها تحتاج إلى لون من النشاط الفني والنفاذ الوجداني ، حين تحاول فهم أنفس المترجم لهم ، واستشفاف دخائل قلوبهم وبواعث أعمالهم ، وبيان ذلك وما إليه بياناً حساساً دقيقاً ومصوراً ، فتكون الدقة الوجدانية من خير ما يعين الدقة العلمية.[15]

ومنهج الترجمة الذي يجب أن يُلتزم به هو منهج عقلي ونقلي وفني وأدبي. ويقوم على أصول معينة هي:[16]

1-الجمع المستقصى الشامل لأخبار المترجم له ، ويشمل الأفكار المادية والأقوال المروية شفاهة ، والروايات المكتوبة.

2-النقد الفاحص ، ويكون بنقد السند، أو نقد المتن ، والغرض منه نفي ما ينزل عن مرتبة الوثيقة الموثوق بها من الأخبار المجموعة في الخطوة الأولى.

3-تفسير المرويات ، ببيان مرماها ومغزاها وإيضاح دلالتها وشهادتها واستخراج خطوط الصورة الإنسانية منها وملامح الشخصية فيها.

ويختلف التفسير باختلاف المستوى العقلي والوجداني لكاتب الترجمة، فإن كان الكاتب غيبي، فتفسيره عيني وتأويله لاهوتي ، وترجمته منقبية (أي ذكر للمفاخر فقط). وإن كان الكاتب قد جاوز عقله ذلك المدى من الخوارق والطفرات ، فبيانه متجاوز ذلك معه.

وإن كان الكاتب دقيقا  فاحصاً محتاطاً مجرباً فتفسيره للحوادث وبيانه للمرويات متسم بتلك السمات، نافذ إلى ما وراء الظواهر ، مستبعد للسطحيات ، ماض إلى الصميم واللباب.

والاختلاف في مستويات التفسير هو الذي يعطي إمكانية إعادة كتابة الترجمة الواحدة من جديد بتقدم الإنسانية وتغير مستواها وانفساح آفاق معرفتها وآماد إدراكها[17].

4-التعبير والتصوير القولي. هو تتمة المنهج ، وهو الروح التي ينفحها كاتب الترجمة في كائن قد تكاملت عظام هيكله من الأخبار التي استوعبها الجمع الشامل ، وشدت تلك العظام عضلات من الفحص الناقد، وانبثت في الهيكل عروق وأعصاب من التفسير المتفهم ، فتهيأت بنية هذا الكائن لما ينفخ فيها التعبير من روح ترد المترجم إلى الحياة وترد الحياة إليه، وترسله يسعى أمام القراء ، يعرفونه كما يعرفون رجلاً بينهم، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق[18].

-هذا التعبير في الترجمة خطوة من الفن تؤازر وتتوج الخطى السابقة من البحث ، والتي هي علم[19].

-ولا يكتفي الخولي ببيان المنهج ، بل يبين قيمة وأهمية فن الترجمة الحديث فيقول إنه عمل له جلاله ، وهي ليست زخرفة قول، وزينة لفظ أو إطلاق حكم أو سلوة جماهير أو دعاوة سواس أو تلهية ناس بغرائب وأحداث، وهي أيضاً ليست مناقب وخوارق وأمشاج شائعات وتلفيق قصاص[20].

 

المطلب الثاني

 أ-السيرة النبوية:

"تراجم سيدات بيت النبوة" نص عن شخصيات تنتمي إلى البيت النبوي من جهة ، وهي شخصيات نسوية من جهة أخرى، لذلك فإننا سننتقل في بحثنا من الدائرة السابقة عن فن الترجمة، إلى دائرتين أكثر خصوصية منها ، وهما منتميتان إلى الدائرة السابقة الأكثر عمومية وهما:"السيرة النبوية" و"تراجم النساء".

وهذا مدار بحثنا: الانتقال من الأعم إلى الأخص فالأخص لتحديد موقع "النص" المعني على خريطة الإبداع في فن الترجمة.

      نشأت السيرة النبوية مبكراً مع علم الحديث ، وعدت جزءاً منه تخضع لأحكام الإسناد إحكاماً دقيقاً، لكن ابن اسحق تخلص في سيرته المبكرة من أثر الإسناد ـ مما أثار عليه مدرسة المدينة وعلى رأسها مالك بن أنس ـ ووسع المجال للشعر ، وأخذ بروايات أهل الكتاب[21].

والسير التي كتبت في المرحلة الأولى وأهمها سيرة ابن اسحق والسيرة التي بنى منها ابن سعد الجزئين الأولين من كتاب الطبقات، ومغازي الواقدي ، والسيرة التي كتبها البلاذري في أول كتابه "أنساب الأشراف" ، هذه السير تعد أساساً للمعلومات المقررة المقبولة عن حياة الرسول وأعماله[22].

أما الكتب المتأخرة عن ذلك فقد أضفت نوعاً من التقديس على شخصية الرسول لا يلمح في المصادر الأولى، وإذا كانت الروايات المبكرة تظهر الرسول كما صوره القرآن "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً"، فإن الروايات المتأخرة تسعى إلى إثبات أكثر ما يمكن من المعجزات ونسبتها إلى النبي.[23]

وقد حدث هذا تحت ضغط اتجاهات جديدة في العالم الإسلامي، وفي مقدمتها الاتجاه الزهدي الذي أدى إلى التصوف، فقد أصبح الرسول هو الزاهد الأعظم ، بل أصبح عند المتطرفين من الصوفية هو "الكلمة" ـ خُلق أول كل شئ ، ومن أجله خُلق كل شئ.[24]

-هذه الكتابات النافية لطبيعة الرسول البشرية سيكون لها أثر كبير في تناول منهج بنت الشاطئ في تراجمها عن سيدات بيت النبوة كما سنرى فيما بعد.

ب- تراجم النساء:

   ترجمة بنت الشاطئ عن سيدات بيت النبي ليست محاولة بكر،  بل قد سبقها تاريخ طويل من الترجمة للنساء في الحضارة العربية الإسلامية ، سواء كانت تراجم مستقلة ، أو كانت مع تراجم الرجال في الكتب العامة، وقد حظيت سيدات بيت النبوة بتراجم كثيرة لهن على مدى التاريخ والإسلامي، وبخاصة السيدة آمنة ، والسيدة خديجة والسيدة فاطمة والسيدة عائشة ، كما حظيت الصحابيات بتراجم لهن ، كما نجد مثلاً في "الإصابة في تاريخ الصحابة" لابن حجر ، كما ألفت كتب عن بلاغة النساء وأشعارهن ونوادرهن مثل "بلاغات النساء" لابن طيفور الخراساني المتوفى 280 هـ ، ومثل "معجم النسوان " لابن عساكر..[25]

وبالنسبة للتراجم الحديثة ظهر عملان كبيران عن تراجم النساء، الأول هو "الدر المنثور في طبقات ربات الخدور" لزينب فواز المتوفية 1914 م، وقد ترجمت في كتابها لشهيرات النساء في القديم والحديث من العرب وغيرهن[26].الثاني "أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام" لعمر رضا كحالة المؤرخ السوري المعاصر[27].

كذلك شاعت الترجمات المستقلة عن شخصيات نسائية ، واهتمت المرأة العربية الحديثة بالترجمة عن بنات جنسها ، وأصبح ذلك هماً نسوياً معاصراً ، وكما سنرى فيما بعد تصرح بنت الشاطئ بأن "الأنثى أفهم للأنثى "، فكأنها تنادي بالمنهج النسوي في الكتابة عن المرأة.

 

المطلب الثالث

نظرة مقارنية في تراجم سيدات بيت النبوة

بعد هذه العجالة حول "السيرة النبوية" و"تراجم النساء" ننتقل إلى دائرة أكثر خصوصية وهي الإبداع الحديث في التراجم عن سيدات بيت النبوة، وسنتناول نموذجين، الأول لكاتب رجل وهو "الصديقة بنت الصديق" للعقاد، والثاني لامرأة ، وهو "أمهات المؤمنين وبنات الرسول" لوداد سكاكيني.

والنموذجان مهمان لنا من عدة أوجه: أولهما توقيت ظهورهما في أواسط القرن، وهو نفس الإطار الزمني الذي بدأت فيه بنت الشاطئ إصدار أجزاء عملها الضخم بالتتابع.

ثانيهما : أن القراءة الأولية للنصوص الثلاثة للكتاب الثلاثة أي "تراجم سيدات بيت النبوة" لبنت الشاطئ ، و"أمهات المؤمنين" لوداد سكاكيني، و"الصديقة بنت الصديق" للعقاد تبين أن كل منها يمثل نموذجاً مختلفاً عن الآخر، بحيث يمكن المقارنة بينهما ، وبحيث يساعد كل منها على حدة في نقد وتحليل النموذجين الآخرين.

ثالثهما: أن النموذجين أحدهما لرجل والآخر لامرأة، وهذا كفيل بإثارة تساؤلات قد يكون فيها بعض الإفادة لنا في نقد وتحليل نصنا الأساسي لبنت الشاطئ عن سيدات بيت النبوة.

 

أ- "الصديقة بنت الصديق" للعقاد:

   إسهامات العقاد في الترجمة كثيرة ، وقد خص بها الشخصيات الإسلامية البارزة وعلى رأسها شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، كما ترجم عن المسيح عليه السلام.

كذلك له ترجمة عن السيدة فاطمة الزهراء، وأيضا ترجمته  "الصديقة بنت الصديق" وهي كناية عن السيدة عائشة أم المؤمنين.

والعقاد نفسه يعطينا العلامة الصادقة على نجاح السيرة أو الترجمة في التعبير عن الشخصية المترجم لها فيقول "فمهما يقول القائلون في غرض المؤرخ من سير العلماء ، فالحقيقة التي لا ريب فيها عندنا هي أن الغرض الأول ، أو الغرض الذي تنتهي إليه جميع الأغراض هو توثيق الصلة بين الإنسانية وبين عظمائها وعظيماتها ، والنفاذ إلى الجانب الإنساني من كل نفس تستحق التنويه والدراسة.. فنحن نعلم أننا سائرون على الجادة في التعريف بصاحب السيرة أو صاحبتها إذا نظرنا فرأينا أننا قد وصلنا من تلك السيرة إلى صميم الإنسان"[28]

   إن الترجمة الحديثة تقوم على كتابة سيرة الإنسان من حيث هو فرد لا يتكرر ، من حيث هو كائن له خصوصيته وتميزه بينما العقاد يسعى إلى "الإنسان النموذج" وهو الإنسان الذي ليس له وجود.

فها هو في الصفحة التالية يتحدث بعاطفة مفرطة عن السيدة عائشة "مثل من أمثلة الأنوثة الخالدة في جميع أقوامها وجميع عصورها" هي "الأنثى الخالدة" .. في كل سماتها .. في غيرتها، ودلالها، وحبها للزينة، وحبها للتدليل والتصغير، وحب التطلع وحب المكايدة والمناوشة ومكاتمة الشعور والتعريض بالقول وهي قادرة على التصريح[29].

وهذا دأب العقاد دائما في تراجمه، إنه يخلط شخصياته بالناس ليميزهم منهم ، ويحكم لهم بالعظمة من أجل هذا الموقف نفسه، وحين يتحدث عنهم يبتعد كثيراً فإذا هم صنف آخر من البشر[30].

نص العقاد يقوم على التشريح والتحليل والنقد، وفصول النص لايربط بينها رابط معين، وهو يعتمد على التقريرات الصارمة والمقدمات التي يزعم لها اليقين، والقسم الأول من الكتاب عن "المرأة العربية" يبنيه بناءاً منطقياً ليستنتج أن بيت أبي بكر الصديق وقبيلة تيم هما الخلاصة المصفاة واللباب لصفوة الآداب العربية من رقة وأمانة ودماثة وحماية للعرض وصيانة للنساء والرفق بهن والحدب عليهن.

والقسم الثاني عن "المرأة المسلمة" يقرر فيه أن عائشة لوحظت في آداب العربية والإسلام كأنها الوجهة التي اتجهت إليها هذه الآداب في طريق الارتقاء والتهذيب[31].

بناء على تلك المقدمات التقريرية يخلص العقاد إلى الحكم بأن عائشة هي المثال الخالد للأنوثة، ولفطرة حواء.

    عاطفة العقاد الدينية تجاه عائشة حصرته في دائرة ضيقة ، فليس هو العقاد الناقد الطليق، بل هو مبجل لشخصياته ، يسعى إلى إظهار عظمتها وقداستها بينما هو يظن أنه سعى إلى تصوير إنسانيتها.

وعاطفة العقاد لا تفعل فعلها من خلال لا وعيه ، بل هو واع بها تماماً ، ويشير إليها ويصرح بها، فهو مثلاً في مقدمة كتابه "فاطمة الزهراء والفاطميون" يصرح بعاطفته الشديدة تجاه النبي وآله عليهم سلام الله ورضوانه، ويقول إن عاطفته تلك قد أفادته في دراسة تاريخ الإسلام كثيراً[32].

وإذا كانت عاطفة الكاتب تقوم حائلاً بينه وبين التفسير الصحيح للنفس الإنسانية وخصالها ، وتوقع الكاتب في سياق الثناء والمدح والتبجيل فإن العاطفة أيضاً ليست سبيلاً مضموناً إلى كتابة ترجمة جيدة من الناحية الفنية ، فبالرغم من عاطفة العقاد الدينية إلا أننا بالقراءة الأولية، وهي المستوى الذي يقف عنده القارئ العادي لا نجد المتعة النفسية المرجوة ، ونشعر بابتعاد نص العقاد كثيراً عن الطابع الأدبي.

وإذا كانت الترجمة عن شخص ما ، هي ترجمة تتناول حياته أو جانب كبير منه فالمفترض ان الترجمة تعني بالتطور الزمني والتدرج التاريخي لحياة هذا الشخص، وما يصاحبه من تطور ونمو نفسي ، ويُصب هذا كله في تعبير فني حي يبعث الحياة في تلك الشخصية.

لكن ما نجده في ترجمة العقاد شئ آخر، إنه يقدم "نظرات" في حياة عائشة ، ويقدم "لفتات" من وقائع حياتها ويقدم "خطوط سريعة" عن شخصيتها ، بدون أن يكون للترجمة هيكل واضح أو بناء كامل.

وطبيعة النص تتيح لنا الحق في نقد وتحليل الأفكار المبثوثة فيه، بحكم أنه عمل ينتمي للذهن أكثر من الفن. فالنص يقوم على نشاط ذهني كبير من العقاد، ولكنه أحياناً يكون نشاطاً مضيعاً لا غناء فيه ولا جدوى.

المثل الكبير على ذلك هو اجتهاد العقاد اجتهاداً شديداً في البحث في أسباب عدم إنجاب نساء النبي، وهو يورد أسباب تتجافى مع العلم، ولا محل هنا لمناقشتها، يكفينا ما سعى فيه بشدة لإثبات أن السيدة "عائشة" أصيبت في طفولتها بمرض خطير سبب عقمها فيما بعد. وهذه فذلكة فكرية ما يقدر عليها سوى العقاد.

    كذلك يتطرق العقاد إلى أفكاره الخاصة عن تقسيم الأدوار في الحياة بين الرجل والمرأة ، مقرراً في صرامة ـ كعادته ـ أن الحياة البيتية هي ميدان المرأة الطبيعي، أما السياسة والرئاسة فلا طاقة لها بشئونها[33].

وتجربة السيدة عائشة عنده شاهد على آرائه ، وقد كان العقاد رفيقاً بالسيدة عائشة مبرراً لها مدافعاً عنها، وانتحل لها أعذار شتى لخروجها إلى السياسة والحرب منها أعذار نفسية لكراهيتها لعلي لسابق رأيه في حديث الإفك ، ومنها خداع أنصار عائشة لها، لكن الرأي الجدير هنا الأخذ به هو رأي العقاد أن دور عائشة في الفتنة لم يكن بهذه الضخامة الذي صُور به ، وأن كثير من أقوالها في تلك الفتنة إنما روج لها الأمويون لمصلحتهم[34]. ويكاد يعتبر هو الرأي الموضوعي الوحيد ذو القيمة بين آراء العقاد الأخرى في الدفاع عن عائشة.

 

ب- "أمهات المؤمنين وبنات الرسول" لوداد سكاكيني:

    هذا النموذج يمثل أهمية كبيرة لنا لأنه ظهر عام 1947، وبعده بسنوات قليلة أصدرت بنت الشاطئ أول جزء لها من التراجم وهو "بطلة كربلاء" وقد قدمت بنت الشاطئ "عرضاً نقدياً" لكتاب سكاكيني في مقالة لها بمجلة "الكتاب" عام 1947، وهو نقد سيفيدنا في الكثير فيما بعد.

تقدم وداد سكاكيني لكتابها بمقدمة تقول فيها "تطلعت إلى سماء العرب في أزهى عصورهم فرأيت فهيا كواكب نسوة ساطعات، بهرني تألق نورهن وغمرني شعاع من بركة إيمانهن وإحسانهن، وكنت كأعرابية تهتدي بهدي النجوم في صحراء الحياة، فتمرست بمطالع هذه الكواكب ومغاربها، وعرفت مسارحها ومسارها فأحببت أن أقتبس من نورها وأن أنشر هذا النور الذي تجلت في ألوانه وأفانينه أكرم معاني الأمومة والإيمان وأسمى مزايا البطولة والاستشهاد فتخيرت لها طائفة من أمهات المؤمنين وأخوات الشهداء، ومن أولى من هؤلاء الفضليات العبقريات بالذكر والتصوير والاعتبار.."[35]

وتبين غرضها من تلك التراجم وهو غرض خلقي عملي "وها أنذي أزجيها إلى فتيات العرب المتنورات وأمهاتهن اللواتي هببن في مطلع هذه النهضة إلى حياة واعية راقية.."[36]

الفقرتان السابقتان بمثابة مفتاحين هامين لقراءة هذا النص، فمن ناحية نجد أن أسلوب الكاتبة في مقدمتها هو الأسلوب المستخدم في العمل كله والقائم على عاطفة جارفة فياضة، تتجلى في سخاء الألفاظ، وتبدو في صفات المدح والثناء. كما يبدو اهتمامها بالصناعة اللفظية والزخرفة القولية.

بينما من قواعد فن الترجمة الحديثة حياد الكاتب في عاطفته تجاه الشخص المترجم له، كذلك استخدام اللغة في ذلك الفن هو استخدام وظيفي لخدمة العمل كله.

من ناحية أخرى تهدف الكاتبة إلى غاية خلقية من وراء عملها ، بينما غاية الترجمة الحديثة هي "حياة الفرد" نفسها أو أكبر مدى منها ، بما تتبدى فيه من مظاهر نفسية ووجدانية وجسمانية وفعلية.

    هذان المفتاحان يجزمان بانتماء ذلك النموذج إلى المدرسة ذات الطابع القديم ، والتي تقوم على إعادة إنتاج القديم في شكل خطابي جديد وحماسة مفتعلة ، لكن الجزم بانتماء ذلك النموذج كلية إلى الطابع القديم فيه بعض التجني على العمل ككل. حيث نجد عناصر جيدة في العمل تنتمي إلى فن الترجمة الحديثة، وإذا كانت اللغة تميل إلى الصنعة والزخرفة، إلا أن التصوير والتعبير الفني جيد، والكاتبة تجمع بين الوصف للعالم الخارجي، والتصوير للعالم الداخلي للشخصيات.

 

ج- نقد بنت الشاطئ لنص سكاكيني:

في نقدها على صفحات مجلة "الكتاب" عدد مايو 1947 نستفيد عدة أمور :

أولها: اعتقاد بنت الشاطئ في "الكتابة النسوية"، فتقول إنها توسمت خيراً حين رأت "وداد سكاكيني" تختار مادتها من عالم المرأة ، وإنها أملت أن ترى في حديثها غير ما لمت كتب التاريخ من أخبار جافة تسرد دون تحليل أو تعليق، وأن الكاتبة خليقة أن تلمح وراء هذه الأخبار ما أخطأه الرجال، والأنثى أفهم للأنثى.

ثانيها: تأخذ بنت الشاطئ على وداد سكاكيني عدة أمور، من هذه الأمور نتبين ملامح "منهج" ما ستتبناه بنت الشاطئ فيما بعد في تحريرها لتراجمها الخاصة.

من أهم تلك المآخذ المنهجية أن الكاتبة بدأت تعالج موضوعها متأثرة برأي فيه، وهذا يعطل حرية تفكيرها ، ويعوق نفاذها في التحليل الدقيق لشخصياتها المختارة ، ويحول بينها وبين الإنصاف الواجب للحق والتاريخ.

ومأخذ آخر هام وهو إغفال الكاتبة الجانب البشري فيمن تتحدث عنه، وهو خطأ فادح يشوه ما امتازت به الكاتبة من جمال العرض وبراعة في الصنعة.

 


المبحث الثاني

رؤية نقدية تحليلية لنص

"تراجم سيدات بيت النبوة" لبنت الشاطئ

تقديم :

     في منتصف عقد الأربعينات بدأت بنت الشاطئ تقديم إسهاماتها الأولى في فن الترجمة على صفحات بعض المجلات الموجودة حينئذ مثل مجلة "الهلال"، وكانت تراجمها عن شخصيات نسائية ممن عرفتهن معرفة شخصية في حياتها من رفيقات الدراسة والعمل.

في عام 1953 حصل كتابها "صور من حياتهن" على جائزة مجمع اللغة العربية للقصة القصيرة، والكتاب ليس مجموعة قصصية ، بل هي "تراجم" عن نساء ينتمين لجيل معين ، وعشن تجارب حياتية متشابهة ، وهن يمثلن الجيل الذي تنتمي إليه الكاتبة نفسها، والذي شهد أعنف انقلاب اجتماعي عرفه الشرق في تاريخه الطويل ، وقد كان جيل ضحايا شهيدات[37].

    وفي مقدمتها للكتاب تعلن الكاتبة عن إيمانها بقدرة المرأة على الكتابة عن المرأة وأولويتها بذلك عن الرجل، فتقول إن الأدباء الرجال إذا كانوا قد مروا بهذه التجربة من غير أن يلتفتوا إليها أو يحفلوا بها، فإن الأديبات أولى بها، لأنها تجربتهن الخاصة، عشنها بأعصابهن ووجدانهن وعقولهن ، وكان منهن ضحاياها الشهيدات[38].

واستمرت إسهامات بنت الشاطئ في الترجمة بعد عملها الضخم عن سيدات بيت النبوة، فقد ترجمت بعد ذلك للمصطفى صلى الله عليه وسلم، كما ترجمت للخنساء الشاعرة.

 

 سياقات العمل والقراءة :

أ-وعي وطموح

      "تراجم سيدات بيت النبوة" عمل ضخم ، استغرق من صاحبته سنوات طويلة من الجهد والعناء لإخراجه على هيئة أجزاء متفرقة، تجمعها روح واحدة بالرغم من اختلاف المدى الزمني لها.

وهو مشروع كبير يحمل بصمات صاحبته من عدة أوجه ، فهو تعبير عن مكانتها كعالمة إسلامية راسخة في العلوم التقليدية ، وهو دال على تمكنها من العلوم الحديثة، وتملكها للمناهج الأدبية الغربية، كذلك فإنه يشير إلى صاحبته ككاتبة ذات هموم نسوية ، فهي منشغلة بقضايا المرأة ، ولها رأيها في أن المرأة أفهم للمرأة وأقدر على التعبير عنها.

 

ب-ترتيب أجزاء العمل

   في المجلد الضخم الجامع لأجزاء العمل يأتي ترتيب التراجم ترتيب زمنياً تاريخياً، فتكون ترجمة السيدة آمنة هي الترجمة الأولى، يليها تراجم نساء النبي ثم تراجم بناته ، ثم ترجمة السيدة زينب، ثم أخيراً ترجمة السيدة سكينة.

    لكن أجزاء العمل لم تصدر بهذا الترتيب المتفق مع التاريخ ، بل صدرت أولاً الترجمة الخاصة بالسيدة زينب وكان اسمها "بطلة كربلاء" وقد تأخرت تلك الترجمة لتكون الكتاب الرابع في المجلد فيما بعد، وليتغير اسمها إلى "السيدة زينب عقيلة بني هاشم" ثم صدر بعدها "نساء النبي" ثم "بنات النبي" ثم "أم النبي" ثم أخيراً "السيدة سكينة".

    ورؤيتنا النقدية للعمل ستأخذ في الاعتبار ترتيب صدور أجزاء العمل، لا ترتيب ورودها كأجزاء في المجلد الجامع.

 

ج-قراءة أولية

قبل الولوج في تحليل النص ونقده، يمكن أن نحكم عليه من خلال القراءة الأولية ، وهي القراءة التي يقف عندها القارئ العادي. لماذا؟

الإجابة تكمن في "المأزق" الذي يكتنف الترجمة كفن ، فالتوازن الدقيق بين "التاريخ" و"الفن" في الترجمة ليس بالأمر الهين، وهي صعوبة خاصة بهذا الفن وحده دوناً عن باقي فنون الأدب من قصة ورواية ومسرحية وشعر، وهي الفنون التي لا حدود فيها للخيال من حيث ابتداع الشخصيات والأحداث. وتلك الخاصية الخيالية هي التي تجعل القارئ يرجئ الحكم على العمل الفني إلى أن يبلغ نهايته، بينما "حدود" الخيال في الترجمة وتقيده بقيود  التاريخ ، يجعل المعول في نجاح "الترجمة" كعمل فني يقع على التعبير الفني وحده.

فلن تنجح الترجمة مثلاً لأن الشخص المترجم له هو النبي صلى الله عليه وسلم ، فالمعول في نجاح الترجمة ليس هو اختيار شخصية بعينها ، لأننا جميعاً قد نعرف الشخصية ونعرف الأحداث التي عاشتها، ونحن لا نبحث عن معرفة أكثر عن حياتها ، بقدر ما نبحث عن "ترجمة" ترد الحياة إلى تلك الشخصية وتجعلنا نراها حية نابضة أمامنا.

لذلك فإن القارئ غالباً ما يصدر حكمه على "الترجمة" منذ أن يقرأ فيها صفحات قليلة ، ولا يحتاج للانتظار حتى النهاية.

والقراءة الأولية هي التي جعلتنا نحكم على "الصديقة بنت الصديق" بأنها ليست ترجمة بالمعنى الفني، لذلك لم نستمتع بها شعورياً.

وهي التي جعلتنا نحكم على "أمهات المؤمنين وبنات الرسل" بأنها أكثر اقترابا للطابع الأدبي ، لكن اللغة الخطابية الإنشائية ، والعواطف الصارخة الزاعقة قللت من متعتنا النفسية كثيراً.

وفي قرائتنا الأولية لعمل بنت الشاطئ ننجذب منذ البداية إلى العمل، ولا نستطيع إلا إكمال كل ترجمة دفعة واحدة ، ونكاد نحكم لها بالنجاح فها هي نجحت في أن تدخلنا إلى عالم حي مثير، يموج بالحياة والنشاط بالرغم من مرور أكثر من 1400 عاماً على وفاة شخصياته.

     إذا كان عمل بنت الشاطئ هو ترجمة أدبية، فإن الترجمة ـ كما أسلفنا ـ هي فن من فنون الأدب يقوم على أصل تاريخي ، ونجاح الترجمة يكون بقدر تحقيقها التوازن بين "التاريخ" و"الفن"، والترجمة لها مناهجها المختلفة المتكاملة ، وهي مناهج عقلية بحكم انتماء الترجمة إلى علم التاريخ، ومناهج فنية بحكم انتماء الترجمة إلى فن الأدب.

وسيكون عملنا الآن هو تحري مدى بنت الشاطئ لمناهج الترجمة، ومدى نجاحها في تحقيق التوازن بين العلم والفن في تراجمها، وذلك عبر ثلاثة أبعاد أساسية هي : البعد التاريخي والبحثي في التراجم ، والبعد التأويلي والدلالي ، والبعد الفني.

 

المطلب الأول

البعد التاريخي والبحثي في التراجم

     عمل كاتب الترجمة لا يبتعد عن عمل المؤرخ كثيراً ، فالترجمة تقوم على أصل تاريخي، فيكون أول خطوة لكاتب الترجمة هو استقصاء وجمع الروايات المختلفة عن الشخص المترجم له وقد يستعين في ذلك بالمذكرات والرسائل والشهادات من الأحياء[39].

يلي مرحلة الجمع والاستقصاء مرحلة أخرى من النقد الفاحص الدقيق، ويقوم على قواعد دقيقة من التحقيق ومقابلة المرويات ببعضها والعناية بتواريخ الميلاد والوفاة ، وضبط الأعلام وتحقيق الأنساب[40].

ويجب على الكاتب أن يكون حريصاً في الأخذ بأقوال الرواة ، وأن يقابل الأقوال والأحوال بعضها ببعض ، لما قد يكون في الأقوال من ميل للمترجم له أو هوى معه، أو تعصب عليه[41].

-تقول بنت الشاطئ في مقدمتها لأول ترجمة صدرت وهي الخاصة بالسيدة زينب تقول عن عملها إنه ليس تاريخاً بحتاً وإن أخذ مادته كلها من مراجع تاريخية أصيلة، كما أنه ليس قصة خالصة وإن اصطنع الأسلوب القصصي ـ غالباًـ في العرض والأداء وإنما هو صورة لأنثى[42]

 تملك العبارة تلخص تمثل بنت الشاطئ لفن الترجمة الحديث، وما يهمنا هنا هو إشارتها لمصادر بحثها التاريخية ، وتصفها بأنها أصيلة.

    والمصادر التي تعتمد عليها بنت الشاطئ في استقاء المادة التاريخية لأجزاء العمل كله، هي المصادر الأولى في التاريخ والتفسير وعلم الحديث والسيرة النبوية، وهي تلك المصادر التي احتفظت بالصورة البشرية للرسول كما قررها القرآن الكريم، ومنها السيرة النبوية برواية ابن هشام، وكتاب الطبقات لابن سعد ، وتاريخ الطبري وتفسيره، وصحيح البخاري ، والإصابة لابن حجر، وكتب الأنساب مثل نسب قريش للزبيري ، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم.

وهناك مصادر أخرى ترفضها بنت الشاطئ رفضاً نقدياً وتشير إليها في مقدمتها لـ "نساء النبي" وتقول إن تلك المصادر كانت من أسباب رغبتها في كتابة تراجم عن نساء النبي، لأنها تعتمد على روايات أبعدت الرسول عن بشريته التي فطرها الله عليها، وقررها القرآن والسنة أصلاً من أصول العقيدة الإسلامية[43].

(الغريب أن بنت الشاطئ في ترجمة السيدة زينب وهي الترجمة الأولى لم تلحق بالمتن هوامش تثبت فيه مصادرها)

-هذا عن مصادر رواياتها ، أما منهجها النقدي ، فنجده ضعيفاً في عملها الأول عن السيدة زينب، ويتطور وينضج في الأعمال التالية حتى يصل تمام نضجه في "السيدة سكينة" وهي ترجمة تكاد تقوم على المنهج النقدي وحده.

وقد استخدمت بنت الشاطئ حاستها النقدية في موقف يكاد يكون وحيداً في ترجمة "السيدة زينب" فهي لم تقنع بسكوت الروايات عن ذكر طبيعة العلاقة بين السيدة زينب وزوجها، واستطاعت أن تجد رواية واحدة فقط تقول إن زوج زينب قد طلقها، وتزوج من أخت لها بعد ذلك[44].

وفي هذه الترجمة عن "السيدة زينب" نجد بنت الشاطئ تتخلى عن حيدتها العلمية ، وتقع في هوى التعصب ضد السيدة عائشة أم المؤمنين ، وهو تعصب وهوى لن نجدهما ثانية في أجزاء العمل ، لكن ذلك لا يشفع لها لكي نمر عليه مروراً سريعاً.

فالكاتبة في جمل متكررة تحمل السيدة عائشة المسئولية كاملة عن إشعال نار الفتنة بين المسلمين حتى الآن.

ولم تتحرى الكاتبة الدقة والموضوعية ، بل تكاد تقع في شبهة التشويه العمدي لمواقف السيدة عائشة ، فمثلاً هي لا تذكر الحقائق كاملة ولا تبين التفاصيل كلها، مثلاً تقول عن السيدة عائشة "والمؤرخين لم ينسوا لها أنها غضبت على عثمان يوماً لأنه نقص عطاءها"

وكان الأجدر ببنت الشاطئ أن تبين وجهة نظر السيدة عائشة في غضبها هذا ، وأنه غضب للحق، وليس طمعاً في المال، فالخليفة أنقص عطاءها ، بينما الأموال تتدفق على بيت المال من الأمصار المفتوحة، والخليفة يجزل العطاء لأقربائه وحلفائه.

كذلك تذكر بنت الشاطئ المرويات عن مدى كراهية السيدة عائشة لعثمان، ثم شماتتها بعد ذلك في مقتل علي، وكلها روايات يجب أن تؤخذ بعين الحذر ، لأن الجو السياسي المضطرب عندئذ شجع على اختلاق الأقوال ونشر المرويات الكاذبة.

كما تسعى بنت الشاطئ للإيحاء بصلة ما بين السيدة عائشة والأمويين، متجاهلة أن السيدة عائشة ما كانت تتعاون معهم وهم الذين قتلوا أخاها محمداً ومثلوا به أبشع تمثيل[45].

ويلح السؤال هنا: هل تحامل عائشة عبد الرحمن ضد السيدة عائشة أم المؤمنين كان عن تعصب في الرأي أم عن ضعف في منهجها  النقدي؟

     لا يمكن الجزم بالأخير لأن بنت الشاطئ متمكنة من منهجها النقدي وسنرى ذلك بوضوح في الأجزاء الأخرى من العمل، فلا يبقى إلا تعصب في الهوى من بنت الشاطئ ، ونحن لا ندرك كنهه ، هل يرجع إلى رفض بنت الشاطئ تماماً لاشتغال المرأة بالسياسة ففي تلك المرحلة نقرأ لبنت الشاطئ في عدد ديسمبر 1947 من مجلة الهلال بعض آرائها النظرية في قضية تحرير المرأة ، فتبدي إعجابها عندما رأت "المرأة الأسبانية -وهي غربية أوربية ـ لا تهذي بما يسمونه المساواة بين الجنسين ، وبدا أنها زاهدة في الحياة السياسية ، كارهة للتشبه بالرجل". وتتمنى بنت الشاطئ أن "يعلم قومها أن في الغرب مذاهب سياسية واجتماعية نأت بالأنوثة عن صخب المعترك السياسي ، وغبار الطرقات وشذوذ المساواة وأبقتها في دنياها موضع العزة وجمال البيت وصانعة الحياة".

    أم لعل بنت الشاطئ متحاملة على السيدة عائشة بسبب أن نار الفتنة ـ التي لا ينكر أحد أن السيدة عائشة قد ساهمت فيها ـ قد طالت آل البيت، حتى قضت على معظمهم في مأساة كربلاء، وبنت الشاطئ تذكر في سيرتها الذاتية انتسابها إلى آل البيت الأشراف[46].

-ينضج المنهج النقدي مع تتابع أجزاء العمل الأخرى، فمثلاً ترجمتها عن السيدة "زينب بنت خزيمه" تقوم في معظمها على المنهج النقدي بسبب تضارب الروايات وتناقضها بسبب قصر مقامها ببيت النبي، حيث سرعان ما توفت. نفس الأمر تفعله في البحث في المرويات حول أولاد النبي الذكور من خديجة ، حيث تضاربت الروايات في عددهم وفي تواريخ ولادتهم.

ويبلغ المنهج النقدي أوجه في سيرة السيدة سكنية ، وهي السيرة التي شابها كثير من الخلط والتناقض ، وتبرز بنت الشاطئ ما في الروايات من تهافت أو تناقض مع بعضها ، ساعية إلى تنقية ترجمة تلك السيدة مما شابها من رذائل لا تليق بانتمائها إلى البيت النبوي.

والمنهج النقدي في العمل له وجه آخر مختلف، وهو الرد على شبهات المستشرقين التي طعنوا فيها على الرسول وعلى أخلاقه.

وتعتمد عائشة في ردها هذا على بيان ما في آراء هؤلاء المستشرقين من تناقض أو تهافت ، أو تذكر الرواية المقابلة للرواية التي يستخدمها المستشرق.

مثلاً ترد على قول موير الذي يفسر وفاء محمد لخديجة ، بتهيبه من مركزها المالي والاجتماعي، وبخوفه من أن تطلب منه الطلاق ـ ترد بتساؤل توجهه إليه وتطالبه بأن يفسر لنا فيم إذن كان وفاء الرسول لخديجة بعد موتها وهل كان يخاف أن تطالبه بالطلاق وهو يخاصم "عائشة" فيها بعد وفاتها بسنين؟[47]

-لكن قوة المنهج النقدي عند بنت الشاطئ لم يمنع من أن تقع هي نفسها في أحيان قليلة في بعض الاضطراب في التواريخ ، فبينما تذكر أن السيدة زينب بنت النبي قد توفت في مستهل السنة الثامنة من الهجرة [48]ترجع في ترجمة السيدة فاطمة فتذكر أن السيدة فاطمة أنجبت طفلتها الأولى في العام السادس للهجرة، وأن الرسول سماها على اسم خالتها التي توفت من قبل [49]. وكذلك هي تقول عن "علي زين العابدين" في ترجمة "السيدة زينب عقيلة بني هاشم" إنه كان صبياً صغيراً عندما حدثت مذبحة كربلاء سنة 61هـ ، وصغر سنه هو الذي حماه من القتل[50]، بينما تذكر تاريخ مولده في ترجمة "السيدة سكينة" فتقول بأنه وُلد سنة 38هـ[51]، وبذلك يكون عمره أثناء مذبحة كربلاء 23 عاماً، أي لم يكن غلاماً صغيراً.

     والمنهج النقدي لم يمنع بنت الشاطئ من الأخذ بروايات معينة ، يتأباها التحقيق العلمي لعدم اتفاقها مع المنطق والعقل ، وهي في أخذها تلك الروايات تأخذها عن وعي لأنها لا تقدم تاريخاً خالصاً.

هذا النوع من الروايات تأخذ به في سيرة "السيدة زينب عقيلة بني هاشم" وتقول عنه:

 "..ثم جاء "المنقبيون" فأضافوا إليها ظلالاً شبه أسطورية لها روعتها وسحرها وعميق إيحائها وقوة دلالتها، وقد حرصت ما استطعت على أصالة الألوان التاريخية في الصورة دون أن أهدر هذه الظلال وأهون من شأنها ، لأنها ـ مهما يكن رأي العلم والتاريخ فيها ـ عنصر في صورة السيدة كما تمثلها السابقون وكما رأوها ، ولا أرى من حقي أن أسخر بأي ظل منها .."[52].

إن بنت الشاطئ تأخذ بتلك المرويات هنا ـ كفنانة أديبة وليس كمؤرخة ـ لإثراء صورة الشخصية المترجم عنها في العمل الفني ، وهو ما ستفعله فيما بعد في "أم النبي".

 

المطلب الثاني

التأويل والدلالة في تراجم سيدات بيت النبوة

هنا تختلف الترجمة عن التاريخ ، فعلم التاريخ يكتفي بذكر الأحداث والروايات كما هي في ظاهرها ، ويذكر الأشخاص من حيث هم "ذوات تاريخية" تفعل الأحداث أو يقع عليها تأثيرها.

أما الأشخاص من حيث نفوسهم وعواطفهم ومشاعرهم ، فتلك هي حدود فن الترجمة ، ولابد للكاتب من منهج يصطنعه لإبراز الخصال الإنسانية في نفوس الشخصيات المترجم لها ، والمنهج والتفسير يختلفان باختلاف ثقافة الكاتب وميوله وخبراته الذاتية.

-تتبنى بنت الشاطئ منهجاً سيكولوجيا في فهم الشخصيات المترجم لها، بدءاً من شخصية الرسول حتى جميع الشخصيات النسائية المنتمية إلى بيته الكريم، وبهذا المنهج تتجاوز سطح الأحداث إلى باطنها، وتدلف من الخارج إلى الداخل، وتستجلي أثر الوقائع الخارجية على الحياة الباطنية الداخلية للشخصيات.

     هذا التفسير القائم على المنهج السيكولوجي سيؤدي ببنت الشاطئ إلى الخروج بنتائج مختلفة لوقائع وأحداث كثيرة معروفة في التاريخ الإسلامي وهذا من مجالات تفردها في عملها هذا ، فهي ربما ترى رأياً قد يكون مخالفاً لما أجمع عليه المسلمون ، كما سنرى فيما بعد.

-واستخدام التفسير النفسي ليس بالأمر البسيط الذي يخلو من محاذير ، وها هو أمين الخولي يقدر صعوبة التأويل النفسي الداخلي للأعمال وأنه وعر الطريق ، مشتبه المسالك لغموض البواعث والمقاصد، وخفاء دلالة الأفعال على النوايا الداخلية ، ومن هنا كان تناوله تناولاً معتدلاً حذراً، أما حين يكون التفسير للمسالك الاجتماعية ، فإن الأمر يهون بعض الشيئ[53].

ومن العسير على كاتب الترجمة أن يصور الصراع الداخلي لأن الذي يفهم هذا الصراع ويعرف دواعيه وأوقاته هو ذلك الإنسان نفسه ، فإذا لم يصرح به أو يكتب مذكراته عنها بقيت محتجبة عن أعين الناس[54].

لكن كاتب الترجمة يستطيع اصطناع المنهج النفسي متوخياً الحذر، وواضعاً له قواعد صارمة تكفل له الاعتدال وعدم الشطط في النتائج.

القاعدة الأولى والرئيسية لبنت الشاطئ في استعمال المنهج النفسي هي "بشرية الرسول"، وهي قاعدة غير مذكورة في الجزء الأول عن "السيدة زينب عقيلة بني هاشم" ، لكنها ستوجد بصورة مباشرة وقوية في الأجزاء الأخرى بعد ذلك.

ففي مقدمة "نساء النبي" تقول إنه بقى في الترجمة عن نساء النبي مجال لتناول جديد ـ على كثرة ما كتب فيه ـ يتمثل حياة نساء النبي في البيت الكريم على هدى دين الفطرة ، وبإيحاء وإملاء التاريخ، وفي نزاهة مؤمنة ودراسة محققة[55].

وفي تقديمها لـ"بنات النبي" تلح على نفس القاعدة فتقول إن القرون تمضي والأدهار وشخصية محمد صلى الله عليه وسلم موضع اهتمام الكتاب والدارسين على اختلاف نحلهم وشتى مذاهبهم يجدون فيها المادة الخصبة للدراسة الجديدة أبداً ، ويلتمسون لديها ما يجلو أسرار العظمة الإنسانية كما تمثلت في بشر رسول بهر الدنيا وصنع التاريخ وإنه ليأكل الطعام ويمشي في الأسواق .. وكانت بشريته آية عظمته ، بقدر ما هي تكريم للبشرية[56].

وفي ترجمتها للسيدة آمنة تناجيها قائلة :

 "أماه آمنة ما تلوت من وحي السماء إلى وحيدك الحبيب حديثه الجهير عن بشريته "إنما أنا بشر مثلكم" "سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً" ذكرت أن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم هو الإنسان النبي الذي حملته جنيناً في أحشائك ووضعته كما تضع كل أنثى من البشر"[57]

وليس في المقدمات فقط ، بل في أجزاء العمل كله يشيع تأكيد الكاتبة على "بشرية الرسول" وتلح فيها إلحاحاً، حتى أن المرء لا يملك إلا أن يتساءل في عجب: وهل بشرية الرسول مهددة لدى المسلمين؟ إن بشرية الرسول مؤكدة كأصل من أصول الدين، فهل رأت الكاتبة في ممارسات المسلمين ما يجعلها تشعر بالخطر من "ميل إلى تأليه الرسول" مثلاً؟ ربما الكاتبة تضع في حسبانها الكتابات المتأخرة التي أهدرت بشرية الرسول ونحن قد أشرنا من قبل إلى هذه الكتابات الخاضعة للاتجاهات الزهدية الصوفية، وأشرنا كذلك إلى رفض بنت الشاطئ لتلك المصادر.

    لكن الأمر عندها مختلف جد الاختلاف ، "فبشرية الرسول ، لم يكن هماً دينياً لديها ، ولم تكن قضية قامت للانشغال بها ، بل هي أصل من أصول الدين والعقيدة تستغلها الكاتبة كقاعدة تبيح لها استخدام المنهج النفسي بتوسع في تأويل نفوس آل البيت الكرام. وهذا الاستعمال وهذا التأويل مما يتيحا لها كتابة تراجم على نسق فن الترجمة الحديث.

فكأن انشغالها بتلك "القاعدة " الخاصة ببشرية الرسول كان هماً فنياً لكاتبة أديبة أكثر منها عالمة شيخة.

وفي ترجمتها للسيدة آمنة تستخدم بنت الشاطئ قواعد أخرى بجانب القاعدة الرئيسية السابقة ، من هذه القواعد أخذها بالروايات التي قد يرفضها العقل، وهي تستخلص منها دلالاتها النفسية.

وأيضاً "منطق الفطرة السليمة" وهي قاعدة تتيح لمستخدمها افتراض أن الفطرة الإنسانية ثابتة لا تتغير على مدى الزمن ، وهذا يتيح للآخرين تفسير أفعال الأولين. كما تأخذ من "ترابط الأسباب والمسببات " و"أثر البيئة وفعل الوراثة" قواعد أخرى يقوم عليها منهجها السيكولوجي في الفهم والتأويل".

*لكن كل تلك القواعد السابقة لم تكن كفيلة بحماية منهج بنت الشاطئ من الزلل والخطأ ، وتوسعت الكاتبة في استخدام المنهج ولم تتوخ الحذر والاعتدال، وتناست أنها في مجال التحليل النفسي للرسول الكريم ولنساء بيته، وأن الرسول في نبوته وإنسانيته هو المشرع الأكبر لنا ، لذلك فإن تأويل ما في نفسه ـ بدون أن ينطق به ـ والإدعاء أن ما تصوره الكاتبة هو ما فعله الرسول أو رغب فيه ، لهو أمر له نتائج خطيرة.

*ولننظر في بعض نتائج تطرف بنت الشاطئ في استخدام المنهج السيكولوجي:

-في نقدها لوداد سكاكيني حملت بنت الشاطئ عليها أنها تغفل الجانب البشري فيمن تترجم له ، وبإمعان النظر في نص وداد وجدناها تصور مختلف العواطف البشرية من حب وكره ورغبة وخوف وقلق..حتى أن المرء ليشعر أن بنت الشاطئ بالغت في نقدها لها بما لم يكن على حق .

-أما تصويرها هي للجانب البشري في حياة الرسول مع نسائه فلنقرأ لها وهي تقول "وحياة محمد صلى الله عليه وسلم في بيته تبدو رائعة في بشريتها ، فقد كان يؤثر أن يعيش بين أزواجه رجلاً ذا قلب وعاطفة ووجدان، ولم يحاول أن يفرض على نسائه شخصية النبي لاغير، ونحن اليوم نقرأ ما وعى التاريخ من مرويات عن تلك الحياة الزوجية ، فيبهرنا ما فيها من حيوية فياضة لا تعرف العقم الوجداني، ولا الجمود العاطفي ، وما ذاك إلا لأنه صلى الله عليه وسلم كان سوي الفطرة ، فأتاح بذلك لنسائه أن يملأن دنياه الخاصة حرارة وانفعالاً، وينحين عنها كل ظل من ظلال الركود والفتور والجفاف"[58]. ثم تقول عنهن كذلك "..يصحبنه حين يخرج في معاركه ومغازيه ، ويهيئن له ما يرضى بشريته ويغذي قلبه ويمنع وجدانه ويجدد نشاطه.."[59]

هل تكون الحياة الزوجية هكذا فقط ؟ هل هذا هو تأويل بنت الشاطئ النفسي لحياة الرسول مع زوجاته ؟ وتنسى الكاتبة أن الرسول اكتفى لمدة 25 عاماً بزوجة واحدة تغذي قلبه وتمتع وجدانه وتجدد نشاطه.

إن كلمات بنت الشاطئ تكاد تحول تلك النسوة الكريمات إلى محظيات للرسول يشعن جواً من المتعة النفسية والحسية.

والكلمات السابقة قد وردت في مقدمة "نساء النبي" ، ولكنها تصلح مفتاحاً يفك مغاليق تراجم "نساء النبي" كلها ، فالمرأة من تلك النسوة ـ عند الكاتبةـ ليست إلا أنثى وزوجة في جانب واحد فقط ، وهو علاقتها الخاصة بزوجها، وكأن بنت الشاطئ لو كانت قد ذكرت ما قمن به من أدوار هامة وجليلة في خدمة الدعوة الإسلامية ، وفي التخفيف عن الرسول عناء الجهاد والكفاح ، وفي تأدية أدوارهن كأمهات للمؤمنين ، وفي قيامهن بالوصل بين الرسول وبقية نساء المسلمين؟ -كأنها لو فعلت ذلك ، فإنها ستخرج عن الجانب البشري كما تعتقد هي.

     ولعلنا لو التمسنا آراء نظرية لبنت الشاطئ في قضية تحرير المرأة لربما نستطيع فهم اقتصارها على ذلك التأويل السيكولوجي الضيق للعلاقة الزوجية بين الرسول ونسائه.

سنأخذ نموذجاً هنا في مقال لها تبدي فيه إعجابها بالمرأة الأسبانية[60] وتعتبرها نموذجاً يدعو للإعجاب ، فللأٍسبانية مكانها المعترف به في المدرسة والجامعة وفي بعض أماكن العمل ، ولكنها تمارس كل ذلك ممارسة الأنثى ، وتأبى أن يخرجها شئ عن طبيعتها أو يمسخ فطرتها.

والأسبانية تعمل ولكنها لا تنسى أنها أنثى ، لذلك فهم يرحبون بها سكرتيرة وراقمة على الآلة الكاتبة، لكنهم يأبون عليها الوظائف الشاقة والمسئوليات الكبيرة معتذرين بأنهم يضنون بأنوثتها الرقيقة على إرهاق المسئولية وقسوة العمل الشاق. وللأسبانية حق الانتخاب العام، ولكنها لا تهذي يما يسمونه الحقوق السياسية ، ولا تطالب بالمساواة بين الجنسين ولا تطمح إلى المشاركة في الميدان السياسي.. فالأسبانية قد سلمت من "الشذوذ" ، أي شذوذ الرغبة في التشبه بالرجل والالتحاق به في ميدانه.

إنها لا تعدل بالبيت مكاناً آخر مهما يسم مركزه ، ولا تؤثر على الأمومة عملاً سواها مهما تكن أمجاده .. ولا تنسى الكاتبة إبداء إعجابها بسلامة نظر الأسبان إلى الأنوثة وصحة الفهم لدورها في الحياة،فيؤثروها بالخدمة ـ دون الرجال ـ على الموائد في المطاعم والمشارب والمتاجر.

وهكذا ترى الكاتبة أن "الأنوثة" الحقة هي التي تخدم في البيوت ، فإذا ما أرادت العمل خارج البيت ، فليكن الخدمة في المطاعم والمشارب.

أي شئ كنا ننتظره من الكاتبة وهي صاحبة نظرة قاصرة للمرأة ورأي خاطئ فيها حتى أن دراستها لنساء النبي لم تفدها الكثير وبدلاً من إظهار أدوار رائعة لنساء النبي لعبنها في حياة المسلمين العامة، وتدل دلالة واضحة على الفهم الناضج للرسول ولشريعته لدور المرأة ، بدلاً من ذلك اقتصرت الكاتبة على جانب واحد فقط من حياة هؤلاء النسوة بدعوى "إظهار الجانب البشري".

-وتمضي الكاتبة في تراجمها عن "نساء النبي" مستخدمة المنهج النفسي ببراعة في إظهار مشاعرهن الداخلية المتضاربة بين الحب والغيرة والكره والأثرة والإيثار والرغبة والحرمان من الأمومة …

وكان من أسباب براعتها في ذلك إحساسها النسوي بتلك المشاعر، فلنقرأ مثلاً عن السيدة خديجة "ومعاذ للفطرة السوية للأنوثة الناضجة المجربة أن تزهد خديجة في الأبناء ، فلا تتلهف على ولد يؤكد حيويتها ويثبت أنها لا تزال فتية منجبة"[61]

كذلك أجادت في وصف مشاعر غيرة عائشة وباقي النساء عندما علمن بخبر حمل السيدة مارية[62].

-لكن فهمها النفسي لا يؤدي بالضرورة إلى تقديم رؤية للشخصية في تطورها ونموها النفسي، لقد نجحت في ذلك في بعض التراجم وأخفقت في بعضها، مثلاً نجحت في العمل الأول عن السيدة زينب عقيلة بني هاشم، فرأينا كيف تتطور السيدة زينب وتنمو نفسيا وتخرج من دور ربة البيت والزوجة إلى دور الثائرة صاحبة القضية.

كذلك نلمح هذا التطور والنمو في شخصية السيدة خديجة ، فنراها تنتقل في أطوار نفسية انعكاساً للأحداث الخارجية، فبعد أن كانت سيدة ذات تجارة ناجحة وزاهدة في الرجال ، تصبح زوجة عاشقة لزوجها محبة لبيتها وبناتها ، فترشف من كأس السعادة، وتقوم بدور الزوجة على أكمل وجه، ثم نراها وقد أصبحت زوجة نبي تنوء معه بحمل كبير وعبء ثقيل، في نفس الوقت الذي وهن منها الجسد لتقدمها في السن.

-بينما لا نلمح هذا التطور والنمو في ترجمة "السيدة عائشة" لأن بنت الشاطئ أفرطت في تصوير مظاهر غيرة السيدة عائشة ، وفرطت في تصوير تطورها من طفلة لاهية إلى شابة ناضجة عالمة، ينصحنا الرسول بأن نأخذ نصف ديننا عنها.

-وبعد أن ينتهي المرء من قراءة تراجم "نساء النبي" لا يسعه إلا أن يتساءل لماذا تزوج النبي كل هؤلاء النساء؟ وما فائدتهن وهن لم يسلكن سوى سلوك الغيرة والمؤامرات؟

منهج الكاتبة النفسي هو المسئول عن ذلك ورؤيتها الضيقة لطبيعة ودور المرأة صبغت تراجمها بصبغة كبيرة ، حتى أنها أهملت عن عمد الحكمة الألهية الكبرى وراء تعدد تلك النساء في حياة النبي وهو كونهن من أهم مصادر النقل عن النبي في أقواله وأفعاله ، وأن اختلافهن الشخصي وغيرتهن من بعضهن لم يمنع اتفاقهن في الرواية عن الرسول والنقل عنه ، مما ينفي شبهة تواطؤهن ، ويجعلهن آية من آيات صدق الرسول وصدق دعوته.

-ومن نتائج استخدام بنت الشاطئ للمنهج السيكولوجي بدون حذر في دراستها تلك ، قولها أن النبي أشفق على السيدة سودة من الحرمان العاطفي، وأنها ليست مثل الآخريات ، فحبه لها حب بر ورحمة، وليس حب تآلف وامتزاج، بسبب كبر سنها وثقل حركتها وسذاجة طبعها ، لذلك بدا له أن يسرحها سراحاً جميلاً كيما يعفيها من وضع أحسن أنه سيؤذيها[63].

هذا التأويل لما في نفس الرسول مما لم يصرح به ، يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية ، فبنفس الطريقة في التأويل يمكن أن يقال إن محمداً زهد في تلك المرأة ، وقد صرفته عائشة ومن بعدها حفصة عنها ، ووجد متعته في المرأتين الأخرتين لشبابهما، لذلك فكر في طلاقها ليفرغ لمتعته مع عائشة وحفصة.

ولم تعرض الكاتبة تأويلها على ما عُرف من طبع الرسول وخلقه الكريم، وأنه ما تزوج سودة إلا تكريماً لها وهي الأرملة المسنة الوحيدة التي لا زوج لها ولا ولد، ولم يتزوجها عن رغبة فيها لذاتها ، فما الذي حدث حتى يغير الرسول موقفه، ويمكن أن يقال عنه حينئذ أنه أظهر لها وجه القسوة والغدر فأراد أن يتخلص منها.

إن السيدة سودة هي التي استثقلت نفسها وتقدمها في السن، وأرادت أن تحتفظ بمكانه مميزة لدى الرسول عن طريق إيثارها له على نفسها، لذلك وهبت ليلتها لعائشة الصغيرة الجميلة ، مؤثرة الرسول وعائشة على نفسها.

نتيجة أخرى هامة خلصت إلهيا بنت الشاطئ بتأويلها النفسي، واختلفت فيها عن جميع المسلمين ، وهي قولها إن زواج النبي بالسيدة زينب بنت جحش كان عن حبه لها وهواه إياها بعد أن رأها حاسرة الثياب، وهو نفس قول المستشرقين ، وتدافع الكاتبة عن رأيها بأن الرسول بشر غير منزه عن العواطف والأهواء ، كما تأخذ بوجود القصة في تاريخ الطبري دليلاً على حدوثها بالفعل.[64]

ووقعت الكاتبة في خطأ الخلط بين العواطف والأهواء، وكان الأحرى بها وهي العالمة اللغوية أن تدرك أن العواطف من بشرية الرسول التي لا تمس، أما الهوى فهو منزه عنه حتى في جانبه الإنساني، لأن الرسول لا يشرع لنا كرسول فقط ، بل كرسول وإنسان، لذلك فإن تصرفاته كإنسان تقوم على الحكمة والعقل وبعد النظر وتأويل الكاتبة يفتح باباً خطيراً لتأويل مختلف لكل ما صدر عن الرسول فيما يختص بعلاقاته مع نسائه ، وتفتح الباب بآرائها عن العلاقة الزوجية بين الرسول ونسائه عموماً لأقاويل المستشرقين عن حب النبي للنساء ، والمقصود حب الحس والشهوة.

كما كان بالأحرى على الكاتبة ألا تقع في خطا اعتبار نصوص الأقدمين نصوصاً مقدسة، كما فعلت في اعتبارها أن زواج النبي بالسيدة زينب كان عن عاطفة وهوى بسبب وجود القصة بذلك التفسير في تاريخ الطبري.

بينما أستاذها أمين الخولي يقول إن نقده لمتن تاريخي ، لا يثنيه العزم فيه أن أعلام المؤرخين "كالطبري" قد رووه وساقوه[65].

-ومنهجها النفسي والتطرف في استخدامه قد أوقع الكاتبة أيضاً في شبهة التحامل ضد السيدة عائشة، وخروج السيدة عائشة إلى ميدان السياسية والحرب، قوبل من الكتاب والمؤرخين بثلاث مواقف مختلفة:

-أما الإعجاب بما فعلته (مثل فاطمة المرنيسي في كتابها الحريم السياسي)

-أو التبرير لها والاعتذار عنها بأنها سعت للإصلاح ، لا للهدم ، وهو موقف يتبناه معظم الكتاب الإسلاميين مثل العقاد وعبد الصبور شاهين.

-أو الهجوم عليها، لكن السبب في الهجوم هنا يختلف عما نجده عند بنت الشاطئ ، أن من يهاجمون السيدة عائشة لاشتغالها بالسياسة ، غالباً ما يكون دافعهم لذلك هو إنكارهم لقدرة المرأة على الاشتغال بالسياسة، ويتخذون من السيدة عائشة مثلاً واضحاً لفشل المرأة في ذلك.

ونحن كما رأينا بنت الشاطئ ترفض عمل المرأة بالسياسة وتعتبره مما لا يليق بأنوثتها ، ولكنها لا تهاجم السيدة عائشة لهذا السبب ، بل تهاجمها من منظور نفسي، ترى فيه أن خروج السيدة عائشة للحرب والسياسة كان تنفيساً عن ضغائن قديمة وأحقاد سابقة في نفس عائشة ضد علي بن أبي طالب.

وتستخدم الكاتبة مرويات للدلالة على ذلك ، وكان الأجدر بدقتها العلمية أن تتحرز في استخدام تلك المرويات ، لأن أعداء السيدة عائشة ربما يكون لهم دور في اختلاق تلك المرويات وإشاعتها.

*لقد وقعت الكاتبة في نتائج خطيرة بسبب تطرف استخدامها للمنهج السيكولوجي، الذي اصطنعته رغبة منها في كتابة تراجم حسب أصول فن الترجمة الحديث.

 

المطلب الثالث

 البعد الفني في التراجم

     تنتمي تلك المرحلة إلى الفن الخالص، وهي تعتمد على مدى ما يتمتع به الكاتب من فن وذوق وقدرة على الصياغة الجمالية للموضوع وبث روح الحيوية فيه، بحيث يحيل الشخصيات المترجم لها إلى شخصيات حية نابضة تعيش، ونعيش معها حياتها.

والتعبير في الترجمة هو الروح التي ينفخها كاتب الترجمة في الكائن الذي تكاملت عظامه وعضلاته وعروقه وأعصابه في المراحل السابقة من جمع للأخبار وفحص لها ونقد وتفسير وتأويل.

والتعبير الفني لابد أن يصوغ الترجمة في شكل بناء كامل له هيكل واضح وله غاية هي حياة الشخص المترجم نفسها.

وتراجم بنت الشاطئ ذات بنية واضحة ، وتقوم على الترجمة لشخصية واحدة في بناء متدرج زمنياً ومنطقياً.

واستطاعت الكاتبة أن تدير الأحداث حول الشخصية المترجم لها، واهتمت بالشخصيات الثانوية بما يخدم الشخصية الرئيسية، لكن نجاحها في ذلك لم يكن في العمل الأول عن السيدة زينب عقيلة بني هاشم، حيث خرجت الكاتبة عن السياق الخاص بالسيدة زينب، واستطردت في إسهاب في الترجمة لشخصيات أخرى مثل السيدة خديجة والسيدة زينب بنت النبي ، وفاطمة بنت أسد وأبوطالب..الخ.

لكن الكاتبة تخلصت من هذا الخطأ في الأجزاء التالية.

ولا تصلح سيرة كل شخص للترجمة عنها، لأن الترجمة مقيدة بالأصل التاريخي ، ولا تتحقق المتعة من الترجمة إلا إن كانت قائمة على شخصية لها مميزاتها الفارقة.[66]

ولعل هذا يكون الدافع إلى الكاتبة إلى البدء بالترجمة عن السيدة زينب بطلة كربلاء ، لأن حياة السيدة زينب كانت حافلة بالقلاقل والمآسي والطفرات ، مما سهل على الكاتبة عملها الفني.

ولعل هذا أيضاً يفسر تأخرها في الترجمة للسيدة آمنة بعد أن ترجمت للسيدة زينب ثم لنساء النبي ثم لبنات النبي، لأن حياة السيدة آمنة لا نعرف الكثير عنها ، وقد يرجع هذا إلى أن حياتها عموماً خلت من الأحداث الكثيرة، فحياتها القصيرة لم تشهد سوى حادثين رئيسيين هما زواجها بعبد الله، ثم إنجابها محمد.

    ولم تستطع الكاتبة تلافي تلك الصعوبة إلا بعد أن وصلت إلى مرحلة كبيرة من النضج الفني، فقدمت ترجمة السيدة آمنة في صورة بديعة بالرغم من خلو حياتها من الوقائع والأحداث لكن الكاتبة استعاضت عن ذلك بتصوير العالم الداخلي الثري لتلك الأم.

والتصوير النفسي هو السمة الغالبة على معظم أجزاء العمل ، وعمل الكاتبة الأساسي هو تصوير وقع الأحداث على نفسية الشخصيات، لذلك فإن وصف الكاتبة للعالم الخارجي وتصويرها إياه لا يكون إلا بغرض توظيفه في تفسير الداخل. وهكذا لا تصف الكاتبة الطبيعة الخارجية من جبال وبلاد وشعاب وبيوت ودواب وقوافل وأواني وأطعمة.. فكل ذلك مما لا يهمها ، وكله مما يخرج عن السياق الذي أرادته لعملها.

واللغة أيضاً موظفة في خدمة العمل ككل ، وليست مطلوبة لذاتها، لذلك فهي لغة بسيطة مؤثرة ، تبعد عن الألفاظ الصعبة ، ولا تلجأ إلى الاستطراد والتكرار، والأسلوب أسلوب سردي قصصي به بعض الحوار ، وتكثر الكاتبة من استخدام النص القرآني ، ونصوص الحديث، وأبيات الشعر.

 

خاتمة

    تقف بنت الشاطئ في تراجمها مستبطنة نماذج معرفية مختلفة ، تفاعلت هذه النماذج في وعي الكاتبة أو لا وعيها وظهرت في اختيار المادة التاريخية الخام للعمل ثم في تفسيرها وتأويلها للأحداث واستخراج الدلالات ، وأخيرا الصياغة النهائية للعمل من الناحية الفنية.

ففي اختيار المادة التاريخية تظهر الكاتبة الإسلامية المتمكنة من العلوم التقليدية، من علوم القرآن والتفسير والحديث والتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية ، وكانت مصادر الكاتبة أصيلة ومتنوعة.

أعطت الكاتبة تراجمها البعد الفني القائم على فن الترجمة الحديث وهو الفن ذو الأصول الغربية الحديثة.

في تفسير المادة التاريخية الخام وتأويلها واستخراج الدلالات منها ، تعبر الكاتبة بقوة عن روح عصرها العصر المنبهر بالعلم الحديث ومناهجه ونتائجه، العصر الذي آمن بـ"الحتمية"  وآمن بإمكانية تطبيق المناهج العلمية الحديثة في مجال العلوم الأدبية والاجتماعية  المختلفة.

وكان علم النفس أحد الأنساق المعرفية التي تسعى بقوة لإكساب  نظرياتها صفة العلمية عن طريق تبني المناهج المطبقة في العلوم الطبيعية، ووجدت لعلم النفس ونظرياته أصداء واسعة في كتابة التراجم الحديثة ، وأصبح المنهج السيكولوجي من المناهج الرئيسية في تفسير وفهم الشخصيات المترجم عنها، واستخراج دلالات الوقائع والأحداث.

وبروح العصر عبرت الكاتبة عن الانحياز الكامل للعلم الحديث ومناهجه القادرة على تفسير كل شئ بما فيه نفوس البشر حتى لو كانوا في عداد الموتى ، وبثقة شديدة في العلم ومناهجه، أقدمت الكاتبة على تفسير وتأويل شخصيات تراجمها من سيدات بيت النبوة تفسيرا نفسيا ، ومن قبلهن تفسير وتأويل شخصية النبي صلى الله عليه وسلم في ثنايا تلك التأويلات نفسها.

وأقامت الكاتبة منهجها النفسي على عدة قواعد اعتبرتها منطقية ، القاعدة الرئيسية التي تسري في معظم أجزاء العمل هي "بشرية الرسول"، ثم أضافت إليها قواعد أخرى في الجزء المسمى "أم النبي" مثل قاعدة "الفطرة السليمة" وترابط الأسباب والمسببات و"تأثير الوراثة والبيئة".

لم تكن مصداقية المناهج العلمية في مجال الآداب والعلوم الاجتماعية محل تساؤل أو شك، فلم تشك الكاتبة في منهجها أو في قواعدها السابقة، واعتبرت أن مقدماتها ملزمة بالضرورة للنتائج التي توصلت إليها، واعتبرت أن القواعد السابقة مطلقة وليست نسبية .

أفرطت الكاتبة في استخدام المنهج السيكولوجي حتى أنها استأصلت الكثير من الوقائع التاريخية من سياقاتها الواقعية : سياسية واجتماعية وتشريعية، واكتفت بالتفسير النفسي لتلك الوقائع فكان تفسيرا أحادي الجانب ، أدى بها إلى نتائج قد لا تختلف كثيرا عن آراء بعض الغربيين المتطرفين في شخصية النبي وسيرة حياته وعلاقاته -خاصة علاقته بالمرأة.

 

 



 

التراجم:  أنساق معرفية متباينة

 بماذا تخبر عائشة؟!

 زينب ابو المجد                        

    يعتبر فن التراجم والسير من أعرق الفنون حضوراً في عمليات التدوين التقليدية والحديثة للتاريخ الإسلامي. وقد تجسد هذا الفن في كتب الطبقات والأعلام، والتي تحوى من سير المحدثين والمفسرين والفقهاء والأدباء واللغويين والملوك..الخ. ونالت المرأة المسلمة نصيبها من التأريخ لسيرتها من خلال هذا الفن، فأفرد البعض مؤلفات خاصة للترجمة للنساء أو لفئة بعينها منهن، مثل النساء المتصوفات والنساء المحدثات، وألحق البعض الآخر تراجم النساء في أبواب أو أجزاء مستقلة في موسوعاتهم للترجمة. ولاقت سيدات بيت النبوة هنا أبلغ التقدير، حيث استمر المؤرخون المسلمون ينتجون الرسائل والمجلدات حول زوجات النبي وبناته ومناقبهن الجليلة.

    هذه الورقة هي بالأساس ورقة تحليلة نقدية حول الخطاب العربي بوجه عام، والنسوي بوجه خاص للترجمة. وتهدف لإثارة بعض النقاط النظرية حول هذا الفن، وذلك في إطار خطة العمل التي تنهجها الندوة، والتي تدفع الأوراق المقدمة نحو البحث في جينيولوجيا الأفكار، والسعى للتحقق من "متون" "النصوص أو الأنساب المعرفية لها. إذ تحاول الورقة أولاً: الكشف عن الجذور المعرفية للخطاب العربي الحديث في الترجمة، سواءً تعلق بالترجمة بشكل عام أو بالترجمة للنساء وسيدات بيت النبوة بشكل خاص. ورصد الاقترابات التي نهجها ذلك الخطاب وعلاقتها بالنماذج المعرفية التي تعمل في إطارها. وثانياً: تحاول تتبع جذور تراجم النساء في الموروث الإسلامي وأثر التوجهات النظرية والاقترابات النسوية عليها حديثاً. وثالثاً: تتخذ من تراجم سيدات بيت النبوة وترجمة أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي  بكر   t بالأخص شريحة معملية تلقي عليها بنظرة مجهرية، فتحاول من خلال رصد وتحليل الكتابات التي تناولت سيرة السيدة عائشة الخروج باستنتاجات نظرية، حول الترجمة وبناء المعرفة التاريخية بالمرأة المسلمة. 

 

أولاً:

 التراجم: أنساق معرفية متباينة

    تعرض فن التراجم، شأنه شأن العلوم والفنون الأخرى المختلفة التي قام بتطويرها المسلمون حضارياً، تعرض لعمليات تغيير واسعة النطاق في العصر الحديث، سواءً  تعلق هذا التغيير في الشكل الذي تكتب عليه الترجمة، أو في اقترابات ومناهج كتابتها وفحوى نصوصها. وقد حدث ذلك إثر الاحتكاك بالثقافة الغربية، واطلاع كتاب الترجمة على المناهج التي مارس بها علماء التاريخ والأدباء والمستشرقين من الغرب هذا الفن. تكشف قراءة خطاب التراجم الذي قدمه كبار المفكرين على مدار القرن الماضي- مثل العقاد وأمين الخولي وطه حسين وغيرهم- تكشف عن حضور نسقين معرفيين يتنازعان فن كتابة التراجم لدى النخب الثقافية، وهما: النسق الذي يجد جذوره في الموروث الحضاري الإسلامي، ويتنازعه النموذج المعرفي الحداثي الغربي[67]، ويمارس كل منهما نفوذه على الخطاب بدرجات تتفاوت من نص لآخر. ونثير هنا الجدل حول هذين الجذرين المعرفيين للخطاب، على المستويات التالية:

أ- الـنماذج المعرفية ( Paradigms) :

     بالنسبة للترجمة في النموذج الحضاري الإسلامي، كان علم الحديث هو المحضن الأساسي الذي تطور منه هذا الفن على الشكل الذي ظل قائماً حتى اليوم ذلك برغم وجود هذا الفن في الأدب العربي قبل الإسلام في شكل رصد الأنساب وتدوينها. حيث نشأت الترجمة لتؤدي غرضاً أساسياً في التحقق من صحة سند الأحاديث النبوية والتحقق من أهلية رواتها لحمل أمانة الرواية، فظهرت الترجمة لطبقات المحدثين. وانسحب هذا الفن بعد ذلك من حقل علم الحديث للحقول الأخرى، وظهرت إثر ذلك تراجم طبقات الفقهاء والمتصوفة والشعراء..الخ. وقد اتجه كبار المؤرخين للترجمة للشخوص البارزة حتى عصرهم، أو لشخوص قرن بعينه، أو لإدراج التراجم أثناء تدوينهم لأحداث التاريخ الإسلامي بوجه عام[68].

     وهناك عدة فئات من الشخوص التي عني المؤلفون بالترجمة لها، أولها جميعاً، صحابة الرسول وآل بيته، وهؤلاء لا يُترجم لهم لتمجيدهم كأشخاص، وإنما لاتخاذهم قدوة يُحتذى بها، في خدمة الدين وطاعة الله والجهاد في سبيله من ناحية. وحباً في رسول الله(ص) من ناحية أخرى، حيث أن ذكر صحابته وآل بيته وسيرهم هو جزء من ذكر الرسول(ص) والتأسي به. وثانيها، التابعين من المحدثين وناقلي السيرة النبوية والشريعة عن صحابة الرسول، وعني بهم بالأساس مع تشكل علم الحديث لتتبع سلاسل الرواة كما ذكرنا سابقاً. وثالثها، كبار أصحاب المذاهب، وكان ذلك من حرص صاحب المذهب على معرفة كل شئ عنه حتى فيما يتعلق بسيرة صاحبه، فاهتم العلماء بالترجمة لشيوخهم الذين أخذوا عنهم العلم. وتطور الأمر بعد ذلك للترجمة للشعراء والمغنيين والجواري..الخ[69].

   ومن ذلك نجد أن نشأة الترجمة في التاريخ الإسلامي كانت مدفوعة بدافعين: أولهما دافع إيماني يتعلق بحب رسول الله وآل بيته وصحابته واتخاذهم جميعاً قدوة، وثانيهما لاستخدامها كاقتراب أو منهج علمي في الحقول الإسلامية المختلفة، سواءً كانت علم الحديث للتأكد من صحة الحديث، أو أحد مناهج التأريخ، حيث استخدمت الترجمة كآلية منهجية في علم التاريخ. ولم يكن استخدامها كاقتراب بحثي هو عمل علمي محض ينفصل عن الدوافع الإيمانية، حيث التأكد من نصاعة سيرة راوي الحديث وخلوها من أية شوائب أخلاقية يدخل في إطار تقوى الله بتوخي صحة الحديث وعدم الكذب على رسوله (ص) من خلال تدقيق العلم. وذلك في ظل عقيدة تجعل للعقل موضعه المركزي في الشريعة وتجعل العلم أحد وسائل الوصول للجنة. هذا لا يعني أن ذلك النموذج المثالي قد وجد بمفرده، بل كان هناك من يترجمون للخلفاء والملوك لأغراض أخرى غير علمية تتعلق بممالئة السلطة[70]. وظل الأمر كذلك حتى نهايات القرن التاسع عشر، إذ بدأ احتكاك الفكر العربي الإسلامي بالفكر الغربي وترك النموذج المعرفي الحداثي الغربي أثره على هذا الفن في تجلياته العربية- كما سنفصل لاحقاً.

    أما عن الترجمة  Biographyفي النموذج المعرفي الحداثي الغربي،  فقد تمركزت عملية تدوين التاريخ وكتابة الترجمة في النسق العرفي الحداثي الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين بالأساس حول الإنسان/الفرد/ البطل، فكانت الفردية Individualism هي إطار العمل الذي حكم ممارسة فن الترجمة. واحترم المؤرخ القديم والحديث في الغرب بشكل هائل دور الفرد causal role of individual في صناعة التاريخ[71]. ولا نستطيع أن نقيم فهماً حقيقياً لذلك دون العودة لجذور الفكر في نشأته اليونانية والرومانية، وتتبع انسحاب مفهوم الترجمة من هذا الفكر عبر قرون ليصل تاركاً تأثيره على فكر التنوير أو الحداثة الغربي. فقد كان التمجيد والتشدق بملاحم الفرد/البطل هازم الآلهة والطبيعة، والمنتصر في الحروب في نظرية "الرجل العظيم" الأغريقية، هو الغاية المرجوة من تدوين الترجمة في التاريخ اليوناني والروماني، حيث كُتبت لتمجد الإنسان الفرد في رحلة صراعه مع الآلهة ومع الطبيعة[72]. وعندما جاءت المسيحية التي رأت التاريخ البشري بالأساس صنع إلهي لم تقضي على تمجيد الفرد، حيث سمحت بكرم للنماذج الفردية لأن تجد لنفسها دوراً يترجم له في تاريخ إلهي، ترجموا لحياة المسيح والحواريين والقديسيين[73].

   وبدءاً من القرن الثامن عشر، عندما تطورت المجتمعات الغربية إثر ثورات الإصلاح الديني وقيام فكر التنوير، مجُد الإنسان الفرد مجدداً ووضع كمركز للفكر، خاصةً بعد أن تمت تنحية الإلهي من الفعل التاريخي. ولكن كان المجتمع الغربي قد تغير بعد الثورة الفرنسية، وفي ظل أيديولوجيات جديدة حول المؤرخون الجدد في الحداثة الغربية مسار فن كتابة التراجم من هؤلاء الملوك والقديسين والعظماء إلى العمال والبسطاء، أي حُول من النخبة إلى الجموع البسيطة، ومن السياسي إلى الاجتماعي. واهتموا بقوى التغيير الحقيقية التي تأخذ مكانها في أسواق العمل والحقول وليس في القصور وبلاطات الملوك. ولم تختفي الترجمة التقليدية للرجل العظيم بشكل تام، بل يظل يمارسها غير المتخصصين من خارج حقل التاريخ الأكاديمي[74].

   وقد عبر د.حسين فوزي النجار عن الاختلاف بين النسقين المعرفيين الإسلامي والغربي في كتابة التراجم قائلاً "لم تحفل كتابة التراجم عند العرب بنظرية الرجل العظيم كما حفل بها مؤرخو اليونان والرومان، ذلك أن البطل في التاريخ الإسلامي لم يكن غير ظاهرة اجتماعية لروح العقيدة الدينية التي سادت المجتمع الإسلامي، يستمد كل فضائله من تعاليم الشريعة، ولم تكن هناك مشاعر تمجيد البطولة وأصحاب الخوارق والمعجزات، فقد حرر الإسلام العقل من آثار الأساطير والخرافات السابقة عليه، وانبعث في ظله مجتمع جديد تحدوه عقيدة جديدة خلت تماماً من تمجيد الفرد إلا بقدر ما يعمل من طاعة الله..، فالبطل في السير والتراجم العربية لا يصنع التاريخ ولكنه في إطاره صورة تتمثل عصره وبيئته، ولا يعدو كونه ظاهرة اجتماعية تتفاعل فيها أحداث عصره.."[75]. إذن لم يكن للتصور  القائم على مفهوم الفرد والموجود في النسق المعرفي الحداثي الغربي، والذي يجد جذوره في الفكر اليوناني والروماني، ما يوازيه في الفكر الإسلامي. حيث لا يوجد سوى مقدس واحد هو الله، وما دون ذلك بشر يميزهم عن بعضهم البعض التقوى والعمل الصالح.

     وقد كان ولوج المستشرقين التقليديين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للتاريخ الإسلامي يحمل إدراكاً واضحاً بالاختلاف القائم في الأنساق المعرفية بين النموذج الإسلامي والغربي. وانعكس ذلك في درجة اهتمامهم بتقديم إنتاج علمي يندرج في عداد الترجمة. فبرغم أن المؤرخين التقليديين في الغرب- الذين ينتمي لهم المستشرق التقليدي- قد احترموا الدور السببي للفرد في صناعة التاريخ، إلا أن المستشرقين في معالجتهم للتاريخ الإسلامي لم يهتموا بفن الترجمة. فلم يهتموا بالأفراد، ومنحوا في المقابل الأولوية للثقافة كما يعبر عنها في اللغة والدين. وكان مبررهم لذلك أن التاريخ الإسلامي ليس بتاريخ الأفراد الذين يترجم لهم من ملوك وخلفاء، ولكن بالأساس هو تاريخ الدين والفلسفة والأدب، وان الترجمة للأفراد في الموروث الإسلامي لم تكن إلا بما يضعهم في إطار ذلك. أي انهم نزعوا نحو رؤية تاريخ الإسلام كتاريخ مجتمع ديني من النادر أن يتمتع الفرد فيه بتلك الذاتية الكاملة التي  يتمتع بها الفرد الغربي[76].

   ولذلك لم يتجه المستشرقون الأوائل لإنتاج نصوص غزيرة في الترجمة، ولكنهم  منحوا اهتماماً خاصاً لسيرة الرسول. أما الجيل الجديد من المستشرقين، مثل لويس ماسينون- فقد منح فن الترجمة اهتماماً كبيراً بعد أن تطورت الـ biography على شكلها الحديث في الغرب. ولكن ظل هذا الجيل يؤمن بأطروحات سابقيه حول عدم وضع الفاعل الفردي في مركز قراءة التاريخ الإسلامي، حيث  أن هدفهم من الاهتمام بالتراجم ليس هو الفرد في حد ذاته  ليس بحثاً عن تميزه وتفرده ولكن الفرد مثال داخل نموذج اجتماعي اقتصادي- ولكن هذا لا يعني تشابه تصورهم للفرد داخل الجماعة مع التصور الإسلامي، حيث يختلف عنه بشكل جذري[77].

  ب. الاقترابات والمناهج (approaches):

  1-الاقترابات التقليدية:     

     للترجمة التقليدية في الموروث الإسلامي اقتراباتها وخطواتها المنهجية الدقيقة. فهي ليست مجرد سرد لسيرة المترجم له، وإنما تحكم الممارسة شروط علمية تواطأ عليها السلف، يتوخاها المؤلف. وفي الواقع أن مناهج علم الحديث قد مارست هيمنة كبرى على اقترابات الترجمة التقليدية، نظراً لنشأتها بالأساس من داخل هذا العلم، حيث غلبت طرائق أهل الحديث في الإسناد وتحقيق المسند والمتن لضمان الدقة.

    وقد تحدث السخاوي عن أول قواعد الترجمة في كتابه "الإعلان بالتوبيخ"، وهي الإنصاف والتجرد عن الهوى. ثم تأتي بعد ذلك مسألة التحقق ومعارضة الروايات بعضها ببعض، وتحري الحقيقة والإبداء فيها بالرأي الحسن، فتُذكر الروايات المتعددة ويتم تنقيحها وتتبع أسانيدها ونقد متنها. وكذلك العناية بتاريخ الميلاد والوفاة وتحقيقها قدر الجهد والعلم[78].

    وتعتمد معاجم الترجمة الكبرى على آليات الجمع والتصنيف والتبويب. حيث تجمع ما تيسر من خبر صاحب السيرة، ويتم في اغلب الأحيان ترتيب ذلك بشكل أبجدي، أو ترتيبه بشكل زمني، أعلام الطبقة التاريخية يتلوهم أعلام الطبقة الأخرى. 

   وهناك مصادر عدة يعتمدها الاقتراب  التقليدي للترجمة، أولها الاتصال الشخصي بالمترجم لها.  وثانيها بالسماع فيتلقى المؤلف أخباره سامعاً من هذا وناقلاً عن ذاك. وثالثها الإسناد، فقد ظل ذكر الأخبار عن طريق الإسناد منهجاً رئيسياً لمؤلفي الطبقات والسير والتراجم. ومن هؤلاء ابن سعد في طبقاته الكبرى، حيث جرى الإسناد فيه على طريقة أهل الحديث، وإلى جواره الطبري في تاريخه حيث غلبت عليه صفة أهل الحديث وتواترت فيه أسماء رجال السند، وكذلك جرى الأمر في كتاب "الأغاني" للأصفهاني وفي "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي وفي "المنتظم لابن الجوزي" وفي "تاريخ الإسلام وطبقات مشاهير الأعلام" للذهبي.  والمصدر الرابع هنا هو المؤلفات السابقة في الموضوع، حيث أن كتاب التراجم والسير يشيرون في كثير من الأحيان إلى مصادرهم في مقدمات كتبهم أو أي موضع آخر منها، مثل ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء وابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" وغير ذلك الكثير[79].

2- الاقترابات الحديثة:

     اتضحت معالم المنهج الحديثة في الترجمة منذ أواخر القرن التاسع عشر   بعد قرون ظل فن الترجمة الغربي فيها غاية السذاجة مقارنة بنظيره العربي. حيث أخذت التراجم تتأثر بالتطور العالمي في ميادين السياسة والتجارة والصناعة واستحدثت أساليب جديدة في الترجمة توائم روح العصر. واصطبغت الترجمة الحديثة modern biography في القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين- بشكل الرواية الحديثة، واستعارت اللغة الأدبية في صياغتها. وكذلك نزعت لاتخاذ المداخل النفسية لقراءة تشكل الشخصيات في نشأتها وما يختلج في نفوسهم من أثر ذلك من نوازع الخير والشر[80]. أي كان هناك هيمنة لاقترابات التحليل النفسي، وشكل الرواية الحديثة. وبرغم استمرار حضور الإنسان الفرد في قلب ممارسة الفن، إلا أن الترجمة لم تعد تعمل على تمجيد البطل وإظهار قدراته، ولكن تعمد إلى البحث وراء الوعي والإدارك والدوافع النفسية للذات والآخرين.[81].

الترجمة العربية الحديثة:

    مع حدوث الصدام والتفاعل بين الحضاري الإسلامي والغرب، تركت اقترابات وأشكال ال modern biography أثرها على كاتب الترجمة المسلم. وحتى نستطيع الكشف عن ذلك الأثر وتتبع مناطق حضوره، نبدأ بقراءة الإسهام الاستشراقي في هذا الشأن والذي كان له تطوره الخاص متقاطعاً مع تطور فن الترجمة الحديث ولكن ليس متطابقاً مع.

   عندما حدثت الثورة في علم التاريخ الغربي وظهرت الترجمة في شكلها الحديث modern biography، انتقل المؤرخ الغربي سريعاً وبشكل مباشر من تناول للتاريخ الإسلامي بالاقتراب الاستشراقي التقليدي والذي لم يكن يولي اهتماماً كبيراً للترجمة إلى الاقترابات الحديثة التي قامت بتطوير هذا الفن. وتزعم ذلك المستشرقون الفرنسيون على رأسهم لويس ماسينون الذي تحول من كونه مؤرخ مستشرق تقليدي، إلى مؤرخ اجتماعي اقتصادي social and economic historian. قام ماسينون وآخرون من المستشرقين المتخصصين بالانخراط في التحليل التاريخ الاجتماعي الاقتصادي من خلال الترجمة، واهتموا إلى جوار ذلك بتضمين البعد السياسي في التحليل والذي دأب المستشرق التقليدي على الاهتمام به. درس ماسينون حياة الحلاج ودرس ماكسيم رودنسون حياة محمد (ص). وتبع المستشرقون الإنجليز سابقيهم الفرنسيون، فأشار هاملتون جب إلى أن الجيل التالي من المستشرقين لابد وان يهتموا بالتاريخ الاجتماعي والبنى السياسية[82]. وفي السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بالترجمة في التاريخ الإسلامي، وذلك إثر تزايد الاهتمام بها في علم التاريخ الغربي، الذي أعاد النظر للترجمة في بناء العلم. واتجه المستشرقون نحو توظيف paradigms of political economy أو نماذج نظرية من الاقتصاد السياسي، واقترابات تحليل الخطاب وحتى التفكيك في معالجة الترجمة. وصار  المؤرخ الجديد new hstorian للتاريخ الإسلامي يبحث عن إطار نظري قادر على وصف فعاليات المجتمع ككل ولا يحصر نفسه في حكي الأحداث السياسية وتراجم النخبة منفصلة عن بقية المجتمع[83].

    ووجد النموذج المعرفي الذي يتخذ من الفردية individulaism  إطار عمل له، والاقترابات الغربية الاستشراقية- التقليدية والحديثة- أصداءها لدى كاتب الترجمة المسلم. ويظهر ذلك في حرص بعض المؤرخين العرب على نقل إسهامات المستشرقين ذات الاقترابات الحديثة إلى العربية. فقام عبد الرحمن بدوي في كتابه "شخصيات قلقة في الإسلام" بنقل ما قدمه لويس ماسينون من ترجمة للحلاج عام 1945 وسلمان الفارسي عام 1934، وما قدمه هنري كوربان من ترجمة للسهروردي الحلبي عام 1939 وغير ذلك[84]. والتراجم في هذا الكتاب تعكس الاقترابات الاستشراقية الحديثة، فنجد أن ماسينون- على سبيل المثال- قد استخدم في ترجمته للحلاج مداخل من علم النفس الاجتماعي في دراسة "المنحنى الشخصي" لحياة الحلاج، ورصد المنحنى الشخصي لحياة الحلاج كان أداة لتحديد "عقلية الوسط الإنساني" الخاص بالمجتمع المسلم "بطريقة تجريبية على أساس إجراء عملية تكامل بين المتفاضلات الفردية"[85]،  ونظر ماسينون لمنحنى حياة الحلاج بما يحقق الكشف عن نموذج حضاري بأكمله[86].      

   وقد مر كاتب الترجمة المسلم منهجياً بمراحل من التطور منذ احتكاكه بالغرب في القرن التاسع عشر حتى اليوم، وتعكس مراحل التطور ممارسة المستشرق أو كاتب الترجمة الغربي لنفوذه عليه. ولم يقع جميع مؤلفو الترجمة المسلمون حديثاً على نفس الدرجة من التأثر معرفياً ومنهاجياً، بل تفاوت الأمر من كاتب لآخر. ‏

       في بداية الأمر، لم يتقبل المسلمون هذا الشكل الحديث لكتابة الترجمة والذي يأخذ من ناحية شكل الرواية الحديثة ومن ناحية أخرى يعتمد اقتراب التحليل النفسي. وذلك لأنه قدم إليهم أول ما قدم من قبل مستشرقين الذين طبقوا هذه الاقترابات على سيرة الرسول  . في القرن التاسع عشر قرأ المسلمون ما كتبه المستشرقون بشكل نقدي يعتمد الاقترابات الحديثة في الترجمة  عن محمد وحياة آخرين من الشخصيات المسلمة، ورفضوا  "نزع القداسة desacralization" عن هذه الشخصيات أو نزع القداسة عن التاريخ الإسلامي، وذلك انطلاقاً من رفض توسع النفوذ الثقافي والسياسي للغرب في المنطقة. واستمرت كتابة الترجمة تأخذ الشكل التقليدي غير النقدي لدى المسلمين نظراً لرفضهم هذا الشكل الحديث في القرن التاسع عشر[87].

      ولكن في مرحلة تالية، وجد الاقتراب الحديث سبيله للحضور بدرجات متفاوتة في نماذج الخطاب العربي في الترجمة- ذلك إلى جوار الاقتراب التقليدي، وإذا تناولنا النماذج الثلاثة الأكثر بروزاً وهم: أمين الخولي، العقاد، طه حسين، نجد أنها تقع نسبياً على خط متواتر من حيث استقطاب التقليدي لها من جانب والحداثي من جانب آخر.

    في بداية الخط، وتجاه القطب الحداثي يقف أمين الخولي بترجمته للإمام مالك. أصدر الخولي ترجمة الإمام مرتين، أولهما عام 1951 وأخذت شكلاً تقليدياً أقرب ما يكون لاقترابات السلف، حيث لزم آلية التدقيق والتنقيح بما يشبه طرائق أهل الحديث، حيث دقق في الروايات التي ساقها عن الإمام مالك مسنداً ومتناً ليخرج بما قد يكون موضوع منها. ولكن في نفس الوقت كانت هذه الترجمة محملة بأيديولوجيا حداثية ظهرت في المقدمة، حيث أنه في البداية اتجه لنزع القداسة عن الشخصية، من حيث رفضه للروايات التي تخرج عن الإطار العقلاني لإطار غيبي أو تخيلي، فرفض ما ورد في سيرة الإمام مما ينسب إليه من مناقب بناءً على رؤى وأحلام وبالأخص رؤيته للنبي(ص) فيقول "إن هذا المروي وتأويله الظني لا ينبغي أن يفيض على شخصية الإمام مالك ظل قدسية دينية، تمنع مؤرخه من أن ينظر إليه ويطيل النظر، متفحصاً في حرية، غير منتهك بذلك حرمة، ولا ممنوعاً من بحث، رغم ما يتناقله أصحاب المناقب ويطيلون به"[88]

    وتتجلى الأيديولوجيا الحداثية بشكل أكثر زهاءاً ووضوحاً في الطبعة الثانية لهذه الترجمة التي ظهرت عام 1962 أي بعد ما يقرب من العقد من ظهور الأولى. حيث جاءت على شكل  يشبه الرواية الغربية الحديثة، واتخذت من مداخل التحليل النفسي اقتراباً لها[89]. حيث أنه في مقدمة هذه الطبعة قام بتقسيم الترجمة لنوعين، ترجمة تاريخية علمية- والتي ظهرت عليه الطبعة الأولى له من سيرة الإمام مالك، وترجمة أدبية تقوم أيضاً على الأساس التاريخي. وهي تعتمد الرقي الفني ودقة الحساسية الوجدانية لاستشفاف مشاعر وملامح الشخصية، ويوضح أن ترجمته هذه أدنى إلى الجانب الأدبي منها إلى الجانب التاريخي البحت[90]. وشرح كيفية ممارسة "التفسير النفسي الاجتماعي" للمرويات الموجودة عن الشخصية[91]. ويؤصل لفن الترجمة في مقدمة هذه الطبعة، واضعاً هذا الفن في الأطر العلمية- طبقاً للمفهوم التنويري للعلم - مؤكداً على "الموضوعية" كمبدأ أساسي لممارسة الترجمة كعمل علمي[92]، نازعاً القداسة عن جميع الشخصيات التاريخية الإسلامية قائلاً "ليس من التاريخ و لا من العلم أن نتناول الترجمة دفاعاً عن المترجم له، ورد هجوم الهاجمين عليه، ولا تقديراً لعظمته..في الدنيا ولدى الإنسانية، وليس من ذلك في شئ أن تسمي عبقريات: محمد وفلان من أصحابه وفلان، ثم يكون الحديث عن فلان آخر من هؤلاء الصحابة..وإنما الأمر أن الكل جميعاً في الميزان، مهما تكن الظروف والأسباب في الماضي أو الحاضر..فالكل ليسوا إلا بشراً، والكل يُفهم ثم يحكم عليه، ولا شئ في الدنيا من عقيدة أو تلقين أو محبة تحل الحكم أولاً ثم الفهم ثانياً في كتابة الترجمة التاريخية الآخذة بأسباب العلم.."[93]. وبذلك نجد أن الخولي قد استعار في ترجمته للإمام مالك الاقترابات الحداثية والتي نقلت معه أيضاً النموذج المعرفي الحداثي مشبعةً به، في نفس الوقت الذي احتفظ فيه بالاقتراب التقليدي الذي ورثه عن السلف. وكذلك نجد أن الترجمتين التي قدمهما شريحة معملية ممثلة، تعكس بشكل أو بآخر التنازع المعرفي الذي وقع فيه كاتب الترجمة المسلم بين نموذجيين معرفيين، وتعكس التطور الذي مر به تدوين الترجمة العربية الحديثة من التقليدي للحداثي.  

وفي نهاية الخط ونحو القطب التقليدي، نجد طه حسين الذي كتب سيرة الرسول (ص) وتراجم العديد من الصحابة. برغم اطلاع طه حسين على الأدبيات الاستشراقية[94]، وبرغم ما له من توجهات منهاجية حداثية ظهرت في مؤلفات أخرى له- من مثل ترجمته أو سيرته الذاتية "الأيام" التي جاءت على شكل الرواية الغربية الحديثة، وأيضاً كتابه "في الأدب الجاهلي" الذي استعار فيه منهج الشك الديكارتي مثيراً حول نفسه الجدل[95]- برغم ذلك إلا أنه عندما عالج سيرة الرسول والصحابة كان أقرب ما يكون للمنهج التقليدي، وغلب حبه وتقديسه للرموز الإسلامية نزعاته المنهجية- التي لم تختفي تماماً. يشير طه حسين في مقدمته لـ "الشيخان" الذي حوى ترجمتي أبو بكر الصديق  وعمر بن الخطاب إلى تقديره وإعزازه الشديد لهما، وانه اندفع لكتابة ترجمتهما عندما استشعر أنه مقصر في حق هذين الشيخين الجليلين بعدم إفراد المؤلفات الخاصة لسيرتهما. ونكاد لا نجد شيئاً من التحليل أو التأويل في قراءته للشيخين، وإنما قام بشمل تقليدي بسرد سيرتهما مع قليل من ممارسة منهجه في الشك حيث قال" أشك أعظم الشك فيما روي عن الأحداث الكثيرة الكبرى التي حدثت في أيامهما (الشيخين)، وأكاد أقطع بأن ما كتب القدماء من تاريخ هذين الإمامين العظيمين ومن تاريخ العصر..أشبه بالقصص منه بتسجيل حقائق الأحداث.." [96]، ولذلك نجده في ثنايا سرده شبه التقليدي للأحداث يمحص الروايات ويشير لشكه في هذه الرواية أو تلك، معطياً دلائله على هذا الشك، ويحاول أيضاً أن يتلبس الشخصية ويشعرنا بمشاعرها في مواجهة الصعاب والمواقف التاريخية المختلفة، محاولاً تقريب الشخصية لنفس القارئ، ولكن دون أن يتورط في تحليل نفسي لها.   

    ويقع العقاد في موقع وسط بين الخولي وطه حسين في عبقرياته التي ترجم فيها لكبار الصحابة والخلفاء الراشدين وغيرهم. حيث أنه استلهم من النموذج المعرفي الغربي نظرية "الرجل العظيم" الأغريقية كإطار للعمل في تحديد أجندته البحثية كممارس للترجمة. حيث يقول أن مذهبه في الترجمة هو توقير العظمة وإعطاء العظماء حقوقهم في الت